المواضيع
طالعوا تحليلاتنا بخصوص المجتمع المدني وسُبله في رسم ملامح المشهد الثقافي والسياسي والسياساتي.
طالعوا استشرافاتنا بخصوص تغيرات المشهد السياسي وتداعياتها على فلسطين
استزيدوا معرفةً بالسياسات والممارسات التي تحدد شكل الاقتصاد الفلسطيني
تعرَّفوا أكثر على الأوضاع الفريدة التي يعيشها اللاجئون الفلسطينيون في الشرق الأوسط
التحليلات
تحليلات متعمقة للسياسات الحالية أو المتوقعة التي تؤثر في إمكانيات التحرير الفلسطيني.
رؤى ووجهات نظر حول المسائل الاجتماعية والسياسية والاقتصادية المتعلقة بفلسطين والفلسطينيين حول العالم.
تحليلات موجزة لسياسات محددة وخلفياتها وآثارها.
تعقيبات تضم رؤى متنوعة من محللين متعددين.
تجميعات لأعمال سابقة أنجزتها الشبكة حول موضوع محدد.
مشاريع مطوَّلة ومخصصة تسعى إلى الإجابة عن أسئلة بحثية تقع خارج نطاق تحليلاتنا المعتادة.
مبادرة بحثية معنية بالسياسات أطلقتها الشبكة: شبكة السياسات الفلسطينية.
سلسلة ندوات شهرية عبر الإنترنت تجمع خبراء فلسطينيين.
متميز



اشتركوا في نشرة الشبكة البريدية الآن لتصلكم أحدث التحليلات السياساتية الفلسطينية على بريدكم الإلكتروني:
عائلات غزة: في معنى الصمود الجماعي
مقدمة
منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023، أفرزت الإبادة الجماعية التي يرتكبها النظام الإسرائيلي سرديتين راسختين وشديدتي الاستقطاب حول غزة، تتمحوران حول ثنائية حادّة وتُتداولان عبر المجتمعات الفلسطينية وعلى المستوى العالمي. فمن جهة، تُصوَّرغزة بوصفها قلعة عصية: بقعة لم تستسلم، صمدَ سكانها أمام عنفٍ غير مسبوق دون انكسار، وفشل أمامها النظام الإسرائيلي في تحقيق أهدافه الحربية المعلَنة رسميًّا. ومن جهة أخرى، تصور غزة على أنها مسرحٌ لدمار شبه كامل: مناطق شاسعةٌ أُفرغت من سكانها وصُنفت مناطق محظورة، ومدنٌ بأكملها غدت ركامًا، وعشرات الآلاف من الشهداء والمصابين، وحياةٌ اجتماعية دُفعت إلى حافة الفناء.
تتداول هذه الثنائية باستمرار في المحادثات اليومية، وعلى منصات التواصل الاجتماعي، وفي التحليلات السياسية، وداخل العائلات نفسها. وهي ليست ثنائية زائفة أو سطحية؛ فكلتا الروايتين تعكسُ جوانبَ حقيقيةً ومعاصرة لحال غزة، ولكن تعجز أيٌّ منهما، بمفردها، عن تفسير صمود الفلسطينيين وبقائهم، وكيف شهدوا تمزق تفاصيل حياتهم وعملوا على إعادة بنائها في خضم أهوال الإبادة.
وفي خضم هذا التوتر القائم، يُصاغ البقاء إمّا بوصفه مقاومة بطولية ذات قدرة غير محدودة، أو مجرد ضرورة تسلب الناس قدرتهم على الفعل السياسي وتحولهم إلى ضحايا لا حول لهم ولا قوة أمام واقع لا بديل له. يرى هذا التعقيب أنّ مثل هذه الصياغة تمثل سقطةً تحليلية وسياسية في الوقت نفسه. فلا يمكن فهم صمود غزة عبر ثنائية تصوِّر الفلسطينيين -سواء أفرادًا أو جماعات- إمّا بوصفهم مقاومين أبطال أو ضحايا سلبيين. بل يجب فهم الصمود في إطار تحرري مناهض للاستعمار، بوصفه ممارسةً جماعية ترتبط بسياق تاريخي، وعلاقات اجتماعية، وظروف مادية، تتشكل وتتطور وتستمر في ظل العنف الاستعماري المتواصل.
استعادة الصمود: منظور مناهض للاستعمار
في صيف عام 2003، على جدار زنزانةٍ معتمة في مركز تحقيق «المسكوبية» سيء السمعة في القدس، كتب أحد الأسرى: «الضرب لا يميت، والاعتراف خيانة». وتحتها، أضاف أسيرٌ آخر لاحقًا: «الضرب لا يميت، بس بيوجع». كانت غالبية الفلسطينيين المحتجزين في المسكوبية حين ظهرت هذه النقوش منخرطين في المقاومة المسلحة، وملتزمين سلفًا بأشكالٍ من النضال القائم على التضحية والتحمل.
ومع ذلك، فبينما تؤطّر العبارتان تجربة الأسيرعلى نحوٍ مختلف، فهما ليستا في تعارض. تُعبّر الأولى عن مطلقٍ أخلاقي يُفترَض فيه التحمّل سلفًا، ويُصاغ فيه الاعتراف بوصفه خيانة. أمّا الثانية فتهزّ هذا الإطلاق، وتثني معناه عبر إدخال الجسد وألمه إلى ما صُوِّر بوصفه موقفًا أخلاقيًا مجرّدًا. وهي، في ذلك، لا تتخلّى عن منطق المقاومة، بل تعيد صياغته من داخله عبر الإصرار على واقعية الألم.
وعليه، عند قراءة الصمود من هذا المنظور، لا يمكن فهمه كموقف بطولي مطلق، ولا اختزاله في اضطرار ناتج عن غياب البدائل. يتجلى الصمود بوصفه ممارسة متفاوتة ومحكومة بالظروف، تصيغها المعطيات المتغيرة مع مرور الوقت وعبر مختلف العلاقات. ويجمع هذا الفهم للصمود بين الالتزام والإنهاك، والتحدي والألم، داخل البُنى ذاتها التي تحيط به.
إن قراءة تجربة الصمود الفلسطينية من منظور ثنائي تعيد إنتاج ما أسماه إدوارد سعيد بالمنطق الاختزالي للتمثيل الاستشراقي، الذي يُسطِّح الشعوب المستعمرة، ويجردها من سياقها التاريخي، ويحبسها داخل قوالب جامدة. فهذه الثنائيات تُضفي عنفًا معرفيًّا من خلال طمس التنوع وإنكار تعقيد التجربة المعاشة. وتتماهى كذلك مع أطر التمثيل السائدة التي تختزل الفلسطيني إما في صورة ضحية سلبية محاصرة بقوى خارجية، أوفي صورة «الإرهابي» العنيف، بما يحجب أي فهم حقيقي لواقع الحياة الاجتماعية والسياسية.
كلا الإطارين إقصائي؛ فالرواية البطولية للصمود تُهمّش من يمرّون بمشاعر الإنهاك أو الانهيار أو التردد، بينما تطمس رواية الضحية عشرات الآلاف من المقاومين وغيرهم ممّن يتمسكون بالبقاء رغم التهديدات الوجودية. وفي المقابل، يرفض المنظور التحرّري لمفهوم الصمود هذه الاختزالات عبر التركيزعلى التفاعل بين البُنى الاستعمارية التي تقيّد الحياة الفلسطينية، وأشكال النضال التي يطوّرها الفلسطينيون ضمن هذه الشروط القسرية. من هذا المنظور، لا يكون الصمود إراديًّا ولا قسريًّا على نحوٍ مطلق، بل هو ممارسة تتشكّل ضمن العلاقات الإنسانية، وتستوعب طاقاتٍ متباينة ومتعددة من الصبر والجلد.
يفهم عديد من الباحثين الصمود بوصفه ممارسة متموضعة للبقاء، مرتبطة بسياقها، تتمثل في التمسك بالأرض في ظل محاولات الاقتلاع، بينما ينتقدون في الوقت نفسه توظيفه من قِبل النخب السياسية واختزاله في نموذج احتفائي ساكن. وانطلاقًا من هذا التصوّر، تتعامل العديد من الأدبيات النقدية مع الصمود بوصفه ممارسة تشاركية تقوم على العمل الجماعي والرفض الجماعي، مع التحذير من مغبة إضفاء طابع مثالي عليه أو تجميله بشكل يطمس معالم الإنهاك والتفتت.
ويتزايد فهم الصمود باعتباره متجذرًا في البنى التحتية الجماعية للحياة الحضرية والاجتماعية والعائلية، التي تكفل استمرارية الوجود بما يتجاوز القدرة الفردية على التحمل أو التمسك الشكلي بالبقاء. وينبع ذلك من كون مواجهة المحو الاستيطاني الاستعماري هدفًا فلسطينيًّا جماعيًّا، قائمًا على يقين بأن المشروع الصهيوني يستهدف الوجود والهوية والمستقبل الفلسطيني. لذلك، فإن الاقتصار على السرديات الفردية ينطوي على خطر تشويه الكيفية التي يُمارَس بها الصمود جماعيًا، ويحدّ من فهم دوافع التمسّك به أو الانسحاب منه في ظلّ العنف المفرط.
لا يكون الصمود إراديًّا ولا قسريًّا على نحوٍ مطلق، بل هو ممارسة تتشكّل ضمن العلاقات الإنسانية، وتستوعب طاقاتٍ متباينة ومتعددة من الصبر والجلد. Share on Xوكما لاحظ المنظّر المناهض للاستعمار فرانس فانون، فإن العنف الاستعماري لا يولِّد المقاومة فحسب، بل يسبب إنهاكًا يتراكم عبر الزمن أيضًا، بما قد يهدّد القدرات اللازمة للاستمرار في النضال. وبناءً عليه، فإن الصمود ممارسة متفاوتة ومرتبطة بالسياق ومحكومة بالقيود؛ إذ يمكن للشخص نفسه أن يظهر مستويات مختلفة من التحمل وفقًا للمعطيات والضغوط التي يواجهها. ومن هذا المنظور الواقعي، لا يظهر الصمود كموقف معلن، وإنما عملية تفاوض مستمرة مع الظروف المادية والمعنوية؛ قابلة للتعزيز أو التآكل أو الانهيار بمرور الوقت.
يتحدى هذا الفهم التحرري للصمود روايتين سائدتين. تصوِّر الأولى غزة بوصفها منطقة منكوبة غير صالحة للعيش، تتسم بدمارٍ كليّ لا رجعة فيه، ويُشكّل هذا المنطق أساسًا لمقترحات تفرض التهجير القسري، بما في ذلك مبادرات مثل صندوق غزة لإعادة التكوين والتسريع والتحول الاقتصادي. أمّا الثانية، فتصوِّر فلسطينيي غزة وكأنهم صامدون بالفطرة، قادرون على تحمّل الحصار والدمار والعنف الجماعي إلى ما لا نهاية، من دون أن ينال ذلك من عزيمتهم أو يؤدي إلى انكسارهم. وفي واقع الأمر، كلتا الروايتين تنطوي على خطر طمس المسؤولية تجاه الفلسطينيين في غزة. فعلى اختلافهما، تُضعف الروايتان الحاجة إلى التضامن والمحاسبة والانخراط المادي الضروري لإسناد الحياة في ظلّ العنف الممتد. ويتطلّب تجاوز هاتين السرديتين تفحّص الكيفية التي ييُمارَس بها الصمود فعليًا ورصد الفاعلين والعلاقات والظروف التي تُنتجه وتُسنده.
معالم الصمود في غزة
دمرت حرب الإبادة الجماعية الإسرائيلية المستمرة الأنظمة المدنية والاقتصادية والتخطيطية في غزة، وعملت على تفكيك البنى التحتية والخدمات التي تكفل استمرارية الحياة. وتستمر الحياة اليومية عبر ترتيبات مستحدثة، ترتكز على التكافل والتضامن والعون المتبادل. تتشارك العائلات والجيران الموارد الشحيحة، وتقدم المطابخ المجتمعية وجبات مشتركة، وتُنظَّم مراكز الإيواء المؤقتة والمخيمات بصورة جماعية، كما تنشأ شبكات رعاية أهلية لدعم الأطفال والجرحى وكبار السن في ظل غياب المؤسسات الفاعلة. ومع ذلك، لا تحلّ هذه الممارسات محل الهياكل القائمة كليًّا، بل تكمل عملها، أو تملأ الفراغ الناجم عن غيابها في كثير من المجالات. ورغم تفاوت تلك الجهود وما يعتريها من ضغوط داخلية، فإنها تُمكّن الناس من البقاء، وتحافظ على حدٍّ أدنى من قابلية العيش.
ويؤدّي أفراد العائلات في الشتات دورًا فاعلًا في إسناد صمود غزة عبر حشد الموارد المالية، وتنسيق الوصول إلى المساعدات، ونقل المعلومات، والحفاظ على أشكال الدعم العاطفي والسياسي عبر الحدود. وبذلك، يتشكّل البقاء اليومي داخل غزة من خلال بُنى تحتية من العلاقات التي تمتد خارج حدود القطاع، لتربط بين المرابطين داخله ومن هُجروا قسرًا أو يعيشون في الخارج. وكما تشير ريبيكا سولنيت، يمكن للحظات الكارثة أن تُفضي إلى أنماط أكثر تعاونية للمجتمعات البشرية. ففي غزة، صارت أنماط الرعاية الجماعية المرتجلة ركيزة أساسية لاستمرار الحياة تحت الإبادة المتواصلة.
كما أن هذا النظام البديل ليس عشوائيًّا أو ارتجاليًّا بصورة كاملة، وإنما يُدار من قِبل فاعلين محددين تولّوا الحشد وتسهيل الوصول إلى ما يمكن تسميته بمقومات الصمود. غير ان التفاوت في حضور هؤلاء الفاعلين، وتباين قدرتهم على تأمين الدعم المادي والمعنوي بمرور الوقت، يجعل الصمود ممارسةً متذبذبة وليس مستقرًا. ويمكن تصنيف هؤلاء الفاعلين عمومًا إلى فئتين رئيسيتين. أما الفئة الأولى، فتضم الجهات الفاعلة الرسمية والمؤسساتية، بما في ذلك البلديات والوزارات والمنظمات الدولية والمنظمات الأهلية المحلية. وأما الفئة الثانية، فتضم الفاعلين الاجتماعيين، مثل الأسر الممتدة والروابط العائلية والجيران والأصدقاء وشبكات الدعم غير الرسمية.
وكذلك، يمكن التمييز بين العوامل التي تُشكّل الصمود من خلال تقسيمها إلى موارد مادية وأخرى غير مادية. وتشمل الموارد المادية العناصر الملموسة والبُنيوية، مثل الوصول إلى المياه والغذاء والمأوى، والأرض والسكن، والدعم المالي، والرعاية الصحية، والأنشطة الاقتصادية المُدرّة للدخل. أمّا الموارد غير المادية، فتشمل الأبعاد العاطفية والاجتماعية والرمزية، بما في ذلك الرعاية، والشعور بالانتماء، والارتباط الاجتماعي، إلى جانب الإيمان الديني والالتزام الوطني. وتتجلّى هذه الأبعاد غير المادية في الممارسات اليومية في توزيع المسؤوليات، واتخاذ القرار الجماعي، ورفض التخلّي عن العائلة أو المكان رغم المخاطر القصوى. كما يوفّر الإيمان الديني والالتزام الوطني، في كثير من الأحيان، أُطرًا أخلاقية يُحتمل من خلالها الفقد وتُصان بها المعاني. ولا تتعايش هذه العوامل المادية وغير المادية فيما بينها فحسب، بل يعزّز بعضها بعضًا.
وبالتالي، يرسم تضافر الجهات الفاعلة والمقومات معًا معالم الصمود في غزة. ورغم تفاوت ثقلها وتأثيراتها، فإن تفاعلات تلك الجهات والمقومات هي ما يشكل قدرة الناس على البقاء والنزوح وإعادة البناء والتحمل تحت وطأة العنف المستمر.
العائلة في قلب المشهد
من بين الفاعلين الذين يُشكّلون الصمود في غزة، تبرز العائلة الممتدّة أو الحمولة بوصفها فاعلًا حاسمًا على نحوٍ خاص، نظرًا لقدرتها المميّزة على حشد أشكالٍ متعدّدة من الدعم في آنٍ واحد. في حين تتعامل الجهات المؤسسية، مثل البلديات، مع احتياجاتٍ محدّدة ومجزّأة، تعمل العائلات على تجميع ما استطاعت من الموارد المادية، وتنظيم الملاجئ، وتوفير الرعاية والحماية، والحفاظ على الروابط العاطفية والاجتماعية عبر ترتيباتٍ قائمة على القرابة.
تؤدّي جهات فاعلة أخرى أدوارًا مهمّة أيضًا؛ إذ تُشكّل اللجان الأمنية الشعبية، في بعض الأحيان، بديلًا لعمل الشرطة الرسمية، فيما تُنسّق المنظمات الإنسانية و«مجموعة المأوى» ترتيبات الإيواء، وتدير المنظمات الأهلية توزيع الغذاء والمساعدات. ومع ذلك، فإن قدرة العائلة الممتدّة على تجميع الموارد المادية وغير المادية والتوسّط فيها عبر مجالات الحياة اليومية المختلفة هي ما يجعلها البنية التحتية المركزية التي يجري من خلالها التفاوض على الصمود والتنقّل والبقاء بصورة مستمرة في ظلّ الاضطرابات العنيفة.
وارتكازًا إلى هذه القدرة، تعد الأسر الممتدة عبر غزة بمثابة موفر أساسي للموارد الضرورية خلال الإبادة الجماعية. فتشارك العائلات فيما بينا افرادها مصادر المياه، والأراضي اللازمة لإقامة المخيمات، والمأوى والغذاء ومصادر الدخل والحماية. وتوزع الأدوار بين أفرادها في الوقت نفسه، ابتداءً من إنشاء المخيم وجمع المواد ووصولًا إلى رعاية الأطفال والمسنين.
و تتعزز قدرة العائلات بشكل أكبر بفعل اندماج أفرادها ضمن طيف واسع من الشبكات الرسمية وغير الرسمية. فعلى سبيل المثال، يحافظ افراد من هذه الأسر على روابط مع البلديات، والمنظمات الأهلية والإنسانية، او شبكات العمل في المهجر، او لجان الأحياء، مما ييتح لها الاستفادة من تلك الروابط من أجل الوصول إلى الخدمات والموارد وإعادة توزيعها داخليًّا. وهكذا، لا تعمل الأسر بوصفها وحداتٍ منغلقة، بل بوصفها نقاطَ ارتباطٍ تتوسّط شبكات العلاقات ضمن البنى الاجتماعية الأوسع، وتحوّلها إلى أشكال من الدعم اليومي، بما يعزّز دورها بوصفها خلايا فاعلة في الصمود.
تنخرط الأسر في جهود جماعية لاستعادة سبل معيشتها وإعادة تنظيمها، في تحدٍّ مباشر للمخططات والرؤى الخارجية المفروضة من قِبل إسرائيل والولايات المتحدة. Share on Xيبرز دور الأسر أيضًا في توفير الموارد المعنوية، مثل الدعم العاطفي، والإحساس بالانتماء، واتخاذ القرارات الجماعية، فضلًا عن التأكيد على الالتزامات السياسية والوطنية المشتركة في ظل ظروف يسودها الانعدام التام باليقين. تتبلور هذه المواقف داخليًّا عبر شبكات الأسر، وأيضًا علنيًّا -بما في ذلك على منصات التواصل الاجتماعي- حيث تعبر أسر عديدة عن رفضها التعاون مع السلطات الإسرائيلية أو الاستجابة لطلبات التهجير. يساعد التلاقي بين الدعم المادي والموقف السياسي في تفسير سبب استهداف الجيش الإسرائيلي المتكرر لبعض العائلات، ليس فقط باعتبارها وحدات للرعاية، بل كجهات جماعية قادرة على دعم التحمل والرفض.
وقد أدى هذا التضامن والتكاتف دورًا محوريًّا في تشكيل جغرافيا التهجير. ففي معظم الحالات، تتخذ قرارات البقاء في مكان ما أو الانتقال منه جماعيًّا؛ سواءً على مستوى الأسرة الممتدة أو تجمعات الأسر ذات علاقات القرابة. وعندما يكون القرار هو البقاء، تضع الأسر أنظمة للحماية وتوفير الاحتياجات الأساسية، وغالبًا ما تبقى ضمن حدود جغرافية محددة ومختارة بعناية. وعندما يكون القرار هو الانتقال، فغالبًا ما ينفذ جماعيًّا؛ حيث تقيم الأسر المخيمات معًا وتضع ترتيبات جماعية للطهي والتخزين والنظافة وتوفير الخدمات.
علاوة على هذا، كثيرًا ما يرسخ امتلاك أفراد الأسرة لأراضٍ أو منازلٍ أو أعمالٍ عائلية بقائها في مكانها، ويدعم قراراتها بالبقاء. أما في الحالات التي يصبح فيها الانتقال ضرورة، تتمتع الأسر الممتدة التي يمتلك أفرادها أراضٍ في مواقع متعددة بمرونة مكانية أكبر، تمكنها من الانتقال وإقامة المخيمات في ظل الظروف سريعة التغير. سواء آثرت الأسر البقاء أم اضطرت إلى النزوح، فهي تساهم بفاعلية في تشكيل معالم جغرافيا التهجير والبقاء، في تحدٍ مباشر لمخططات الإخلاء الإسرائيلية، وهو ما يكبدها تكاليف كبيرة في كثير من الأحيان.
وفي الوقت نفسه، لم يخل التماسك الأسري من بعض التصدعات. فكثيرًا ما عرقلت فترات الاجتياح البري والقصف المكثف والذعر الشديد عملية اتخاذ القرار الجماعي. وفي حين استطاعت بعض الأسر أحيانًا الصمود أمام الهجمات الجوية المطولة، فقد فاقت الاجتياحات البرية قدرتها على الاحتمال؛ مما أدى إلى تفكك العائلة الممتدة مع انفصال الأسر النووية بحثًا عن سبل للنجاة العاجلة. في مثل هذه اللحظات، يتجلى الصمود بوصفه قدرة تتأثر بشدة العنف ونمطه، وليس بوصفه حالة ثابتة أو مطلقة.
وهذا لا يشير إلى أن فعالية الأسر كانت متماثلة، أو أنها كانت تدار دون صدامات أو توترات داخلية. وفقًا لما وثقته تقارير إعلامية، فقد شكلت بعض الأسر في أوقات معينة تهديدًا للصمود الجماعي، إذ أنتجت عوامل أربكت محاولات البقاء، بل وجعلته مستحيلًا في بعض الأحيان. ولكن حتى في ظل هذه التناقضات، تمثل الأسر في أغلب الأحيان محفزات قوية للتعبئة والتنسيق وإعادة توزيع الموارد، وتصيغ حدود الصمود وإمكاناته ضمن النسيج الاجتماعي الذي تمزقه الإبادة.
اليوم التالي في غزة حاضرٌ بالفعل
تنخرط الأسر في جهود جماعية لاستعادة سبل معيشتها وإعادة تنظيمها، في تحدٍّ مباشر للمخططات والرؤى الخارجية المفروضة من قِبل إسرائيل والولايات المتحدة. وبدلاً من انتظار خطط إعادة الإعمار أو مشروعات البنية التحتية الكبرى، تبادر هذه الأسر مدفوعةً بالضرورة الملحة سعيًا لتلبية احتياجاتها الأساسية واستئناف حياتها بما توفر بين أيديها من موارد. ولكن هذا السعي لا يقتصر على غاية البقاء فحسب، بل هو تعبير عن الأمل والتفكير الذي يستشرف المستقبل. وعلى أرض الواقع، تمضي الأسر قُدمًا عبر البناء وإعادة التنظيم والتخطيط، في إصرار على الحياة رغم القيود وانعدام اليقين.
ومن اللافت أن بعض الأسر تقوم الآن بتخطيط وتصميم مخيمات في مناطق تعتزم الخطط الإسرائيلية والأمريكية إقامة معسكرات أو مستوطنات جديدة فيها. فمثلًا، شاركت إحدى الأسر في رفح مخططات لمخيم عائلي متكامل يضم خيامًا وشوارع وخدمات جماعية ومرافق أساسية. وقد استعانت الأسرة بمهندسة معمارية، ونسقت مع أفرادها الموجودين خارج البلاد، وتُجري الآن ترتيباتها للبدء في التنفيذ فور إعادة فتح المعابر. وبذلك، تُمارس الأسر أشكالًا من التمرد المعرفي، إذ تأبى الامتثال لسلطة أنظمة التخطيط الاستعمارية والإنسانية في تقرير متى وكيف ومن يحق له أو لها استئناف الحياة.
ما نشهده اليوم في غزة هو، في أحد أبعاده، عملية إعادة تنظيم حضري تقودها الأسر…لا تتبع جدولًا زمنيًّا خطيًّا أو تكنوقراطيًّا لمراحل الحرب، ووقف إطلاق النار، والتعافي. Share on Xما نشهده اليوم في غزة هو، في أحد أبعاده، عملية إعادة تنظيم حضري تقودها الأسر في أعقاب الإبادة الجماعية. وهذه الأسر لا تتبع جدولًا زمنيًّا خطيًّا أو تكنوقراطيًّا لمراحل الحرب، ووقف إطلاق النار، والتعافي؛ بل تتجاوز القيود الزمنية الاستعمارية من خلال البناء، والإيواء، والتخطيط الفعلي. وبذلك، تأبى رهن حياتها في انتظار منح السيادة أو وصول تمويل إعادة الإعمار. وبهذا المعنى، فإن ملامح «اليوم التالي» لا تمليها الدول أو الجهات المانحة أو الأطراف الجيوسياسية وحدها؛ بل تُرسم وتُنفذ بأيدي الأسر التي تصر على خلق الظروف الداعمة لاستمرار الحياة رغم القيود وانعدام اليقين.
حدود الصمود وإمكاناته
عندما نتأمل دور الأسر بوصفها فاعلًا مركزيًّا، تتضح لنا حقيقة لا لبس فيها: فالصمود ليس مجرد شعور يحمله الناس داخلهم، بل هو نتاج للعلاقات والموارد والمعتقدات والمعاني ونُظم الدعم، وله كذلك حدوده. تستطيع الأسر تعزيز التحمل من خلال تشارك الأراضي والمياه والأموال والرعاية وصنع القرار، لكنها قد تبلغ حافة الانهيار أيضًا حين تتصاعد حدة العنف أو تنفد الموارد. فالأسرة التي تدعم استمرارية الحياة في لحظة ما، قد تتعرض هي نفسها للتصدع في لحظة أخرى. إن دراسة الأسر بهذه الطريقة تكشف أن الصمود قدرة متقلبة صعودًا وهبوطًا بناءً على ما هو حاضر، وما هو متاح، وما هو متوقع، وما يؤمن به المرء، وشدة وطأة الضغوط عليه.
وفهم الصمود على هذا النحو يغير بوصلة التساؤل، فلم يعد السؤال عن قدرة الناس على التحمل ولكن عمَّا يجعل الصمود موجودًا من الأساس. ويسلط ذلك الفهم الضوء أيضًا على حدود الصمود، فلحظات التفكك والانسحاب والانهيار ليست استثناءات، بل هي جزء من مشهد البقاء ذاته. إن الأسر، شأنها شأن الأفراد، لا تملك قدرة مطلقة على التحمل. فهي تتفاوض وترتجل وتنكسر، ثم تُعيد البناء.
ومن هذا المنظور، لا يمكن أن يظل دعم غزة مجردًا أو أخلاقيًّا أو رمزيًّا فحسب. فتعزيز قدرة الناس على البقاء أو رفض التهجير أو حتى مجرد العيش ليوم آخر يتطلب أشكالًا حقيقية وملموسة من الدعم المادي والاجتماعي والسياسي. فالصمود لا يتحقق من تلقاء نفسه، ولا يمكن ضمان استمراره، فهو ثمرة العلاقات، وهي نفسها العلاقات التي قد تؤدي إلى تقويضه. وإدراك هذه الحقيقة ليس لفتة تعاطف، بل دعوة صريحة لتحمل المسؤولية.
عبدالرحمن كتانة
عبدالرحمن كتانة مهندس معماري وأكاديمي وباحث فلسطيني، ترتكز اهتماماته على قضايا المرونة الحضرية، وتاريخ العمارة، وإعادة الإعمار ما بعد الحروب، ومصائر المدن في ظل الصراع المسلح. وهو حاليًا باحث ما بعد الدكتوراه في جامعة تامبيري في فنلندا، وأستاذًا مساعدًا في دائرة الهندسة والتخطيط المعماري بجامعة بيرزيت في فلسطين. نال درجة الدكتوراه في العمارة من جامعة لوفان الكاثوليكية (KU Leuven) في بلجيكا عام 2020. وفي عام 2019، شارك في تأسيس مشروع يلا، وهو مبادرة بحثية-تجريبية متعددة التخصصات في مدينة نابلس، تُعنى بإعادة إحياء المدن من خلال الممارسة التشاركية.
أحدث المنشورات
الخط الأصفر الإسرائيلي في غزة: ضمٌّ للأراضي بلا أعباء قانونية
العقوبات الأمريكية: تجريم العمل من أجل العدالة الفلسطينية والعالمية
التحصين لا الانعزال: الاقتصاد الحربي الإسرائيلي ونموذج إسبرطة
نحن نبني شبكةً من أجل التحرير.
ونحن نعمل جاهدين، باعتبارنا المؤسسة الفكرية الفلسطينية العالمية الوحيدة، للاستجابة للتطورات السريعة المؤثرة في الفلسطينيين، بينما نحافظ على التزامنا بتسليط الضوء على القضايا التي قد يتم تجاهلها لولا تركيزنا عليها.