tareq baconi book final image pub nov2026

المقتطف التالي من كتاب «ماذا الآن: عن فلسطين والحرية ومستقبلنا العالمي» لمؤلفه محلل الشبكة طارق بقعوني، والذي أصدرته دار نشر واشنطن سكوير بريس في 3 تشرين الثاني/ نوفمبر 2026. قامت «الشبكة» بترجمة المقتطف إلى العربية.

 


في خضم الإبادة، لا نملك قيادةً ثورية تتولى زمام نضالنا. وهذه ربما من أقسى الحقائق التي يتوجب علينا التعامل معها في المرحلة الحالية من نكبتنا المستمرة. نعم، هذا هو التحدي الأعظم والأشد إلحاحًا للفلسطينيين. إحياء نضالنا من رماد العقود الثلاثة الماضية، ومن إخفاقات التقسيم والمفاوضات، وما أعقبها من أهوال الإبادة وإعادة الإعمار الإبادية المرتبطة بها. نحن نعيد بناء ثورتنا، لا مفر.

غير أن الفراغ القيادي لم يمنع ولادة حركة شعبية واسعة النطاق تغذي نضالنا. حركة تستمد قوتها من روايةٍ تاريخية راسخة ذات طابع ثوري متجذر، تشكِّل ملامح سياستنا اليومية نحن الفلسطينيون، وتتخطى جميع السيناريوهات المفروضة علينا. إنها رواية متجذرة في ثوابتنا ومبادئنا الراسخة التي تُعرَّف قضيتنا؛ ألا وهي حق جميع اللاجئين في العودة إلى الوطن، والحق في تقرير المصير في فلسطين كاملةً وعاصمتها القدس، والحق في المقاومة بكل الطرق الضرورية. وقد هدفت هذه المبادئ  -التي صاغها وأقرها المجلس الوطني الفلسطيني عام 1977 في أوجِ الثورة الفلسطينية- إلى توفير خطوط إرشادية استراتيجية للنضال الفلسطيني ووضع معايير سياسية واضحة يمكن لمنظمة التحرير الفلسطينية العمل وِفقها. وقد لاقت المبادئ تأييدًا واسعًا من أبناء الشعب والفصائل السياسية المختلفة، ومن الحركات الثورية العالمية، وسَعَت إلى أن تسترشد عمليةُ اتخاذ القرارات الاستراتيجية «بالخطوط الحمراء» الأيديولوجية. وكان من بين الثوابت الرئيسية مبدأ رفض التنازلات الهادفة إلى التهدئة، والمفروضة على الفلسطينيين من أعدائهم. 

وعلى النقيض، تبدو هذه المعرفة غائبة في سياستنا «الرسمية» رغم اتفاق غالبية الفلسطينيين على تلك الرواية وإيمانهم والتزامهم بها، وإنْ كانت صور التعبير عنها تختلف. فمنذ عام 1977، ولا سيما بعد إطلاق عملية السلام وما انطوت عليه من ترويض للسياسة الفلسطينية، أُدمِجت منظمة التحرير الفلسطينية -حاملة لواء الثورة- في هيكل السلطة الفلسطينية التي عكفت على تهدئة المقاومة وحماية المستوطنين. فجرى تفكيك مؤسسات النضال على نحوٍ ممنهج ومنظَّم بأيدي طغاةٍ آثروا حماية مناصبهم السياسية، مدعومين في ذلك من الصهاينة والحلفاء الغربيين. وانتُقص من قوة أهدافنا الثورية تحت ذريعة «التنازلات التي تمليها ضرورات الواقع»، وحلَّ محلها أهداف ساعدت على استدامة «الوضع القائم» المستقر، وهو السيطرة الإسرائيلية؛ وغُلِّفَ ذلك بغلاف لغة القانون الدولي والحوكمة.

كيف نعيد صياغة هذا التوافق، الذي نؤمن جميعًا بصحته في قرارة أنفسنا، في صورة مشروع سياسي يمضي بنا قدمًا، وكيف نعيد بناء ثورة تتحدث باللغة نفسها التي نتداولها همسًا في مساحاتنا الخاصة؟ Share on X

واختُزِل الخطاب عن هذه الثوابت اليوم في خطابات منمقة وشعاراتٍ فارغة. فانتُهكت مبادئ النضال وممارسات المقاومة والعقائد الثورية على مستوى أنظمتنا السياسية بصورةٍ كارثية. بُترت الثوابت من مؤسساتنا السياسة؛ سواءً كانت الفصائل أو منظمة التحرير الفلسطينية أو الأحزاب الفلسطينية السياسية في أراضي 1948. وأُحيلت مبادئنا إلى نطاق «المجتمع المدني»، الذي لا يزال متمسكًا بهذه الروايات والخطوط الحمراء، لكنه لا يملك ما يلزم من سلطة أو قوة سياسية لتفعيلها على أرض الواقع. تفتقر سياستنا الداخلية اليوم إلى التوجه الاستراتيجي، وحتى عندما نسعى إلى تحقيق انتصارات جديدة، لا سيما في مجال القانون الدولي، تخفق هذه الجهود في بلورة سياسات ثورية قادرة على دفعنا نحو إنهاء الاستعمار وتحقيق السيادة الفلسطينية على النحو المنشود. لقد صارت السياسة الفلسطينية الرسمية اليوم بمثابة آلية تُعيد إنتاج نفسها باستمرار، وتُولي بقاء المؤسسات السياسية الاستعمارية الجديدة اهتمامًا أكبر من اهتمامها بتحرير فلسطين. 

لكن إذا نظرنا إلى ما وراء خواء مؤسساتنا في الوقت الراهن، فسنجد أن معظم الفلسطينيين، سواءً كانوا جزءًا من «الحركة» أم من خارجها، لا يزالون يتبنون رؤيةً سياسية متجذرة في ثوابتنا. فنحن نرغب في استعادة أرضنا كاملةً؛ ونرى في حيفا وعكا مدنًا فلسطينية مثل نابلس ورام الله، بل وأكثر. وندركُ أنَّ نضالنا بطبيعته الديناميكية متعددة الأوجه وصوره دائمة التغير، يصبُّ في الهدف الأوحد المتمثل في جَبر كلِّ كسرِ تسببت فيه النكبة. وبغض النظر عن مدى اختلاف نظرتنا لأساليب المقاومة المتنوعة، فكلنا يَعي دوافعنا ويؤمن بعدالة قضيتنا وإصرارنا على إبطال الصهيونية. نحن نرى في أنفسنا شعبًا يحارب الاستعمار الأجنبي؛ ومن هذا الموقع، نرى أنفسنا حلفاءَ لكلِّ مَن نَذَر نفسه لمناهضة الظلم والهيمنة. ومِن هذا المنطلق، فإن فلسطينيتنا التي تُمثِّل هُوية نضالنا توحدنا بقوةٍ تفوق كلَّ مَكرٍ تمكُره الصهيونية لتفرقنا.

إن لهذا التوافق والإجماع دلالات استراتيجية عميقة لنضالنا. فتتجلى ثوابتنا في أنقى صورها من خلال سياستنا الجماعية؛ وهي المبادئ التي يدافع عنها شعبنا. فهذه المبادئ تشكِّل قوام الإجماع الوطني لدينا، حتى وإنْ أفرغتها مؤسساتنا السياسية من مضمونها. إنّ التحدي الذي نواجهه اليوم، ونحن نحدِّق في الهاوية، هو ذاته الذي واجهناه على مدى سنوات وعقود: كيف نعيد صياغة هذا التوافق، الذي نؤمن جميعًا بصحته في قرارة أنفسنا، في صورة مشروع سياسي يمضي بنا قدمًا، وكيف نعيد بناء ثورة تتحدث باللغة نفسها التي نتداولها همسًا في مساحاتنا الخاصة؟ 

إنّ الثورات لا تُبنى كما تُبنى البيوت، ولا يُمكن التخطيط لها مسبقًا أو بناؤها منهجيًّا؛ فهي تندلع تلقائيًّا وبقوةٍ كما عهدناها على مرِّ التاريخ. ورغم أننا لا نستطيع التنبؤ بثورتنا أو استباقها، إلا أنّ بإمكاننا إعداد ما يدعمها عندما تندلع، ويمكننا كذلك تعزيز الركائز التي ستنبثق منها. وذلك على أمل أن تتمخض ثورتنا عن مشروع سياسي ومؤسسات نضالية تستثمر نجاحاتها وتحوِّلُها إلى إنجازات سياسية.

وحتى في ظل غياب قيادة ديمقراطية شاملة وثورية، ما تزال رقعة نضالنا من أجل تحرير فلسطين تتسعُ عالميًّا. ولا بد أن نستثمر هذه الحالة الاستثنائية من الحِراك والتفاعل، حتى لا يظل نضالنا مقتصرًا على التعبئة الشعبية ورفع شعارات العدالة، أو مرتهنًا لاندفاعات عابرة سريعًا ما تنطفئ، ولا تثمر عن مكاسب متراكمة وأوسع نطاقًا. بل لا بد لحركتنا أن تتحد، وتبدأ في اكتساب القوة، وتعدِّل ميزان القوى، وتحقِّق أثرًا ماديًّا ملموسًا. ومن ثم، يتعين علينا إعادة إحياء التوافق الجماعي بيننا من جديد، وتوسيع نطاقه ومنحه بُعدًا سياسيًّا، وحمايته من الخصم الذي يسعى باستمرار إلى صرفنا عن هذا الوضوح الاستراتيجي. لذا علينا العودة إلى القرن الماضي، وتفعيل مبادئنا الثورية -التي جرى التعبير عنها وتطبيقها بوضوح تام قبل المسار الذي قادنا إلى اتفاقيات أوسلو- وتحويلها إلى قاعدة يلتف حولها شعبنا للتعبئة بهدفٍ وغاية، وصولاً إلى (إعادة) بناء مؤسسات التحرُّر الوطني الكفيلة بإرشادنا استراتيجيًّا نحو المستقبل.

مقتطف من كتاب «ماذا الآن»، جميع الحقوق محفوظة © 2026، لطارق بقعوني، من إصدار دار نشر واشنطن سكوير بريس التابعة لشركة سايمون وشوستر.

طارق بقعوني كاتب وباحث وناشاط فلسطيني. شغل سابقًا منصب زميل السياسات للشبكة في الولايات المتحدة، ثم رئيسًا لمجلس إدارتها. نُشرت كتاباته في عدة منصات من بينها نيويورك تايمز وذا بافلر، ويسهم أيضًا بمقالات في نيويورك ريفيو أوف بوكس ولندن ريفيو أوف بوكس. وهو مؤلف كتاب «ماذا الآن: عن فلسطين والحرية ومستقبلنا المشترك» (الصادر بالإنجليزية عام 2026) وكتاب «نيران في كل اتجاه: مذكرات» (الصادر بالإنجليزية عام 2025) وأيضًا كتاب «حماس: صعود المقاومة الفلسطينية ومحاولات الاحتواء» (الذي صدرت له ترجمة عربية عام 2024) وتأهل لنيل جائزة الكتاب الفلسطيني.

أحدث المنشورات

 السياسة
ما الذي تعنيه هذه الانتخابات للفلسطينيين؟ وماذا تكشف المفاضلة بين التصويت والمقاطعة عن أزمة المشروع السياسي الفلسطيني؟  في مختبر السياسات القادم تنضم إلينا همت زعبي ونجمة علي مع الميسّر فتحي نمر لمناقشة نتائج الانتخابات الإسرائيلية وتداعياتها.
Al-Shabaka Fathi Nimer
نجمة علي،فتحي نمر· 29 أكتوبر 2026
 اللاجئين
وقع الاتفاق الإطاري بين لبنان والولايات المتحدة والنظام الإسرائيلي في 26 حزيران/يونيو 2026 ، وجاء في سياق الهجمات العسكرية الشرسة على لبنان واجتياح جنوبه ضمن الحرب الإقليمية الإسرائيلية-الأميريكية الأوسع التي طالت إيران وسوريا وفلسطين وأعادت تشكيل المشهد الإقليمي. في هذا التعقيب، نتحدث مع خبير السياسات في «الشبكة» جابر سليمان حول الأسئلة المحورية المحيطة بالاتفاق الإطاري وتداعياتها على القضية الفلسطينية ووضع اللاجئين الفلسطينيين في لبنان. تنطلق رؤية سليمان من تأكيده على خطورة هذا الاتفاق، إذ يربط الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي اللبنانية بنزع سلاح حزب الله، وبذلك يحمل المقاومة والدولة اللبنانية مسؤولية إنهاء الحرب والاحتلال، ويعفي إسرائيل من المساءلة.
جابر سليمان· 14 أكتوبر 2026
إن الإبادة الجماعية المستمرة في غزة ليست حدثاً منفصلاً عن مشروع الاستيطان الاستعماري الإسرائيلي، فالفلسطينيون يتعرضون للتهجير القسري المستمر والعنيف داخل فلسطين وخارجها منذ عام 1948. ومع بدء النظام الإسرائيلي حملته الإبادية الأخيرة في غزة قبل ثلاث سنوات، تسارعت وتيرة التطهير العرقي في الضفة الغربية عبر العنف المنسق بين الدولة والمستوطنين وسرقة الأراضي الفلسطينية. ذلك، بالإضافة إلى فرض الدولة الإسرائيلية سياسات قمعية وحشية على الأسرى الفلسطينيين، وشن حرباً على مخيمات اللاجئين ووكالة الأونروا. يضم هذا المحور السياساتي بعضًا من أهم جوانب التصعيد في الضفة الغربية منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023. ويتضمن تحليلات من أعضاء «الشبكة» ومساهميها، تُبين كيف أدى العقاب الجماعي للفلسطينيين إلى منعهم من الحصول على الغذاء، والرعاية الصحية والعمل والتعليم. كما يتناول التقرير مقاومة الشعب الفلسطيني لسياسة الأرض المحروقة التوسعية الإسرائيلية، وتواطؤ القيادة السياسية الفلسطينية وإخفاقاتها.