تأملات في كسر الحصار

حيدر عيد

قامت منظمة (كود بينك) النسائية الأمريكية بتنسيق العديد من زيارات كسر الحصار المفروض على غزة بعد الحرب الهمجية التي قامت بها قوات الاحتلال الاسرائيلي عام 2009. و في منتصف ذلك العام قامت المجموعة باصطحاب الكاتب و الباحث المعروف نورمان فنكلستاين, مؤلف عددال من الكتب أهمها (صناعة الهولوكوست), و المعروف (بتأييده) للقضية الفلسطينية من منظور (يساري صهيوني), أي أنه يؤيد حل الدولتين المبني على أساس حدود 1967, مع التغاضي عن حق عودة اللاجئين وعدم المطالبة بالمساواة الكاملة لفلسطينيي 48.

وقد أثمرت زيارته لغزة عن كتاب بعنوان (لقد تمادينا هذه المرة في غزة), و عن اقتراح بالتحضير لمسيرة عالمية في الذكرى السنوية الأولى للمجزرة, مسيرة تضم الالاف من المتضامنين و الفلسطينيين تتوجه الى المعابر التي تفصل القطاع عن اسرائيل, و بالذات الى معبر بيت حانون. و قامت منظمة (كود بينك) بتبني الفكرة و الترويج لها من خلال ارسال رسائل لحركات التضامن الدولية و مؤسسات المجتمع المدني التي قامت بدورها بالاتصال ببعض الناشطين الفلسطينيين للاستشارة. و بالاطلاع على النسخة الأولى من النداء الذي صيغ على يد فنكلستاين, و الذي كان قد حصل على بعض التوقيعات الفلسطينية المتسرعة, كان رأي النشطاء ,الذين تمت استشارتهم بصفتهم الشخصية, أن مبدأ كسر الحصار من خلال ارسال وفود تضامنية الى القطاع الصامد, الذي كان يلعق جراحه بعد فقدانه أكثر من 1400 شهيدا و تدمير بنيته التحتيه, لا يمكن الاختلاف عليه. و لكنه, وبسبب التضحيات الهائلة و التراكمات النضالية, يجب ألا يأتي بمعزل عن أشكال المقاومة المدنية الأخرى, وفي مقدمتها المقاطعة و عدم الاستثمار و فرض عقوبات على اسرائيل. كما أنه يجب, حسب رأي النشطاء, التنويه في النداء الى أن ثلثي سكان القطاع المحاصر و المدمر هم لاجئون كفلت لهم الشرعية الدولية حق العودة و التعويض تبعا لقرار الأمم المتحدة 194.

وتكمن النقطة الخلافية الجوهرية بين ما اقترحه النشطاء الفلسطينيون و النسخة الأولى من نداء مسيرة غزة نحو الحرية الذي صيغ على يد نورمان فنكلستاين في أساس تعريف القضية الفلسطينية, و ليس في توابعها, و في أنجع الطرق النضالية للوصول الى حل عادل يأخذ في الأساس معاناة المضطهد (بفتح الهاء) المحاصر, و المستعمر (بفتح التاء). فمن وجهة نظر فنكلستاين تكمن المشكلة في احتلال اسرائيل للضفة الغربية و قطاع غزة , أي 22% من أرض فلسطين التاريخية, و بناء عليه فان الحديث عن حق عودة اللاجئين و المساواة الكاملة هو طرح (طوباوي) (اقصائي!), مبني على (أيدولوجية ستالينية!) كما ن أفضل أدوات النضال تكمن في الاعتماد على تفسيره للقانون الدولي الذي, حسب فنكلستاين, يؤكد أن احتلال اسرائيل للضفة و القطاع غير قانوني. أما التطرق لجريمة التطهير العرقي التي ارتكبت عام 48 و اعتبارها أساس المشكلة, و التمييز العنصري الممارس ضد فلسطينيي 48 نتيجة لذلك!هو طرح (غير واقعي) , و يزيد المشكلة تعقيدا!!

و بالتالي فان حصار غزة هو نتاج الاحتلال الذي بدأ عام 1967, و أية محاولة لفك هذا الحصار يجب أن تأتي من خلال فصل (مشكلة) غزة عن كل ما نتج عن عملية التطهير العرقي المخطط له بدقة بالغة قبل عام 1948, حسب ما أثبت في كتاب (التطهير العرقي في فلسطين) لايلان بابيه, و باتباع اساليب غاندية, لا عنفية, من دون التطرق بأي شكل من الأشكال للدعوة لمقاطعة اسرائيل, و عدم الاستثمار منها, و فرض عقوبات عليها!

و في المقابل كان رأي النشطاء الفلسطينيين ,الذين تم استشارتهم, أن اي مجهود دولي متضامن مع الشعب الفلسطيني و يهدف لانهاء الحصار عن غزة يجب أن ينطلق من سياق النضالات الفلسطينية المتعددة و المتراكمة منذ عام 48, و الأخذ بعين الاعتبارأن القطاع قد تحول من بانتوستان (معزل عرقي) و معسكر لاجئين كبير الى أكبر سجن مفتوح على سطح الكرة الأرضية نتيجة لاحتوائه على أكبر عدد من اللاجئين. و أصر النشطاء على أن المقاومة الشعبية المتجذرةفي التاريخ الفلسطيني, و المفتوحة على نضالات الشعوب الأخرى, تعد رافدا هاما, بل أساسيا, في دعم وسائل كسر الحصار, برا أو بحرا, و أن أهم أسلوب نضالي مدني في المرحلة الحالية يكمن في الدعوة و العمل على مقاطعة اسرائيل على نمط ما حصل ضد ضد نظام التفرقة العنصرية في جنوب أفريقيا. و بالتالي فان نداء مسيرة غزة نحو الحرية يجب أن يتضمن اشارة لنداء المقاطعة الفلسطيني الصادر عام 2005 و الذي يتمحور حوله اجماع فلسطيني.

و انسحب نورمان فنكاستاين نتيجة لتبني اللجنة التوجيهية لمسيرة غزة نحو الحرية التعديلات التي اقترحها النشطاء الفلسطينيون. (لرؤية النداء المعتمد http://gazafreedommarch.org/cms/ar/ArabicStatement.aspx?id=5083
و كانت هذه التجربة درسا كبيرا لنا في غزة, بشكل خاص, من حيث انها أوضحت لنا, و لكل من عايشها, أن التضامن الدولي يجب أن يكون داعما للنضال الفلسطيني و ليس موجها له! و أن زمن القاء المحاضرات علينا قد ولى! و الدرس الثاني يكمن في أن الشوط الكبير الذي قطعته المقاومة الشعبية الفلسطينية , وفي مقدمتها حملة المقاطعة التي تحقق انجازات ملموسة في عزل دولة اسرائيل بسبب مماراساتها من احتلال و استيطان و تطهير عرقي و تفرقة عنصرية, لا يمكن التفريط به بأي شكل من الأشكال. و الدرس الثالث هو أن حصار قطاع غزة, و العمل على كسره, يأتي في اطار سياقات ترجع بجذورها لعام 48, مع الأخذ بعين الاعتبار التحولات الهائلة التي حصلت خلال هذه الفترة.

و بناء عليه, و من منطلق النقد الذاتي الفلسطيني, فان تصويرالحصار القروسطي على انه قضية انسانية بحتة يمكن (حلها) من خلال ارسال بعض القوافل المحملة بالطعام و الأدوية, ومن منطلق الاحسان, و أحيانا التسول (!), و ان كانت النوايا طيبة, يحتاج الى مراجعة نقدية, قد تكون مؤلمة للبعض منا.
و في هذا السياق النقدي, فان العديد من قوافل فك الحصار التي تستطيع الوصول للقطاع الصامد تحتاج الى توجيهات تأخذ في الحسبان أن القطاع برمته محاصر, بسكانه الذين تعدوا المليون و نصف, بتياراته السياسية و الأيديولوجية المتعددة و المختلفة, بمؤسسات مجتمعه المدني من نقابات و جامعات و مؤسسات ثقافية و تعليمية...الخ. بمعنى أن الحصار متعدد الأوجه و ليس فقط ماديا (صحي, غذائي...الخ), بل أيضا, و هنا مكمن الخطر, ثقافيا يستهدف العقل الفلسطيني المتمرد بهدف تطويعه و تجويعه ثقافيا. ان التركيز على شكل واحد من أشكال الحصار و العمل, بوعي أو بدون وعي, على تصويره, من منطلق أيديولوجي ضيق, أنه صراع بين فئة فلسطينية واحدة, و الاحتلال الصهيوني, ينم عن فهم ضيق, ان لم يكن مغلوطا!

و من المعروف أن اتفاقيات أوسلو (1993) جاءت, من وجهة النظر الاسرائيلية, لتضرب حق الفلسطينيين في تقرير المصير , الحق المرتبط جدليا بعودة اللاجئين و تعويضهم, و الحق في الحرية و المساواة الكاملة. و نجحت أوسلو في تصغير القضية الفلسطينية, بعد تجزأتها, الى حق (الاستقلال) على 22% من أرض فلسطين الانتدابية. و هنا تكمن قوة فيروس أوسلو, حيث أصبح برنامج (اليسار الصهيوني) متبنى من قبل الطرف المضطهد (بفتح الهاء) في المعادلة, برنامج نناضل من أجل تحقيقه باسم الواقعية و فهم متطلبات المرحلة...الخ و تفشت عدوى أوسلو لتضرب, و بشكل سريع, برامج بعض الفصائل التي أبدت معارضة شديدة لهذه الاتفاقيات عند توقيعها من خلال رفضها المشاركة في انتخابات المؤسسات المنبثقة عن هذه الاتفاقيات, و بالذات المجلس التشريعي, على أساس مواقف بدت في حينها (مبدئية) من رفض كامل للأسس التي بنيت عليها هذه الاتفاقيات. و لكن بعد 12 عاما من توقيع أوسلو , تم التحول و القبول بنتائجها من منطلق (الواقعية!) التي حوربت سابقا!

و يأتي هذا التحول في الموقف السياسية, من حيث القبول بدولة على حدود 67 (مع أو بدون هدنة!) ليعبر عن توجه لا يمكن تجاهله مطلقا. فاليسار الفلسطيني ( الستاليني المتحول الى نيوليبرالي!) تمت أنجزته, و اليمين الديني (التيار الرئيسي منه) وقع في فخ (الاستقلال) على حساب التحرير, و تصنيم فكرة الدولة (المستقلة), و ان كان بغطاء أيديولوجي ضيق. و قد تطلبت هذه التحولات العمل على تغيير العقل الفلسطيني من عقل مقاوم, بالمعنى الشامل للكلمة, الى عقل أوسلوي (براغماتي, تفريطي, و اقعي...الخ) أو منغلق يعاني من بارانويا سياسية و أيديولوجية!

هذا هو السياق العام الذي يجب التطرق اليه عند مناقشة أنجع الطرق لكسر الحصار المفروض على قطاع غزة من بيت حانون شمالا الى رفح جنوبا. و من خلال عملية ربط بين تحرير العقل الفلسطيني ,من خلال كسر الحصار الثقافي المرعب, و الأهداف التي تسعى لتحقيقها حملة المقاطعة الفلسطينية من حرية و عودة و مساواة. فالقضية ليست محصورة فقط في رفع الحصار, مع الأهمية القصوى لهذا الفعل النضالي, و لكن أيضا في دوره في دعم السياق النضالي العام الذي يؤدي في المحصلة النهائية لتحقيق أهدافنا المتفق عليها بالاجماع.

ومن هنا تأتي أهمية اقامة احتفالية فلسطين للأدب للمرة الأولى في قطاع غزة هذا العام http://maannews.net/arb/ViewDetails.aspx?ID=484798&MARK=%D8%AD%D9%8A%D8%... %20%D8%B9%D9%8A%D8%AF
استمرارية لنفس النهج الذي اتبع في مسيرة غزة نحو الحرية, و الحملة الدولية لفتح معبر رفح
http://www.change.org/petitions/government-open-the-rafah-crossing-perma...
و الاصرار على أن يكون هناك تبني كامل من قبل المتضامنين لنداء المقاطعة الفلسطيني بلا أي لبس حيث ان اسرائيل تعتبر التنامي الكبير لحملة المقاطعة (خطرا و جوديا). ومن أبجديات النضال الوطني التحرري, بشكل عام, اكتشاف نقاط الضعف لدى المحتل المستعمر, و التركيز على ضربها بكل قوة. فهل يحصل نفس الشيء ,بشكل واعي, مع قوافل كسر الحصار الأخرى؟!

و في هذا السياق لابد من ذكر بعض الأمثلة التي ان دلت على شيء فهو أن بعضنا لا زال يفتقد الرؤية التي تميزت بها الثورات و حركات التحرر قبل عصرالأنجزة و النظرات الأيديولوجية الضيقة. فقد رفضت احدى النقابات التوقيع على نداء مسيرة غزة نحو الحرية بسبب أن البيان يطلب من الحكومة المصرية فتح معبر رفح (!) بذريعة أن هذا (يحرف البوصلة), على الرغم من أن فتح المعبر كان سيؤدي بالضرورة الى كسر الحصار و رفع سقف الانجازات النضالية. و لذلك أصرت احتفالية فلسطين للأدب الى التطرق لقضية معبر رفح و الاصرار على المطالبة بحرية التنقل لفلسطينيي القطاع.

و المثال الثاني هو السماح للموسيقار الاسرائيليي دانيل بارنبوم بالعزف في غزة و توفير حراسة له http://www.maannews.net/arb/ViewDetails.aspx?ID=385137 وتصوير زيارته على أنها كسر للحصار, على الرغم من كونها فعلا تطبيعيا فاضحا تبعا لتعريف التطبيع المتفق عليه بالاجماع!!
http://www.pacbi.org/atemplate.php?id=50
فهل هذا الفعل التطبيعي و السماح لاسرائيلي بالعزف في غزة يقارن بالتضامن الثقافي الفعال من شخصيات أدبية مرموقة تبنت نداء المقاطعة الأكاديمية و الثقافية؟! و لو كانت زيارة بارنبوم (خطأ) اداريا, فهل صدر بيان يوضح هذه الملابسات؟
ان الأديبات و الأدباء الذين جاءوا الى غزة في اطار احتفالية الأدب كانوا من مشارب أيديولوجية مختلفة جمعهم ما عبرت عنه فرقة اسكندريللا الثورية في الأغنية التي افتتحت بها أول حفل لها في غزة:
يا فلسطينية أنا بدي اسافر حداكو
ناري في أيديه
وإيديه تنزل معاكو
على راس الحيه
وتموت شريعة هولاكو!
ان الفارق بين نسخة البيان الأول الذي صاغه نورمان فنكلستين لمسيرة غزة نحو الحرية, و الذي تم تغييره جذريا فيما بعد على أيدي نشطاء فلسطينيين, و بيان احتفالية فلسطين للادب, شاسع, و ينهما تأتي بيانات و محاولات هائلة لكسر الحصار, و لكن في سياق نضالي تحرري غير اقصائي على أسس أيديولوجية أو سياسية. ما تميز به أعضاء الاحتفالية الذين أصروا على لقاء نشطاء المقاطعة و ممثلي النقابات و المجتمع المدني, و قاموا بثلاث زيارات لخيمة التضامن مع الأسرى,و سيروا ما يعادل 16 ساعة من ورش العمل لطلابنا و طالباتنا في 4 جامعات وطنية, و مثلها في مؤسسات و مدارس في رفح و جبالياو غنوا لفلسطين, و أقاموا أمسيات ثقافية, و بدأوا بمناقشة أمكانية تأسيس الحملة المصرية للمقاطعة الأكاديمية و الثقافية, وهو اقتراح في غاية الأهمية لما نعرفه عن ثقل مصر الدولي, هو أن غالبيتهم, ان لم يكن كلهم, معارضون لاتفاقيات كامب ديفيد, و مؤيدون لمطالب الثورة المصرية المجيدة من حرية و عدالة اجتماعية, و لكن مع الاصرار على ربط هذه المطالب بالهم الفلسطيني. (لمشاهدة بعض فعاليات الاحتفالية في غزة
http://vimeo.com/odsg/videos
لم يأتوا الا لكسر الحصار الثقافي و الأكاديمي, استجابة للنداءات الفلسطينية, و على راسها نداء المقاطعة الأكاديمية و الثقافية, في الوقت الذي نسمح لمنظمات أمريكية تطبيعية بالعمل في مؤسساتنا الأكاديمية في غزة, و على عينك يا تاجر! http://www.maannews.net/arb/ViewDetails.aspx?ID=435227
جاءوا, بعد أن كان العديد منهم قد واجه سلطة الدكتاتور (بقول الحقيقة!), رافضين لكل أشكال التطبيع, مطبقين لمقولة الراحل الكبير ادوارد سعيد عن وجوب مواجهة (ثقافة القوة) من خلال (قوة الثقافة). الثقافة المقاومة, الشاملة, غير الاقصائية.
هذا ما نريده من مؤيدينا, العرب منهم بالذات, و ممن يريد المساهمة معنا يدا بيد لكسر الحصار الظالم و العمل على عزل اسرائيل عربيا و دوليا.