Democratizing the PLO: Five Questions

ليس مستغربًا بعد كارثة اتفاقات أوسلو، التي اختمرت بسريةٍ ودون أي رقابة ديمقراطية، أن يود الفلسطينيون الانخراط والتأثير أكثر في مؤسساتهم الوطنية والقيادية. وليس مستغربًا كذلك أن فلسطينيي الشتات هم من يثيرون بوتيرةٍ متنامية قضيةَ دمقرطة منظمة التحرير بالنظر إلى ما عايشوه من تجاهلٍ لدورهم في الشأن الفلسطيني لنحو عقدين من الزمن. كما إن الصراع السياسي المتأزم بين حماس وفتح في غزة والضفة الغربية يفاقم الشعور بالحاجة إلى ضغطٍ من الشتات الفلسطيني للدمقرطة بُغية الانسلاخ من المصالح الخاصة لدى كلا الطرفين.

كما لا شك في أن دمقرطة أي مؤسسةٍ أو حزبٍ أو حركةٍ وطنية له مردود إيجابي بالمجمل وهو شرط لا غنى عنه للحزب السياسي التمثيلي أو التقدمي. والسؤال هنا هو إلى متى تستطيع قيادة حركةٍ ما أن تدّعي تمثيل قواعد تلك الحركة دون الرجوع إليهم واستمزاج آرائهم؟ إن عملية دمقرطة منظمة التحرير الفلسطينية تمثل ضرورةً طال انتظارها، وإصلاحًا سياسيًا جوهريًا أن يحصل عاجلًا خيرٌ من أن يحصل آجلًا.

بيد أنه من الأهمية بمكان أيضًا أن لا يتوهم أحدٌ بأن الدمقرطة بحد ذاتها هي الدواء الشافي لِما أصاب البنية التنظيمية والسياسية الفلسطينية المعاصرة. فهناك خمسة عوامل، وربما أكثر، تستوجب معالجةً نقديةً وإنْ كنا ندرك أهمية الدمقرطة لمنظمة التحرير الفلسطينية.

أولًا، تفرض طبيعة الصراع المعاصر قيودًا جسيمةً على عملية الدمقرطة. وهنا لا أُشير إلى الصعوبات والمعوِّقات التقنية التي تعترض عملية تسجيل الناخبين؛ فالتغلب عليها أمرٌ سانح طالما وجِدت الإرادة السياسية. بل إن المشكلة الحقيقية تكمن في انخراط الفلسطينيين في كفاحٍ مضنٍ من أجل تقرير المصير في مواجهة المشروع الاستيطاني الاستعماري الصهيوني الهادف إلى الاستيلاء على فلسطين، علمًا بأن الفلسطينيين هم الطرف الأضعف بكثير في هذا الصراع. إن إدراك طبيعة الصراع يقود إلى القول بوجود قيودٍ متأصلةٍ تعرقل ممارسة الديمقراطية. وبكلماتٍ مبسطة، يتطلب الصراع تكتيكات واستراتيجية وتخطيط وسرية، وهي جملةُ عناصر لا يجوز التعاطي معها في العلن. وهذا ليس ذريعةً لتعطيل الممارسة الديمقراطية في الحركة ككل. بل تجب الموازنة ما بين القيادة الحازمة ووحدة العمل ومبدأ السرية واحتواء المطالب والأفكار الشعبية.

تكمن الإشكالية الثانية في أن الحركة الصهيونية وداعميها الأمريكيين والأوروبيين لا يعترفون بالممارسة الديمقراطية الفلسطينية. وقد تجّلى ذلك بوضوح في انتخابات عام 2006 عندما مُنعت حركة المقاومة الإسلامية (حماس) من ممارسة صلاحياتها لأن “الديمقراطية الفلسطينية” لم تتوافق ومعايير تلك الثلة المنافقة–وهي الاعتراف بإسرائيل، والقبول بعملية “السلام”، ونبذ “الإرهاب”.

أنْ ترفض أقطاب القوة في العالم قبول نتائج الممارسة الديمقراطية الفلسطينية لا يعني، قطعًا، أن على الفلسطينيين القبول بهذا الموقف الرافض. غير أنه يعني أن إصرارنا على الممارسة الديمقراطية يستوجب جاهزيتنا للتعاطي مع إمكانيات التعرض إلى تهميشٍ سياسي أكبر في المستقبل. وقد يجادل مؤيدو الدمقرطة بأن هذه المهمة تقع على كاهل القيادة الفلسطينية المنتخبة. غير أن هذا يبدو وكأنه يعزز الحجة بضرورة وجود قيادةٍ تتسم بسريةٍ أكبر وديمقراطيةٍ أقل، ولا سيما إذا كانت تسعى لإيجاد روافد جديدة من الدعم السياسي والاقتصادي وربما العسكري.

أمّا الإشكالية الثالثة فتكمن في السؤال حول كيفية تطبيق الديمقراطية داخل الحركة الفلسطينية نفسها. فرفض نتائج الانتخابات الفلسطينية لعام 2006 لم يأت فقط من طرف الحركة الصهيونية والحكومات الغربية، بل أبدته قطاعات من داخل القيادة الفلسطينية نفسها ولا سيما من حركة فتح. فقد كان انتصار حماس في انتخابات 2006 آذانًا بتغيرٍ جذري في طريقة العمل التي ألِفتها الحركة الفلسطينية على مدار الأربعين سنةً الماضية، وكان بمثابة تهديدٍ صريحٍ لقيادة فتح وشرائح من قاعدتها الشعبية. وبلغ الأمر بحركة فتح، في أكثر تجليات الموقف وضوحًا، أنْ تتحالف مع وكالة الاستخبارات الأمريكية للقيام بانقلابٍ مسلحٍ ضد حركة حماس. فقد كان جليًا تمامًا أن أصحاب المصالح الخاصة داخل حركة فتح ومؤيديها في الأردن ومصر والمملكة العربية السعودية ما كانوا ليتسامحوا مع هذا التحول الثوري في الوضع الراهن.

وهكذا، ينبغي للقوى الديمقراطية أيضًا أن تجيب على السؤال حول السُبل التي نستطيع من خلالها، كحركةٍ، أن نضمن احترام نتائج الانتخابات داخل صفوف الحركة نفسها. فبالرغم من أن الديمقراطية جميلةٌ كمفهومٍ رنان، فإنها لا تصبح حقيقةً واقعةً إلا إذا لقيت دعمًا من القوى المؤسسية والاجتماعية المنظمة على الأرض. وينبغي لتلك القوى أن تستوفي شروط القوة الضرورية لمقاومة المصالح الخاصة التي هيمنت على الحركة لزمنٍ طويل والتي تتربح، إلى حدٍّ ما، من الوضع الراهن. فهل القوى الفلسطينية المطالبة في الوقت الحاضر بدمقرطة حركتنا قويةٌ ومنظمةٌ بما يكفي لمواجهة هذا التحدي؟ وقريبًا سوف يظهر مؤشرٌ للتوازن الحقيقي بين القوى من خلال نتائج حملة التسجيل لانتخابات المجلس الوطني الفلسطيني.

ويقودنا ما تقدَّم إلى تساؤلٍ آخر يرتبط أيضًا بانتخابات 2006 ويدور حول ردة فعل المجتمع الفلسطيني بأسره، ولا سيما “مجتمعه المدني”. فانتخابات عام 2006 أظهرت النضال من أجل الديمقراطية الفلسطينية بوضوحٍ ما بعده وضوح إذ مُنعت الأغلبية البرلمانية التابعة لحماس من تولي السلطة بفعل الاحتلال الإسرائيلي، والحكومات الغربية المانحة، والعناصر الرجعية في حركة فتح. ولقد كان حريًا بالقوى الديمقراطية الصادقة من مختلف التيارات السياسية أن تطالب باحترام نتائج الانتخابات. ولكننا لم نشهد، سواءً في الداخل الفلسطيني أو في الشتات، تجمعات حاشدةً تطالب باحترام تلك النتائج، ممّا يدل على ضعف القوى الديمقراطية الصادقة في المشهد السياسي الفلسطيني. فلا يمكننا اليوم أن نتجاهل وبكل بساطة انتخابات عام 2006، وإلا فإننا نستنسخ دائرة العدمية التي ظلت تعاني منها مختلف أطراف المعارضة الفلسطينية منذ أجيال. والسؤال المطروح هو ماذا ستصنع القوى المطالبة بالديمقراطية إذا أفرزت الانتخابات المقبلة نتائج مماثلة لانتخابات عام 2006؟ فهل تعلم تلك القوى ما ينبغي عمله إن حصل ذلك؟

أمّا السؤال الخامس فتثيره المطالب الراهنة من أجل الدمقرطة بشأن تعريف الديمقراطية الضيق والمحدود. فالانتخابات التمثيلية ما هي إلا جانبٌ واحد من جوانب الديمقراطية. وهناك مَن يعتبر أن التوزيع العادل للثروة وتساوي الفرص والحقوق الشرعية أمام القانون هو ضربٌ من ضروب من الديمقراطية أيضًا. فهل من الأجدر منطقيًا في السياق الفلسطيني أن نبدأ، على سبيل المثال، بالمطالبة بوضع حدٍ لاحتكار الشركات لقطاع الخدمات العامة بدلًا من إطلاق حملة لإجراء انتخابات تمثيلية؟ أو المطالبة بوضع حدٍ للسياسات الاقتصادية النيوليبرالية غير الديمقراطية الجاري تنفيذها في الأرض المحتلة؟

ويمكن طرح هذا السؤال على العديد من الديمقراطيات الراسخة حول العالم، حيث تعني الديمقراطية عقد انتخابات دورية وإقامة نظامٍ قانوني فاعل وما إلى ذلك، بينما يغيب عنها توزيع الثروة المتسم بعدلٍ أكبر، ويكون الحراك الاجتماعي في حده الأدنى. وعلاوة على ذلك، فإن القوى النيوليبرالية تتمتع بنفوذٍ هائل وقدرةٍ على التغريب كبيرة، فليس مستغربًا إذن أن تلجأ العديد من الجماعات إلى الانتماءات الدينية والإثنية باعتبارها الوسيلة الوحيدة للبقاء والاستمرار.

يترتب على القضية الفلسطينية تعقديات وتحديات جمّة تفوق القدرة الفردية لأي فاعل سياسي. وما طرحتُ هذه الأسئلة إلا بروح الجدل الديمقراطي الذي لا يستهدف الجدل لغرض الجدل وإنما لتوضيح سوء الفهم والمساهمة في المسارات السياسية بقوة حقيقية من حيث الأفكار والموارد والمؤسسات. إن إشكالية الكثير من الجدل الحالي بشأن الدمقرطة تكمن في أنه يريد على ما يبدو أن يقطف ثمار الديمقراطية دون بذل الجهد الفعلي الذي تقتضيه الديمقراطية من حيث كسب معركة الأفكار، وترجمة تلك الأفكار إلى تيارات سياسية ومؤسسات، وتعبئة الموارد لصالح تلك المنظمات، وإجادة الشراكة والعمل مع القوى الأخرى، وإرساء التكتيكات والاستراتيجيات التي بوسعها أن تُفضي إلى نتائج.

إن بلوغ النتائج المرجوة لا يكون إلا من خلال المطالبة بالديمقراطية وممارسة التنظيم الديمقراطي. فكما أشار المفكر الأمريكي ذو الأصول الإفريقية والمستعبد السابق، فريدريك دوغلاس، “إذا لم يكن هناك نضال، فلا يوجد تقدم، وهؤلاء الذين يعملون من أجل الحرية، بينما يستنكرون التحريض، هم تمامًا مثل الرجال الذين يبتغون جني المحاصيل دون حرث الأرض، ويريدون المطر دون برق أو رعد”.

ودون تطبيق الديمقراطية الرسمية تطبيقًا عمليًا في مسرح الحياة – على قضايا من قبيل فرص العمل، والحراك الاجتماعي، وتوزيع الثروة، والخدمات والحماية الاجتماعية فإن المطالبات المنادية بالدمقرطة تخاطر باستنساخ الوضع الراهن. وإن من واجب المؤمنين بالديمقراطية العمل على الجمع بين الديمقراطية الرسمية والتطبيق العملي لكي يتصدوا إلى عوامل التثبيط والإحباط التي تلجم حركتنا والشعب الفلسطيني بمجمله.

توفيق حداد هو كاتب فلسطيني –أمريكي يقيم في القدس. مؤلف ومحرر مشارك لمجلة  (Between the Lines: Readings in Israel, the Palestinians and the U.S ‘War...
(2012, مايو 28)

أحدث المنشورات

 السياسة
يقع محو الشعوب الأصلية في صميم السرديات الاستيطانية الاستعمارية، إذ تعتمد هذه السرديات على إنكار وجود الجغرافيات والمجتمعات والتاريخ لتبرير تهجير السكان الأصليين وإحلال مستوطنين مكانهم، ولم يزِغ المشروع الصهيوني عن هذا النهج. فمن الأساطير التي قام عليها زعمُه أنه "أحيا الصحراء"، وأن المستوطنين الأوائل أسسوا درَّة تاجه، تل أبيب، من كثبان رملية قاحلة وخلاء مُقفرٍ غير صالحٍ للسكن. تطمس هذه الرواية حقيقةَ أن تل أبيب أُنشئت بدايةً على مشارف مدينة يافا الفلسطينية المزدهرة والعامرة بالحياة الثقافية، المشهورة بتجارة البرتقال الرائجة. أمّا اختيار وصف "الكثبان الرملية"، فيوحي بالخلاء ويُخفي الحياة الزراعية والاجتماعية النابضة التي كانت مزدهرة في المنطقة. وقد أسهمت هذه الرواية التي صوَّرت الأرض وكأنها لم تكن صالحة للعيش حتى مجيء المستوطنين في تبرير سلبها والتغول الاستعماري فيها. وقد تسارعت هذه العملية في أعقاب 1948، حين ضمت تل أبيب أراضي القرى الفلسطينية المطهَّرة عرقيًّا، بما فيها صميل وسَلَمة والشيخ مُوَنِّس وأبو كبير، لتمتد في نهاية المطاف إلى مدينة يافا. إن هذا الخطاب الاستعماري الاستيطاني نفسه هو ما يغذي الحرب الإبادية المستمرة على غزة، إذ يُعاد تأطير الدمار من خلال رواية "عدم صلاحية القطاع للعيش،" التي تصوِّر غزة كأنقاض، وهي رواية بعيدة عن الحياد. يرى هذا التعقيب أن مصطلح "غير صالح للعيش" مصطلحٌ مشحون سياسيًّا يعفي الجاني من المسؤولية، ويُعيد إنتاج المحو الاستعماري، ويشكِّل السياسات والتصورات العامة بطرق تؤثر في حياة الفلسطينيين ومستقبلهم تأثيرًا عميقًا. ويتناول التعقيب جذورَ هذا الخطاب ووظيفته وتبعاته في إطار المنطق الأوسع للاستعمار الاستيطاني. ويدعو في خاتمته إلى تحوُّل جذري في اللغة، من روايات تتستر على العنف إلى روايات تُثبِّت الوجود الفلسطيني وتاريخه وحقه في السيادة.
عبدالرحمن كتانة· 27 أغسطس 2025
 السياسة
في مختبر السياسات هذا، ينضم إلينا الأستاذ جابر سليمان، والأستاذ وسام سباعنة، بمشاركة الميسر فتحي نمر، في جلسة تحليلية تبحث في دلالات خطة نزع سلاح اللاجئين الفلسطينيين، وتقاطعاتها مع الحسابات الإقليمية.
تَطرح هذه الحلقة النقاشية بمشاركة محلِّلات السياسات في "الشبكة": ديانا بطو، وإيناس عبد الرازق، والمديرة المشاركة للشبكة يارا هواري الأسئلة التالية: لماذا الآن؟ وما المصالح السياسية أو الإستراتيجية وراء هذه الاعترافات؟ وماذا يعني الاعتراف شكليًّا بدولة فلسطين دون التعرض لبُنى الاحتلال والفصل العنصري والنظام الإبادي الذي يغذِّي استمرارها؟
Skip to content