آراء بواسطة عرب 48

غزة: إخضاع الحياة لقوّة الموت

اختلف التصعيد العسكري الإسرائيلي الأخير على قطاع غزة، ليس من حيث القوة المستخدمة أو بنك الأهداف المعلن، وإنما من حيث توظيفه، وذلك لأن رئيس الحكومة الإسرائيلية، بنيامين نتنياهو، المنتشي بولاية خامسة في الانتخابات الإسرائيلية الأخيرة؛ يحتاج إلى تشكيل ائتلاف حكومي يضمن له استقرارا في الحكم حتى نهاية ولايته، دون تجاذبات سياسية بين أطرافه قد تُساهم في الذهاب إلى انتخابات مبكرة مثلما حدث في المرة الأخيرة.

يتطلَّع نتنياهو إلى أن يُظهر لشركائه في الائتلاف اليميني المتطرف، عزمه وقدرته على لجم غزة، وهو الشرط الذي أعلنه ليبرمان للموافقة على دخول كتلته للمشاركة في الائتلاف الحكومي، إذ اشترط تغييرا في سياسة

التعامل مع غزة، كما رفض تفاهمات التهدئة قبل الأخيرة مع غزة، والتي جاءت تحت الرعاية المصرية لإنهاء التصعيد الإسرائيلي مع الفصائل الفلسطينية في القطاع، والتي استقال ليبرمان من الحكومة السابقة على خلفيتها. ولذلك أتى آخر عدوان على القطاع، كما أن في إيعاز المجلس العسكري والسياسي الإسرائيليّ المصغّر، والذي ترأسه نتنياهو، بتكثيف الضربات على غزة؛ رسالة ضمنية من قِبل نتنياهو تفتح الباب أمام ليبرمان وكتلته للمشاركة في الائتلاف الحكومي.

من ناحية أخرى، رغب نتنياهو أن يُظهر فشل الإستراتيجية العسكرية في التعامل مع أزمات قطاع غزة ومشاكله الدائمة، وهو ما يعني ضرورة اجتراح وسائل أخرى غير عسكرية، تمكنه من إحكام قبضته على التوجهات السياسية للحكومة القادمة في التعامل مع القطاع، وتمكنه من جلب الهدوء لمستوطنات "غلاف غزة".

توجهات سياسية عديدة ضمنها نتنياهو في عدوانه الأخير، إذ ضمن من خلاله المحافظة على إدامة الانقسام الفلسطيني وفصل غزة عن الضفة المحتلة، وهو ما عبر عنه صراحة خلال حملته الانتخابية الأخيرة بقوله إن الانقسام خدمة كبيرة لإسرائيل، سيحافظ على إدامتها، ولن يعيد القطاع إلى حضن السلطة مهما كان الثمن.

وبعيدا عن لغة الانقسام الفصائلي الفلسطيني، فإنه من صالح إسرائيل، بقاء حماس في حكم غزة، كما أنه من صالحها المحافظة على حكم السلطة في الضفة الغربية، ولكن بشرط أن يكون كل طرف على شفا الهاوية، وغير قادر على تجاوز محنته، والنهوض بذاته. وبذلك يكون نتنياهو قد حقق مراده في إدامة احتلاله دون أن يتحمل مسئوليته. هناك قوى محلية في الأفق تتحمل المسؤولية بدلا عن نتنياهو في الوقت يتفرغ فيه هو لسياساته وعلاقاته التوسيعية التطبيعية مع الدول العربية، دونما عائق اسمه القضية الفلسطينية.

اقرأ/ي المقالة الأصلية