
مقدمة
تعيش شعوب العالم لحظةً تاريخية شديدة التأزم، تتزامن فيها حرب الإبادة الجماعية في غزة مع الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران ولبنان، وما أعقبها من صدمات اقتصادية تمتد من قطاع الطاقة إلى سلاسل الإمداد والغذاء والتجارة العالمية، في ظل التآكل المتسارع لمنظومة القانون الدولي وتفكك النظام العالمي الذي قادته القوى الغربية لعقود. تكشف هذه الاضطرابات المتلاحقة حدود الهيمنة الأميركية، وتعيد تشكيل المواقع الاستراتيجية لدول الخليج العربي والصين، كما تعزز النقاشات حول تعددية الأقطاب، وإعادة تشكيل الاصطفافات الإقليمية في غرب آسيا، وإمكانيات التضامن بين بلدان الجنوب العالمي.
في هذه الحلقة النقاشية، تستعرض يارا هواري وطارق بقعوني الأزمة الراهنة، ويؤكدان مركزية القضية الفلسطينية في فهم التحولات التاريخية الكبرى التي يشهدها العالم اليوم. ويناقشان تهاوي النظام الدولي الليبرالي، والتحولات في موازين القوة الإمبريالية للتحالف الأميركي-الإسرائيلي في غرب آسيا، وكيف برزت فلسطين بوصفها نقطة تقاطع قد يتبلور من خلالها نظام عالمي جديد.
تستند هذه الحلقة النقاشية إلى إحاطة سياسية قدّمها كلّ من يارا هواري وطارق بقعوني في نيسان/أبريل 2026، وقد جرى تحريرها.
كيف ترتبط اللحظة الراهنة بسياقات العنف الاستعماري الإمبريالي الأطول تاريخًا؟
يارا هواري
تمثل هذه اللحظة صحوةً سياسية، ليس فقط للدول التي عانت العنف الاستعماري الإمبريالي، بل للعالم أجمع، وأوروبا ليست بمنأى عن ذلك. فعندما رفضت إسبانيا السماح للولايات المتحدة باستخدام قواعدها العسكرية لشن ضربات على إيران، ردّ الرئيس دونالد ترامب بأن واشنطن قادرة على استخدام تلك القواعد بغضّ النظر عن الموقف الإسباني في تهديد مباشر للسيادة الإسبانية. وأعتقد أن كثيرًا من الحكومات بدأت تدرك أن مثل هذه التصريحات لا يمكن التعامل معها بوصفها مجرد اندفاعات خطابية عابرة، بل بوصفها مؤشرًا إلى ما قد يحمله المستقبل.
إن الاستباحة التي يتجلى بها العدوان الأميركي-الإسرائيلي اليوم ليست سوى نتاج عقود من الإفلات الكامل من العقاب Share on X
ورغم كل الجهود المبذولة لإعادة تشكيل السياسة العالمية في ظل إدارة ترامب، ينبغي التأكيد أن هذه اللحظة ليست انحرافًا عن المسار التاريخي للولايات المتحدة، بل امتدادًا منطقيًا له. فقد أرست الإدارات الأميركية المتعاقبة، من جورج بوش الابن إلى باراك أوباما وغيرهما، الأسس التي أوصلتنا إلى هذه المرحلة.
كما لا يمكن فهم هذه التحولات بمعزل عن فلسطين، التي تقع في صلب هذه التفاعلات. فالاستباحة التي يتجلى بها العدوان الأميركي-الإسرائيلي اليوم ليست سوى نتاج عقود من الإفلات الكامل من العقاب. فقد منحت الدول الغربية النظام الإسرائيلي غطاءً لممارسة العنف ضد الفلسطينيين، فبينما تُبث الإبادة الجماعية في غزة على مرأى العالم ومسمعه، تستمر العلاقات التجارية والحماية الدبلوماسية كأن شيئًا لم يكن.
غير أن كلفة هذا الإفلات من العقاب باتت اليوم تتجاوز فلسطين وجنوب لبنان. فالمواطن العادي، حتى في الدول الغربية، بات يواجه أزمات معيشية متفاقمة نتيجة الحرب التي أشعلها النظام الإسرائيلي ضد إيران، مستندًا إلى عقود من الحصانة التي مكّنته من ممارسة العنف ضد الفلسطينيين بلا مساءلة. وبهذا المعنى، فإن ما نشهده اليوم هو نتيجة مباشرة لاستمرار هذا الإفلات من العقاب واتساعه وعمق الدعم الدولي الذي حظي به.
طارق بقعوني
تكشف الحرب على إيران أمرًا جوهريًّا حول آليات ممارسة السطوة الأمريكية والإسرائيلية اليوم، حيث بتنا نشهد عودةً صريحة للغة إمبريالية واستعمارية على الساحة العالمية؛ إذ يعكس خطاب الرئيس الأمريكي النبرة ذاتها التي طالما استخدمها النظام الإسرائيلي تجاه الفلسطينيين، مدعومًا بقوة عسكرية وعدوانية استثنائية.
غير أن هذه العدوانية تعكس حالةً من التراجع وليس القوة. فالهيمنة الأمريكية والاستعمار الاستيطاني الإسرائيلي يتجليان اليوم من خلال القوة المفرطة والعنف المتطرف والتصعيد، تحديدًا بسبب تآكل شرعيتهما. ونحن نرى ذلك بوضوح داخل الصهيونية نفسها؛ فهي تعيش أضعف لحظاتها تاريخيًّا، ويتجلى هذا الضعف في صورة عدوان وتدمير وقتل جماعي. إنّ فهم هذه الدينامية ضروري لإدراك موقع فلسطين في تحولات القوى العالمية. فالإمبراطورية تبلغ ذروة عنفها حين تكون قادرة على استخدام القوة، ولكن في الوقت ذاته عاجزة عن الحفاظ على شرعيتها أو استقرارها.
كيف ينبغي أن ننظر إلى العلاقات الأمريكية الإسرائيلية في الوقت الراهن؟
طارق بقعوني
عند التساؤل حول الطرف الذي يقود الآخر في العلاقة الأمريكية الإسرائيلية، هناك نقطة محددة يجب توضيحها بشأن هذه الحرب: إنها ليست حرب واشنطن، بل حرب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو التي ظل يسعى إليها لسنوات، وأتاحت له إدارة ترامب شنها أخيرًا. ولكي نفهم كيف أصبح ذلك ممكنًا، يتعين علينا التعمق في طبيعة العلاقة البنيوية بين الدولتين.
تبلغ الإمبراطورية ذروة عنفها حين تكون قادرة على استخدام القوة، ولكن في الوقت ذاته عاجزة عن الحفاظ على شرعيتها أو استقرارها Share on Xتعمل هذه العلاقة على مستويين، أولهما أيديولوجي. فالولايات المتحدة وإسرائيل مستعمرات استيطانية، أي أنهما دولتان قامتا على أنقاض الإبادة الجماعية، والتهجير القسري، والتطهير العرقي، وتستندان إلى بنية تحتية رأسمالية عنصرية. لطالما أثارت إسرائيل إعجاب الولايات المتحدة لقدرتها على تقديم نفسها كدولة ديمقراطية في ظل إدارتها لنظام فصل عنصري. وبالمثل، تثير الولايات المتحدة إعجاب النظام الإسرائيلي لأنها -في المخيلة الاستعمارية الاستيطانية- تمثل النموذج الذي «أتم المهمة» بنجاح؛ فهي الدولة التي انتزعت عن السكان الأصليين أرضهم، ثم اتخذت من هذا أساسًا لبناء «ديمقراطية».
ورغم زيف هاتين الروايتين أمام استمرار مقاومة الشعوب الأصلية في فلسطين وأميركا الشمالية -أو «جزيرة السلحفاة» كما يسميها كثير من شعوبها الأصلية- فإن السردية الاستيطانية مجذوبة إلى منطق الانتصار، وتنسج رابطًا أيديولوجيًا وثيقًا بين المشاريع الاستعمارية المختلفة. ومن هنا، فإن فشل المشروع الاستيطاني الإسرائيلي لن يشكّل إدانةً له وحده، بل سيحمل أيضًا إدانةً أخلاقية وتاريخية للولايات المتحدة نفسها.
أما المستوى الثاني فهو الجيوسياسي. فالنظام الإسرائيلي ليس حليفًا للولايات المتحدة وحسب، بل ركنٌ أساسيٌ في استعمارها الاستيطاني وأداة لبسط نفوذ إمبراطوريتها عالميًّا. فهو يتيح للولايات المتحدة استعراض قوتها الإمبراطورية داخل المنطقة وخارجها. ومن هنا، فإن خطاب «العلاقة الخاصة» و«القيم المشتركة» و«تطابق المواقف» بين واشنطن وتل أبيب، لا ينبع من اعتبارات عاطفية، بل هو في المقام الأول انعكاسٌ لمصالح بنيوية.
تكمن أهمية هذه الحرب المستمرة في أنها تكشف التصدعات التي بدأت تظهر في جدار تلك العلاقة. فمن خلال جرّ الولايات المتحدة إلى مواجهة مع إيران، يفاقم النظام الإسرائيلي التناقضات المتصاعدة داخل المجتمع الأميركي. إذ بات عدد متزايد من الأميركيين يتساءلون عن حقيقة «القيم المشتركة» التي تزعم واشنطن أنها تجمعها بإسرائيل، وعن جدوى هذه الحروب المستمرة بلا أفق.
فاستمرار النظام الإسرائيلي في دفع الولايات المتحدة نحو دوامة متواصلة من العنف والحروب لم يعد يُنظر إليه بوصفه أمرًا يخدم المصالح الأميركية، وهي حقيقة بات تجاهلها أكثر صعوبة من أي وقت مضى.
يارا هواري
لقد أظهرت الأشهر الماضية منذ اندلاع الحرب على إيران حقيقةً واضحة؛ وهي أن ترامب ودائرته المقربة لا يملكون خطة. فالحديث الأوَّلي عن إضعاف القدرات الصاروخية الإيرانية وإزالة اليورانيوم المخصب لم يفضِ إلى شيء، وأيضًا جرى التراجع عن فكرة تغيير النظام بعد طرحها. وهكذا فإن الولايات المتحدة تفتقر إلى استراتيجية. ولكن في المقابل، من الواضح أن نتنياهو لديه خطة، فنحن نشهد ذروة رؤيته لـ«إسرائيل الكبرى»، والتي لا تتعلق بالتوسع الإقليمي فحسب، ولكن أيضًا بجعل إسرائيل القوة المهيمنة في المنطقة.
تُشير تقارير واردة من داخل البيت الأبيض إلى أن نتنياهو عرض على ترامب حربًا تهدف إلى إسقاط النظام في إيران، وأن الرئيس الأمريكي اقتنع برؤيته في نهاية المطاف، رغم الانقسامات العميقة داخل الإدارة الأميركية بشأن هذه المسألة. ويعود جانب كبير من هذا التوجه إلى نفوذ مجموعة صغيرة من المحرّضين على الحرب والصهاينة المتشددين، من بينهم السيناتور ليندسي غراهام ووزير الدفاع بيت هيغسيث.
تدور الأسئلة التي تُطرح الآن من خلال الانخراط مع دول الجنوب العالمي حول كيفية بناء نظام عالمي متعدد الأقطاب حقيقي، وكيف يمكن لفلسطين أن تشكّل نقطة التلاقي التي تدفع نحو تبلور هذا النظام على أرض الواقع Share on Xولا يعني هذا أن الولايات المتحدة كانت لتمانع ممارسة العنف ضد شعوب العالم في ظروف أخرى. ولكن فيما يتعلق بمسألة الحرب مع إيران تحديدًا، كان الإجماع القائم بين جميع الأجهزة الحكومية الأمريكية منذ فترة طويلة هو أن مثل هذه الحرب ستكون كارثية على الولايات المتحدة وعلى الاقتصاد العالمي؛ وقد أصابوا.
لكن ينبغي التعامل بحذر مع هذا الطرح حتى لا يُفهم الأمر بوصفه خضوعًا أميركيًا لنتنياهو، وهي الرواية التي يتبناها اليوم جزء من اليمين المتطرف المعادي لإسرائيل في الولايات المتحدة. فمثل هذا التفسير يُغفل التاريخ الطويل للتدخل الأميركي العنيف في الشرق الأوسط، ويعفي واشنطن من مسؤوليتها المباشرة عمّا يجري اليوم.
أمّا ترامب، فلا تحرِّكُه دوافع أيديولوجية بالمعنى التقليدي. فهو ليس صهيونيًّا عقائديًا، ولا يمكن مقارنته من هذه الزاوية بالرئيس السابق جو بايدن على سبيل المثال. ثمّة مصالح أخرى تتحكم في مسار الأمور.
هناك أولًا منطق المقايضة السياسية والمالية؛ فالمليارديرة الإسرائيلية الأمريكية ميريام أديلسون كانت الممول الفردي الأكبر لحملة ترامب الانتخابية لعام 2024، ومثل هذه التبرعات الضخمة لا تُقدَّم دون مقابل ينتظره الممولون.
وهناك أيضًا بُعد مرتبط بتضخم الذات؛ فقد أُغري ترامب بفكرة أنه قد يصبح الرئيس الذي ينجح أخيرًا في إسقاط النظام الإيراني. و بُعدُ تحقيق الربح، ولعله الأهم على الإطلاق في هذه المعادلة. فترامب يُخصخِص جميع مفاصل الحكم في الولايات المتحدة، بما فيها الدبلوماسية، لخدمة ثروة عائلته.
ومع ذلك، يظل ترامب شخصية يصعب التنبؤ بمساراتها، وتبقى الأشهر المقبلة مفتوحة على احتمالات ومفاجآت يصعب استشرافها. لكن ما يبدو واضحًا هو وجود تحوّل داخل جزء واسع من حركة «ماغا» الشعبوية اليمينية، المتمحورة حول شعار «أميركا أولًا». إذ بات كثيرون داخل قاعدة ترامب الانتخابية يشعرون بأنه خانهم لصالح قوة أجنبية، ويبدو أن هذا الشرخ آخذ في التعمق على نحو قد يصعب ترميمه.
في ظل الهجوم الذي يتعرض له الحلفاء الرئيسيون لفلسطين وتبدل موازين القوى الإقليمية، كيف يُعاد تشكيل مشهد الدعم والاستراتيجية الفلسطينية؟
يارا هواري
ثمة تحوّل ملموس في موازين القوى الإقليمية، وقد وجدت دول الخليج العربي نفسها أمام معضلة. فهذه الحرب كرّست معادلة باتت واضحة عمليًا: أي هجوم إسرائيلي أو أميركي على إيران سيقابله رد يستهدف دول الخليج بوصفها حليفة لواشنطن ومستضيفة لقواعدها العسكرية.
وفي المقابل، كشفت الأحداث عجز الولايات المتحدة عن توفير الحماية الأمنية التي شكّلت لعقود حجر الأساس في علاقاتها مع دول الخليج. وبهذا المعنى، تآكلت مصداقية واشنطن بوصفها القوة الضامنة للاستقرار في المنطقة، وباتت هيمنتها تبدو أقل رسوخًا مما كانت عليه في السابق.
ولذلك، ليس مستغربًا أن تبرز الصين بوصفها لاعبًا رئيسيًا في المنطقة. فقد انخرط الدبلوماسيون الصينيون خلال الأشهر الماضية في حراك دبلوماسي مكثف، وإن كان هادئًا، مع دول الخليج العربي. غير أن الحضور الصيني في المنطقة ليس جديدًا؛ إذ عملت بكين على تعميق اندماجها الاقتصادي والاستراتيجي فيها على مدى سنوات، من خلال مشاريع مثل مبادرة «الحزام والطريق».
ومن هذا المنطلق، لن يشكّل انتقال الصين نحو طرح رؤية متعددة الأقطاب لنظام إقليمي موجّه أكثر نحو آسيا تحوّلًا جذريًا بقدر ما سيكون امتدادًا لمسار قائم بالفعل.
تمتد أهمية إعادة الاصطفاف الجيوسياسي هذه إلى حركة التحرر الفلسطينية نفسها، وهو ما يتجلى بوضوح في الجهود المتزايدة لتعميق التواصل مع دول الجنوب العالمي. فلطالما ركّزت منظمات المجتمع المدني والحركات الشعبية الفلسطينية جهودها على الولايات المتحدة وأوروبا، سعيًا للتأثير في صناع القرار ووسائل الإعلام الغربية. غير أن عقودًا من هذا الانخراط لم تنجح في إحداث التحول البنيوي المطلوب لوقف الإبادة الجماعية. وكان إدراك هذه الحقيقة مؤلمًا، لكنه كان ضروريًا أيضًا.
تدور الأسئلة التي تُطرح الآن من خلال الانخراط مع دول الجنوب العالمي حول كيفية بناء نظام عالمي متعدد الأقطاب، وكيف يمكن لفلسطين أن تشكّل نقطة التلاقي التي تدفع نحو تبلور هذا النظام على أرض الواقع. بالفعل، كشفت حرب الإبادة الجماعية في غزة حدودَ المنظومة الدولية التي تأسست في أعقاب الحرب العالمية الثانية. وباتت المهمة الملحة الآن هي تصور ملامح النظام القادم وبناءه.
طارق بقعوني
إذا نظرنا تحديدًا إلى الحركة الوطنية الفلسطينية ونضال التحرر، يتضح أننا نمرّ بمرحلة شديدة الحساسية. فباستثناء تلك الحقبة القصيرة خلال ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، حين كانت الثورة الفلسطينية منخرطة في حوار مع حركات التحرر العالمية المناهضة للاستعمار، اتجهت الدبلوماسية الفلسطينية على نحو شبه كامل نحو الغرب.وقد صيغت هذه الدبلوماسية بلغة العالمية الليبرالية، والإيمان بمؤسسات الحوكمة الدولية التي يقودها الغرب. وساهم هذا التوجه في تشكيل الأسلوب الذي أدار به الفلسطينيون نضالهم.
إن النقاش الذي ينبغي أن يدور اليوم هو: في ظل تراجع الإمبراطورية الأميركية وتداعي المنظومات القائمة للحوكمة الدولية، ما البديل الذي يمكن للجنوب العالمي أن يبنيه؟ وفي قلب هذا النقاش تقف فلسطين Share on Xبتنا ندرك اليوم أن المنظومات الليبرالية الغربية قد وصلت إلى مأزق عميق. وربما كان كثيرون منا يدركون ذلك منذ زمن، لكن الإبادة الجماعية في غزة أزالت أي مجال للالتباس أو الشك. غير أن الواقع الأكثر مرارة هو أن الفلسطينيين وحلفائهم في بلدان الجنوب العالمي لم ينجحوا بعد في بناء البنية السياسية والمؤسساتية القادرة على تجاوز هذه التبعية. ويتطلب تحقيق ذلك تجاوز القبول الضمني بالهيمنة الغربية والإمبراطورية والاستعمار، والتحرك نحو واقع مختلف يمكن فيه لمؤسسات الحوكمة الدولية أن تحمي حياة الإنسان حقًّا دون عنصرية أو هيمنة إمبراطورية. إن هذا التحوُّل ليس سهلًا على الإطلاق.
لكنني أرى في هذه اللحظة أيضًا فرصة تاريخية قد تُخرج فلسطين من حالة الاستثناء التي وُضعت فيها. فعندما نتحدث عن إعادة تشكيل المنطقة أو عن بناء تحالفات أعمق مع بلدان الجنوب العالمي، يتضح أن لدى العديد من القوى الفاعلة مصلحة مباشرة في مواجهة النظام الإسرائيلي.
إن العنف الاستعماري الإسرائيلي لم يعد محصورًا في غزة، بل تمتد آلياته وممارساته إلى سوريا ولبنان وإيران، فيما يتجاوز منطقه التوسعي حدود الحاضر، فاتحًا المجال أمام مزيد من العنف والتوسع في مناطق أخرى مستقبلًا.
إن النقاش الذي ينبغي أن يدور اليوم هو: في ظل تراجع الإمبراطورية الأميركية وتداعي المنظومات القائمة للحوكمة الدولية، ما البديل الذي يمكن للجنوب العالمي أن يبنيه؟ وفي قلب هذا النقاش تقف فلسطين.
ما الذي ينبغي ترقبه في الأشهر المقبلة، وما الذي تحتاجه حركة تحرير فلسطين لاجتياز ما هو قادم؟
يارا هواري
تتبادر إلى ذهني عدة أمور، وأكثرها إلحاحًا هو أن النظام الإسرائيلي سيبذل كل ما في وسعه لاستكمال ما بدأه في غزة وسائر الأراضي الفلسطينية. فحتى الآن، لم تترتب عواقب تُذكر على الإبادة الجماعية، وفي حسابات نتنياهو، تمثل هذه اللحظة فرصة مثالية لإتمام مشروعه.
وحتى الانتخابات الإسرائيلية المقبلة لن تغير هذا الواقع؛ إذ تظهر استطلاعات الرأي باستمرار أن أغلبية المواطنين الإسرائيليين اليهود يؤيدون سياسات النظام. وبالتالي، فإن أي تغيير حكومي سيكون تعبيرًا عن السخط من نتنياهو نفسه، وليس من الحرب أو سياسة التطهير العرقي ضد الفلسطينيين. لذلك، من الضروري أن تظل الأضواء مسلطة على فلسطين، ولا سيما غزة التي لم تنتهِ حرب الإبادة الجماعية فيها بعد، بل دخلت مرحلة جديدة.
وبناءً على ما تقدم، وفي ضوء التحولات الجيوسياسية الراهنة، يتعين على الحركة أن تموضع نفسها في استباق للأحداث. وهذا يتطلب مشاركة مستمرة مع دول الجنوب العالمي، بما في ذلك -وربما على نحوٍ أهم- مع الشعوب الأقرب إلينا كثيرًا في مختلف أنحاء المنطقة. لقد كشفت الإبادة الجماعية القمع العميق الذي يعيشه رفاقنا في جميع أنحاء غرب آسيا.
وختامًا، يجب على الحركة الاعتصام بمبادئها وأخلاقياتها، لأنهما سيكونان محط اختبار في ظل ما تشهده من توسع مستمر. إن بناء حركة واسعة القاعدة أمر بالغ الأهمية، بشرط ألا يأتي ذلك على حساب خطوطنا الحمراء وقيمنا الجوهرية. ومن الأمثلة الملموسة على ذلك الحوار الناشئ حول سبل الاستفادة من التصدعات الآخذة في الظهور داخل حركة «ماغا» واليمين المتطرف الأمريكي بشأن إسرائيل. إن هذه التصدعات حقيقية ويمكن الاستفادة منها تكتيكيًّا، ولكن يجب ألا يمس أيُّ تواصل من هذا القبيل الأسسَ التقدمية للحركة. إن حركتنا هشة رغم حجمها الكبير؛ ولذلك، لا بد من حمايتها.
طارق بقعوني
بعيدًا عن الحرب الراهنة والإبادة المتواصلة -اللتين تتطلبان يقظة دائمة- ثمة تطورات عدة جديرة بالمتابعة الدقيقة.
فعلى المستوى الإقليمي، يبرز سؤال حاسم حول ما إذا كانت إيران ستتمكن من الخروج من هذه الحرب بمكاسب استراتيجية. فالإجابة عن هذا السؤال ستحدد إلى حد كبير ما إذا كان النظام الإسرائيلي سوف ينجح في ترسيخ الهيمنة العسكرية الإقليمية التي يسعى إليها. ذلك أن قدرة إيران على إدارة هذه المرحلة، وطبيعة المكاسب أو الخسائر التي ستخرج بها منها، ستلعب دورًا أساسيًا في إعادة تشكيل الحسابات الإقليمية وموازين القوى في المنطقة.
وبالأهمية نفسها يأتي الموقف الذي ستتخذه البلدان الخليجية، والدروس التي سوف تستخلصها من هذه الحرب. فالمنظومة التي حكمت المرحلة السابقة -والقائمة على الاحتماء بالمظلة العسكرية الأميركية، والهيمنة الإسرائيلية، واتفاقات أبراهام، وتحالف الأنظمة الخليجية السلطوية مع الولايات المتحدة وإسرائيل- تبدو اليوم وقد دخلت في حالة تآكل عميق بفعل الحرب على إيران. ومن هنا، فإن الكيفية التي ستعيد بها دول الخليج تموضعها بعد الحرب، إلى جانب الأدوار التي قد تلعبها كل من الصين وروسيا في هذا التموضع الجديد، ستكون عوامل حاسمة في رسم ملامح المرحلة المقبلة.
تمثل تركيا عاملًا متغيرًا رئيسيًا آخر في هذه المعادلة. فمن الواضح أنها تُعد، من منظور النظام الإسرائيلي، عقبة أمام مشروع الهيمنة الإقليمية، وهو ما يجعل تحييد دورها هدفًا استراتيجيًا ضمنيًا. لذلك، سيكون لموقع تركيا داخل خارطة التحالفات الإقليمية الآخذة في التشكل أهمية بالغة في المستقبل القريب.
أما داخل فلسطين نفسها، فيبدو المشهد بالغ الخطورة. فالنظام الإسرائيلي يواصل توسيع مشروعه الاستعماري في غزة والضفة الغربية وتسريع وتيرته عبر مستويات مروعة من العنف. وقد جرى فرض ما يسمى «الخط الأصفر» في غزة بوصفه حدودًا جديدة، فيما يتصاعد خطر التطهير العرقي في الضفة الغربية.
وعلى امتداد فلسطين التاريخية ومحيطها الإقليمي، تتكثف الجهود لترسيخ مشروع «إسرائيل الكبرى»، بالتوازي مع توظيف خطاب إعادة الإعمار ووقف إطلاق النار و«العودة إلى الحياة الطبيعية» بوصفه غطاءً سياسيًا لهذا المشروع.
وفي الوقت نفسه، تشهد سوريا ولبنان تطبيق سياسات إسرائيلية استيطانية مدمرة تقوم على سياسة «الأرض المحروقة»، بما يعكس اتساع النطاق الجغرافي للعنف الاستعماري الإسرائيلي.
وأخيرًا، يتعين على الفلسطينيين مقاومة الضغوط الرامية إلى العودة إلى واقع ما قبل الحرب، حتى وإن قُدّمت باعتبارها خطوة إلى الأمام. فقد وضعت أحداث 7 تشرين الأول/أكتوبر المشروع الاستعماري الاستيطاني الصهيوني بأكمله تحت المجهر بشكل غير مسبوق. ومن هنا، ينبغي التشبث بهذه اللحظة التاريخية والتأكيد على أن المطلوب ليس مجرد هدنة تُفضي إلى تطبيع الإبادة الجماعية والتطهير العرقي، بل تفكيك المشروع الاستعماري برمّته وإنهاء الاستعمار بصورة كاملة.
يارا هواري هي مديرة الشبكة بالمشاركة. عملت سابقًا كزميلة سياساتية للشبكة في فلسطين وكمحللة رئيسية في الشبكة. نالت درجة الدكتوراه في سياسة الشرق الأوسط من جامعة إكستر، حيث درَّست مساقات مختلفة لطلاب مرحلة البكالوريوس، ولا تزال زميلة بحثية فخرية في الجامعة. يُركز عملها الأكاديمي على دراسات السكان الأصليين والتاريخ الشفوي، وهي مُعلِّقة سياسية تكتب لوسائل إعلامية عديدة مثل ذي جارديان وفورين بوليسي والجزيرة الإنجليزية.
طارق بقعوني هو رئيس مجلس إدارة الشبكة. عَمِلَ زميلًا سياساتيًا للشبكة في الولايات المتحدة في الفترة 2016-2017. وعَمِلَ في رام الله لدى مجموعة الأزمات الدولية محللًا للشؤون الفلسطينية/الإسرائيلية واقتصادات النزاع. له كتاب بعنوان ” Hamas Contained: The Rise and Pacification of Palestinian Resistance” “[احتواء حماس: صعود المقاومة الفلسطينية وترويضها] (دار نشر جامعة ستانفورد، 2018). تَنشر كتاباته العديد من المجلات والصحف مثل لندن ريفيو أوف بوكس، ونيويورك ريفيو أوف بوكس، وواشنطن بوست، ويُطلّ كمعلق على الأحداث من خلال وسائل إعلامية إقليمية ودولية. وهو أيضًا محرر استعراضات الكتب في مجلة الدراسات الفلسطينية.







