Joudeh Qaddumi_Indigenous gaza roundtable_image_july2026

مقدمة

بعد إعلان حركة حماس عزمها تسليم السلطة الإدارية إلى اللجنة الوطنية لإدارة غزة، عادت الأسئلة التالية إلى الواجهة؛ من سيرسم مستقبل غزة؟ ولصالح من؟ وبأي شروط؟ تكتسب هذه الأسئلة أهمية خاصة في إطار انطلاق اللجنة الوطنية لإدارة غزة من المنطق التكنوقراطي القائم على فرض رؤى خارجية إستعمارية على إدارة غزة. يتعامل هذا المنطق مع الإعمار بوصفه مسألة تقنية لإدارة الكوارث، ومع تجاهله لأسئلة السيادة الفلسطينية، وحق العودة، وحق تقرير المصير أصبح هو المنطق المهيمن على الطرح الدولي لإعادة إعمار غزة.

تطرح هذه الحلقة النقاشية، في المقابل، سؤالًا مختلفًا: ماذا يعني أن ننظر إلى غزة بوصفها أرضًا للشعب الفلسطيني، صاحب السيادة الأصلانية عليها، لا مجرد قطاعٍ محاصر أو ساحةً للعمل الإنساني؟ تتناول نور جودة ودينا قدومي كيف تعيد الأصلانية، بوصفها إطارًا تحليليًا وسياسيًا، صياغة التصورات السائدة للعمران، وإعادة الإعمار، والحوكمة؛ ولماذا ينبغي أن تنطلق عملية إعادة الإعمار من المبادرة الفلسطينية واسترداد الأرض والحقوق، لا من المخططات الاستعمارية المفروضة من الخارج؛ وكيف أن إعادة البناء جارية بالفعل من خلال الممارسات اليومية للصمود الفلسطيني، والتنظيم المجتمعي، والمقاومة المكانية، رغم استمرار الإبادة الجماعية.

هذه الحلقة النقاشية مأخوذة عن حوار سُجل في 21 آيار/ مايو 2026، وقد جرى تحريرها بغرض النشر.

ماذا يعني أن ننظر إلى غزة من منظور الأصلانية، لا بوصفها مجرد قطاعٍ محاصر أو ساحةً للعمل الإنساني؟

دينا قدومي

إن الخطوط المستقيمة التي ترسم حدود غزة على الخرائط ليست حدودًا جغرافية طبيعية، بل هي نتاج عمليات استعمارية عسكرية وسياسية. ومن هذا المنطلق، يصوّر مفهوم «القطاع» غزة كما لو كانت جزيرةً معزولة، مع أنها لم تكن كذلك يومًا. فقد كانت غزة، على مر تاريخها، ملتقىً لشبكات ثقافية واقتصادية وسياسية واجتماعية تربطها ببقية فلسطين وبمحيطها الإقليمي الأوسع.

أسهم هذا التأطير في ترسيخ تعبيرات مثل «السجن المفتوح» وهو من أكثر الأوصاف شيوعًا لغزة. ورغم أن هذه التعبيرات تهدف إلى إبراز قسوة الحصار المفروض على غزة، فإنها قد تُسهم أيضًا في تكريس النظر إليها بوصفها مكانًا مغلقٍا ومنفصلًا عن المحيط الفلسطيني.

كثير من هذه التصورات (عن إعادة الإعمار) تعيد إنتاج افتراضات استعمارية مألوفة؛ إذ تتعامل مع غزة بوصفها مساحةً قابلة لإعادة التشكيل وفق أجندات خارجية، تستند في الغالب إلى نماذج تنموية مفرطة الرأسمالية تقوم على المضاربة الإستثمارية Share on X

إن مقاربة غزة بوصفها أرضًا ذات سيادة أصلانية للشعب الفلسطيني تتطلب منظورًا مختلفًا؛ منظورًا يضعها في سياقاتها التاريخية والمكانية الأوسع، ويُدرك كيف تتقاطع الأزمنة التاريخية المختلفة في حاضرها. ومن هذا المنظور، لا تُعد التجارة، والتبادل، والتنقل، والروابط الإقليمية جوانب ثانوية في حياة غزة، بل هي عناصر أساسية في تطورها التاريخي، شأنها في ذلك شأن سائر المدن.

يترتب على تصوير غزة إقليمًا محدودًا ومعزولًا افتراضُ أن سكانها مطالبون بتحقيق الاكتفاء الذاتي داخل حدود فُرضت عليهم. وعندما يتبين استحالة ذلك، يُعزى الإخفاق غالبًا إلى غزة نفسها، في حين أن المشكلة لا تكمن في سكانها، بل في الحدود والقيود الاستعمارية التي قطعت صلتها بالشبكات التي اعتمدت عليها تاريخيًّا. لذلك، من الضروري أن نتحرى الدقة في اختيار المفردات التي نصف بها غزة؛ فالأطر التي نفهمها من خلالها قد تُسهم بسهولة في تطبيع واقع العزلة، وتحجب الروابط الإقليمية الأوسع التي شكّلت تاريخها وما تزال تشكّل حاضرها.

نور جودة

شكّلت غزة أكبر أقاليم فلسطين تاريخيًّا، إذ بلغت مساحتها نحو ثمانية وثلاثين ضعف مساحة القطاع الحالي. لذلك، فإن مجرد الإشارة إلى غزة، دون توصيف إضافي، تستحضر ضمنًا علاقاتها التاريخية وترابطها مع محيطها. بالنسبة لي، هذا هو المعنى الحقيقي للنظر إلى غزة بوصفها أرضًا ذات سيادة أصلانية للشعب الفلسطيني.

إذا اعتبرنا أن المكان يتشكل من خلال الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية لسكانه، لا بفعل التدخل الاستعماري، فإن غزة تجسد ذلك بوضوح. فقد تطورت رغم المحاولات المتكررة لتقييدها وإخضاعها اقتصاديًّا. وكما أوضحت سارة روي، سعت السياسات الإسرائيلية إلى إنشاء اقتصاد أسير من خلال ما سمّته «تعطيل التنمية» (de-development). غير أن الفلسطينيين واجهوا ذلك بالاستثمار في التعليم، والهجرة من أجل العمل، والتحويلات المالية، وأنماطٍ من التنمية العمرانية والاجتماعية التي رفضت الخضوع لمنطق الاحتلال.

كثيرًا ما نغفل أن عزل غزة ظاهرة حديثة نسبيًّا في سياقها التاريخي. فحتى عام 1967، كان والدي يسافر بالقطار من القاهرة إلى غزة خلال العطل الدراسية، لكن بعد حرب 1967، جرى تفكيك خط السكة الحديدية، واستُخدمت مواده في إنشاء البنية التحتية التي أقامها الاحتلال في سيناء. مثل هذه الأمثلة تذكرنا بأن التنقل، والترابط، والاندماج الإقليمي كانت جميعها جزءًا أصيلًا من الحياة في غزة.

في نظري، لا تُعرَّف غزة، في المقام الأول، بالحصار، وإن أصبح حقيقةً لا مفر منها. ولا تُعرَّف كذلك بالمأساة الإنسانية وحدها. فعندما أفكر في غزة، أفكر في الشاطئ وبيوت العائلة في رفح ودير البلح، وحكايات والدي عن السفر بالقطار، ووصول العائلات المهجَّرة عام 1948. أفكر أيضاً في أماكن مثل الشجاعية، التي تحولت من تجمع صغير نسبيًّا إلى مجتمع حضري نابض بالحياة بفضل جهود أهلها. وأفكر في تدريب والدتي على أعمال الدفاع المدني عام 1967. هذه هي طبقات التاريخ التي لا تزال تشكّل حاضرنا.

غالبًا ما يصعب شرح هذه التجارب لغير الفلسطينيين، ولا سيما لمن يتعاملون مع غزة، في المقام الأول، بوصفها موقعًا للإبادة والمحو والحصار. فغزة، وجنوب فلسطين عمومًا، لم ينحصرا يومًا في الرقعة التي نطلق عليها اليوم اسم «قطاع غزة». وحين أسمع ملامح اللهجة الغزاوية في تلال الخليل، أتذكر الجغرافيا التاريخية والاجتماعية الأوسع لجنوب فلسطين.

من أبرز خصائص الاستعمار الاستيطاني نزعتُه إلى اختزال الزمن في الحاضر. ولا يعني ذلك أن المستوطنين لا يتخيلون مستقبلًا لأنفسهم، بل إنهم يسعون إلى حصر الماضي، وإغلاقه، وتجريده من أهميته، وتصوير الواقع القائم على أنه ثابت وحتمي. أما التجربة الفلسطينية للزمن فتنطوي على منطق مغاير؛ إذ لا تنظر إلى الماضي والحاضر والمستقبل بوصفها أزمنة منفصلة، ولا تعيشها بوصفها مراحل متعاقبة على خط زمني مستقيم، بل بوصفها أزمنة متداخلة، يؤثر بعضها في بعض على الدوام.

لهذا السبب، لا يمكن فهم غزة، شأنها شأن يافا أو نابلس أو أي مدينة فلسطينية أخرى، من خلال واقعها الراهن وحده. فالتعامل مع غزة بوصفها أرضًا ذات سيادة أصلانية للشعب الفلسطيني يقتضي استحضار تاريخها كاملًا، وإمكاناتها المستقبلية، وعلاقاتها العضوية بالأماكن والمجتمعات المحيطة بها. وهذا يعني فهم غزة بوصفها جزءًا لا يتجزأ من الجغرافيا الفلسطينية الأوسع، لا جيبًا معزولًا.

كيف يمكن فهم الدمار الذي نشهده اليوم في غزة في ضوء التاريخ الأصلاني المتجذّر في جغرافيتها؟

نور جودة

قرأتُ مقالًا لإيال وايزمان يستند إلى شهادة سائق جرافة إسرائيلي. يستمد المقال عنوانه من قول ذلك السائق إنه «بعد التدمير، لن يجدوا إلا الرمال»، هذا القول يفترض أن الفلسطينيين سيعودون فلا يجدون شيئًا مما ألفوه، وكأن معالم المكان نفسها قد مُحيت.  في السياق ذاته تجد تقارير تفيد بأن معتقلين فلسطينيين نُقلوا معصوبي الأعين إلى مناطق مدمرة، ثم كُشفت أعينهم لإرباكهم وإيهامهم بأنه لم يعد هناك ما يمكن العودة إليه. في كلتا الحالتين، يقترن التدمير المادي بمحاولة للتدمير النفسي. فالهدف ليس هدم المباني فحسب، بل إقناع الناس بأن صلتهم بالمكان قد انقطعت.

أرى أن مثل هذه المزاعم تبعث على قلق عميق، ليس لأن الدمار غير حقيقي، فهو حقيقي على نحوٍ مفجع، بل لأنها تفترض أن إزالة البيئة العمرانية كافية لمحو المكان ذاته. كما تفترض أن علاقة الإنسان بالمكان تعتمد كليًّا على بقاء المباني والشوارع. الحال هو أننا لا نعيش في عالم يفقد فيه الناس قدرتهم على الاهتداء إلى المكان لمجرد أن معالمه قد تغيّرت. والأهم من ذلك أن الأماكن لا يمكن اختزالها في منشآتها المادية.

التعامل مع غزة بوصفها أرضًا ذات سيادة أصلانية للشعب الفلسطيني يقتضي استحضار تاريخها كاملًا، وإمكاناتها المستقبلية، وعلاقاتها العضوية بالأماكن والمجتمعات المحيطة بها Share on X

مع ذلك، إذا أردتُ أن أكون صريحة تمامًا، فإن شيئًا في داخلي قد انكسر مع سقوط رفح. لكن رفح لم تختفِ. فهناك معرفة متجذرة في تلك الأرض لا تستطيع أي جرافة اقتلاعها. لا أقول ذلك بدافع الرومانسية، بل أقصد أن العلاقة بالمكان تُحمل عبر الذاكرة، والتعايش، وروابط القرابة، والخبرات المتراكمة. هذا لا يقلل من هول ما فُقد، ولا ينتقص من حقيقة الاقتلاع وسلب الأرض، لكن الدمار وحده لا يستطيع أن يحقق ذلك المحو الجذري للمكان الذي يتصوره القائمون عليه. فالأماكن لا تنتهي ببساطة.

يوجّه هذا الإدراك كثيرًا من عملي الحالي حول الطبوغرافيا الزمنية، التي ترى أن الأماكن تختزن تاريخ، وذكريات، ومعارف متجسدة تتراكم عبر أجيال متعاقبة من السكن والتجذّر في المكان. فماذا يعني أن نفهم الزمن بوصفه متجذرًا في الجغرافيا؟ في رفح، كان الناس يتحدثون عن معرفتهم الدقيقة بعدد الخطوات على امتداد الشاطئ من الحدود المصرية إلى أخطر مكان للسباحة. مثل هذه المعارف لا تزول لمجرد تدمير طريق أو تسوية حي بالأرض، فهي جزء من علاقة أعمق بالمكان.

من المهم أن نتيح لأنفسنا مساحة للحزن والغضب والأسى، مع رفض الاعتقاد بأن التدمير قادر على محو المكان محوًا كاملًا. فقد تُدمَّر البيئة العمرانية، وتُهجَّر المجتمعات؛ لكن التواريخ، والذكريات، والعلاقات الاجتماعية، وأشكال المعرفة التي تُشكِّل المكان تظل باقية بطرق يصعب تدميرها. وهذا البقاء، بدوره، جزء من جغرافية المكان.

دينا قدومي

أعتقد أننا نمتلك اليوم رصيدًا هائلًا من الوثائق التي سعت إلى توثيق الدمار الذي طال مختلف مناحي الحياة في غزة، وتصنيفه وقياسه وفهمه. من الناحية التحليلية، يُبرز هذا الدمار، ولا سيما عند النظر إليه من منظور الأصلانية للعمران، أن الإبادة العمرانية أصبحت تكتيكًا رئيسيًا في الإبادة الجماعية. فتدمير البيئات الحضرية ليس مجرد أثر جانبي للعنف الإبادي، بل يشكل، في كثير من الأحيان، أحد تكتيكاتها الرئيسية.

غير أننا نشهد في الوقت نفسه تصورات متباينة لمستقبل غزة، تتجلى بوضوح في السجالات المتعلقة بإعادة الإعمار. كثير من هذه التصورات تعيد إنتاج افتراضات استعمارية مألوفة؛ إذ تتعامل مع غزة بوصفها مساحةً قابلة لإعادة التشكيل وفق أجندات خارجية، تستند في الغالب إلى نماذج تنموية مفرطة الرأسمالية تقوم على المضاربة الإستثمارية وتتجاهل النسيج الاجتماعي والثقافي والمكاني القائم، فضلًا عن حجب مسؤولية الأطراف التي تسببت في الدمار من أساسه.

إلى جانب هذه القضايا التحليلية، ثمة أيضًا بُعدٌ شخصي عميق. مثل نور، عشتُ أنا أيضًا، طوال هذه الإبادة الجماعية، لحظات من الأسى بدت لي وكأنها تُعاش بالجسد، لا بالنفس وحدها. جاءت إحدى تلك اللحظات في وقت مبكر، حين أُجبر سكان شمال غزة على النزوح نحو الجنوب. فجأة وجدتُ نفسي أتخيل أفراد عائلتي عام 1948 وهم يسلكون الطريق نفسها من يافا. لم يكن والدي قد بلغ عامه الأول آنذاك. تخيلته رضيعًا بين أشقائه، وللمرة الأولى شعرت بأن تلك التجربة أصبحت مباشرة ومتجسدة على نحو لم أشعر به من قبل.

لم يسبق لي أن زرت غزة. ومع ذلك، فإن صلتي بها، بصفتي فلسطينية، لم تزد إلا عمقًا بعد كل ما حدث. وما ترسّخ في ذهني خلال هذه الفترة ليس غزة بوصفها موقعًا للدمار فحسب، مهما بلغ هذا الدمار من فداحة، بل بوصفها أيضًا أرض المقاومة والإبداع والصمود الجماعي.

هذا لا يقلل من حجم المعاناة أو فداحة الخسائر. لكنه يعني أيضًا أنني مطالبة، بصفتي فلسطينية في الشتات، بالانخراط مع غزة بطرق تتجاوز حصرها في الدمار الذي أُلحق بها. فحتى في خضم هذا الدمار الهائل، تظل غزة مكانًا تشكِّله قدرات سكانها، وتاريخهم، وتطلعاتهم، وهم الذين يواصلون تشكيل هذا المكان وتعريفه.

كيف تتجلى أشكال الحوكمة المكانية الاستعمارية في الخطط الأخيرة المطروحة لغزة، والتي تروج لها إدارة ترامب وأطراف في المجتمع الدولي؟

نور جودة

أكثر ما تكشفه هذه المقترحات بوضوح هو منطق إمبريالي واستعماري أوسع نطاقًا. فهي تنطلق من افتراض أن القوى الخارجية المهيمنة تملك حق إعادة تشكيل الأراضي الفلسطينية وتقرير مستقبل الفلسطينيين. 

تنطلق هذه الخطط، في معظمها، من الواقع المكاني الجديد الذي تمخضت عنه الإبادة الجماعية. فهي تفترض أن أنماط التركز السكاني والنزوح الجديدة في أماكن مثل خان يونس ودير البلح ستستمر، بينما تتعامل مع الدمار الذي أصاب شمال غزة ورفح على أنه الواقع المكاني الجديد الذي ينبغي البناء عليه. باعتمادها الجغرافيا التي أنتجتها الإبادة الجماعية أساسًا للتخطيط، تتجنب هذه المقترحات معالجة القضية الأساسية: هل ستُتاح لتلك المجتمعات فرصة العودة، وكيف يمكن ضمان ذلك؟ 

تغفل هذه الخطط حقيقة أن الفلسطينيين يعيدون بالفعل بناء البنية التحتية. يروي الأصدقاء والأقارب أن المجتمعات المحلية ترتجل حلولًا مؤقتة لتوزيع المياه، وتُعيد تشغيل الخدمات الأساسية، وتبتكر وسائل جديدة لتسيير الحياة اليومية رغم انهيار المؤسسات البلدية. فالناس لا ينتظرون خطط إعادة إعمار خارجية، بل يجدون سبلًا لمتابعة حياتهم اليومية بأنفسهم في ظل ظروف بالغة الصعوبة.

دينا قدومي

تتصور كثير من هذه المقترحات غزة بوصفها «مدينة-دولة» (city-state)، رغم أن أحدًا لا يعدّها دولة ذات سيادة فعلية.  ويتجلى ذلك في تشبيه غزة المتكرر بسنغافورة أو دبي، وكذلك في رؤيةٍ لها تتمحور حول المضاربة العقارية، والسياحة وتعظيم القيمة السوقية لسواحلها. تنظر هذه المقاربات إلى علاقة غزة بالبحر كأصل اقتصادي، وليس بوصفها جزءًا من جغرافيتها الاجتماعية والتاريخية والمكانية الأوسع.

تثير هذه المقترحات أيضًا تساؤلات حول المراقبة والحوكمة القائمة على التكنولوجيا. فالأطراف نفسها التي روجت لاستخدام الذكاء الاصطناعي في العمليات العسكرية باتت تؤدي دورًا متناميًّا في النقاشات المتعلقة بإعادة الإعمار والتخطيط العمراني والتصميم الحضري. كل هذا يفتح الباب أمام احتمال أن تتحول غزة إلى ساحة تجريب لنماذج جديدة من الحوكمة الحضرية القائمة على الذكاء الاصطناعي، حيث تصبح الكفاءة والرصد واستخلاص البيانات جزءًا من عملية إعادة الإعمار نفسها، قبل أن تُصدَّر تلك النماذج إلى أماكن أخرى.

هذه مخاطر جسيمة تستحق قدرًا كبيرًا من الانتباه. ومع ذلك، فإنني أتحفظ على تكريس قدر كبير من الجهد لتحليل كل تفصيل في خطط قد لا ترى النور أبدًا. فلعل أحد أهدافها يتمثل في صرف انتباهنا عن الإبادة الجماعية المستمرة.

كيف يمكن أن تتجسد رؤية أصلانية لإعادة إعمار غزة؟

نور جودة

كثيرًا ما نصوغ هذا السؤال بلغة أكاديمية بوصفه سؤالًا حول «مَن يُوضَع في المركز»، لكن ما نقصده في الحقيقة هو: مَن يقود؟ ومَن يملك سلطة رسم مستقبل مكانٍ ما؟

ترتكز الرؤية التي أربطها بإعادة الإعمار الأصلانية على استعادة الأرض، وهي قضية ظلت في صميم نضالات الشعوب الأصلية من أجل التحرر. وفي السياق الفلسطيني، يعني ذلك أيضًا وضع إعادة الإعمار في إطار المشروع الأشمل لتحرير فلسطين، بما يشمل الفلسطينيين المقيمين على أرضهم والمهجَّرين عنها.

لا تبدأ عملية إعادة الإعمار بالبناء، ولكن باستعادة الأرض. الخطوة الأولى هي العودة، وأن يتمكن الناس من العيش معًا في المكان من جديد Share on X

كثيرًا ما أتذكر مسابقة إعادة إعمار القرى التي نظمتها جمعية الأرض الفلسطينية، والتي أعاد فيها طلاب العمارة تصميم القرى الفلسطينية المُهجَّرة والمُطهَّرة عرقيًّا. كان أحد المشروعات المفضلة لدي من إعداد بعض طلاب الجامعة الأمريكية في بيروت. تميز هذا المشروع عن المشروعات الأخرى بأنه لم يقدم مخططًا تفصيليًّا لإعادة بناء القرية نفسها. بل صمم الطلاب منشأةً جماعيةً مركزية. تضمن المقترح إنشاء سد يعيد تأهيل شبكة المياه في القرية ويعيد إحياء عين الماء، إلى جانب تدخلات أخرى صُممت لدعم الحياة الجماعية. حين سألتهم لماذا لم يضعوا مخططًا للقرية نفسها، أجابوا بأنهم لم يريدوا أن تتحول إلى ما يشبه المستوطنة. كان منطقهم بسيطًا: القرى والمدن لا تنشأ لأن أحدًا يرسمها على خريطة ثم يبنيها؛ بل تتشكل تدريجيًّا مع مرور الزمن من خلال العلاقات الاجتماعية، والممارسات اليومية، وحياة السكان أنفسهم. ثمة شيء في هذه المقاربة يجعلها مقنعة جدًّا؛ إذ تطرح أسئلة جوهرية حول السكن والبيئة العمرانية والطريقة التي يُنشئ بها الناس الأماكن عبر علاقاتهم الاجتماعية، وتقترح أيضًا طريقة مختلفة للتفكير في إعادة الإعمار.

من هذا المنظور، لا تبدأ عملية إعادة الإعمار بالبناء، ولكن باستعادة الأرض. الخطوة الأولى هي العودة، وأن يتمكن الناس من العيش معًا في المكان من جديد، وعندها فقط يمكن أن تتشكل ملامح إعادة إعمار المكان من خلال أهله. تقوم معظم الخطط المطروحة اليوم على افتراض أن القرارات المتعلقة بمستقبل غزة يمكن أن تُتخذ في الخارج ثم تُفرض على أهلها. أما المقاربة الأصلانية، فتنطلق من مبدأ معاكس تمامًا، وهو أن الأشد تضررًا من الدمار هم أصحاب الحق في تحديد معنى إعادة البناء، ورسم المستقبل الذي يريدون. ومهما كانت العقبات، فإن أهل غزة لم يتخلوا عن هذا الحق.

دينا قدومي

تكمن الصعوبة في أن إعادة الإعمار في غزة يجب أن تتم على عدة مستويات بالتوازي. فمن جهة، هناك احتياجات عاجلة وملحة، مثل توفير المياه والصرف الصحي والسكن والرعاية الصحية والتعليم وسائر المرافق الأساسية. ومن جهة أخرى، تبرز القضية طويلة الأمد المتمثلة في كيفية التخطيط والتصميم لمستقبل لا يزال غامضًا، ولا سيما في ظل استمرار تهميش القضية الفلسطينية الأوسع في النقاشات المتعلقة بمستقبل غزة.

لا بد أن تتفاعل أي مقاربة جادة لإعادة الإعمار أيضًا مع التاريخ العمراني القائم لغزة. ولا يجب أن يقتصر ذلك التاريخ على مدينة غزة وحدها، بل يشمل أيضًا مخيمات اللاجئين فيها، وما شهدته من علاقات اجتماعية عبر عقود من التهجير والتكيُّف وبناء المجتمع. فإعادة الإعمار ليست مجرد مهمة تقنية لتعويض ما دُمِّر من بنى تحتية. بل يجب أن تراعي المشاهد التاريخية والاجتماعية التي تمنح تلك الأماكن معناها.

وفي الوقت نفسه، قد تقتضي إعادة الإعمار اعتماد أنماط بناء مختلفة عما كان موجودًا سابقًا، ولا سيما إذا رأت المجتمعات المحلية أن هناك خيارات أصلح لتلبية احتياجاتها. وهنا تبرز أسئلة جوهرية تتعلق بالمشاركة والتمثيل واتخاذ القرار. فمن الذي يحدد الأولويات؟ ومن الذي يقرر ما يُعاد بناؤه وأين ولصالح من؟ في نهاية المطاف، أي نقاش حول إعادة الإعمار يجب أن يتعدى الخبرة التقنية ليشمل أيضًا نقاشًا سياسيًّا جماعيًّا حول شكل المستقبل المنشود، ومن سيستفيد منه.

قد تفيد الأدلة الإرشادية والنماذج، لكن إعادة إعمار غزة ستتشكل في نهاية المطاف وفق أولويات سكانها، وظروفهم، وتطلعاتهم Share on X

حين تُخطط مساحات شاسعة وتُشيَّد دفعة واحدة، فإن العلاقات الاجتماعية التي تنشأ عادةً عبر الإنتاج التدريجي للمكان لا تتشكل على النحو المعتاد. فالمدن والأحياء تتطور عبر مسارات متواصلة من السكن والتكيُّف والحياة الجماعية. وهذه الطبيعة العضوية لا يمكن استحداثها بمجرد تصميم مخطط عمراني. 

ومع ذلك، فأنا لا أتبنى الاعتقاد بأن البيئات المخططة تفتقر بالضرورة إلى الأصالة أو تعجز عن اكتساب معنى. فالفضاءات الحضرية تتشكل دائمًا بفعل الزمن؛ إذ يسكنها الناس ويكيِّفونها ويبنون فيها علاقات اجتماعية، ثم يعيدون تشكيلها في نهاية المطاف من خلال ممارساتهم المكانية اليومية. ولذلك، فإن القضية ليست التخطيط في حدِّ ذاته، بل من الذي يستفيد من إعادة الإعمار، ومن يملك زمام المبادرة فيها. لا ينبغي أن يقتصر دور سكان غزة على مجرد استشارتهم؛ بل يجب أن يكونوا المستفيدين الحقيقيين من جميع مراحل إعادة الإعمار، وأن يتولوا بأنفسهم تشكيل المكان مع مرور الوقت.

هذا يعيدنا إلى مبدأ أخلاقي يقوم على استرداد الأرض ورعايتها. فالأصلانية ليست مجرد هوية فردية أو تجربة ذاتية، بل هي في جوهرها تجربة جماعية. وعليه، يصبح السؤال: كيف يمكن أن تسهم إعادة الإعمار في صون العلاقات الاجتماعية التي تستند إليها الحياة الجماعية وتعزيزها؟

كيف يمكن لجهود إعادة الإعمار الخارجية أن تدعم الخبرات والمبادرات الفلسطينية في غزة، بدلًا من أن تحل محلها؟

دينا قدومي

على الأرض في غزة، يواصل الفاعلون المحليون، ومنهم أصحاب الخبرة في الإدارة البلدية والخدمة العامة، البحث عن سبل لتأمين الموارد والحفاظ على استمرارية الحياة اليومية في ظل ظروف بالغة الصعوبة. بدأت بالفعل تظهر مجموعة واسعة من المبادرات ومقترحات إعادة الإعمار، مثل «خطة الفينيق». تركز المقترحات على التدخلات الأكثر إلحاحًا على المستوى المحلي، وتشمل تجريب مواد بناء بديلة، وجهودًا مجتمعية لاستعادة خدمات المياه، والصرف الصحي، والكهرباء، وغيرها من أشكال البنى التحتية الارتجالية التي تستجيب للاحتياجات المُلحَّة.

لا أعتقد أن الفلسطينيين في غزة يفتقرون إلى الخبرة اللازمة لإعادة بناء مجتمعاتهم؛ فلا أحد أدرى ببيئتهم منهم. لقد عاشوا هذه الظروف بأنفسهم، وشقوا طريقهم خلالها، وراكموا معارف متجذرة في المكان. فالتصميم الجيد يرتبط دائمًا بالسياق الذي يتشكل فيه. فهو ينبع من جغرافية المكان، وتاريخه، وعلاقاته، واحتياجات سكانه. ولا يمكن لأي مخطط خارجي أن يحل محل هذه المعرفة. وقد تفيد الأدلة الإرشادية والنماذج، لكن إعادة إعمار غزة ستتشكل في نهاية المطاف وفق أولويات سكانها، وظروفهم، وتطلعاتهم. وأي عملية إعادة إعمار ذات معنى لا بد أن تنطلق من هذه الحقيقة.

بالنسبة إلينا، نحن المقيمين خارج فلسطين، فإن دورنا يتمثل في مواصلة فضح العنف والظلم المنطوي عليهما في خطط إعادة الإعمار المفروضة من الخارج، والاحتجاج عليهما، مع إبراز مسؤولية إسرائيل عن الإبادة الجماعية وما رافقها من إبادة عمرانية. كما ينبغي كذلك للمعماريين، ومخططي المدن، والمهندسين، وسائر المختصين، الامتناع عن المشاركة في مشروعات تعيد إنتاج ظروف الاقتلاع أو تكرّس أشكالًا استعمارية لإعادة الإعمار.

كيف ينبغي فهم إعادة إعمار غزة في سياق النضال الفلسطيني الأوسع من أجل التحرر؟

نور جودة

من أهم القضايا التي ينبغي إبقاؤها في صدارة النقاش قضية المسؤولية، ليس عن الدمار الذي شهدناه خلال السنوات الأخيرة فحسب، بل أيضًا عن قرن كامل من سلب الأرض والعنف الاستعماري الذي أفضى إلى الوضع الراهن. أي نقاش حول إعادة الإعمار يغفل هذا التاريخ ينطوي على خطر التعامل مع ما يحدث في غزة بوصفه مجرد حادث مؤسف، لا نتيجةً لمشروع استيطاني استعماري إسرائيلي متواصل. كما أنه يحجب التاريخ الطويل للمقاومة المكانية الفلسطينية، التي ما فتأت تناهض هذا المشروع.

في جوهرها، تمثل المقاومة المكانية رفضًا ليس للاقتلاع والمحو فحسب، بل أيضًا للخرائط المفروضة التي تحدد من هم الفلسطينيون وأين ينبغي أن يكونوا. يتجلى ذلك في تفاصيل الحياة اليومية في غزة: في المطابخ المجتمعية، والمدارس، ومبادرات إعادة الإعمار المحلية، وأشكال التكافل المتبادل التي لا تُحصى. كما يتجلى عبر التاريخ: في أعقاب النكبة، وبعد النكسة، وخلال الانتفاضات، وفي مسيرة العودة الكبرى، وفي السابع من تشرين الأول/أكتوبر، وفي أشكال لا تُحصى من الفعل الجماعي عبر الأجيال.

ومن ثم، فإن كثيرًا من الأسئلة التي ناقشناها اليوم لا تخص غزة وحدها. فلننظر مثلًا إلى جنين وما تعرض له مخيمها من اعتداءات متكررة في السنوات الأخيرة. ماذا تعني إعادة الإعمار بالنسبة إلى مجتمع ظل يُنظر إلى وجوده في ذلك المكان على أنه مؤقت، حتى بعد مرور ثمانين عامًا؟ لم تُنشأ مخيمات اللاجئين لتكون أماكن إقامة دائمة، لكنها تحولت في كثير من الحالات من تجمعات للخيام إلى مجتمعات عمرانية نابضة بالحياة. الأمر نفسه ينطبق على كثير من الأماكن في غزة؛ فما بدأ كملاجئ مؤقتة أصبح، بفعل حياة من سكنوها، أحياءً، وبلدات، ومدنًا.

إن الزمن يغيّر علاقاتنا بعضنا ببعض، كما يغيّر علاقتنا بالأماكن التي نسكنها. ولهذا تحديدًا، يمكن فهم جانب كبير من النضال الفلسطيني من أجل التحرر بوصفه صراعًا على المكان، كما يمكن فهم جانب كبير من الصمود الفلسطيني بوصفه شكلًا من أشكال المقاومة المكانية.

العضوة السياساتية في الشبكة نور جودة أستاذة مساعدة في قسم الدراسات الأمريكية الآسيوية بجامعة كاليفورنيا في لوس أنجلوس. حصلت نور على درجة الدكتوراه في الجغرافيا من الجامعة نفسها، حيث تناولت أطروحتها جهود المجتمعات الفلسطينية وسكان هاواي لتخيُّل مستقبلٍ محرر من خلال ممارسات رسم خرائط السكان الأصليين. تعمل حاليًّا على مسودة كتاب بعنوان Future Histories (التواريخ المستقبلية)،تبحث فيه كيف تُسهم تصورات الشعوب الأصلية للزمن في فلسطين وهاواي في تشكيل نضالات التحرر. وهي حاصلة على درجة الماجستير في الدراسات العربية من جامعة جورج تاون.

دينا قدومي باحثة في سياسات المدن والبيئة العمرانية. قامت بتنسيق منهج “فلسطين: الفضاءات والسياسة“.

أحدث المنشورات

 المجتمع المدني
يشارك في الندوة رؤوف فرّاح، محرر الكتاب، إلى جانب صالح حجازي ومها عبد الله وفتحي نمر، وهم من مؤلفي فصول الكتاب، فيما يتولى فتحي نمر أيضاً تيسير الحوار. وستتناول الجلسة أبرز الإسهامات التي يقدمها الكتاب في فهم العلاقات التاريخية والمعاصرة بين النضالات الأفريقية والفلسطينية، كما ستتيح فرصة للنقاش مع المشاركين حول قضايا التضامن الدولي، والتحرر، وإنتاج المعرفة في سياقات مقاومة الاستعمار.
تكشف الآراء الاستشارية الصادرة عن محكمة العدل الدولية بشأن فلسطين عن الإمكانات والحدود التي ينطوي عليها القانون الدولي، في ظل ما يتعرض له من تدقيق متزايد على خلفية الإبادة الجماعية المستمرة التي يرتكبها النظام الإسرائيلي في غزة ومشروعه الاستعماري الاستيطاني الأوسع في فلسطين. وانطلاقًا من الإقرار بالفجوة بين المبادئ القانونية وآليات إنفاذها السياسية، يناقش هذا الموجز السياساتي سبل الاستفادة من هذه الآراء لتعزيز المساءلة القانونية والدبلوماسية على المستويين الدولي والوطني. ويجادل بأن هذه الآراء تتيح فرصة لتوسيع إطار الخطاب القانوني المتعلق بفلسطين بما يتجاوز المقاربة السائدة في منظومة الأمم المتحدة، التي تحصر القضية الفلسطينية في إقامة دولة ضمن حدود عام 1967، وإعادة التأكيد على حق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير ضمن إطار تحرري أشمل يهدف إلى إنهاء الاستعمار الاستيطاني وتحقيق العدالة للشعب الفلسطيني بأكمله.
Al-Shabaka Dana Farraj
دانا فرّاج· 01 يوليو 2026
تُعيدُ الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران ولبنان والإبادة الجماعية المتواصلة في فلسطين تشكيل المشهد السياسي في المنطقة. فتُعاد صياغة التحالفات من جديد، وتخضع الفرضيات القديمة حول القوة الأمريكية للاختبار. وفي الوقت ذاته، تُبرزُ الحربُ ارتباطَ الاقتصاد العالمي الوثيق بالوقود الأحفوري، وبمكانة الخليج الاستراتيجية ضمن شبكات الطاقة والتجارة العالمية. في هذه الحلقة النقاشية، يستعرض المحللان الفلسطينيان ديانا بطو وآدم هنية ما تكشفه هذه اللحظة التاريخية من تحولات في بنية القوة الإمبريالية الأمريكية، وفي ملامح النظام الإقليمي الآخذ في التشكّل، وما تطرحه هذه التحولات من دلالات وتحديات أمام النضال من أجل تحرير فلسطين.