المنظمات غير الحكومية مقابل الحركات الشعبية: تقسيم زائف

يشيع في هذه الأيام الإصرارُ على المقارنة بين الحركات الجماهيرية الشعبية المفترض بأنها "مستقيمة" والمنظمات غير الحكومية والمؤسسات المهنية "غير المستقيمة" التي لا تمتلك بالضرورة قاعدةً شعبية.[fn]يستخدم الكاتب مصطلحي المنظمات غير الحكومية والمجتمع المدني لأجل المناقشة وحسب رغم أنهما يدخلان في باب التعميم. يشمل المجتمع المدني الأحزاب السياسية والنقابات العمالية والحركات الاجتماعية والمنظمات غير الحكومية. وفي الوقت نفسه، يمكن أن تشمل المنظمات غير الحكومية النوادي الرياضية ومنظمات حقوق الإنسان والجمعيات الخيرية ومراكز البحوث والجمعيات الثقافية، وما إلى ذلك.[/fn] ومن الكتابات المنشورة مؤخرًا في هذا الصدد "Funds and Civil Liberties" [التمويل والحريات المدنية] للكاتب في. سوريش [انظر كذلك رد الكاتب]، وفي السياق الفلسطيني والعربي، مقالة طارق دعنا المحفِّزة للفكر والمعنونة "المجتمع المدني الفلسطيني: أين العلة؟" ومقالة إصلاح جاد المحفِّزة للفكر أيضًا والمعنونة "The NGO-isation of Arab Women's Movements" [تحويل الحركات النسائية العربية إلى منظمات غير حكومية] والتي تُعدُّ من الأمثلة الباكرة في هذا الاتجاه.

تثير هذه الكتابات أسئلة مهمة، ولكنها تخرج بافتراضات وتوكيدات تستحق المزيد من البحث والمناقشة. يشير هؤلاء الكُتاب إلى أن اعتماد المنظمات غير الحكومية على الجهات المانحة يؤثر بالضرورة في أجنداتها ووجهات نظرها السياسية بل ويجعلها خاضعةً للجهات المانحة، ويُضعف روابط المنظمات غير الحكومية بالمجتمع المحلي. ويقترحون أن على المجتمع المدني الابتعاد عن الانخراط في المنظمات غير الحكومية وأن يتجه إلى تبني شكلٍ مثالي ما من أشكال الحركات الشعبية المعبأة الملتزمة بأجندة التحرير الوطني، وفي حالة فلسطين، بسياسة المقاومة أيضًا.

غير أن المقارنة بين "الحركات الشعبية" و"المنظمات غير الحكومية" ليست إلا تقسيمًا زائفًا وغير ضروري. لا شك أن هناك مجموعةً من القضايا المرتبطة بالتمويل الأجنبي المقدَم للجهود المحلية، بما فيها مسألة تطابق أولويات المانحين مع الأولويات الوطنية، و"القوائم السوداء" التي وضعتها الولايات المتحدة الأمريكية، وتنامي الاتكالية على المساعدات وغيرها من القضايا. غير أن هناك مشكلات كذلك ترتبط بالحركات الشعبية، ولا سيما في البيئة السياسية المجزأة القائمة حاليًا.

تكتسب هذه الشواغل في مجتمع معتمد على المساعدات ومتقلب سياسيًا كالمجتمع الفلسطيني أهميةً أكبر وتحتاج إلى مدارسة ومناقشة. وبدلًا من طرح فرضيات من قبيل إما/أو، فإن من الأهمية بمكان اتخاذ موقفٍ أكثر شموليةً يتسع للجميع ويرى في تنوع النُهُج إثراءً للمكونات المبدعة والمتعاضدة في المجتمع المدني. فلعل بارقة الأمل الوحيدة في هذه البيئة السياسية القاتمة تكمن في تعددية المجتمع المدني الفلسطيني وتنوعه.

ما مدى شعبية الحركات الشعبية؟

تتمثل إحدى القضايا التي تُثار بانتظام في الزيادة الكبيرة في المساعدات المالية في أعقاب عام 1993، وتحول الحركات الشعبية بفضل اتفاقات أوسلو من حركات "متجذرة بعمق في حركة التحرر الوطني،" كما يقول دَعنا، إلى منظمات غير حكومية تعمل كوسيط بين المستويين العالمي والمحلي. وهذه قضيةٌ فيها نظر. فقد كانت المنظمات غير الحكومية نشطةً بالفعل قبل أوسلو. بل إن عددًا كبيرًا من المنظمات غير الحكومية العاملة في مجالات التنمية وحقوق الإنسان وحقوق المرأة تأسست في أوائل عقدي الثمانينيات والتسعينيات. فتلك المنظمات كانت بالفعل تقوم بعملٍ جيد جدًا قبل زيادة التمويل التي أعقبت أوسلو بفترة طويلة.

إن "اللجان الشعبية" التي برزت في عقدي السبعينيات والثمانينيات مثل اللجان التطوعية التي بادرت بها جامعة بيرزيت ولجان الإغاثة الطبية والإغاثة الزراعية وغيرها بذلت جهودًا ممتازة وساعدت في تمهيد الطريق لأول انتفاضة شعبية. وقد أطلقت الجهات الفاعلة السياسية، ولا سيما الحزب الشيوعي، العديد من تلك اللجان، غير أن حركة فتح وغيرها أسسوا في نهاية المطاف لجانًا منافسةً لها. وبالرغم من جهودها الطيبة، لم تَخلُ تلك اللجان من الاتهامات بالنخبوية السياسية والتلاعب بالمشاعر القومية لأغراض التعبئة الحزبية السياسية. ويمكن التشكيك في مدى نجاح تلك الجهود التعبوية، كما يدل على ذلك ضَعفُ تلك الحركات في الوقت الحاضر. ولا بد من دراسة أسباب هذا الضعف في سياق تاريخها وأساليب عملها، بدلًا من إلقاء اللوم على انتشار المنظمات غير الحكومية الأفضل تمويلًا.

ومن المقارنات المُبسَّطة إلى حد الإفراط مقارنةُ أجندات المنظمات غير الحكومية المعولَمة والموجَّهة من المانحين والمفتَرضة بالأجندة الوطنية للحركات الاجتماعية الشعبية الأكثر محليةً والمفترضة (أيضًا). لا شك أن التمويل يؤثر في أجندات المنظمات غير الحكومية لأن المانحين يأتون بأجنداتهم وأولوياتهم. غير أن القول إن هذه المنظمات غير الحكومية أصبحت ذراعًا تنفيذيةً لأجندات خارجية، وإن ذلك أتى على حساب أشكال أخرى من تنظيمات المجتمع المدني الأكثر أصالةً، يتطلب المزيد من الأدلة؛ فهكذا علاقة سببية لا يمكن إدراكها بهذه السهولة. فلأن العشرات من الناس اختاروا البحث عن المال بإنشاء منظمات غير حكومية لا يعني أن كل منظمة غير حكومية تسعى إلى ذلك، ولا يفسر هذا الطرح إحجام الألوف الآخرين عن الانضمام إلى "الحركات الجماهيرية" أو السبب في تخليهم عنها.

إن الصورة أكثر عمقًا وتعقيدًا، وفهمنا لها يجب أن ينطلق من التشكيك فيما إذا كانت الحركات "الجماهيرية" الممجدة فعلًا "جماهيرية" وتمثل أجندةً وطنية شعبية وليست أجندة الفاعلين السياسيين المتنافسين الواقفين ورائها، كما ذُكر للتو. ففي ظل الانقسام السياسي الحالي في المجتمع الفلسطيني، هل نمتلك "أجندة وطنية" وحدوية متسقة غير التحرر من الاحتلال؟ ألا تمتلك حركتا فتح وحماس واليسار عمومًا، وحتى "النخبة المعولَمة الجديدة" رؤى مختلفةً للمجتمع الفلسطيني، وألا يجب أن يكون هؤلاء قادرين على التعبير عن تلك الرؤى على قدم المساواة وأن يعرضوا على عامة الناس أجندات وسُبلًا متنافسة لتحقيق تلك الرؤى؟

أجندات المانحين والانتقادات الأخرى

تركز الجهات المانحة أولوياتها التمويلية في الغالب تبعًا لأسبابها الخاصة التي يكون بعضها استراتيجيًا وبعضها برامجيًا وحتى سياسيًا، وهذا يؤثر بالتأكيد في تحديد القضايا التي ستموَّل. ولا شك أن على المنظمات غير الحكومية أن تنظر في أولويات المنظمات المانحة قبل أن ترفع مقترحاتها ولتتخذ القرارات وفقًا لذلك. وللأسف، ليست المنظمات غير الحكومية كلُّها قادرةً على التفاوض مع الجهات المانحة لتأمين الدعم لِما ترى أنها قضايا ذات أولوية. ولهذا السبب تحديدًا انبرى عددٌ من الناشطين في المنطقة - بمن فيهم كاتب هذه السطور - لتأسيس الصندوق العربي لحقوق الإنسان الذي يستمد توجهاته التمويلية من الشواغل القائمة على أرض الواقع، ويسعى لتوعية الجهات المانحة الدولية.

أمّا القول إن أولويات المانحين قد أضعفت قدرات المنظمات غير الحكومية الفلسطينية على وضع خططٍ قائمةٍ على أساس الأولويات الوطنية - على افتراض أننا نجتمع على أولويات وطنية واحدة – هو قولٌ غير منصف ويستهين بالتزام المنظمات غير الحكومية الفلسطينية والعمل الجاد الذي تبذله. وكمثالٍ واحد فقط، كيف يُعقَل أن تكون هناك أجندةٌ خارجية للمركز الفلسطيني لحقوق الإنسان في غزة ومؤسسة الحق في رام الله تنطوي على استخدام التمويل الأجنبي لرفع دعاوى بارتكاب جرائم حرب ضد مسؤولين إسرائيليين في أوروبا؟ فبالرغم من أن الدبلوماسيين الجبناء والمحاكم الجبانة في بريطانيا وغيرها يعكفون في الوقت الراهن على تغيير قوانينهم لتجنب الاضطرار إلى التعامل مع قضايا جرائم الحرب، فقد تكرر أن ألغى مسؤولون إسرائيليون سفرهم إلى هناك خوفًا من الملاحقة القضائية بسبب جهود المنظمات غير الحكومية الفلسطينية الخلاقة والشجاعة في هذا الصدد.

إن قوة المانحين، في الواقع، على فرض أولوياتهم أو وجهات نظرهم على عمل المنظمات غير الحكومية هي أكثر محدوديةً ممّا يُفتَرض في الغالب. فالمنظمات المانحة، كما تقول ريتشل واال، مخطئةٌ مهما فعلت. فإذا تراخى المانحون إزاء غياب المساءلة المؤسسية، يُلامون على دعمهم النخبوية والمنظمات غير الحكومية المفتقرة إلى الكفاءة والديمقراطية. وإذا صاروا لحوحين أو "متأمرين"، فيُتهمون بالتدخل في عمل المنظمات غير الحكومية الوطنية وفرض أجندتهم. لذا ينبغي أن نركز اهتمامنا عوضًا عن ذلك على مسؤولية المنظمات الفلسطينية في الخضوع للمساءلة والعمل بفاعلية وكفاءة والوضوح والإصرار على أجندتها.

تواجه المنظمات غير الحكومية كذلك انتقادات بأن لديها هياكل هرمية تتركز بموجبها السلطة في أيدي أفرادٍ قلة لا يخضعون سوى لمساءلة مجالس تلك المنظمات (إذا كانت المجالس قائمةً بالفعل أو تعمل كما ينبغي) وليس لمساءلة مجتمعهم المحلي. وهذه ليست ظاهرةً جديدة في فلسطين أو في المنطقة، ولا تقتصر على المنظمات غير الحكومية. فالمجتمعات المدنية تستنسخ دومًا تقريبًا نماذجَ القيادة التي اعتادتها، وفلسطين ليست استثناءً. فليس الأمر مقصورًا على ذاك المدير في العديد من المنظمات غير الحكومية الذي ظل في منصبه لمدة 30 عامًا، وإنما ينسحب أيضًا على رئيس الدولة أو اللجنة المحلية أو المجلس المحلي أو الحزب السياسي أو المنظمة العمالية أو غيرها. ومن الخطأ أن ننظر إلى هذه المشكلة على أنها مقصورة على المنظمات غير الحكومية.

يحاجج طارق دعنا بأن استطلاعًا أجرته مؤسسة فافو النرويجية للدراسات والأبحاث خلص إلى أن %59 من المستطلعة آراؤهم لا يثقون في المنظمات غير الحكومية الفلسطينية. وهذا الاستنتاج مُضللٌ إنْ لم يُعرَض في سياقه. فقد أظهر الاستطلاع نفسه نقصًا عامًا في الثقة في الجهات الفاعلة كافة، بما فيها القيادة السياسية، حيث بلغت نسبة الثقة في محمود عباس %41 في عام 2011 وكانت الثقة أقل في إسماعيل هنية إذ بلغت %24 في العام نفسه. وكانت ثقة الفلسطينيين في عملية التحول الديمقراطي بائسة بنسبة %25 (غير أن ثقتهم في حقوق الإنسان بلغت تقريبًا الضعف عند %45، وهو أمرٌ يبعث على الاهتمام). وهكذا فإن نسبة الثقة في المنظمات غير الحكومية الفلسطينية )%41( تتسق مع تلك الأرقام. وبعبارة أخرى، ما انفك الفلسطينيون الذين تكتنفهم حالةٌ من الاحباط الشديد بسبب الوضع الراهن وانعدام التقدم على جبهات عديدة يفقدون ثقتهم في الجميع، وليس فقط في المنظمات غير الحكومية.

المساعدات والنشاط السياسي

لا شك في أن المساعدات التي غدت فلسطين معتمدةً عليها هي واقعٌ قاسٍ، وتستحق آثاره على خطاب التنمية واتجاهاتها الكثيرَ من البحث القائمِ على الدليل. ومع ذلك، فإننا بحاجةٍ إلى الخوض على نحو أعمق فيما إذا كان سلخُ مشاريعَ مموَّلةٍ محددة عن السياسة سيؤدي بالضرورة إلى سلخ المنظمات غير الحكومية أو المجتمع الفلسطيني ككل عن السياسة، كما يُزَعِم، أو ما إذا كان خطاب التنمية الدولية ينزع الشرعيةَ بالضرورة عمّا ينبغي أن يكون خطاباً وأولويات خاصة بالفلسطينيين.

تواجه منظمات حقوق الإنسان الكثير من تلك الانتقادات، ولكن الأدلة تشير إلى ما يفندها. وهذا بالضبط لأنها تنطلق من الصفة العالمية للحقوق والمعايير الدولية الناظمة لها والسلطة الأخلاقية والقانونية للمطالبة بها في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي والسلطة الفلسطينية وحماس. فهل ينبغي أن تُهمَّش مطالبات المرأة بالمساواة في إطار النضال القومي من أجل التحرر (اللازمة المعتادة "ليس الآن، علينا أن نحارب الاحتلال")، أم هل ستُتَّهم منظمات حقوق المرأة "بالانسلاخ عن السياسة" إذا اضطلعت بتنفيذ مشروع - يموله المانحون الدوليون – بهدف مواءمة الممارسات الفلسطينية مع المعايير الدولية لحقوق المرأة؟

حتى وإنْ انسلخت بعض المنظمات غير الحكومية عن السياسة - وهذا ليس بالضرورة أمرًا سيئًا – فإن ذلك لا يعني أن المجتمع كله أصبح غير مسيَّسًا. إن الجهود والتضحيات التي تبذلها حركة التضامن الدولية والمنظمات العاملة على توثيق انتهاكات المستوطنين والمستوطنات وهدم المنازل وآثار جدار الفصل العنصري، والمموَّلة جميعها من الجهات المانحة الدولية، تشهد على خلاف ذلك.

يُقال أحياناً إن إنتاج المعرفة قد تحول أيضًا نحو "ترويض" المجتمع الفلسطيني على نهج الليبرالية الجديدة أو الاستعمارية الجديدة لكي يقبل بعملية السلام، وإننا في حاجة إلى إعادة تفعيل بحوث "مناهضة الاستعمار" والتحرر. إن المعرفة أمرٌ حاسم، وكلما أمكن إنتاجُ المزيد منها لتوجيه السياسات وبناء نُهُج التحرير ومنهجيات المقاومة، كان أفضل. لكننا يجب أن نكون حذرين من أحكامنا القيمية. ويجب أن تستند المعرفة إلى الحقيقة والتحليل ذي المصداقية، سواء كان قائمًا على الأطر الاستعمارية، أو أطر مكافحة الاستعمار، أو أطر الاستعمار الجديد. والمطالبة بأن إنتاج المعرفة ينبغي أن يكون موجَّهًا أو أن يتبع نموذجًا أو تحليلًا معينًا هي خطأ فادح وضَرب من ضروب القمع والتقييد بحق حرية البحث. فعالَم الأفكار والنقاش يتطلب إبداعًا لا يتحقق إلا بواسطة حرية البحث العلمي بعيدًا عن الوصفات الأيديولوجية.

فسحةٌ للنُهُج كافة

تصدر الانتقادات بحق المنظمات غير الحكومية الفلسطينية عن نيةٍ صافية وحسنة، وتكون الكثير منها صائبةً. إن الرغبة في رؤية المجتمع المدني الفلسطيني مُركِّزًا على الإنسان وتشاركيًا وديمقراطيًا وممثِّلًا للمصالح الفلسطينية على نحو أكثر شرعية واستدامة هي رغبةٌ جديرة بالثناء وتستحق الدعم بالتأكيد. غير أنه من غير الدقة والإنصاف أن نعمم استنتاجاتنا على جميع مكونات المجتمع المدني الفلسطيني، وأن نَصِف المنظمات غير الحكومية "المهنية" بأنها ليست سوى أدوات في أيدي الممولين والذراع التنفيذي لأجندة سياسية انبثقت في مرحلة ما بعد أوسلو. إن البديل المتمثل في تمجيد "الحركات الشعبية" دون إلقاء نظرة جادة على بعض القضايا السياسية والتنظيمية التي مرَّت بها يمثِّل إشكالية خطيرة. أمّا دعوة إصلاح جاد لإخضاع المنظمات غير الحكومية إلى نهج تاريخي وتجريبي أبلغ فهي دعوةٌ صائبة ولكن ينبغي أن تنسحب أيضًا على الحركات الشعبية. فهناك الكثير لنتعلمه من تاريخ تلك الحركات وواقع عملها اليوم، وإذا أمكننا أن نستوعب هذه الدروس، فإننا قد نستطيع حينها أن نُقيمَ حركات اجتماعية تمثل مصالح مجتمعاتها المحلية وتدافع عنها، سواء تلقت تمويلًا أم لم تتلق.

لا ينبغي أن يُخضَع المجتمع المدني للتحليل الثنائي أو الحلول المفروضة. فهناك فسحةٌ تستوعب النُهُج المتنوعة، وهي فسحةٌ نحن في أمس الحاجة لها. فلا يتعين على جميع الجهات الفاعلة في المجتمع المدني أن تكون على طراز واحد أو أن تشترك في الهدف نفسه أو وجهة النظر السياسية أو أساليب العمل نفسها. بل إن الأفكار والحلول الخلاقة لمشكلات فلسطين السياسية والاقتصادية والقانونية والاجتماعية البالغة في التعقيد يمكن أن تنبثق من المجالات المختلفة، والمنهجيات المتباينة، والمناقشات المفتوحة، ولا سيما بين وجهات النظر المتضاربة.

ثمة فسحةٌ تستوعب الجميع، وعلينا أن نستيقن بأن قوة الأفكار وتنفيذها سوف يُجلي أفضلَها أو أنجعها في مرحلة زمنية معينة. إن نجاح حملة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات يكمن في أن فكرةً عظيمة راودت عددًا قليلًا من الناس، وها هي قد أصبحت حركة عالمية بسبب قوة هذه الفكرة. بيد أن القول إن هذه الفكرة أو غيرها هي السبيل الوحيدة للمضي قدمًا وإن الجهود الأخرى التي تبذلها المنظمات غير الحكومية "ذات الصبغة المؤسسية" على صعيد البحوث القانونية والتقاضي والتنمية وبناء القدرات وغيرها من المجالات هي ببساطة نتاج أجندات مستوحاة من المانحين، ليس قولًا خاطئًا وحسب وإنما خطأٌ جسيم. فلا ينبغي لوم الآخرين على عِلات سياستنا الوطنية واستراتيجياتنا التعبوية وإخفاقها؛ لا المانحين الدوليين الذين يفعلون ما يفعلون ولا المنظمات الوطنية التي قد تتلقى دعمًا منهم.