تعقيبسياسة

أي مؤثرات تكوِّن فلسطينيي غزة؟

... فلكم بجميع البلاد معتبر ... فاتعظوا بغيركم وأسلموا لنا أمركم ... فنحن ما نرحم من بكى، ولا نرقّ لمن اشتكى، وقد سمعتم أننا قد فتحنا البلاد ... وقتلنا معظم العباد ، فعليكم بالهرب، وعلينا بالطلب، فأي أرض تأويكم، وأي طريق تنجيكم، وأي بلاد تحميكم؟ فما لكم من سيوفنا خلاص ... فخيولنا سوابق، وسهامنا خوارق، وسيوفنا صواعق، وقلوبنا كالجبال... والعساكر لقتالنا لا تنفع، ومطركم علينا لا يُسمع ... فأبشروا بالمذلة والهوان ... فمن طلب حربنا ندم، ومن قصد أماننا سلم. فإن أنتم لشرطنا وأمرنا أطعتم ... وإن خالفتم هلكتم ... وقد ثبت عندنا أنكم الفجرة ... فكثيركم عندنا قليل، وعزيزكم عندنا ذليل، وبغير الأهنة لملوككم عندنا سبيل. فلا تطيلوا الخطاب، وأسرعوا برد الجواب، قبل أن تضرم الحرب نارها، وترمي نحوكم شرارها، فلا تجدون منا جاهاً ولا عزًا، ولا كافيًا ولا حرزًا، وتدهون منا بأعظم داهية، وتصبح بلادكم منكم خالية، فقد أنصفنا إذ راسلناكم، وأيقظناكم إذ حذرناكم، فما بقي لنا مقصد سواكم ... بحد سيوف تُنتضى وبواتر ... يصير أعز القوم منا أذلة .. ويُلحق أطفالاً لهم بالأكابر

رسالة إلى السلطان قطز حاكم مصر من هولاكو، حفيد جنكيز خان. رفض قطز الاستسلام، وتصالح مع القائد المملوكي بيبرس. ومعًا أوقفا الزحف المغولي في معركة عين جالوت الشهيرة قرب الناصرة، في أيلول/سبتمبر 1260.

كثيرًا ما يقارن الفلسطينيون والعرب، في توصيفاتهم الشعبية، الحملات العسكرية الإسرائيلية بحروب المغول، أو التتار، من حيث أنها تجيز تدميرَ كل شيء ولا تراعي حرمةً ولا قدسية. وقد عادت هذه المقارنات بقوة في العدوان الإسرائيلي الأخير على غزة في تموز/يوليو وآب/أغسطس 2014 ، فلم يبقَ شيءٌ إلا وأتت عليه الآلة العسكرية الإسرئيلية، حتى المواقع التاريخية مثل المساجد والميناء في غزة.

ثمة أوجه شبه أخرى مع معركة عين جالوت التي وقعت في القرن الثالث عشر، وهي تُبرز مواطن القوة والضعف المتجلية إبان الحرب الإسرائيلية التي استمرت 51 يومًا على رؤوس الفلسطينيين في غزة.

أوجه الشبه مع الماضي

وجه الشبه الأول هو أن فصائل المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة أجمعت على رفض التفكير في نزع سلاحها كجزء من مفاوضات وقف إطلاق النار، رغم القتل والدمار الفادح الذي تعرَّض له المقاومون والسكان، والذي أتى على رأس حصار شبه محكم ظلت تفرضه إسرائيل على قطاع غزة منذ 2007 واعتداءات إسرائيلية سابقة عانى منها أهل غزة في السنوات العشر الأخيرة والتي لم تندمل جراحها حتى الآن. بلغ عدد الشهداء الفلسطينيين في الحرب الأخيرة 2,131 شهيدًا، منهم 1,473 مدنيًا، وقُدِّرَ عدد الجرحى بأحد عشر ألفًا، وكثير منهم جراحه خطيرة. وتشرّد نحو نصف مليون شخص في منطقة لا تتعدى مساحتها نصف مدينة نيويورك.

أمكن اتخاذ هذا الموقف الرائع بفضل التوحد والتعاون بين فصائل المقاومة الفلسطينية التي هبَّت بسرعة لصد العدوان الإسرائيلي الذي وحدَّ صفّ حماس والجهاد الإسلامي وفتح والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين وفصائل أخرى. وتحولت هذه الوحدة لاحقًا إلى مطالب سياسية مشتركة سلَّمها الفريق الفلسطيني المفاوض في القاهرة إلى الحكومة المصرية وسيطة المفاوضات.

والأروع من ذلك هو أن القطاع الصغير المُفقَر والمحاصَر استطاع أن يسدد ضربةً مذلةً للجيش الإسرائيلي، المصنَّف كسادس أقوى جيش في العالم، حيث قُتل من جنوده في عملية "الجرف الصامد" في يوليو/أغسطس 66 جنديًا (وستة مدنيين) وهو عدد يفوق بكثير عدد قتلاه في العمليتين الإسرائيليتين السابقتين: 10 جنود في عملية "الرصاص المصبوب" 2008-2009، وجندي واحد في عملية "عامود السحاب" سنة 2012. وبالطبع، فإن حجم الموت والدمار الفلسطيني يُبرز سخرية المسميات التي تطلقها إسرائيل على عملياتها: فمَن في "الجرف الصامد" احتاج أن يصمد، وفي وجه مَن؟

لم تمتلك فصائل المقاومة الفلسطينية في غزة مِن السلاح ما يُلحِق بإسرائيل مِعشار الدمار الذي ألحقته بالقطاع، ولكن الحرب تركت بصماتها على الاقتصاد الإسرائيلي وستساهم بلا شك في الهجرة الخارجة من إسرائيل التي يُروَّج لها الآن علنًا بالأغاني.

وعلاوةً على ذلك، فإن الحكومة الإسرائيلية، رغم قوتها العسكرية المتفوقة، عجزت عن إحراز نصر حاسم في حربها مع حركات المقاومة في غزة، وهذه نقطة ضعفٍ أقرَّ بها الإسرائيليون في استطلاعات الرأي التالية لوقف إطلاق النار. وعلى النقيض، زاد التأييد لحركة حماس وفصائل المقاومة الأخرى زيادةً كبيرة في الأرض الفلسطينية المحتلة، ففي أعقاب الهجوم، قال 61% من الفلسطينيين إنهم سيصوتون لزعيم حماس إسماعيل هنية، مقارنة بنصف تلك النسبة من الفلسطينيين الذين قالوا إنهم سيصوتون لزعيم فتح محمود عباس.

ومع ذلك، يتعرض الموقف الصامد الذي تتبناه فصائل المقاومة الفلسطينية في غزة للتقويض ليس بسبب الضعف العام الذي يعتري الحركة الوطنية الفلسطينية داخل فلسطين التاريخية وخارجها وحسب، بل أيضًا بسبب الاستجابة المحدودة جدًا في العالم العربي، المضعَف والمجزّأ هو نفسه بسبب الصراعات الداخلية والانقسامات. ويتجلى الصمت العربي الرسمي بوضوح عند مقارنته بالتأييد العارم لقطاع غزة من بقية العالم وبالغضب من الهجوم الغاشم على شعبٍ لا مَفر له بسبب الحصار الصارم الذي تفرضه إسرائيل ومصر كذلك.

الماضي القريب للفلسطينيين في غزة

ما هي المؤثرات التي أفرزت هذا الشعب الذي وقف مرةً تلو المرة في وجه الجبروت العسكري الإسرائيلي برغم الثمن الباهظ؟ خرج فلسطينيو غزة من رحم أعباء ماضيهم القريب وندوبه. فغالبية الفلسطينيين القاطنين في قطاع غزة والبالغ عددهم 1,701,437 هم من اللاجئين الذين نجوا من التطهير العرقي الوحشي في فلسطين سنة 1948. فقد ضاعفت تلك الموجة الأولى من النازحين سكانَ غزة بأربعة مرات حتى بلغ عددهم آنذاك 270,000. أمّا أولئك المسجلون كلاجئين في وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين في الشرق الأدنى (الأونروا) حتى يونيو/حزيران 2014، فيبلغ عددهم 1,328,351، وهم ينحدرون من مدن في وسط فلسطين وجنوبها مثل بئر السبع ويافا واللد ومن قرى مثل الفالوجة والمنشية وسلامة وحمامة والبطاني وغيرها. وكان قرابة نصف اللاجئين في غزة قبيل الاجتياح الإسرائيلي الأخير يعيشون في أحد مخيمات اللاجئين الثمانية التي تديرها الأونروا. وقد عاشت أجيال عدة وتوفيت في هذه المخيمات وهي تنتظر حقها في العودة.

أدارت مصر قطاع غزة في الفترة بين عامي 1948 و1967 كإجراء مؤقت، ومنحت قاطنيه وثيقة لاجئ. يختلف الوضع القانوني لفلسطيني غزة حَملة الوثائق المصرية عن فلسطيني الضفة الغربية الذين اكتسبوا الجنسية الأردنية بعد أن ضمَّها الأردن إليه في مطلع الخمسينات. ولغاية العام 1967، ولا سيما بعد تولي الزعيم القومي جمال عبد الناصر السلطة في مصر، كان السفر ذهابًا وإيابًا بين مصر وقطاع غزة سهلًا نسبيًا. أمّا في العهد النيوليبرالي لخليفة عبد الناصر، أنور السادات، صارت المعابر الحدودية أكثر تقييدًا وظلت مقيدة بإحكام حتى يومنا هذا، مرورًا بنظام حسني مبارك، ورئاسة محمد مرسي الوجيزة، وصولًا إلى نظام عبد الفتاح السيسي الحالي.

عانى الغزيون دهرًا من الوحشية على يد إسرائيل. ومن الهجمات المبكرة ما تعرضوا له إبان العدوان الثلاثي الذي شنته إسرائيل وبريطانيا وفرنسا سنة 1956 على مصر، حيث احتلت إسرائيلُ غزةَ حتى آذار/مارس 1957 وقتلت ما بين 275 و515 من سكانها، وكان من بينهم مدنيون كثر، وأُعدم العشرات منهم برصاص الرشاشات الآلية في خان يونس.

استمرت الوحشية بعد الاحتلال الإسرائيلي لقطاع غزة والضفة الغربية والأراضي العربية الأخرى في العام 1967. واستحق رئيس الوزراء الإسرائيلي الراحل، آرييل شارون، لقبَ "البلدوزر" لأسلوبه في إخماد المقاومة الفلسطينية للاحتلال في غزة (لُقِّب شارون أيضًا بلقب "جزار بيروت" إبان اجتياح 1982 وما رافقه من مجازر).

ومنذ العام 1967، منعت إسرائيل غالبية الفلسطينيين من غزة المسافرين في الخارج سواء للزيارة أو الدراسة أو العمل من العودة إلى ديارهم وأسرهم و/أو مخيماتهم في غزة. وأحكمت سيطرتها على قدرة الفلسطينيين في غزة على السفر من القطاع وإليه. وواجه حاملو وثيقة اللاجئ المصرية التمييزَ في معظم البلدان، بما فيها البلدان العربية. وصنفتهم الأونروا تحت مسمى "سكان غزة السابقين." أمّا أولئك الفلسطينيين من غزة الذين انتهى بهم المطاف في بلدان كالأردن بعد الاضطرابات الإقليمية الرئيسية، مثل الغزو العراقي للكويت في العام 1990، فلا يزالون محرومين من كثير من الحقوق في مجالات العمل والتعليم والخدمات الاجتماعية والصحية، وغيرها.

وباعتبارهم لاجئين بلا جنسية، تقطعت السبل بكثير من الفلسطينيين من غزة وصاروا عالقين في المناطق الحدودية كما حصل، على سبيل المثال، في منتصف التسعينات حين طردت ليبيا نحو نصف مليون عامل المصري و30,000 فلسطيني احتجاجًا على اتفاقات السلام الإسرائيلية الفلسطينية. ولم تكن مصر آنذاك تسمح للفلسطينيين من غزة بعبور حدودها، ولم تسمح لهم ليبيا بالعودة إليها. وبالطبع، لا يزال الكثيرون من أهل غزة مشردين داخل غزة نفسها في أعقاب الهجمات الإسرائيلية الأخيرة على غزة.

تواصل إسرائيل في الوقت الحاضر، ومنذ تشديد حصارها على قطاع غزة عقب فوز حماس في الانتخابات التشريعية سنة 2006، سيطرتها على سماء غزة وبحرها وحدودها البرية، بما فيها معبر رفح الذي تسيطر عليه سيطرةً غير مباشرة من خلال التعاون مع مصر. وبرغم اتفاق وقف إطلاق النار الأخير المبرم بين إسرائيل والفلسطينيين في آب/أغسطس، تستمر إسرائيل في اعتداءاتها، كما في الماضي، على الصيادين في البحر والمزارعين في المنطقة الحدودية العازلة التي أعلنتها أحاديًا في غزة على %17 من مساحة القطاع البرية.

غزة 2014

يجب النظر إلى المقاومة الفلسطينية في غزة سنة 2014 في سياقها الإقليمي الأوسع. فهي تأتي في وقت أخذت الثورات العربية التي وعدت بالربيع سنة 2011 تتحول إلى شتاء رهيب. دولٌ عربية مثل سوريا والعراق وليبيا تتدمر من الداخل حيث تستولي مجموعات رجعية وعنيفة على المطالبات الشعبية بالإصلاح. وتواصل القوى الغربية وإسرائيل تأجيجَ الصراع العرقي والطائفي الذي يفكك الدول القومية ويمزق خريطة الشرق الأوسط الحالية التي فرضتها تلك القوى في أوائل القرن العشرين.

تؤثر الديناميات الإقليمية في السياسة الفلسطينية، والعكس صحيح أيضًا. لذا فإن من شأن استراتيجيةٍ فلسطينية واضحة وموحدة تضم أشكالًا مختلفة من المقاومة وتوافقًا وطنيًا وطيدًا أن تؤثر في العالم العربي. وهذا من شأنه أن يُعيد توجيه النضال إلى حيث ينبغي أن يوجَّه: ضد المحور الأمريكي الإسرائيلي باعتباره الخطر الحقيقي على المنطقة وفلسطين حيث يدور الصراع المركزي. ويجب على منظمة التحرير الفلسطينية/السلطة الفلسطينية أن تعلن القطيعة النهائية مع اتفاقات أوسلو وأن تنهي التعاون الأمني ​​مع إسرائيل. وبما أن معظم الفصائل الفلسطينية وافقت على التوقيع على نظام روما الأساسي والانضمام إلى المحكمة الجنائية الدولية، فما بقي من عذرٍ لعدم المضي قدمًا.

هل ستظل غزة، في صدى عين جالوت، المقصدَ الأخير الذي على إسرائيل أن تسير إليه، أم هل ستبشِّر معارك 2014 بفصلٍ جديد من التغيير التاريخي والاستراتيجي؟ الإشارات المباشرة التي تلت وقف إطلاق النار غير مشجعة، مع تبادل الاتهامات بين السلطتين في رام الله وغزة ممّا يهدد اتفاق المصالحة. ولكن ثمة أمل في تنامي قوة المجتمع المدني الفلسطيني وحركة التضامن الدولية، والتي لا تزال تركز على حق تقرير المصير للفلسطينيين بما يحقق الحرية والعدالة والمساواة.

Wait!

Before you go, sign up to receive the latest Palestinian policy analysis straight in your inbox: