ورقة سياساتيةاللاجئين

ضيوف غير مرحب بهم: اللاجئون الفلسطينيون في لبنان

لمحة عامة

قبل الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982، كان لبنان مركزاً للحركة الوطنية الفلسطينية. أما اليوم، فيُعتبر اللاجئون الفلسطينيون في لبنان المجموعة الأكثر تهميشاً في الشتات الفلسطيني. في الشهر الماضي، تطرق مجلس النواب اللبناني إلى قضية حقوق اللاجئين الفلسطينين، بيد أن مشروع القانون المطروح أعيد إلى اللجنة المختصة بسبب الخلاف عليه. وفي حين حذر سياسيون لبنانيون بارزون، بمن فيهم رئيس الوزراء سعد الحريري من عواقب حرمان اللاجئين الفلسطينيين من حقوقهم الإنسانية، شارك اللاجئون الفلسطينيون وحلفاؤهم اللبنانيون من ناشطين، مناصرين، ومجتمع مدني في مظاهرات حاشدة عمَّت مختلف أنحاء لبنان بتاريخ 27 حزيران/يونيو. تستعرض مستشارة الشبكة لشؤون السياسات دلال ياسين الوضع القانوني للاجئين الفلسطينيين في لبنان وترى بأن العنصرية المؤسسية في الدولة لا تحرم اللاجئين الفلسطينيين من حقوقهم الإنسانية وحسب بل تعمل على تقويض حق العودة. وتتناول الكاتبة حملة حق العمل للاجئين الفلسطينيين في لبنان كمثال على التنسيق والتعاون بين منظمات المجتمع المدني الفلسطينية واللبنانية والتي ينبغي لمجموعات التضامن في الشتات الفلسطيني أن تحذو حذوها للتغلب على التعنت السياسي لدى السلطة اللبنانية.

العلاقة اللبنانية-الفلسطينية

ان مشكلة اللاجئين الفلسطينيين هي نتيجة مباشرة لاقامة دولة اسرائيل في العام 1948. حيث طردت العصابات الصهيونية (والجيش الاسرائيلي في وقت لاحق) ما بين الاعوام 1947-1950، وفي ما اصطلح الفلسطينيون على تسميته بالنكبة أو الكارثة، أكثر من 750،000 فلسطيني من ديارهم. سعى ما يقارب من 100،000 لاجئ فلسطيني للحصول على مأوى في لبنان كنتيجة للنكبة ولكن اعتبر وجودهم تهديدا لنظام البلد السياسي الطائفي الهش. 1 بعد مرور أكثر من 60 عاما ، والحكومة اللبنانية لا توفر احصاءات حول اعداد اللاجئين الفلسطينيين المقيمين على اراضيها. في حين تشير الاحصاءات النصف سنوية لعام 2009 الصادرة عن وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) إلى وجود 425,640 لاجئاً فلسطينياً في لبنان. يقطن 53% منهم في 12 مخيماً أما البقية فيعيشون في المدن والقرى اللبنانية وفي عدد من التجمعات الفلسطينية غير المعترف بها رسمياُ كمخيمات. 2 ومع ذلك، فإن إحصاءات الأونروا ليست كاملة، فهي لا تشمل اللاجئين الفلسطينيين غير المسجلين الذين لجؤا إلى لبنان في الأعوام 1952 إلى 1956، وأولئك الذين قدموا إلى لبنان بعد العام 1970 وأصبحوا يعرفون بفاقدي الأوراق الثبوتية. 3

شهدت العلاقة اللبنانية-الفلسطينية تقلبات عدة، وما لبث الاحتضان اللبناني للاجئين أن تحول في سنواته الأولى إلى قلق لبناني أمني من التواجد الفلسطيني. وقد أقامت المخابرات العسكرية ومخافر الشرطة اللبنانية مراكز أمنية داخل المخيمات لمراقبة الفلسطينيين ورصد أنشطتهم السياسية. وفي عام 1959، استُحدثت دائرة لإدارة شؤون اللاجئين الفلسطينيين تابعة لوزارة الداخلية من أجل التنسيق مع الأونروا بشأن عملية تقديم المعونة والمساعدات للاجئين الفلسطينيين بما في ذلك استصدار وثائق سفر وتسهيل طلبات جمع شمل الاسر المشتتة. 4 من الناحية العملية عملت هذه الدائرة على تحقيق الفائدة والمصلحة العامة للدولة اللبنانية، ولا سيما من خلال الإشراف على الخدمات التي تتطلب دفع رسوم مالية تستفيد منها الدولة اللبنانية في حين تجاهل احتياجات اللاجئين الفلسطينيين ومتطلباتهم سواء الاقتصادية أم الاجتماعية أم الثقافية أم السياسية. 5

تبدل هذا الوضع مع صعود حركة المقاومة الفلسطينية في أواخر الستينات وعقد اتفاق عام 1969 في القاهرة بين منظمة التحرير الفلسطينية ولبنان والذي نظم التواجد الفلسطيني المدني والعسكري في لبنان. وبعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان في العام 1982، انسحبت منظمة التحرير رسمياً من لبنان وتم إغلاق مكتبها. وفي عام 1987، ألغت الدولة اللبنانية اتفاق القاهرة أحادياً دون أن تحدد أي إطار آخر بديل ينظم العلاقة بين الجهتين. وقد أطلق هذا الأمر العنان للسياسات والقوانين والممارسات لعزل اللاجئين الفلسطينيين وتهميشهم في لبنان. وأصبح يُنظر إلى المخيمات على أنها بؤر أمنية قابلة للانفجار في كل لحظة.

سعى لبنان في عام 2005 إلى تحسين مسار العلاقة اللبنانية-الفلسطينية على أراضيه طي صفحة الخلافات السابقة، فشكلت الحكومة اللبنانية لجنة الحوار اللبناني-الفلسطيني وكان من بين مهامها معالجة المسائل الحياتية والاجتماعية والاقتصادية والأمنية للاجئين الفلسطينيين في لبنان وإضفاء الطابع الرسمي على العلاقات بين لبنان وفلسطين. 6 تجلى ذلك في إرساء تمثيل رسمي دبلوماسي للسلطة الفلسطينية وإعادة فتح مكتب منظمة التحرير الفلسطينية بتاريخ 15 أيار/مايو 2006 وأيضاً فتح باب الحوار مع الفصائل الفلسطينية المختلفة.

ومع ذلك، لم تحقق لجنة الحوار اللبناني-الفلسطيني مهمتها الأساسية الأخرى المتمثلة في معالجة الأوضاع الإنسانية للاجئين الفلسطينيين. ففي معظم الأحيان كانت تتذرع بعدم وجود مرجعية فلسطينية واحدة للحوار معها بشأن القضايا الإنسانية. هذا بالرغم من اجماع الفصائل الفلسطينية، رغم اختلافاتها الداخلية السياسية، على وجوب تحسين الأوضاع الإنسانية للاجئين الفلسطينيين في لبنان. 7
وهكذا، في حين نجحت لجنة الحوار اللبناني-الفلسطيني في إعادة بناء العلاقات الرسمية بين المسؤولين اللبنانيين والفلسطينيين، الا ان العلاقات في الداخل اللبناني بين الجانبين لا تزال تتسم بعدم وجود الثقة.

 

العوائق القانونية والمؤسسية

يعتبر لبنان الفلسطينيين المتواجدين على أراضيه لاجئين تحت رعاية وكالة الأونروا وغيرها من المنظمات الإنسانية. الا ان هذا الامر هذا لا يحجب مسؤولية الدولة اللبنانية، التي صادقت على الإعلانات والمواثيق والاتفاقيات الدولية والإقليمية المتعلقة بحقوق الإنسان، عن اللاجئين الفلسطينيين. 8 وفعلياً، تنصلت الدولة اللبنانية من غالبية التزاماتها القانونية والإنسانية تجاه الفلسطينيين المقيمين على أراضيها. فلا تتضمن التشريعات والقوانين اللبنانية أي وصف قانوني أو تعريف رسمي للاجئين بشكل عام ، أو اللاجئين الفلسطينيين بشكل خاص. وفي الواقع العملي، عومل الفلسطينيون كلاجئين تارة، وكأجانب أو كأشخاص لا يحملون جنسية صادرة عن دولة معترف بها تارة أخرى. 9

أوجدت القوانين والمراسيم الوزارية اللبنانية سلسلة من العوائق القانونية والمؤسسية التي تحرم الفلسطينيين من حقهم في العمل والضمان الاجتماعي والانتساب للنقابات العمالية اللبنانية. فعلى سبيل المثال، يخضع اللاجئون الفلسطينيون في موضوع العمل لنظام قانون عمل الأجانب القائم على مبدأ المعاملة بالمثل وضرورة الحصول على تصريح عمل. 10 عملياً فان تطبيق مبدأ المعاملة بالمثل لا يصح في الحالة الفلسطينية كون لا وجود رسمي لدولة تُسمى دولة فلسطين او لاي اتفاقيات للمعاملة بالمثل مع لبنان، هذا الامر يخلق عائقاً يحول دون حصول اللاجئين الفلسطينيين على تصاريح عمل وبالتحديد في المهن النقابية. هذا التشريع قائم ومطبق في لبنان بالرغم من أن المادة السابعة من الاتفاقية الخاصة بوضع اللاجئين لعام 1951 تُعفي اللاجئين من مبدأ المعاملة بالمثل وتسمح لهم بالعمل من دون تصريح عمل بعد مرور ثلاث سنوات على إقامة اللاجىء في دولة اللجؤ.

كذلك، لا يحق للطالب الفلسطيني الالتحاق بالمرافق التعليمية الرسمية لأن القانون اللبناني يشترط أن يكون الطالب مواطناً لبنانياً. 11 وبالرغم من أنه يتسنى للاجئين الفلسطينيين اكتساب الدرجات العلمية من المدارس والجامعات الخاصة في أي مجال، فإنهم ممنوعون من ممارسة ما ينوف عن 20 مهنة مختلفة منها الطب والمحاماة والهندسة والصيدلة. حيث يشترط لممارسة تلك المهن الانتساب إلى النقابات الخاصة بتلك المهن والتقيد بانظمتها الداخلية لتلك التي تشترط في ممارسها الجنسية اللبنانية أو المعاملة بالمثل. 12
لم تتطرق الدولة اللبنانية بعد توقيع اتفاق الطائف عام 1989، والذي وضع حداً للحرب الأهلية، إلى حقوق اللاجئين الإنسانية، بل وأقصتهم من عملية المصالحة الوطنية ومن قانون العفو العام. 13 وكنتيجة لذلك، استمر وضعهم المأساوي المعيشي في المخيمات وخارجها بحجة أن أي تحسين في وضع اللاجئين أو منحهم حقوقهم الإنسانية من شأنه أن يساعد في عملية توطين الفلسطينيين ويُنسيهم حقهم في العودة إلى ديارهم على أرض فلسطين التاريخية. وقد أثار انعدام أي اهتمام رسمي غربي لجهة دعم حق عودة اللاجئين الفلسطينيين مخاوف جهات سياسية مختلفة في الدولة اللبنانية بأن تفرض قوى خارجية على لبنان في نهاية المطاف توطين اللاجئين الفلسطينيين على أرضه. 14 وقد وجدت هذه الجهات السياسية، والتي تفاقمت مخاوفها، في تصريحات بعض السياسيين الإسرائليين والأمريكيين والكنديين وحتى الفلسطينيين ذريعة للجوء إلى حجة التوطين من أجل معارضة أي توجه يهدف إلى تحسين أوضاع اللاجئين الفلسطينيين. 15 الا ان هذا الخطاب السياسي المعارض لمنح الحقوق الانسانية للاجئين الفلسطينيين ما هو إلا محاولة مكشوفة لحماية النفوذ والامتيازات التي نص عليها دستور لبنان القائم على الطائفية، ولا سيما بين شرائح معينة من السكان المسيحيين.

فعلى سبيل المثال، عارضت بعض الجهات السياسية اللبنانية في عام 1994 مشروعاً لإقامة مخيم في منطقة القريعة للاجئين الفلسطينيين الذي شُردوا من المخيمات الفلسطينية التي دُمرت إبان الحرب الأهلية اللبنانية، حيث اعتبرت تلك الجهات السياسية المشروع مقدمة للتوطين. 16 وقد استمر الربط بين المخاوف من توطين اللاجئين الفلسطينيين وبين حرمانهم حقوقهم الأساسية كعلامة مميزة اتسمت بها المعاملة اللبنانية الرسمية لأولئك اللاجئين. على سبيل المثال، أصدر مجلس النواب اللبناني في عام 2001 قانون الملكية الذي يقصر حق تملك العقارات – بما فيها الشقق السكنية والأراضي والممتلكات العقارية – فيمن يحمل جنسية صادرة عن الدول التي يعترف بها لبنان. كما يحظر تملك العقارات لأي شخص يتعارض وضعه القانوني مع أحكام الدستور الرافضة للتوطين. 17 في الواقع العملي، الى جانب حرمان اللاجئين الفلسطينيين من التملك بموجب هذا القانون، الا انه يُلغي ايضاُ حقهم في التورث، إذ لا يستطيع الورثة استكمال اجراءات التسجيل، مما يُسفر عن مصادرة الدولة للعقار الموروث.

وفي أعقاب الاجتياح الإسرائيلي في عام 1982 وانسحاب منظمة التحرير الفلسطينية من لبنان، غدا التنقل من مخيمات اللاجئين الفلسطينيين وإليها، وبالأخص مخيمات الجنوب، يخضع لتدابير أمنية مشددة، إذ يقيم الجيش اللبناني الحواجز على مداخل معظم مخيمات الجنوب كما إنه يراقب عن كثب – ويقيد – إدخال مواد الإعمار والترميم لمخيمات الجنوب ولا سيما في منطقة صور. وفي شهر أيار/مايو 2010، منعت القوى الأمنية اللبنانية إدخال مواد الإعمار إلى مخيم برج البراجنة الواقع في بيروت بناءً على أوامر من وزارة الدفاع اللبنانية. 18 وفي وقت سابق من هذا العام، طلب وزير الداخلية والبلديات من المديرية العامة لقوى الأمن الداخلي متابعة موضوع فتح وإنشاء مراكز ومكاتب غير مرخصة لمؤسسات إنسانية واجتماعية في مخيم نهر البارد المدمر، وطلب من مسؤولي 23 جمعية ومؤسسة التقدم للحصول على تراخيص قانونية لها تحت طائلة اتخاذ التدابير القانونية بحقها. 19 وقد صدر هذا التهديد بالرغم من عدم تلك الجمعيات في الحصول على ترخيص وفقاً لقانون الجمعيات اللبناني. 20

في مطلع عام 2009، اقترحت لجنة المرأة والطفل في مجلس النواب اللبناني مقترح مشروع قانون يهدف إلى تعديل أحكام المادة 15 من قانون الجنسية اللبناني الصادر عام 1925، بحيث يسمح المقترح بحصول كل طفل مولود لأب لبناني على الجنسية اللبنانية. وكان مشروع القانون سيسمح بحصول كل طفل يولد لأم لبنانية على الجنسية اللبنانية. ولكن اللجنة الحقت اقتراحها هذا باستثناء الأطفال المولودين لأب فلسطيني وأم لبنانية من حق الجنسية، بحجة منع التوطين، كما استثنت المولودين لأب من دولة لا تعامل أولاد اللبنانيين بالمثل. هذا، وتمثل هذه الاستثناءات انتهاكاً صارخاً للمادة 7 من الدستور اللبناني والذي ينص على أن كل اللبنانيين متساوون أمام القانون ويتمتعون بالسواء بالحقوق المدنية والسياسية دونما أي فرق بينهم. كما تتعارض مع الاتفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري 1965 التي وقع عليها لبنان، وتتعارض أيضاً مع الاتفاقية الخاصة بوضع اللاجئين 1951 والتي تنص على وجوب معاملة اللاجئين في دولة اللجؤ بشكل أفضل من معاملة الأجانب.

وهكذا، وبعد أكثر من ستة عقود على النكبة، لا يزال لبنان يحرم اللاجئين الفلسطينيين من الكثير من حقوقهم المدنية والاقتصادية والاجتماعية بذريعة رفض التوطين وحماية حق اللاجئين في العودة. وتصف منظمات حقوق الإنسان والمنظمات غير الحكومية المحلية والدولية أوضاع اللاجئين الفلسطينيين في لبنان بأنها الأكثر مأساوية بين مجتمعات اللاجئين الفلسطينيين، وتؤكد على أن وضعهم القانوني خالٍ من أي إطار قانوني ناظم للحماية. 21

المجتمع المدني يمهد الطريق

لعب المجتمع المدني الفلسطيني على مدار العقد الماضي دوراً بارزاً في الدعوة إلى توفير الحقوق الإنسانية للاجئين الفلسطينيين. انضمت جماعات من المجتمع المدني اللبناني لهذه الجهود وذلك لرفع مستوى الوعي بمعاناة اللاجئين والمشاكل والقيود التي يواجهونها يومياً. وقد انبرت جماعات المجتمع المدني اللبناني والفلسطيني للقيام بسلسلة من الحملات لحشد الرأي العام من أجل إحقاق الحقوق الانسانية للاجئين الفلسطينين. ومن ضمن هذه الحملات حملة "فاقدي الأوراق الثبوتية"، وحملة "194" التي أطلقها شباب فلسطيني ولبناني لحماية حق العودة، و"حملة الحق في العمل."

هذا وتعتبر "حملة حق العمل" التي أُطلقت في 2005 الحملة الأكثر فعالية لغاية الآن وتتمتع بدعم واسع من قبل المجتمع المدني اللبناني والفلسطيني. حيث اكتسبت هذه الحملة من خلال جهودها الحثيثة لحشد التأييد والدعوة دعم أكثر من 80 منظمة غير حكومية، ونقابة عمالية وشخصية سياسية ونشطاء بارزين من الجانبين اللبناني والفلسطيني. وبالاعتماد على وسائل الإعلام اللبنانية، استطاعت الحملة أن تجذب اهتمام اطياف سياسية متعددة وأن توصل قضيتها إلى مجلس النواب. ومع ذلك، فأن الانتكاسة التي حدثت مؤخراً في مجلس النواب تشير إلى أن نهاية النضال من أجل حقوق الفلسطينيين الإنسانية ما زالت بعيدة المنال.
وكان الحزب الديمقراطي الاشتراكي بقيادة وليد جنبلاط أثار في الجلسة التشريعية التي عقدت بتاريخ 15 حزيران/يونيو 2010 موضوع الحقوق الانسانية للاجئين الفلسطينيين. حيث طرح الحزب أربعة مشاريع قوانين تدعو إلى السماح للفلسطيني المولود على الأراضي اللبنانية بالعمل والاستفادة من تعويض نهاية الخدمة والحصول على العناية الطبية لعلاج إصابات العمل، وحق تملك شقة سكنية واحدة، والتملك بطريق الإرث. 22 وقد انقسم المجلس النيابي في تلك الجلسة على أساس طائفي، حيث توحد النواب المسيحيون من المعارضة والموالاة في خندق واحد للتصويت ضد مشاريع القوانين تلك. هذا الامر دفع برئيس المجلس النيابي باحالة مشاريع القوانين تلك إلى لجنة الإدارة والعدل للدراسة. وفي رده على ما جرى في الجلسة، أصدر رئيس الوزراء سعد الحريري تحذيراً شديد اللهجة قائلاً بأن "هناك مجموعة من الإعلاميين واللبنانيين ذاهبون الى غزة لفك الحصار، غداً سيأتي العالم لفك الحصار عن المخيّمات في بيروت." 23 هذا التحذير صدر ايضاً على لسان منظمات حقوق الإنسان الدولية، فعلى سبيل المثال دعت منظمة هيومن رايتس ووتش لبنان إلى "اغتنام الفرصة لإنهاء التمييز ضد الفلسطينيين." 24

تحُول القوانين النافذة في لبنان دون ظهور مجتمع فلسطيني نشط على أراضيها. ولقد أفضى الإفقار الاقتصادي للمجتمع الفلسطيني وعزله وتهميشه اجتماعياً في لبنان إلى تفكيك الفلسطينيين وتشتيتهم إلى دول أخرى وإلى إضعاف حق العودة بدلاً من حمايته ومساندته. 25 وعلاوة على ذلك، يستند موقف لبنان إزاء النضال الفلسطيني من أجل تقرير المصير إلى تباين زائف بين الفلسطينيين المقاومين "الابطال" في الاراضي الفلسطينية المحتلة واللاجئين الفلسطينيين "الملعونين" في الشتات. فهذا الموقف وما يرتبط به من سياسات لا يؤدي سوى إلى المساهمة في تفكيك الشعب الفلسطيني وخلق تمييز مصطنع بين فلسطين ("القضية المقدسة") والفلسطينيين ("العبء" و"المشكلة الأمنية"). وذلك بالرغم من ان الامر المؤكد، ان لا فلسطين ولا الفلسطينيين يتمتعون بالحرية.

نداء للتحرك

إن عجز مجلس النواب اللبناني عن الوفاء بمسؤولياته بموجب ما التزم به تجاه القانون الدولي يُظهر حاجة لوجود جهد دولي لضمان الحقوق الفلسطينية، وهو بمثابة نداء لنشطاء حركات التضامن الفلسطيني حول العالم للتحرك. حيث يستدعي الامر تنسيق من قبل حركات التضامن الفلسطيني في الشتات مع منظمات المجتمع المدني اللبناني والفلسطيني من أجل التغلب على العوائق والقيود القانونية في لبنان. هذا النوع من التعاون يستلزم العمل مع المؤسسات والهيئات الدولية والناشطين الفلسطينيين وحلفائهم من أجل مساءلة الدولة اللبنانية عن مسؤولياتها كدولة عضو في الأمم المتحدة موقَعة على اتفاقيات حقوق الإنسان والقانون الدولي الرئيسية. فعلى صعيد أي كفاح عالمي ضد العنصرية فإن لبنان لن يكون ولا يمكن اعتباره حالة استثنائية. كما لا يمكن السماح للدولة اللبنانية بمواصلة الاختباء وراء فكرة أن العنصرية المؤسسية هي لحماية حق عودة اللاجئين الفلسطينيين، في حين أن سياساتها في الواقع تستخدم لتقويض هذا الحق.

كما لا ينفي أو ينتقص التركيز على العنصرية المؤسسية الممارسة في لبنان من مسؤولية إسرائيل عن التسبب في وجود اللاجئين الفلسطينيين، ورفضها المستمر بالوفاء بمسؤولياتها بموجب القانون الدولي بما في ذلك حق اللاجئين في العودة الى ديارهم وتعويضهم، وايضاً سياساتها القائمة على التمييز تجاه الفلسطينيين في الداخل الاسرائيلي، وعن نظام الفصل العنصري الذي تطبقه في الأراضي الفلسطينية المحتلة. يجب على نشطاء التضامن الفلسطيني أن يعوا بأن إحقاق الحقوق الإنسانية للاجئين الفلسطينين في لبنان لا يُجزء من إحقاق الحقوق الإنسانية والسياسية للفلسطينيين في اسرائيل او في فلسطين ولا يأتي على حسابه. فهذه الحقوق في الواقع مرتبطة ببعضها ارتباطاً لا انفصام له.

أن العزل اللبناني للاجئين الفلسطينيين ورفض دمجهم في المجتمع لم يعد مبرراً. كما ان الفلسطينيين في لبنان ليسوا مجرد مسألة "أمنية" أو مصدر نفعي مالي للحكومة وحسب، بل لديهم الحقوق الانسانية المنصوص عليها في القانون الدولي والتي يقع على الدولة اللبنانية واجب حمايتها. يجب على لبنان أن يسن التشريعات التي تحمي الحقوق الانسانية للاجئين الفلسطينيين في العمل والضمان الاجتماعي، التملك والميراث، التعليم، حرية التنقل وتكوين الجمعيات وغيرها من الحقوق. فممارسة هذه الحقوق لا يتناقض وحق العودة وهو ليس مقدمة للتوطين بل إنه يساهم في بناء وتحصين الأمن الاجتماعي للاجئين الفلسطينيين في لبنان، ويساهم في بناء جسور الثقة ما بين الجانبين. كما تُعد الحماية القانونية من خلال توفير الخدمات الأساسية أمراً ضرورياً لكسر دورة الفقر والعجز عند اللاجئين الفلسطينيين وتدعيم قدراتهم للعمل نحو ضمان حقهم في العودة.

في عام 1948، ساهم لبنان في صياغة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان. 26 وبعد أكثر من ستة عقود، تُلزم حكومة الحريري نفسها في بيانها الوزاري بأن "تواصل العمل على صعيد توفير الحقوق الإنسانية والاجتماعية للفلسطينيين المقيمين على الأراضي اللبنانية." 27 ولقد آن الأوان منذ زمن لوضع هذه الكلمات موضع تنفيذ.

ملاحظات:

  1. يستند النظام السياسي الطائفي في لبنان إلى نصوص الدستور اللبناني، حيث يجب أن يكون رئيس الجمهورية اللبنانية مسيحياً، ورئيس الوزراء مسلماً سنياً، ورئيس مجلس النواب مسلماً شيعياً. وقد بلغت نسبة اللاجئين الفلسطينيين في لبنان عام 1949 %10 من عدد سكان لبنان. وبما أن الغالبية العظمى من اللاجئين الفلسطينيين هم من المسلمين السنة، فإن الساسة المسيحيين، ولا سيما الأحزاب السياسية المسيحية المارونية، يخشون منذ أمد بعيد أن يؤثر توطينهم الدائم في التوازن الطائفي غير المستقر في لبنان. كما أنه ليس من قبيل المصادفة أن غالبية اللاجئين الفلسطينيين المسيحيين حصلوا على الجنسية اللبنانية الخمسينات. لمزيد من المعلومات حول مشكلة اللاجئين الفلسطينيين، انظر والتطهير العرقي في فلسطين، ايلان بابي(أوكسفورد : وان ورلد ، 2006).
  2. أنشئت الأونروا بموجب قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 4/302 الصادر بتاريخ 8 كانون الأول/ديسمبر 1949. وبدأت عملها في 1 أيار/مايو 1950 ويقع مقرها الإقليمي في بيروت. لا يُلغي دور وكالة الأونروا مسؤولية المجتمع الدولي ككل في الضغط على إسرائيل تجاه تنفيذ القرار رقم 194 الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة بتاريخ 11 كانون الأول/ديسمبر 1948 والذي ينص على وجوب عودة اللاجئين إلى ديارهم وتعويضهم عن الأضرار التي أصابتهم وأصابت ممتلكاتهم.
  3. استمر الفلسطينيون باللجؤ إلى لبنان منذ نكبة 1948 وحتى أواخر عقد الثمانينات. وقد اجتاز اللاجئون الذين فروا من القرى والمدن الفلسطينية الشمالية في بعض الأحيان أكثر من بلد مضيف وغير مضيف، بل وتنقلوا بين أكثر من مخيم خارج لبنان أو داخله. كما كان اللجوء نتيجة لصراعات عربية داخلية كان أبرزها الحرب الأهلية في الأردن (ايلول الاسود) والتي وقعت أحداثها في أيلول/سبتمبر 1970. وإضافة إلى ذلك، فقد انتقل بعض الفلسطينيين إلى لبنان بهدف الالتحاق بصفوف حركة المقاومة الوطنية الفلسطينية. لمزيد من المعلومات حول احصاءات الانروا انظر: http://www.unrwa.org/userfiles/file/Resources_arabic/Statistics_pdf/uif_d09.pdf ‫
  4. المرسوم الاشتراعي رقم 42 الصادر بتاريخ 31 آذار/مارس 1959. تم تعديل اسم هذه الدائرة إلى المديرية العامة للشؤون السياسية واللاجئين بموجب المرسوم رقم 4082 الصادر عن مجلس الوزراء اللبناني بتاريخ 4 تشرين الأول/أكتوبر 2000.
  5. المادة الأولى بالمرسوم رقم 3909 الصادر في 26 نيسان/إبريل 1960.
  6. تم تأسيس لجنة الحوار اللبناني الفلسطيني بقرار حكومي بتاريخ 23 تشرين الأول/أكتوبر 2005. ورغم أن هذه اللجنة لا تزال عاملة ولديها رئيس جديد، فإن ملف العلاقات اللبنانية-الفلسطينية يخضع أيضاً لإدارة وائل ابو فاعور، وزير الدولة والنائب في الحزب الديمقراطي الاشتراكي.
  7. تشمل تلك الفصائل، تحالف القوى الفلسطينية المعارضة لاتفاق أوسلو، وكذلك لجنة فصائل منظمة التحرير الفلسطينية.
  8. أهم تلك الاتفاقيات الإعلان العالمي لحقوق الإنسان 1948؛ والعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية 1966؛ والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية 1966؛ وبروتوكول الدار البيضاء لعام 1965 بشأن معاملة الفلسطينيين في الدول العربية، 11 أيلول/سبتمبر 1965.
  9. دلال ياسين وسهيل الناطور، الوضع القانوني للاجئين الفلسطينيين في لبنان وسبل التعايش معه" (مركز التنمية الانسانية و مركز البحوث للتنمية الدولية ،كندا، 2007).
  10. المادة 59 من قانون العمل اللبناني.
  11. المادتان 3 و 102 من القرار رقم 820 الصادر في 5 أيلول/سبتمبر 1968. تجدر الإشارة إلى أن القانون اللبناني يجيز قبول الطلاب الاجانب في حال وجود شواغر في المدارس الرسمية، ولكن قلما تتوفر الشواغر.
  12. في العام 2005 اصدر وزير العمل طراد حمادة مذكرة حملت الرقم 1/67 نصت على استثناء الفلسطينيين من احكام المادة الأولى والتي تنص على حصر بعض المهن باللبنانيين. الا ان هذه المذكرة لم تستثنى الفلسطينيين من الحصول على اجازة عمل تجدد سنوياً اوعند كل تغيير لرب العمل. كما لا يستيفيد العمال الفلسطينيين من اي مزايا من الدولة اللبنانية لجهة الاستفادة من تقديمات صندوق الاجتماعي الاجتماعي بالرغم من دفعه لرسوم صندوق الضمان وذلك لاشتراطه مبـدأ المعاملة بالمثل.
  13. تنص المادة الأولى من دستور الطائف على أن "أرض لبنان واحدة لكل اللبنانيين. فلكل لبناني الحق في الإقامة على أي جزء منها والتمتع به في ظل سيادة القانون، فلا فرز للشعب على أساس أي انتماء كان ولا تجزئة ولا تقسيم لا توطين."
  14. للاطلاع على أمثلة لهذا التوجه، انظر صبحي منذر ياغي، "هاجس حصوله يتحكّم في تفكير اللبنانيين رغم إجماعهم على رفضه هل التوطين مخطّط حقيقي ومشروع فعلي أم مجرد "فزّاعة" وورقة مساومة وابتزاز؟" جريدة النهار، 19 أيلول/سبتمبر 2008. انظر أيضاً "11 نائباً من الغالبية تقدّموا بالاقتراح تعديل دستوري يشترط الإجماع لأي تعديل إثباتاً لرفض التوطين،" جريدة النهار، 13 تشرين الثاني/نوفمبر 2008.
  15. صرح رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس في 13 تموز/يوليو 2005 أنه "لا يمانع في أن تمنح الدول العربية جنسيتها للفلسطينيين المقيمين على أراضيها" ولقد أثار هذا التصريح جدالاً في جامعة الدول العربية بين مندوب لبنان ومندوب فلسطين يوم 18 تموز/يوليو. فأكد مندوب لبنان موقف حكومته الرافض لمنح الجنسية للفلسطينيين المقيمين في لبنان، فيما أكد مندوب فلسطين أن منع حصول الفلسطينيين على جنسية دول عربية أخرى هو توصية صدرت في الخمسينات وسقطت بالتقادم.
  16. جريدة السفير، 14 أيلول/سبتمبر 1994. كان المخيم سيُقام بدعم من الحكومة الكندية وبالاتفاق مع وزارة المهجرين ووكالة الأونروا والفصائل السياسية الفلسطينية.
  17. القانون رقم 296، الصادر عن مجلس النواب اللبناني، 3 نيسان/إبريل 2001.
  18. قاسم قاسم، "البناء ممنوع في مخيّم برج البراجنة"، جريد الأخبار، 29 أيار/مايو 2010.
  19. قرار وزير الداخلية والبلديات زياد بارود رقم 4286، 15 شباط/فبراير 2010. في عام 2007، حاصر الجيش اللبناني مخيم نهر البارد للاجئين الواقع في شمال لبنان وقام بتدميره أثناء القتال مع جماعة فتح الإسلام المسلحة، وهي منظمة غير فلسطينية تضم مقاتلين من مختلف أنحاء المنطقة. وقد فرّ زهاء 27,000 لاجىء فلسطيني من المخيم إبان الحصار الذي دام ثلاثة أشهر والذي اتسم بقصف عشوائي من الجو وبواسطة الدبابات والمدفعية. ووفقاً لوكالة الأونروا، تدمر ما نسبته 95% تقريباً من كافة المباني والبنية التحتية تدميراً تاماً أو تضرر بشكل يتعذر إصلاحه. وبعد ثلاثة أعوام، لم تتحق إعادة الإعمار السريعة التي وعدتها الحكومة اللبنانية لأهالي المخيم. وعلاوة على ذلك، فإن حصار الجيش اللبناني لمخيم نهر البارد ما يزال مستمراً حيث يخضع الدخول إليه لموافقة مسبقة تمنحها مخابرات الجيش اللبناني. انظر http://www.unrwa.org/atemplate.php?id=207. ‫
  20. قانون الجمعيات العثماني الصادر في 1909. يشترط قانون الجمعيات أن تتألف أي جمعية مسجلة قانوناً في لبنان من مواطنين لبنانيين. وكنتيجة لذلك، فإن المنظمات والجمعيات الفلسطينية تتشكل في لبنان بالاستعانة بشخصيات لبنانية شكلية، أما في الممارسة العملية فإنها تُدار من قبل فلسطينيين. ومع ذلك، هناك عدد من الجمعيات الأهلية التي تعمل من دون ترخيص رسمي داخل إطار المخيمات الفلسطينية.
  21. انظر تقرير منظمة العفو الدولية 2010: حالة حقوق الإنسان في العالم. تفيد منظمة العفو الدولية في تقريرها القطري بشأن لبنان بأن اللاجئين الفلسطينيين "يواجهون قوانين وقواعد تنظيمية تنطوي على التمييز، مما يحرمهم من الحق في توريث ممتلكاتهم ومن العمل في نحو 20 من مجالات العمل ومن حقوق أخرى أساسية،" 205. http://thereport.amnesty.org/wp-content/uploads/2014/05/AIR2010_AZ_EN.pdf#page=152 ‫
  22. اقترح الحزب التقدمي الاشتراكي سابقاً إنشاء وزارة تُعنى بشؤون اللاجئين الفلسطينيين ولكن الحزب سحب اقتراحه بعد أن هاجمته بعض الأحزاب السياسية. وقد أوضح جنبلاط بقوله: "طرحنا في الحزب التقدمي الاشتراكي بأن يكون موضوع اللاجئ الفلسطيني مرتبطاً بوزارة لشؤون اللاجئين الفلسطينيين، لكن الحزب عندما رأى قطيع الذئاب ينقض عليه، وقد اعتبر البعض أن القضية الفلسطينية قضية مذهبية تراجع عن هذا المطلب، لأنه لا يريد أن يدخل في وادي الذئاب." جهاد بزي، "حلم هائل.. إذا تحققت،" جريدة السفير، 14 كانون الثاني/يناير 2010.
  23. إيلي الفرزلي، "حقوق الفلسطينيين تقسم الحلفاء،" جريدة السفير، 16 حزيران/يونيو 2010.
  24. "لبنان: اغتنموا الفرصة لإنهاء التمييز ضد الفلسطينيين،" هيومن رايتس ووتش، 18 حزيران/يونيو، 2010.
  25. عزيزة خالدي، "المشاركة الاقتصادية للاجئين الفلسطينيين في لبنان،" جمعية النجدة الاجتماعية، 2008.
  26. ساهم شارل مالك، مندوب لبنان في الأمم المتحدة، في صياغة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان.
  27. انظر الفقرة 11 من البيان الوزاري لحكومة سعد الحريري 8 كانون الاول 2009 .