ورقة سياساتيةسياسة

ما دور القانون في النضال الفلسطيني من أجل التحرير؟

لمحة عامة

هل القانون الدولي، في إطار المسعى الفلسطيني لتقرير المصير وإعمال حقوق الإنسان، جزءٌ من الحل أم جزءٌ من المشكلة، كما يجادل البعض هذه الأيام؟ تتناول مستشارة الشبكة لشؤون السياسات، نورا عريقات، مواقف القائلين بأن القانون هو المشكلة، ومن ثم تناقش السُبل التي يتسنى من خلالها تسخير القانون لخدمة الشعب الفلسطيني. وتُبيِّن كيف أن "انتصار حقوق الإنسان لا يُفضي بالضرورة إلى العدالة،" وتدعو إلى وضع برنامجٍ سياسي يوظِّف القانون بدلًا من السماح لاستراتيجيةٍ قانونيةٍ ما بتحديد السياسة.

طرح السؤال الصائب

ما انفك دور القانون الدولي وحقوق الإنسان يخضع في الأشهر الأخيرة على نحو متزايدٍ إلى التمحيص، بما في ذلك التساؤل عمَّا إذا كان ينبغي للفلسطينيين الاستمرار في إقامة الدعاوى أمام المحاكم المدنية والعسكرية الإسرائيلية، وما إذا كان قانون الاحتلال جزءًا من المشكلة أو جزءًا من الحل؛ وإذا كان لا بد من رفع الدعاوى القانونية أمام المحاكم الدولية، فما حجة الفلسطينيين؟

تشترك هذه التساؤلات في قاسم واحد وهو الافتراضُ بأن القانون قادرٌ على تأدية وظيفة إيجابية. غير أن ثمة مَن يتساءل عمَّا إذا كان القانون في حد ذاته هو المشكلة. إن من الأهمية بمكان أن ننظر إلى مزايا كل مقاربةٍ وما يترتب عليها من أجل بيان الدور اللائق والسليم للقانون الدولي وحقوق الإنسان في النضال الفلسطيني الساعي إلى التحرير. وهذا ما ترمي إليه هذه الورقة السياساتية، التي تؤكد إمكانية توظيف القانون - رغم كونه أداةً في يد القوي عمومًا - لمناهضة الهيمنة إذا ما استُخدِم استخدامًا استراتيجيًا للنهوض بمشروعٍ سياسي أشمل.

لا تكمن المسألة فيما إذا كان القانون حسنًا أم سيئًا. فالقانون الدولي وحقوق الإنسان لا يتواجدان في معزلٍ عن السياسة، كما لو كانت صحائف على الرف تحوي قيمًا معروفةً ومُطلقة تنتظر مَن يأخذ بها ويطبقها. بل على خلاف ذلك، يمكن أن يأخذ القانون اتجاهات متعددة اعتمادًا على الحركات التي يقترن بها، وطريقة استخدامه، ومُستخدِمه. ومن أمثلة ذلك استخدامُ الدول المعتدية القانونَ في كثير من الأحيان لتبرير سلوكها. فقيمة القانون الدولي وفوائده الكامنة تتوقف كليًا على الإطار السياسي الأوسع الذي يعطي القانون معناه. إن وجود إطارٍ سياسي يتحدى ميزان القوى هو حاجةٌ ضرورية لتجنب الانزلاق إلى وهم إحراز التقدم بناءً على تقريب الحقوق شكلًا لا جوهرًا.

لا يُقدِّم القانون الدولي وحقوق الإنسان والخطاب المرتبط بهما حلاً سحريًا لإحراز ونيل حق تقرير المصير للفلسطينيين، فتلك مجرد أدوات ينبغي استخدامها بموازاة مجموعة من الأدوات الأخرى الفعالة. ومن دون وجود الهياكل الوطنية الناظمة والهيئات التمثيلية القادرة على خلق رؤية سياسية واستراتيجية لتقرير مصير الفلسطينيين، قد يلتبس الأمر على البعض ويظنّون أن القانون الدولي وحقوق الإنسان هما الإطار السياسي نفسه.

القضية الفلسطينية هي قضية حقوق إنسان بالتأكيد، ولكنها في المقام الأول كفاحٌ من أجل التحرر الوطني. فتقرير المصير في حد ذاته هو حقٌ من حقوق الإنسان، ويمكن من الناحية النظرية التعبير عن المطالب والمظالم الفلسطينية بواسطة خطاب القانون. غير أن هذا الطرح يفترض فضيلةً لا يجسدها القانون. فالقانون والعدالة لا يسيران يدًا بيد، فهو في العادة يخدم الوضعَ الراهن أو أرباب السلطة. وهذا يقتضي اتباعَ نهجٍ متكامل يتضمن استخدام القانون حين يتسنى إحقاق العدالة، وانتهاج السُبل السياسية حين يعمل القانون نفسه على ترسيخ المخرجات المجحفة.

إن مَن يعتمد على القانون الدولي وحقوق الإنسان من دون إطارٍ سياسي واضح يخاطر أيضاً بإرساء خطاب "الحقوق المتنافسة" والذي "تتنافس" بموجبه حقوق الفلسطينيين مع حقوق الإسرائيليين اليهود بل وحتى مع حقوق اليهود بعمومهم. يقلل الإطار السياسي من هذا الخطر إذ يُسنِد قيمةً للقانون ويستخدمه للمساعدة في النهوض بحركةٍ سياسية تنبري لمسألة مستقبل الإسرائيليين اليهود أيضًا. لذا فإن الحل يكمن في وجود برنامجٍ سياسي يوظِّف القانون، وليس استراتيجيةً قانونية تُحدد السياسة.

لا تحاول هذه الورقة السياساتية إيجادَ إطارٍ سياسي من هذا القبيل؛ وإنما تتحرى مسألة القانون والسياسة مع التركيز على القضية الفلسطينية، ويسعى إلى إثارة الحوار، ويدعو إلى التعمق في البحث في القضايا المختلفة المطروحة. تعرض هذه الورقة السياساتية في مستهلها بضعة خلافات نظرية أساسية مرتبطةٍ بالقانون الدولي والاستراتيجيات القانونية. ومن ثم تتناول النقد اللاذع الذي يوجهه الباحثون الفلسطينيون للقانون. وتنظر في قسمها الأخير في فوائد توظيف الخطاب والاستراتيجيات القانونية، وفي سُبل إدراك تلك الفوائد كاملةً.

ألف مشكلةٌ والقانون واحد

لا تقتصر مسألة نفعية القانون فيما يتعلق بحركات العدالة الاجتماعية على القضية فلسطينية. وفيما يلي سردٌ موجز لبعض أبرز الخلافات النظرية حول القانون الدولي، والاستراتيجيات القانونية، وحقوق الإنسان.

.1 أوجدت القوى الغربية القانونَ الدولي في سياق استعماري لتنظيم علاقاتها مع الدول، وتعزيز هيمنتها واستغلالها للموارد الطبيعية ضمن مناطق نفوذها الاستعماري. وهكذا فإن تطبيقات القانون الدولي تُرسخ هذه العلاقة غير المتناظرة التي تضر الدول المتحررة من الاستعمار ضررًا هيكليًا، وتعوق قدرتها على تقرير مصيرها اقتصاديًا وسياسيًا على المستوى العالمي.

حتى الزيادة الكبيرة في عدد الدول المستقلة حديثًا المُنضمة لعضوية الأمم المتحدة لم تعالج هذا الاعتلال الهيكلي لأن السلطة الوحيدة لإنفاذ القانون الدولي لا تزال في يد مجلس الامن الدولي، ممّا قيَّدَ بشدة فاعلية القانون ولا سيما القانون الإنساني وقانون حقوق الإنسان، حيث استطاعت القوى المتمتعة بحق الفيتو وحلفاؤها أن يحبطوا المحاولات الرامية إلى محاسبة الدول القوية داخل مجلس الأمن وأمام المحكمة الجنائية الدولية.

.2 سُبل الانتصاف القانونية محدودة بطبيعتها لأنها تسعى إلى الإصلاح وليس التغيير الجذري. لذا، فإن الحل القائم على الحقوق يضمن نتائج غير جذرية تتسامح مع التفاوتات والتباينات الهيكلية التي أدت إلى نشوب النزاع في المقام الأول. وبالإضافة إلى ذلك، فإن السعي من أجل إحداث إصلاحات تشريعية تدريجية يهدد بتحويل النضال الجماعي إلى نضالٍ فردي. وحين يتسنى للأشخاص أو الجماعات المطالبةُ بتدابير تعويضية ضمن حدود القانون، يكون إنفاذ المخرجات القانونية متوقفًا على الترتيبات الأمنية القائمة. لذا فإن مقاومة احتكار الدولة للعنف والقوة لا تكون كافيةً أبدًا، وتحل المظالم الفردية محل المظالم المجتمعية على نحو يُبرئ الدولة.

.3 يدعو القانون، ولا سيما قانون حقوق الإنسان، إلى نهج العالمية ويُجرِّد النزاعات من السياسة ويُحِلُّ محلها إطار "الحقوق المتنافسة." فتمحى المطالبات السياسية والمظالم التاريخية بُغية تحقيق المساواة أمام الهيئات الإدارية في الدولة. غير أن هذا الإنجاز لا ينص على أن الجماعات المحظية ينبغي أن تتخلى عن امتيازاتها و/أو ما إذا كان ينبغي تعويض الجماعات المحرومة عمَّا لحق بها من أضرار وكيف ينبغي تعويضها.

في حالتي جنوب إفريقيا ما بعد الفصل العنصري والولايات المتحدة ما بعد صدور قانون الحريات المدنية، وصلت درجة إعمال حقوق الإنسان إلى حد إزالة العقبات أمام السود دون تطبيق سياسات لإعادة التوزيع وتدابير لإعادة التأهيل مثل التعويضات الهادفة إلى إيجاد مجتمعٍ أكثر عدلًا. وعلاوةً على ذلك، ظلت ثروة البيض وامتيازاتهم المبنية على الاسترقاق والعمل بالسخرة كما هي، لأنه لو اتُخذت إجراءات ضدها لكان انتهاكًا لحقوق السكان البيض الإنسانية بموجب القوانين السارية. وهكذا، فإن انتصار حقوق الإنسان لا يؤدي بالضرورة إلى العدالة.

فلسطين والوعود الجوفاء

في ضوء هذه الجدل، ما الذي يمكن أن يجنيه الفلسطينيون من القانون الدولي وحقوق الإنسان؟ يُصرّ العديد من الباحثين والكتاب المرموقين على أنه ليس لفلسطين الكثيرَ لتجنيه، بل الكثير لتخسره، إذا أصرت على إطار قانوني يعتمد على بُنية القانون الدولي. تتناول سامرة إسمير في محاضرتها المعنونة "In the Land of the International: Palestine, Revolution and War" [فلسطين والثورة والحرب في العرف الدولي] كيف أنَّ لجوء منظمة التحرير الفلسطينية إلى الدبلوماسية والقانون الدولي في أوائل السبعينيات حوَّلها من حركة مناهِضة للاستعمار إلى محاولةٍ لإقامة دولة فلسطينية. وتقول إسمير إن ذلك أحدث انفصامًا بالغًا بين حجم فلسطين في الساحة الدولية وحالها وحال الفلسطينيين على أرض الواقع. وهذا التفاوت يشوه نطاق النزاع ويهوِّن الحاجة الملحة من أجل التحرر الفلسطيني.

ينتقد كريم ربيع ومِزنة قاتو في مقالهما المعنون "Against the Law" [ضد القانون] الارتكانَ إلى القانون الدولي ولا سيما إلى النهج القائم على الحقوق. ويُصرّان على أن هذا النهج قد فشل في بناء حركة تضامنٍ قويةٍ مناهضةٍ للاستعمار لا تقتصر على المطالبة بتحويل مسار جدار الفصل العنصري وحسب، على سبيل المثال، وإنما تدعو إلى إزالته تمامًا.

ومن وجهة نظر مختلفة، تحذر لمى أبو عودة في مقالتها "The Limits of International Law Legalese" [حدود مفردات القانون الدولي] من أن القانون يشجع المحامين على المغالاة في مرافعاتهم، ومن ثم يقوم المحكِّم بالتوفيق بينها عن طريق "قِسمة الخلافات" بين الطرفين. ومع أن النتيجة أفضل قليلًا بالنسبة للفلسطينيين، إلا إنها تظل بعيدةً جدًا عن العدالة الفعلية. وبالمثل، يُعدد نمر سلطاني في مداخلته في المائدة المستديرة التي عقدتها المجلة الالكترونية جدلية تحت عنوان "Occupation Law: Part of the Solution or the Conflict?" [قانون الاحتلال: جزءٌ من الحل أم جزءٌ من النزاع] أوجه عجز القانون في تقريب العدالة ضمن أي سياق. وفي حالة الفلسطينيين بوجه خاص، يتعامل القانون مع الانتهاكات الإسرائيلية باعتبارها انحرافات سلوكية وليس كمكونٍ أساسي لطابع إسرائيل. ويزداد هذا الإطار سوءًا لكون المطالبات الفلسطينية بموجب القانون الدولي حُكمًا مجزأةً، ولا تمثل بالتالي مطالبةً موحدةً ضد الاستيطان الاستعماري الإسرائيلي.

يطرح الكتّاب في هذه الأمثلة ادعائين مترابطين: الأول هو أن الاستراتيجيات القانونية غير كافية للأخذ بيد الفلسطينيين إلى التحرر، والثاني هو أن النهج القائم على الحقوق يهوِّن إرث الاستعمار الاستيطاني المستمر أو يمحوه تمامًا. يعمل النهج الاستراتيجي والخطاب القانوني مجتمعين على تطبيع إسرائيل، وفي أحسن حالاتهما، يسعيان لإصلاحها لا أكثر. ولكن ما قيمة الإصلاح القانوني في إسرائيل إنْ لم يُطعَن في الأساس الذي تقوم عليه؟ وهذا أمرٌ خطير ولا سيما إذا قُسِّمَت القضية الفلسطينية إلى عدة أجزاء غير مترابطة. فعلى سبيل المثال، ماذا لو منحت إسرائيل مواطنيها الفلسطينيين فرصةً أفضل في التوظيف والتعليم والرعاية الصحية، وإدماجًا أكبر في الجيش - وهو توجهٌ قد بدأ بالفعل - على حساب الاعتراف بالمطالبات القومية لسكانها الأصليين الأقلية؟ وماذا لو حظي حق العودة بالاعتراف ولكن أصرت إسرائيل على تسهيل العودة والتعويض وإعادة التأهيل والإدماج في المجتمع بطرق تُبقي على الامتيازات التي تمنحها لمواطنيها اليهود من خلال تركيز السكان الفلسطينيين في معازل؟

لا يعالج القانون هذه القضايا على نحو وافٍ، وهي مسائل سياسية ترتبط ارتباطًا وثيقًا بعملية إنهاء وتفكيك الاستعمار. لا يقتضي إنهاء وتفكيك الاستعمار إزالةَ المستوطنين، كما تُبيِّنُ نماذج تاريخية مختلفة، ولكنه يتطلب على الأقل اعترافًا بتاريخ الاستعمار والتزامًا ببناء مجتمعٍ يؤكد على الأهمية المركزية للسكان الأصليين بالنسبة للمجتمع. أمّا ما يعني ذلك أو كيف ينبغي أن يكون فهو خارج إطار هذه الورقة السياساتية، بيد أن للحيثية هذه شقين: أولاً إثبات أن المشكلة لا تكمن في القانون في حد ذاته، وثانيًا، الإشارة إلى أن الهياكل الوطنية الناظمة، سواء الرسمية أو غير رسمية، قادرةٌ على توفير الإطار السياسي اللازم لتوظيف القانون في خدمة حق الفلسطينيين في تقرير المصير.

يُعدّ القانون الدولي وحقوق الإنسان، سواءً في ظل وجود إطار سياسي أو في غيابه، أدوات تشبه إلى حدٍ كبير وسائل الإعلام، ووفود التضامن، ومشاريع توأمة المدن، والمظاهرات الشعبية. فمن غير إطار سياسي، يمكن استخدامها كأدوات لتسليط الضوء على الانتهاكات الإسرائيلية، وتمكين القيادة الفلسطينية من مقاومة الاستسلام السياسي أو مقاومة الإملاءات العسكرية والدبلوماسية والاقتصادية. ولكن ضمن الإطار السياسي، يمكن استخدام هذه المكاسب التكتيكية لطرح تصور لإنهاء وتفكيك الاستعمار.

يُحذر النقاد من أن القانون، كما هو مستخدمٌ اليوم، يُعبِّر عن معنى العدالة بالنيابة عن الفلسطينيين، وبالتالي يسلب صوت الفلسطينيين السياسي والجماعي. ومع ذلك، ورغم صِحة هذه النقطة، فإنها لا تُعبر عن جسامة الأزمة الراهنة. ففي الوقت الحاضر، تستأثر لغة القانون الدولي وحقوق الإنسان بحجمٍ كبير غير متناسب ضمن الخطاب بشأن فلسطين، والسبب في ذلك تحديدًا غياب جسمٍ وطني فلسطيني يُمثل إرادة الشعب الفلسطيني ويُعبِّر عنها بوضوح. وفي حين قد يتفق الفلسطينيون عمومًا على النقاط الأساسية للوحدة التي تحدد نضالهم، فإن غياب رؤيةٍ واضحةٍ بشأن تقرير المصير تقدم خريطةً لإنهاء وتفكيك الاستعمار يقوِّض التكامل بين القانون والحركات السياسية.

على الرغم من المحاولات العديدة لإعادة تشكيل هيئةٍ وطنية ومنحها ولايةً تمثيليةً بهدف قيادة عملية إنهاء وتفكيك الاستعمار – بوتيرة متنامية كما في حركة الشباب الفلسطيني وشبكة الجالية الفلسطينية في الولايات المتحدة، وعلى نحو أكثر شمولًا كما في الجهود الرامية إلى انتخاب المجلس الوطني الفلسطيني – فإن أيًا من هذه المحاولات لم يتطور بما يكفي. وحتى الآن، ومنذ انهيار شرعية منظمة التحرير الفلسطينية، باتت اللجنة الوطنية التابعة للحركة الفلسطينية لمقاطعة إسرائيل وسحب الاستثمارات منها وفرض العقوبات عليها تُمثل الشريحةَ الأكبر في المجتمع المدني الفلسطيني ومن ضمنها المنظمات والأفراد والأحزاب السياسية؛ ولا تزال الأقدر على الدعوة للتضامن بالنيابة عن الفلسطينيين. وسعيًا لتمثيل مصالح عموم الفلسطينيين تمثيلًا كافيًا دون أخذ مكان منظمة التحرير الفلسطينية، اختارت حركة المقاطعة أن تتجنب صراحةً التساؤلات عن الحل السياسي الملائم للقضية الفلسطينية، واختارت عوضًا عن ذلك أن تركز على الحقوق. وبذلك، ضمنت الحركة الاستدامةَ، وتمخضت عن حركةٍ لامركزية أقل عرضةً للاختراق والتخريب. وبالإضافة إلى إعادة تأهيل وحدانية الجسم الوطني الفلسطيني، أكدت حركة المقاطعة على وجوب التمسك بحقوق الإنسان الفلسطيني بغض النظر عن الحل السياسي.

إن حركة المقاطعة ودعوتها القائمة على الحقوق لا تحول دون الدور الممكن أن تؤديه المنظمات الوطنية الأخرى المنبثقة من مخيمات اللاجئين أو الضفة الغربية أو قطاع غزة أو الداخل الفلسطيني المحتل أو في الخارج والشتات. بل على العكس من ذلك، لا بد من وجود هيكل سياسي بديل ذي ولاية تؤهله للقيادة من أجل تجاوز المأزق الذي يواجهه الفلسطينيون الذين لن ينعموا بالحرية بالتعلق بذيول الاستحقاقات القانونية اللامتحققة. فليس بوسع القانون الدولي وحقوق الإنسان الحلولُ محل المطالب السياسية لحركات التحرر الوطني، ولكن بوسعه أن يساعدها في تحقيق أهدافها.

تحديد قدرة القانون الكامنة

على الرغم من المخاوف التي نوقشت أعلاه، يخاطر رافضو الاستراتيجية القانونية و/أو النهج القائم على الحقوق رفضًا قاطعًا بإضاعة فرص كُبرى لإعادة ضبط توازن القوى. فقد برزَ القانون، ولا سيما في السياسة التي رسختها اتفاقات أوسلو و"عملية السلام" التي صاحبتها، باعتباره ثِقلاً موازنًا محتملًا للإملاءات الكارثية التي تُمليها السلطة المجردة.

يحصل هذا بطرقٍ رئيسية ثلاث: أولًا، بتحدي الموقف السياسي للقيادة الفلسطينية غير المُمثِّلة التي استغنت عن استراتيجية المقاومة من أجل الاستفادة من وعود البراغماتية الأمريكية المضللة. وثانيًا، باستخدام نص القانون لفضح التلاعب الإسرائيلي به من أجل إيجاد شرعية قِشرية خداعة مبنية على سيادة القانون. وثالثًا، بالطعن في شرعية النظام الإسرائيلي الجائر برمته وليس فقط داخل الأرض الفلسطينية المحتلة. وسوف يتناول هذا القسم السُبل التي تتيح استخدام القانون، وبعض الحالات التي استُخدم فيها القانون بالفعل، لتحدي ميزان القوى بين إسرائيل والشعب الفلسطيني.

1. جبر الضرر الذي تسببت به القيادة الفلسطينية غير المُمثِّلة

تخلت منظمة التحرير الفلسطينية/السلطة الفلسطينية عن مطالباتها بموجب القانون الدولي من أجل تعزيز مواقف تفاوضية وهمية. وطلبت من دول أخرى أن تعبر عن دعمها لحرية الفلسطينيين من خلال توفير الدعم الدبلوماسي والمالي لعملية السلام بغض النظر عن آثار تلك العملية. وفي هذا السياق، يبدو أن منظمة التحرير الفلسطينية/السلطة الفلسطينية، على سبيل المثال، مستعدةٌ لقبول المستوطنات كواقعٍ جديد و"مبادلة" أراضٍ مع إسرائيل بدلًا من المطالبة بإزالة تلك المستوطنات. والأهم من ذلك هو أن القبول بالمستوطنات يضيِّعُ الفرصة لمواجهة منطق الاستعمار الاستيطاني الإسرائيلي الذي ينطوي على الترحيل القسري المستمر للسكان الفلسطينيين. فالمستوطنات ليست عوائق مادية فقط، ولا تستطيع هذه البراغماتية أن تتلافى المشروع التوسعي العنصري الإسرائيلي. فهذه ليست مسألةً قانونيةً وحسب، بل هي قضيةٌ أخلاقيةٌ تكمن في صميم الكرامة المتأصلة والحقوق الأساسية للشعب الفلسطيني.

ومع ذلك، فإن لغة القانون والآليات المرتبطة به تُمكِّن الجهات الفاعلة في المجتمع المدني من التدخل في عمليةٍ تهيمن عليها الجهات الفاعلة الحكومية وشبه الحكومية. فقد أتاحت الإشارات المتكررة إلى اتفاقات جنيف الرابعة، ولا سيما إلى جريمة الحرب المتمثلة في توطين السكان المدنيين للدولة على الأرض التي تحتلها، إمكانيةَ الطعنِ في التوسع الاستيطاني الإسرائيلي بالطلب من الدول أن تنصاع للمطالب الفلسطينية على أساس القانون الدولي بدلًا من الانصياع للقيادة الفلسطينية التي اختارت نفسها بنفسها. وعلاوةً على ذلك، إن الإصرار على أن مبادلة الأراضي في حد ذاتها ترقى إلى كونها جريمة حرب يعزز هذه المطالبات ويُبرِزُ منطق الاستعمار الاستيطاني وتاريخه والذي يبدو أن القيادة الفلسطينية مستعدة تمامًا لنسيانه.

2. فضح الشرعية القِشرية الخداعة المبنية على سيادة القانون

تستند إسرائيل في كافة إجراءاتها إلى القانون لأن النظام المعولَم الذي تقوم الدول عليه يُقدس سيادة القانون. فعلى سبيل المثال، تُنفِّذ إسرائيل عمليةً لتدمير غزة بالجملة تحت مسمى "الدفاع عن النفس". وتُحجِم إسرائيل عن منح العائلات تصاريح لبناء المساكن، وبعدها تعلن أن المنازل المبنية غير قانونية، ثم تهدمها. يُعدُّ الصندوق القومي اليهودي، على سبيل المثال، كيانًا غير حكومي ويمكنه، بالتالي، التمييز من الناحية القانونية ضد غير اليهود. يشكِّل ممثلوه، عن قصد، قرابة نصف عدد العاملين في سلطة أراضي إسرائيل التي تدير أراضي الدولة بهدف تيسير التخطيط الحضري التمييزي العنصري الذي يحابي الإسرائيليين اليهود. وفي حالة أخرى، يُعلن الجيش الإسرائيلي طرقًا معينة في وادي الأردن مناطقَ عسكرية مغلقة ومن ثم يفرض غرامات على الفلسطينيين عند عبورها – رغم أن تلك الطرق تفصل الفلسطينيين عن أراضيهم ومدارسهم وعائلاتهم ممّا يؤدي إلى تفكك مجتمعاتهم و/أو نزوحهم قسرًا. وهكذا، لا تنفك إسرائيل توظف القانون في كل مرة ساعيةً لاكتساب الشرعية كدولةٍ ديمقراطية تقوم على سيادة القانون.

لكن ليس كل ما هو قانوني شرعيًا بالضرورة. فإسرائيل تستخدم القانون صراحةً لخلق شرعية قِشْرية خداعة. لذا، لا بد للنضال الفلسطيني من أجل التحرر أن ينزع هذه القشرة ويفضح طبيعة إسرائيل العنيفة والتمييزية السافرة. إن استخدام مواد القانون (مثل الاتفاقية الدولية لقمع جريمة الفصل العنصري والمعاقبة عليها، وترحيل السكان قسرًا باعتباره جريمة حرب، والاتفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري) هو أداةٌ مفيدة للطعن في تلاعب إسرائيل بالقانون.

3. تحدي شرعية المشروع الاستيطاني الاستعماري ونظام الفصل العنصري الإسرائيلي

كان النضال الفلسطيني يتمتع برقي أخلاقي في حقبة سابقة سعت فيها جهات فاعلة حكومية وغير حكومية عديدة لتحديد ماهية العنف المشروع وغير المشروع في سياق حركات عدة تهدف لإنهاء وتفكيك الاستعمار. وفي عالمنا الخاضع للهيمنة الأمريكية، أُدرِج النضال الفلسطيني في إطار خطاب الإرهاب ومكافحة الإرهاب الذي طمَس المُثل الأخلاقية التي تقوم عليها القضية الفلسطينية. غير أن خطاب حقوق الإنسان، إلى جانب عدد متزايد من الحركات الشعبية، ما فتئ يفضح إفلاس الإطار الأمني ويساعد في إعادة تأطير القضية الفلسطينية باعتبارها نضالًا يخوضه السكان الأصليون ضد الهيمنة الاستعمارية في الشطر الشمالي من العالم.

فعلى سبيل المثال، ماذا تستفيد إسرائيل أمنيًا بتهويد القدس الشرقية؟ وكيف يتعزز تفوقها العسكري النوعي بزراعة غابة على أنقاض 70,000 منزل يعود لمواطنين فلسطينيين بدو؟ وكيف يمكن لتطبيق مجموعتين منفصلتين من القوانين على فئتين من الناس لا يُفرِّق بينهما سوى الدين والجنسية أن يعزز أمان كل مَن يقطن بين البحر المتوسط ونهر الأردن؟

وبطرح هذه الأسئلة والنأي بفلسطين عن الخطاب الأمني باتجاه خطابٍ إنساني وحقوقي، يؤدي القانون الدولي وحقوق الإنسان وظيفتهما الأهم والأبرز ألا وهي الطعن في شرعية نظام الاستعمار الاستيطاني ونظام الفصل العنصري الإسرائيلي. وهناك سببٌ يدعو هوارد كوهر، المدير التنفيذي للجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية (إيباك)، لِوصف حركة المقاطعة كثاني أكبر تهديد لإسرائيل بعد إيران القادرة نوويًا، ليس لأن الحركة تهدد بإفلاس إسرائيل، ولكن لأنها قادرةٌ على وضعها في عُزلة، وجعلها على حد تعبير وزيرة العدل الإسرائيلية تسيبي ليفني "مستوطنةً منعزلة عن العالم." وهذا ما يصفه ريتشارد فولك، مقرر الأمم المتحدة الخاص المعني بحالة حقوق الإنسان في الأرض الفلسطينية المحتلة والذي شارفت ولايته على الانتهاء، بأنه "حرب الشرعية." وهذه الحرب تنقل المعركة ضد شرعية ممارسات إسرائيل في تشريد الفلسطينيين وسلب ممتلكاتهم وإقصائهم، بغض النظر عن الغرض السياسي، إلى ساحة قتال عالمية.

لقد ساعد توظيف خطاب حقوق الإنسان في تسليط الضوء على المفارقات الصارخة التي تجسدها إسرائيل. فعلى سبيل المثال، تروِّج إسرائيل لنفسها على أنها الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط، بيد أنها تعتبر المساواة لمواطنيها من غير اليهود بمثابة الدمار لها. وبالمثل، تقوم هوية إسرائيل على كونها دولةً للاجئين، ومع ذلك تستمر في إقصاء اللاجئين الذي هجَّرتهم ولا تنفك تواصل مشروعها الرامي إلى نزع ممتلكاتهم.

يمكن إقامة هذه الحجج دون الحاجة إلى الحديث عن القانون والحقوق. غير أن إثارتها كمبادئ عالمية يُظهر أن إسرائيل تحظى فعلًا بمعاملةٍ مختلفة، إذ تتمتع بالمساواة مع جميع الدول الأخرى في حين أن أفعالها فوق القانون. إن استخدام إطار عالمي يدل على عدم شرعية الاستعمار الاستيطاني ونظام الفصل العنصري الإسرائيلي، وعلى طابعه الاستثنائي وطبيعته الشاذة. ومع ذلك، فإن الافتقار إلى إطار سياسي يهدف إلى إنهاء وتفكيك الاستعمار يخاطرُ بإعطاء القانون القدرة على الحلول محل المطالب الفلسطينية بدلًا من أن يكون أداةً للنهوض بها. وفي هذه الحالة، يتطلب التكامل إرساء برنامج سياسي قادرٍ على توظيف القانون على أفضل وجه.

لا يكمن التحدي الرئيسي الذي يواجهه الفلسطينيون اليوم في وفرة القانون واللغة القانونية وإنما في غياب الهياكل الناظمة والهيئات التمثيلية القادرة على وضع الرؤية والاستراتيجيات والقيادة السياسية اللازمة للنهوض بتطلعات الفلسطينيين كافة. والمطلوب هو إطارٌ للتكامل: فتطوير برنامج سياسي وقيادة سياسية ممثِّلة للشعب الفلسطيني يمكنه أن يضفي على القانون معنى خاصًا وأن يمكَّنه من تأدية دوره في النهوض بحركة التحرر الفلسطيني. وحتى ذلك الحين، ينبغي للناشطين السياسيين والمدافعين القانونيين على حد سواء أن يستخدموا القانون الدولي وحقوق الإنسان استخدامًا استراتيجيًا من أجل فضح طبيعة إسرائيل العنصرية والقمعية. وينبغي أن يمتنع الفلسطينيون عن استهداف القانون ومهاجمته باعتباره السببَ في الاختلال القائم ولو أغراهم أو استهواهم ذلك. فصحيحٌ أن القانون وما يرتبط به من استراتيجيات يعج بالمشاكل، إلا أنه ليس مَصدرها.