المواضيع
طالعوا تحليلاتنا بخصوص المجتمع المدني وسُبله في رسم ملامح المشهد الثقافي والسياسي والسياساتي.
طالعوا استشرافاتنا بخصوص تغيرات المشهد السياسي وتداعياتها على فلسطين
استزيدوا معرفةً بالسياسات والممارسات التي تحدد شكل الاقتصاد الفلسطيني
تعرَّفوا أكثر على الأوضاع الفريدة التي يعيشها اللاجئون الفلسطينيون في الشرق الأوسط
التحليلات
تحليلات متعمقة للسياسات الحالية أو المتوقعة التي تؤثر في إمكانيات التحرير الفلسطيني.
رؤى ووجهات نظر حول المسائل الاجتماعية والسياسية والاقتصادية المتعلقة بفلسطين والفلسطينيين حول العالم.
تحليلات موجزة لسياسات محددة وخلفياتها وآثارها.
تعقيبات تضم رؤى متنوعة من محللين متعددين.
تجميعات لأعمال سابقة أنجزتها الشبكة حول موضوع محدد.
مشاريع مطوَّلة ومخصصة تسعى إلى الإجابة عن أسئلة بحثية تقع خارج نطاق تحليلاتنا المعتادة.
مبادرة بحثية معنية بالسياسات أطلقتها الشبكة: شبكة السياسات الفلسطينية.
سلسلة ندوات شهرية عبر الإنترنت تجمع خبراء فلسطينيين.
متميز






اشتركوا في نشرة الشبكة البريدية الآن لتصلكم أحدث التحليلات السياساتية الفلسطينية على بريدكم الإلكتروني:
نزع سلاح المقاومة: الاتفاق الإطاري بين لبنان وإسرائيل
مقدمة
وقع الاتفاق الإطاري بين لبنان والولايات المتحدة والنظام الإسرائيلي في 26 حزيران/يونيو 2026 ، وجاء في سياق الهجمات العسكرية الشرسة على لبنان واجتياح جنوبه ضمن الحرب الإقليمية الإسرائيلية-الأميريكية الأوسع التي طالت إيران وسوريا وفلسطين وأعادت تشكيل المشهد الإقليمي.
في هذا التعقيب، نتحدث مع خبير السياسات في «الشبكة» جابر سليمان حول الأسئلة المحورية المحيطة بالاتفاق الإطاري وتداعياتها على القضية الفلسطينية ووضع اللاجئين الفلسطينيين في لبنان. تنطلق رؤية سليمان من تأكيده على خطورة هذا الاتفاق، إذ يربط الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي اللبنانية بنزع سلاح حزب الله، وبذلك يحمل المقاومة والدولة اللبنانية مسؤولية إنهاء الحرب والاحتلال، ويعفي إسرائيل من المساءلة.
كيف تم التوصل إلى الاتفاق الإطاري وما علاقته بالفلسطينيين في لبنان؟
لا يتحدث اتفاق الإطار مباشرة عن الفلسطينيين إلا فيما يتعلق بموضوع نزع سلاح حزب الله، وما يستتبعه من حديث عن نزع سلاح المخيمات. أما الإطار الأوسع والأكثر تأثيرًا فهو في الحقيقة حرب الإبادة الإسرائيلية على غزة منذ تشرين الأول/أكتوبر 2023. وقد أثرت هذه الحرب على أوضاع الفلسطينيين في لبنان، وبشكل خاص خلال الفترة الممتدة من أواخر تشرين الأول/أكتوبر 2024، مع بداية الهجوم البري على لبنان.
من أجل فهم هذا الإطار، تجدر الإشارة إلى مراحل الحرب الثلاث. المرحلة الأولى هي مرحلة الإسناد وضبط قواعد الاشتباك، التي شهدت هجمات مستمرة عبر الحدود وامتدت من 8 تشرين الأول/أكتوبر 2023 -أي بعد يوم واحد من «طوفان الأقصى»- حتى 16 أيلول/سبتمبر 2024. ثم جاءت المرحلة الثانية من العدوان الإسرائيلي على لبنان التي شهدت تفجير دون تمييز لأجهزة الاتصال (البيجر) في منتصف أيلول/سبتمبر، واغتيال قيادات الصف الأول في الحزب، وعلى رأسهم السيد حسن نصر الله، إلى جانب تكثيف القصف الجوي على مناطق الجنوب والضاحية والبقاع. أما المرحلة الثالثة، هي التي حاولت فيها إسرائيل خلق وقائع جديدة على الأرض، بالتوازي مع «القبول» بالدخول في مشاورات تحت ضغط الحرب الإيرانية-الأمريكية وإملاءاتها.
لم يعد انسحاب إسرائيل مطلبًا لبنانيًا قائمًا بذاته، بل أصبح مرتبطًا بمطلب موجّه إلى الدولة اللبنانية بنزع سلاح حزب الله كشرط لانسحاب إسرائيل Share on Xالجدير بالذكر أنه خلال هذه الفترة، ومنذ 27 تشرين الثاني/نوفمبر 2024، التزم حزب الله بوقف إطلاق النار. لكن إسرائيل لم تلتزم بالاتفاق، وعمليًا، حاولت تفسيره بما يخدم مصالحها من خلال تنفيذ توغلات برية وعمليات تدمير للبنية التحتية في القرى الحدودية. ما حصل في جنوب لبنان لم يكن مجرد تطبيق لـما سميّ «عقيدة الضاحية» (أي استخدام قوة مفرطة وغير متناسبة، وعلى التدمير المتعمد والشامل للبنية التحتية المدنية) بل تجاوز النظام الإسرائيلي تلك الاستراتيجية العسكرية إلى ما يمكن تسميته بـ«عقيدة غزة». في جنوب لبنان اليوم هناك فعلًا إبادة جماعية وإبادة بيئية، واستهداف لمختلف أشكال الحياة.
لم يردّ حزب الله طوال 15 شهرًا إلى أن جاءت المرحلة الأخيرة في 28 شباط/فبراير مع اغتيال المرشد، وعندها اتخذ حزب الله قرارًا بالرد. جاء الرد كرسالة رمزية تعكس مدى عمق العلاقة الروحية والعقائدية التي تربط حزب الله بنظام الجمهورية الإسلامية في إيران، وقد ذكر بيان حزب الله أن رده جاء انتقامًا للمرشد. يبد أن الانتقام لم يكن الدافع الأساسي وراء انخراط الحزب في الرد عبر إطلاق طائرات مسيرة صاروخية باتجاه إسرائيل، في الواقع، كان حزب الله يتأهب للرد بعد أن نفد صبره طوال 15 شهرًا من الالتزام بعدم الرد لإعطاء الدولة اللبنانية مجالًا للمضي في مسار المفاوضات. إلا أن ما حدث فى جلسة مجلس الوزراء اللبناني بتاريخ 2 آذار/مارس هو إقدام الحكومة اللبنانية على تجريم الجناح العسكري لحزب الله، والتأكيد على حصرية السلاح.
من جهتها، لم تكن إسرائيل متحمسة للمفاوضات لأن وضعها الميداني، في ظل احتلالها شريطاً من الجنوب اللبناني، كان مريحًا. بل أن المفارقة هي أن واشنطن هي التي دفعت نتنياهو لقبول دعوات الرئيس اللبناني للدخول في مفاوضات في نيسان/أبريل 2026. بخلاف الضغط الأمريكي، كانت رغبة إسرائيل في استبعاد لبنان من الاتفاق الأميركي-الإيراني، وفصل المسارين التفاوضيين، هي ما شجّعتها على الانخراط في مفاوضات مع الحكومة اللبنانية، وصولاً إلى إبرام «اتفاق الإطار».
لماذا سُمّي «إطار» وما هي خطورته؟
جرى تقديم الاتفاق بوصفه اتفاقًا إطاريًا وإجرائيًا كنوع من التحايل. حيث تستلزم توقيع الاتفاقيات موافقة مجلس النواب اللبناني، وإجراءات تنظيمية أخرى بحسب المادة 52 من الدستور اللبناني المعنية بمسألة إبرام المعاهدات والاتفاقيات الدولية. من جهة أخرى، قد يكون اعتباره «إطارًا» من أجل تأجيل التوترات الناجمة عن حظر قانون مقاطعة إسرائيل الصادر عام 1955 أشكالًا من الاتفاقات والتعامل مع إسرائيل. هذا الاتفاق، في الواقع، يتجاوز في مضمونه ولغته كل الاتفاقات السابقة التي أبرمها لبنان مع إسرائيل، بما في ذلك اتفاقية الهدنة لعام 1949، اتفاق 17 أيار/مايو 1983، والقرار 1701 في أعقاب حرب تموز/يوليو 2006، وأخيرًا اتفاق وقف إطلاق النار لعام 2024، الذي نصّ على اقتصار الانتشار في المنطقة الواقعة جنوب نهر الليطاني على القوات العسكرية والأمنية اللبنانية.
هذا الاتفاق، وخصوصًا إذا استعرضنا بنوده ولا سيما البنود 2 و3 و11 و12 و13، يتضمن نقاطًا بالغة الخطورة. فمن منظور الاتفاق، سلّم لبنان ببقاء الاحتلال الإسرائيلي ما لم يُنزع سلاح حزب الله والجماعات المسلحة بالكامل. وفق هذا المنظور، لم يعد انسحاب إسرائيل مطلبًا لبنانيًا قائمًا بذاته، بل أصبح مرتبطًا بمطلب موجّه إلى الدولة اللبنانية بنزع سلاح حزب الله كشرط لانسحاب إسرائيل. أصبحت المعادلة مقلوبة: لا يوجد التزام من جانب إسرائيل بالانسحاب، بل هناك مطلب ملحّ من الدولة اللبنانية بنزع سلاح حزب الله لكي تنسحب إسرائيل. وهكذا، جرى ربط نزع السلاح بالانسحاب، رغم أن الانسحاب يفترض ألا يكون مشروطًا بذلك وفق القانون الدولي، الذي لا يجيز احتلال أراضي الغير بالقوة. وهذا هو المأزق الأول الذي وقع فيه المفاوض اللبناني، كما قلت، تحت ضغط ما يمكن تسميته بـ«الهرولة إلى الأمام» ليجد نفسه أمام مأزق أكبر يتعلق بعدم قدرة الدولة اللبنانية نفسها على تنفيذ مطلب نزع سلاح حزب الله. وبالتالي، فإن ربط الانسحاب الإسرائيلي بنزع سلاح حزب الله يجعله مشروطًا بأمر لا تملك الدولة اللبنانية، في الواقع، القدرة على تنفيذه.
النقطة الخطيرة الأخرى هي ربط إعادة الإعمار بإعادة بناء المنظومة الأمنية اللبنانية، بما يشمل وفق لغة البيان، نزع سلاح الجماعات المسلحة ومنع استفادتها من أموال إعادة الإعمار. وبذلك، تتحول إعادة الإعمار من استحقاق من أجل معالجة آثار الحرب وإعادة الحياة إلى المناطق المدمرة، إلى أداة مشروطة بتحقيق أهداف أمنية وسياسية.
الاتفاق يضع عبء استمرار الاحتلال على حزب الله والمقاومة، بحجة أن إصرارهما على الاحتفاظ بالسلاح هو السبب في استمرار الاحتلال الإسرائيلي Share on Xوالأخطر أن الاتفاق يضع عبء استمرار الاحتلال على حزب الله والمقاومة، بحجة أن إصرارهما على الاحتفاظ بالسلاح هو السبب في استمرار الاحتلال الإسرائيلي. وفق هذا المنطق، وفي سابقة في تاريخ المقاومة ضد الاحتلال الإسرائيلي، فإن مسؤولية الاعتداءات الإسرائيلية على لبنان لا تقع على إسرائيل وإنما على المقاومة ذاتها. مآلات هذا الفهم بالغة الخطورة، إذ أن من شأنه أن ينقل جوهر الصراع إلى الداخل اللبناني نفسه، ويجعله مرتبطًا بالبنية الداخلية اللبنانية وحالة الانقسام فيها. تزداد الصورة قتامة عند النظر في هشاشة الصيغة اللبنانية الطائفية، فهي قابلة للإنفجار في شكل الحرب الأهلية عندما يكون هناك خلاف جوهري على مسائل مثل «السيادة الوطنية» و«مقاومة الاحتلال» والتي كانت موضع إجماع في البيانات الوزارية لحكومات ما قبل الحرب.
نقطة أخرى لا تقل خطورة عما سبق هي محاولة إعفاء إسرائيل من المسؤولية القانونية، وتجنيبها المساءلة والمحاسبة على جرائمها، سواء في هذه الحرب أو في الحروب الإسرائيلية السابقة، إذ يدعو الاتفاق الطرفين إلى «الامتناع عن الأفعال العدائية والمناوئة في المحافل السياسية أو القانونية الدولية»، وكأن لبنان وإسرائيل في موقعين متكافئين. ومن هذا المنظور، يمكن أن يسهم ذلك في حماية إسرائيل من الملاحقة والمساءلة القانونية. كما يحاول الاتفاق تعقيد مسألة تبادل الأسرى وربطها بقضايا أخرى.
ما تداعيات الحرب الإسرائيلية والاتفاق على المخيمات الفلسطينية؟
إن تداعيات الحرب على المخيمات والتجمعات الفلسطينية، وتحديدًا خلال الفترة بين عامي 2024 و 2026، كارثية. تسببت الحرب في حركة نزوح واسعة، خصوصًا من مخيمات الجنوب ومنها مخيمات الرشيدية والبرج الشمالي والبص بالإضافة إلى عدد كبير من التجمعات الفلسطينية الأخرى، ولا سيما تحت وطأة أوامر الإخلاء التي تصاعدت منذ 2 مارس/آذار 2026. هذا فضلًا، بطبيعة الحال، عن تفاقم الأزمات المعيشية وانهيار مصادر الدخل اليومية في ظل صعوبة التنقل وتعطّل العديد من فرص ومشاريع العمل. إلى جانب الضغط الهائل على البنى التحتية في المخيمات التي استضافت النازحين.
ومن الجدير بالملاحظة في هذا السياق هو أن المخيمات شهدت حركة نزوح في اتجاهين. تمثّل الاتجاه الأول في النزوح من مخيمات الجنوب إلى مخيمات الوسط والشمال، فيما تمثّل الاتجاه الثاني في النزوح إلى المخيمات نفسها. فقد لجأ كثير من سكان الجنوب، سواء كانوا لبنانيين أو فلسطينيين أو سوريين، إلى هذه المخيمات في المراحل التي كانت فيها أكثر أمانًا. أي إننا شهدنا، في الوقت نفسه، نزوحًا إلى المخيمات ونزوحًا منها.
برزت على وسائل التواصل الاجتماعي مشاهد لافتة، من بينها، على سبيل المثال، مشهد لراعٍ لبناني يسوق قطيعًا قد يضم مئات الأغنام ويدخل به إلى مخيم البص، في الفترة التي كان فيها المخيم آمنًا نسبيًا. للمخيمات الفلسطينية في لبنان تجربة كبيرة جدًا في استضافة اللبنانيين، وتحديدًا خلال حرب تموز/يوليو 2006، والتي كانت آنذاك تجربة فريدة من نوعها، تمثّلت في لجوء اللبنانيين إلى المخيمات الفلسطينية واحتمائهم بها.
بحسب تقرير صادر عن المؤسسة الفلسطينية لحقوق الإنسان (شاهد) بلغ عدد العائلات التي نزحت من المخيمات وإليها 3,062 عائلة. وإذا احتسبنا متوسط عدد أفراد الأسرة بنحو 5.6 أفراد، فنحن نتحدث عن أكثر من 17 ألف شخص تقريبًا. أما من حيث التوزيع، فبلغ عدد العائلات في مخيمات صور 746 عائلة، وفي صيدا 700 عائلة، وفي بيروت 62 عائلة، فيما استحوذ الشمال، وتحديدًا مخيما نهر البارد والبداوي، على الحصة الأكبر بنحو 1,354 عائلة، إضافة إلى 200 عائلة في البقاع.
وهنا يُطرح السؤال: من قام بمسؤوليته تجاه هؤلاء النازحين؟ بصراحة، اقتصر دور الفصائل الفلسطينية ومنظمة التحرير، إلى حد كبير، على إصدار بيانات الاستنكار والشجب والمطالبة بتحرك الأونروا، فيما لم يكن هناك دور فعلي وملموس للفصائل في مساعدة هؤلاء النازحين على الاستقرار وتدبير شؤونهم.
أطلقت الأونروا في 4 آذار/مارس 2026 نداء استجابة طارئة، وطالبت بعده بتوفير دعم مالي لمواجهة تداعيات النزوح. لم يأت تحرك الوكالة إلا بعد تصاعد أوامر الإخلاء من الجنوب منذ 2 آذار/مارس، حيث جرى تهديد أكثر من 50 قرية من قبل الجيش الإسرائيلي، أغلبهم جنوب الليطاني، وذلك على الرغم من أن تطورات الحرب كانت تنذر بحركة نزوح واسعة. كانت المخيمات الفلسطينية أيضًا جزءًا من هذا المشهد، حيث صدرت أوامر إسرائيلية بإخلائها في 17 آذار/مارس. نتيجة لذلك، فتحت الأونروا مركزين للإيواء: مركز سبلين للتدريب المهني قرب صيدا، إضافة إلى مدرسة بتير في مخيم النهر البارد.
بحسب إحصاءات الأونروا، فإن عدد النازحين الذين لجأوا إلى مراكزها كان 1,567 نازحًا. أما البقية فقد توجّه قسم منهم إلى مخيمات أخرى، وأقام آخرون لدى أقاربهم، فيما استأجر من كانت لديه الإمكانية مسكنًا. هناك أيضاً من لم يغادروا المخيمات أصلًا؛ فمن خلال تجارب النزوح السابقة، نعلم أن جزءًا من السكان بقي في المخيمات. في النهاية، أصدرت الأونروا تحديثًا في تقريرها بتاريخ 16 تموز/يوليو أن جميع النازحين غادروا مركزي الطوارئ التابعين للأونروا (سبلين وبتير تحديدًا).
كيف أثّرت الحرب على وضع الفلسطينيين في لبنان؟
تركت الحرب آثارها على الوضع المعيشي والإنساني للفلسطينيين في لبنان. أما الأوضاع البنيوية التي تؤثر في قضية حقوق الفلسطينيين في لبنان، فلم تتغير عما كانت عليه قبل الحرب. فهناك تهميش اقتصادي واجتماعي ومكاني، إذ تبدو المخيمات كأنها جزر أمنية محاطة بحواجز الجيش اللبناني، ويُنظَر إليها، من جانب الدولة اللبنانية وبعض فئات المجتمع المضيف، باعتبارها تشكل تهديدًا لهذا المجتمع. هذه النظرة الأمنية إلى الوجود المدني الفلسطيني في لبنان لم تتغير.
إن محاولات تفكيك البنية العسكرية لحزب الله وتحويله إلى حزب سياسي لبناني، إن نجحت، ستنعكس سلباً على مسار النضال الفلسطيني بشقيه السياسي والمقاوم، على الأقل في المدى المنظور Share on Xلم يطرأ أي تعديل جوهري على وضع الفلسطينيين الرسمي منذ جلسة مجلس النواب اللبناني في آب/أغسطس 2010، التي جرى خلالها تعديل قانون العمل والضمان الاجتماعي. باختصار، خففت التعديلات بعض القيود المفروضة على الفلسطينيين بصفتهم عمالاً أجانب، لكن هذه القوانين تحتاج، وفق النظام الدستوري اللبناني، إلى ما يُعرف بالمراسيم التطبيقية، وهذه المراسيم لم تصدر حتى الآن. وبالتالي، من الناحية القانونية، لم يتغير الوضع. أما على أرض الواقع، فقد سارت الأمور في الاتجاه المعاكس.
بحسب المسح الذي أجرته الجامعة الأميركية في بيروت بالتعاون مع الأونروا في العام 2015، فإن نحو 65% من الفلسطينيين تحت خط الفقر، وبحلول 2023 زادت نسبة الفقر إلى 83%. من جانبها، تقول الأونروا أن النسبة كانت لتصل إلى 93 % بدون برنامج المساعدة النقدية التي تقدمه الوكالة للاجئين الفلسطينيين في لبنان. يرجع هذا التدهور إلى الأزمات المتلاحقة: احتجاجات عام 2019، وجائحة كوفيد-19، وانفجار مرفأ بيروت، والأزمة المالية والنقدية والاقتصادية، وأخيرًا حرب السنوات الثلاث الأخيرة. كل هذه العوامل وتداعياتها عمقت من أزمات الوضع الفلسطيني في لبنان.
يمكن القول إن آخر تطور في موقف الدولة اللبنانية من مسألة حقوق الفلسطينيين تمثّل في ما صدر عن لجنة الحوار اللبناني-الفلسطيني. وللتوضيح، فهي لجنة لبنانية رسمية لا يوجد في تشكيلتها أي تمثيل فلسطيني، وتضم ممثلين عن عدد من وزارات الدولة اللبنانية. في أيار/مايو 2025، طرحت اللجنة مجموعة من التوصيات التي تشكّل نوعًا من الإطار الحقوقي والقانوني الناظم لحياة الفلسطينيين في لبنان. كما رفعت توصية إلى المجلس الاقتصادي والاجتماعي في لبنان، وهو جزء من البنية الرسمية للدولة، طالبةً منه إعداد رأي استشاري في هذا الموضوع.
وكان من أعدّ مشروع الرأي الاستشاري الزميل أديب نعمة. وقد أظهر المشروع، في تقديري، فهمًا دقيقًا لمسألة الحقوق، ولا سيما لجهة عدم تعارض منح الحقوق للفلسطينيين مع رفض التوطين أو مع مقتضيات السيادة اللبنانية. مع ذلك، انتهى الاجتماع من دون أن يقرّ المجلس الاقتصادي والاجتماعي هذا الإطار. وفي تقديري، لا يشكّل الملف الفلسطيني أولوية للدولة اللبنانية في المرحلة الراهنة، إذ تبدو الدولة منشغلة بمجموعة كبيرة من الأزمات والملفات الأخرى.
ماذا يعني نزع سلاح الجماعات المسلحة بالنسبة إلى وضع الفصائل الفلسطينيين في لبنان؟
كما أشرت، فإن «اتفاق الإطار» لا يتحدث عن الفلسطينيين بصورة مباشرة، ولا يرد فيه ذكر صريح لهم، لكنه يتحدث عن نزع سلاح الجماعات المسلحة. والسؤال هنا: من المقصود بهذه الجماعات؟ من الواضح أن الفلسطينيين يشكّلون أحد المقصودين الأساسيين بهذا الطرح. وقد تناولت في حلقة نقاشية سابقة في «الشبكة» مسار نزع سلاح الفصائل الفلسطينية في سياق أوسع من التحولات الإقليمية والضغوط الرامية إلى إضعاف قوى المقاومة.
ومن ضمن التطورات الأخيرة لهذا الملف أنه في أيار/مايو 2026، زار رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس لبنان وعقد لقاءات رسمية على أعلى مستوى، فيما وُصف بأنه قمة لبنانية-فلسطينية. وجرى الاتفاق على التأكيد على مبدأ حصرية السلاح ووحدانية السلاح بيد الدولة. رحّب الجانب اللبناني بهذه الخطوة، وتسليم كميات من السلاح من بعض المخيمات.
وحاليًا، ثمة معلومات للجنة الحوار اللبناني-الفلسطيني تفيد بأن نحو 90 في المئة من السلاح الفلسطيني قد سُلّم بالفعل. لكنني أعتقد أن الطريقة التي يُطرح بها موضوع السلاح تنطوي على إشكالية كبيرة. ففي عام 1991 قيل إن السلاح الفلسطيني قد سُلّم. وإذا افترضنا أنه لم يُسلَّم بالكامل آنذاك، فإن ما تبقى من سلاح يعود إلى أكثر من ثلاثة عقود، ومن المنطقي التساؤل عن قيمته العسكرية الفعلية اليوم.
أما إذا كان الحديث عن أسلحة جديدة، وخصوصًا عن سلاح ثقيل أو نوعي، فهنا يبرز سؤال أساسي: من أين يأتي هذا السلاح؟ وكيف يدخل إلى المخيمات؟ هذه أسئلة لا يمكن تجاهلها، لأن المخيمات الفلسطينية محاطة برقابة أمنية وعسكرية لبنانية مشددة. وينطبق السؤال نفسه على الأشخاص الذين يقال إنهم مطلوبون أمنيًا: كيف يدخلون إلى المخيمات، وكيف يخرجون منها؟
لذلك أرى أن قضية السلاح تُستخدم، في جانب منها، أداةً للضغط على الفلسطينيين في لبنان وابتزازهم سياسيًا. وينطبق ذلك أيضًا على السلطة الفلسطينية، التي يمكنها أن توظف مشاركتها في عملية تسليم السلاح لتحسين صورتها، ليس أمام الدولة اللبنانية فحسب، بل أمام المجتمع الدولي كذلك، في ضوء الاستحقاقات التي تواجهها في الضفة الغربية وعلى المستوى الفلسطيني عمومًا.
الفصل بين مسألتي الحقوق والسلاح أمر أساسي. فمعالجة وضع السلاح تخضع لاعتبارات السيادة والأمن والعلاقات اللبنانية-الفلسطينية، أما الحقوق الاقتصادية والاجتماعية للفلسطينيين في لبنان فلا ينبغي أن تتحول إلى ورقة تفاوضية أو مكافأة سياسية. الحقوق تُمنح لأنها حقوق، وليس بوصفها مقابلًا لتسليم السلاح، لكن اتفاق الإطار يطرح اليوم سؤالًا يتجاوز مصير السلاح الفلسطيني نفسه.
ماذا يعني نزع سلاح حزب الله بالنسبة إلى النضال الفلسطيني؟
بشكل عام يعتبر هذا الاتفاق محاولة أمريكية-إسرائيلية لإعادة صياغة البيئة الأمنية والسياسية في لبنان التي تشكلت منذ حرب تموز/يوليو 2006، في سياق العلاقة مع إيران وسائر أطراف محور المقاومة، بما فيها الطرف الفلسطيني.
في واقع الحال، طالما عارض حزب الله كل الدعوات لنزع سلاح المخيمات الفلسطينية في لبنان، منذ اتفاق الطائف (1989) وحتى الآن، لأن هذا السلاح، من منظور الحزب، رصيد يضاف إلى «محور المقاومة» في لبنان والمنطقة. أما اليوم، فقد تغيرت البيئة الاستراتيجية للصراع مع إسرائيل كلياً، بدايةً من حرب الطوفان وتداعياتها، وصولاً إلى توقيع اتفاق الإطار بين لبنان واسرائيل، و«خارطة الطريق» بشأن غزة.
إن محاولات تفكيك البنية العسكرية لحزب الله وتحويله إلى حزب سياسي لبناني، إن نجحت، ستنعكس سلباً على مسار النضال الفلسطيني بشقيه السياسي والمقاوم، على الأقل في المدى المنظور. كما أنها ستطوي، بدون أدنى شك، صفحة مجيدة من تاريخ المقاومة الشعبية ضد اسرائيل في الساحة اللبنانية. لكن مسار وأد المقاومة، في اعتقادنا، ليس مساراً حتميًا، فمكر التاريخ لا يستثني أحدًا.
جابر سليمان
جابر سليمان هو باحث ومستشار مستقل في مجال دراسات اللجوء واللاجئين. منذ العام 2011، يعمل كمستشار ومنسق لمنتدى الحوار الفلسطيني اللبناني في مبادرة الفضاء المشترك، برنامج الأمم المتحدة الإنمائي لدعم مشروع بناء التوافق، والسلم الأهلي في لبنان. عمل ما بين الأعوام 2007 و 2010 كمستشار للبرنامج الفلسطيني لدى منظمة اليونيسيف في مخيمات اللاجئين الفلسطينيين في لبنان. عمل أيضاً كباحث زائر في برنامج دراسات اللاجئين في جامعة أكسفورد، وهو ناشط في حركة حق العودة والمجتمع المدني الفلسطيني، ومؤسس مشارك لمجموعة عائدون في لبنان، وكتب العديد من الدراسات التي تتناول اللاجئين الفلسطينيين وحقهم في العودة.
أحدث المنشورات
تحت الحصار: الضفة الغربية بعد السابع من أكتوبر
العلوم الصحية ومنع الإبادة الجماعية في غزة وخارجها
القانون الدولي بعد غزة: بين الاندثار وقوة النضال السياسي
نحن نبني شبكةً من أجل التحرير.
ونحن نعمل جاهدين، باعتبارنا المؤسسة الفكرية الفلسطينية العالمية الوحيدة، للاستجابة للتطورات السريعة المؤثرة في الفلسطينيين، بينما نحافظ على التزامنا بتسليط الضوء على القضايا التي قد يتم تجاهلها لولا تركيزنا عليها.