ورقة سياساتيةالمجتمع المدني

التضامن الأمريكي مع فلسطين: إحياء الأنماط الأصلية من العمل السياسي

US Palestine Solidarity

 

لمحة عامة

شهدَ العقد الماضي تحولاتٍ كبيرةً في أنشطة التضامن مع فلسطين والفلسطينيين في الولايات المتحدة الأمريكية. وكثيرٌ من هذه التحولات ناجمٌ من ومساهم في تفتح الوعي المتسارع بالكفاح الفلسطيني الذي ظل يقبع لفترة طويلة على هامش المشهد السياسي والاجتماعي والثقافي في الولايات المتحدة. يُعدُّ دور الطلاب والشباب في إيجاد التزامٍ أكثرِ وعيًا بإحقاق العدالة في فلسطين عنصرًا جوهريًا في هذه التحولات، ولا سيما الفلسطينيون الشباب المولودون والمترعرعون في الولايات المتحدة الذين يستخدمون مواطنتهم ورأس مالهم الاجتماعي – وهو ما افتقر إليه آباؤهم المهاجرون أو اللاجئون – في الحث على إدراج فلسطين في أجندات العدالة الاجتماعية واليسار ومؤسساتهما وبرامجهما السياسية.

لقد باتت عامةُ الجمهور مطلعةً، بفضل وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي البديلة الجديدة، على شدة الظلم الواقع على الفلسطينيين جراء استشراء الاحتلال وانتشار الحروب في المنطقة. غير أن شعبية فلسطين الجديدة لا تُفضي بالضرورة إلى قوة سياسية أكبر أو ظروف أحسن للفلسطينيين.

لا أحد يستطيع أن يجزمَ ما إذا كانت الانتصاراتُ المتحققةُ حتى الآن ثمرةَ العمل الجماعي الفلسطيني في الولايات المتحدة أم حركة التضامن المتنامية مع فلسطين في الولايات المتحدة، أم كليهما. ومع أن العمل الجماعي وحركة التضامن لا يتعارضان، فإنه لا ينبغي للمرء أن يظن بأن أحدهما يمكن أن يحل محلَّ الآخر. فالمكانية النسبية غالبًا ما تحدد الاستثمارات والمصالح والأهداف والاستراتيجيات الأساسية لتمكين الفضاءات المجتمعية الفلسطينية وتحفيز المنظمات والحملات المتضامنة مع فلسطين.

تستعرض هذه الورقة السياساتية تطورَ حركة التضامن مع فلسطين، وتتحرى موقع الفلسطينيين في الولايات المتحدة في تلك الحركة، وكيف يتعهدون أو لا يتعهدون استثماراتهم ومصالحهم وأهدافهم واستراتيجياتهم، وكيف يتسنى تعزيز التواصل بين الفلسطينيين في الولايات المتحدة وأصحاب النضالات الأخرى في إطار السعي لنيل الحرية وتقرير المصير والعدالة بطرقٍ ذات جدوى وفاعلية أكبر.

تناقش هذه الورقةُ أيضًا كيف أن الحملات التي حققت انتصارات كبرى لحركة التضامن مع فلسطين في الولايات المتحدة قد أوجدت سياسةً أنشط وأكثر تعاونيةً وتعددًا في الأوجه مكَّنت فلسطين من المساهمة في حركات أخرى تسعى إلى إرساء المساواة العرقية والعدالة والحرية، وفتحت الباب لتلك الحركات لتتبنى القضية الفلسطينية. وتتحرى الورقة كذلك القيودَ والتحديات التي تواجه حركةَ التضامن مع فلسطين في الولايات المتحدة، وتختم بتوصيات حول سُبل الفلسطينيين في الولايات المتحدة في تعزيز التنظيم من أجل حقوق الشعب الفلسطيني.

تطور حركة التضامن مع فلسطين في الولايات المتحدة

حركةُ التضامن مع فلسطين في الولايات المتحدة هي شبكةٌ أكثر منها حركة، فهي شبكةٌ فضفاضة تنطوي على القليل من المركزية الهيكلية والسياسية. غير أنني استخدم مصطلح الحركة في هذه المقالة لأشمل المنظمات والأفراد العاملين من أجل العدالة في فلسطين والمساهمين في زيادة الوعي والنشاط من أجل فلسطين في الولايات المتحدة. وبالرغم من تنوع الهويات الاجتماعية والسياسية والفلسفات داخل هذه الحركة المتنامية، فإن مبادئ حركة المقاطعة العالمية وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات التي يقودها الفلسطينيون ما انفكت توحد جهودها على مدار العقد الماضي.

تستمد حركة المقاطعة مبادئها من المجتمع المدني الفلسطيني وليس القيادة السياسية الفلسطينية، وتمثل هذه المبادئ مرجعًا ثابتًا لحلفاء الحركة، وتكتسب شرعيتها من القانون الدولي. حتمًا ثمة أفراد ومنظمات يُعرِّفون عن أنفسهم كناشطين لم يصادقوا على المقاطعة، وهنالك آخرون لم يصادقوا على الأهداف السياسية الثلاثة للحركة في حملاتهم المقاطِعة. إن هذه الشبكة الفضفاضة لحركة التضامن مع فلسطين تسمح بهذه الاختلافات – ولا تستطيع ضبطها إلا قليلًا – ومع ذلك ثمة توافقٌ عام على تأييد حملات المقاطعة والمبادئ التي تمثلها.

تضم هذه الحركة أربعة فئات. الأولى هي المنظمات الفلسطينية والعربية والإسلامية التي تركز على الفعاليات والخدمات المجتمعية في الولايات المتحدة. والثانية هي الناشطون الأفراد و/أو الباحثون العاملون على مبادرات تقوم على مشروع أو حملة، وهم من الشخصيات البارزة على صعيد النهوض بالقضية الفلسطينية في الأوساط الأمريكية.

الثالثة هي مجموعات الفلسطينيين وحلفاؤهم الذين تداعوا للنهوض بالحقوق الفلسطينية. وهذه المجموعة غير ملتزمة بأيديولوجية معينة أو مرتبطة بديمغرافية محددة، وقد أصبحت نسختُها من التضامن الأكثرَ انتشارًا والأبرز في أعقاب اتفاقات أوسلو عام 1993 ولا سيما إبان الانتفاضة الفلسطينية الثانية. وفي غضون هذه الفترة، اضطلعت مجموعات من قبيل حركة التضامن الدولية بدورٍ حيوي في نشر الوعي حول الاحتلال الإسرائيلي من خلال زيارات للضفة الغربية وقطاع غزة ونشر تقارير عقب الزيارات.

تطورت في الآونة الأخيرة نسخةٌ جديدة من هذه الفئة، وهي المنظمات التي تركز على فلسطين في عملها ولكن تقدم خدمات الدعم والأموال وتسخر المهارات لخدمة حركة التضامن الأوسع مع فلسطين. ومن أمثلتها مجموعة فلسطين القانونية التي تأسست سنة 2012 لتقديم الخدمات القانونية للناشطين الفلسطينيين المضطهدين. العديد من هذه المنظمات التي تأسست في عقد التسعينات ضمَّت في معظمها أعضاء أكبر سنًا ينتمون إلى الطبقة الوسطى ومجتمع البِيض، جذبتهم القضية الفلسطينية لكونها من أبرز تجليات الاحتلال الاستعماري. وقد تغير هذا في المنظمات المعاصرة المركزة على فلسطين مع ازدياد نسبة المهنية في الحراك المدافع عن فلسطين، والذي ينطوي على قيوده الخاصة من حيث استدامة الخطاب والاستراتيجية والعمليات على الصعيدين السياسي والشعبي.

وظَّف التيار المهيمن داخل حركة التضامن مع فلسطين أجندةً أحادية القضية في نشاطها لفترة طويلة Click To Tweet

المجموعة الرابعة هي المنظمات والفئات التي تضافرت حول نضال فئة معينة أو نضال أيديولوجي أو نضال قائم على قضية ما، وتبنت قضية فلسطين في برنامجها السياسي لأنها تشبه قضيتها أو لأنها تمثل إحدى تجليات الظلم الذي تحاربه. وينتمي الكثيرون من حلفاء القضية الفلسطينية في الكفاح العرقي المشترك إلى هذه الفئة ومنها المنظمات العمالية، والمؤسسات الدينية، والجمعيات الأكاديمية، والجماعات المناهضة للرأسمالية. وهذه الفئة صاحبة أطول تاريخ في العمل على التحرير الفلسطيني في السياق الدولي.

وهذه الفئات الأربع لا تشترك دائمًا في أوجه الشبه السياسية، بيد أن بعض المجموعات قد تتداخل عبر الفئات. وعلى سبيل المثال، تُعتبر منظمة طلاب من أجل العدالة في فلسطين منظمةً متضامنة مع فلسطين، ولكنها ترتبط أيضًا بديموغرافية محددة وهي فئة الطلاب. فضلًا على أن الجماعات الراديكالية، والمناهِضة للاستعمار، والمناهِضة للرأسمالية في فلسفاتها السياسية قد تصطف إلى جانب الجماعات التي تبنت الدفاع عن القضية الفلسطينية لأسباب إنسانية.

تتبع التحول إلى نهج "النضال المشترك"

حقَّق الفلسطينيون والمتضامنون مع فلسطين في السنوات الأخيرة انتصارات كبيرة، ولا سيما في حملات المقاطعة الأكاديمية والثقافية للمؤسسات الإسرائيلية. فصادقَ على حملة المقاطعة إلى الآن ما لا يقل عن تسع جمعيات أكاديمية وطنية كبرى، بينما تعهَّد مئات الفنانين والكُتاب والعاملين في مجال الثقافة وعددٌ متزايد من الرياضيين بعدم المشاركة في تطبيع الاحتلال. وانطلقت أيضًا مقاطعة المنتجات الاستهلاكية، وأخذت تستهدف الشركات المتربحة من الاحتلال.

تعززت هذه الجهود إلى حدٍ كبير بفضل حركات سحب الاستثمار الطلابية التي حَدَت بممثلي الطلاب في مختلف أنحاء البلاد إلى التصويت على سحب استثمارات الجامعات من الشركات المتربحة من الاحتلال الإسرائيلي، حيث صوَّت ما يقرب من 40 مجلس طلابي في جامعات أمريكا الشمالية لصالح سحب الاستثمارات. وإلى جانب وسائل التواصل الاجتماعي والتثقيف الشعبي والجهود الفنية والأكاديمية، عززت هذه الحملات النقاشات حول فلسطين، حيث أخرجَتها إلى الملأ وكسرت الصمت المؤسسي الطويل حيال القضية الفلسطينية. وأثَّرت أيضًا في الانتصارات الأكبر لحملات المقاطعة في الولايات المتحدة.

يعتمد الكثير من نجاح هذا المجهود على إظهار كيف أن أبعاد النضال المتنوعة في فلسطين ترمز إلى القمع في السياقات العالمية. وهذا المجهود يربط الفلسطينيين وناشطي التضامن مباشرةً بالمجتمعات المحلية في الولايات المتحدة المتضررة من القمع النظامي. وقد أدرَجَ فلسطين في سياسات العدالة الاجتماعية في الولايات المتحدة، وناقشها بموازاة قضايا تاريخية أخرى بلغت حدَّ الغليان منذ زمن إدارة أوباما. وهذا ينطبق بشكل خاص على الجسور المقامة مع الحركة من أجل حياة السود، وكفاح ستاندينغ روك سيو وغيرها من الشعوب الأمريكية الأصلية، والحركة من أجل حقوق المهاجرين وإزالة الطابع العسكري من الأراضي الحدودية.

ولكي نفهم أهميةَ هذا التطور يجدر بنا أن نتتبع تحول حركة التضامن مع فلسطين في الولايات المتحدة نحو سياسة النضال المشترك. وظَّف التيار المهيمن داخل حركة التضامن مع فلسطين أجندةً أحادية القضية في نشاطها لفترة طويلة، الأمر الذي جعل المتضامنين، البيض والأكبر سنًا والمنتمين إلى الطبقة المتوسطة في العادة، ممثلين للعنصر الفلسطيني داخل التنظيم الائتلافي الأوسع. وهذا ينطبق بشكل خاص على اليسار الأمريكي المناهض للحرب. وهذا أخرج فلسطين من إطار العالم الثالث الذي قبعت فيه قبل توقيع اتفاقات أوسلو، وأبعدَ الكثير من الفلسطينيين، ولا سيما من أبناء الجيل الجديد، من فضاءات التنظيم التضامني، بالنظر إلى حدودهم السياسية والثقافية والهيكلية.

وعلاوةً على ذلك، اقتضى المناخ السياسي التالي لأحداث 11 أيلول/سبتمبر 2001 قوةً وجهدًا جماعيًا من الجاليات الفلسطينية والعربية والمسلمة المقيمة في الولايات المتحدة. فلم تكن حركة التضامن قادرةً على رعاية هذا المشروع الذي تطلب قدرًا كبيرًا من الجهد والطاقة السياسية. وفي حين شهدت الجالية الفلسطينية والجاليات المتضررة الأخرى نشوء علاقةٍ بين تزايد تصنيف جالياتهم في الولايات المتحدة تصنيفًا تجريميًا قائمًا على أساس العرق وبين استمرار النضال ضد الاحتلال الصهيوني والعدوان الإمبريالي الأمريكي في أوطانهم، فإن فضاءات التضامن مع فلسطين لم تتناول دائمًا هذه العلاقة مباشرةً.

وفي السنوات الأخيرة، أخذت الفئة الثالثة من حركة التضامن - المجموعات المؤلفة من فلسطينيين وحلفاء - نداءات الفلسطينيين العاملين داخلها بجدية أكبر لكي تتناول القضية الفلسطينية من منظور النضال المشترك بدلًا من عزلها واستثنائها باعتبارها القضية الأكثر استحكامًا أو أهميةً أو تأزمًا في عصرنا الراهن. وحثت هذه الدعوات الفلسطينية حركةَ التضامن السائدة على العمل على تحليلٍ وإطار سياسي تحرري أكثر، عوضًا عن الاعتماد اعتمادًا تامًا على إطار الحقوق.

ينبغي لمنظمي أنشطة التضامن مع فلسطين أن يكونوا على دراية تامة بمفهوم الصهيونية Click To Tweet

لطالما عملت مؤسسات ومنظمات تربطها علاقات عمل وطيدة بفضاءات التنظيم الفلسطينية والعربية على تطوير تلك النُهج. ومن ذلك أن مجموعات مثل المركز العربي للمصادر والتنظيم وحركة الشباب الفلسطيني وشبكة الجاليات الفلسطينية في الولايات المتحدة، والعودة: الائتلاف الفلسطيني لحق العودة عملت على تعزيز أشكال التضامن ثنائي الاتجاه مع الشبكة اليهودية الدولية لمناهضة الصهيونية ومركز جنوب آسيا للتنظيم (DRUM) وحركة مالكوم إكس الشعبية وأناك بيان، ومع غيرها من المنظمات المجتمعية الأخرى لأكثر من عقد من الزمن، ونشَّطت بذلك العلاقات السياسية التاريخية الراكدة مع هذه المجتمعات.

سعت تلك التحالفات إلى إعادة فلسطين إلى إطار النضال المشترك الذي كان فاعلًا قبل أوسلو، والذي يمكن من خلاله ربط القمع الصهيوني في الأرض الفلسطينية المحتلة بأشكال الاضطهاد التي تواجهها مجتمعات الملونين والسكان الأصليين والمهاجرين في الولايات المتحدة، وشعوب العالم الثالث – وبتغيراتهم الجغرافية والديمغرافية.

استجابت منظمات التضامن الأكبر والأشهر للنداءات الداعية إلى وضع إطار واستراتيجية أوسع لنضال مشترك في العام 2013. وتجلى ذلك في تغييرات مواضيعية رئيسية في المؤتمر السنوي الثاني عشر للحملة الأمريكية من أجل الحقوق الفلسطينية المنعقد في أرلينغتون بولاية فيرجينيا، ومؤتمر منظمة طلاب من أجل العدالة في فلسطين المنعقد في ستانفورد بولاية كاليفورنيا. وأدى هذا التغيير إلى زيادة المساحة في المشهد التضامني الفلسطيني، ليس فقط للفلسطينيين الأفراد بل للسياسة والجمعيات الفلسطينية. فأخذت حركة الشباب الفلسطيني، على سبيل المثال، تنخرط أكثر في المكونات الرئيسية في حركة التضامن مع فلسطين في الولايات المتحدة في 2013.

إن من الضرورة بمكان أن ندركَ بأن هذا التغير لم يحدث بمعزلٍ عن التطورات السياسية المؤثرة في حركات التحرر الوطني الأخرى. فتصاعد النظام العالمي الاقتصادي والسياسي الأحادي لعبَ دورًا حاسمًا في النيل من نفوذ هذه الحركات من خلال اختراقها والاغتيالات وزج قادتها في السجون. إن صعود الولايات المتحدة كقوة أحادية القطب، وانهيار الاتحاد السوفييتي، وتراجع النفوذ السياسي لحركة عدم الانحياز كان بمثابة مفصلٍ تاريخي أعادَ توجيه استراتيجيات وتحالفات هذه الحركات بعيدًا عن النُهج القائمة على التحرير، وحلَّ مكانها نشاطٌ سياسي أقل مركزية وأقل استنادًا إلى أساسٍ أيديولوجي يشكِّل أحيانًا جزءًا لا يتجزأ من الخطابات النيوليبرالية بشأن المساعدات الإنسانية، والحقوق، واللاعنف، وسياسة التمثيل، والمواطنين.

أقامت الحركة الفلسطينية في عقدي السبعينات والثمانينات روابط متبادلة وعميقة مع جماعات وقضايا مثل حركة الأمريكيين الأصليين، وقضية التحرر الوطني في بورتو ريكو، وحركة قوة السود، وكذلك الحركات التي كانت تناضل لإنهاء نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا. واستمرت تلك العلاقات بعد اتفاقات أوسلو، ولكن نظرًا للطبيعة غير المستقرة لتلك الجماعات والحركات، كانت العلاقة معها أقلَّ مركزية وتنظيمًا. وقد دأبت شخصيات فلسطينية بارزة عديدة، مثل أستاذة الدراسات العرقية بجامعة ولاية سان فرانسيسكو رباب عبد الهادي، على العمل الجاد عبر المنعطفات النيوليبرالية في النشاط المتضامن مع فلسطين من أجل بث وعي سياسي بين أبناء الجيل الجديد بالتركة التاريخية العابرة للحدود الوطنية بشأن النضال المشترك في العالم الثالث.

يمكن النظر إلى التطورات الجديدة داخل حركة التضامن الأوسع من أجل فلسطين، ولا سيما الموجهة من الطلاب والشباب المشاركين فيها، على أنها عودة إلى سياسة التضامن الأصلية التي رسمت منذ فترة طويلة معالمَ العمل السياسي للشتات الفلسطيني في الولايات المتحدة من خلال الحركة الدولية المناهضة للاستعمار.

تشمل أمثلة أطر النضال المشترك الجديدة زيارات الوفود التي تمثل موضوعًا أو مجتمعًا ما إلى فلسطين والتي زادت في العقد الماضي، حيث تنظم المنظمات والناشطون هذه البرامج لتسليط الضوء على النضال الفلسطيني وكيف يعكس منظورات الكفاح المتعددة. تشمل وفود منظمة بناة السلام متعددي الأديان، على سبيل المثال، وفودًا دينية ووفودًا من الشعوب الأصلية والملونين. وبما أن النظام الصهيوني الاستعماري ونظام الفصل العنصري في حد ذاته مشروعٌ للعنف القائم على النوع الاجتماعي، فقد أتاح ذلك أيضًا تحليلَ القضية الفلسطينية كقضيةٍ نسوية بشكل متزايد. وانعكس ذلك في أنشطة أعقبت زيارة وفد من السكان الأصليين والنساء الملونات إلى فلسطين في 2011.

وفي صيف 2014، زار فلسطينَ وفدٌ من الصحفيين والفنانين والمنظِّمين السود كممثلين لفيرغوسون، وحركة أرواح السود غالية، ومشروع الشباب الأسود 100، ومنظمة المدافعين عن الحلم، مما عززَّ التقاطعات بين نضال السود في الولايات المتحدة وبين الكفاح الفلسطيني. وعقب زيارة الوفد، تأسست مجموعة جديدة تسمى سود من أجل فلسطين. وأصدرت بيانَ تضامن السود مع الفلسطينيين 2015 الذي وقعته 1000 شخصية و39 منظمة بارزة.

وعلى نطاق مماثل ولكن أضيق، ارتفع مستوى التنظيم الذي تمارسه النقابات من أجل فلسطين، حيث ربطت استغلال الاحتلال الإسرائيلي للعمالة الفلسطينية بنضال منتسبي النقابات العمالية في الولايات المتحدة من أجل العدالة في الأجور وظروف العمل. وللأعضاء العاديين في النقابات الأمريكية تاريخٌ من التضامن مع فلسطين. فعلى سبيل المثال، اعترفت رابطة العمال السود الثوريين في ديترويت رسميًا في 1969 باضطهاد الفلسطينيين كانعكاس للعنصرية والاستعمار الذي يعانيه السود في جنوب أفريقيا، والفيتناميون، وأبناء أمريكا اللاتينية، والسود الأمريكيون في الولايات المتحدة. وقد شهدت السنوات الأخيرة سلسلةً من الانتصارات العمالية. ففي 2014، بات اتحاد الطلاب العاملين في جامعة كاليفورنيا (UAW 2865)، وهو اتحاد يمثل 14،000 طالبٍ عاملٍ في البحث والتدريس في جامعة كاليفورنيا، أول نقابة عمالية في الولايات المتحدة تصادق على حملة المقاطعة بالكامل وبتصويت الأغلبية. وقد حذت حذوها اتحادات محلية للطلاب العاملين في الجامعات متحديةً الضغوط التي فرضها الاتحاد الدولي للطلاب العاملين في الجامعات والرامية إلى إبطال تصويتها.

سمحت التكنولوجيا الجديدة بتعزيز التثقيف الشعبي، ولا سيما بين أبناء الجيل الصاعد. فالشباب، على سبيل المثال، يصفون عبر وسائل التواصل الاجتماعي قسوةَ الحياة في ظل الاحتلال في فلسطين، ويربطونها بالمساعدات الأمريكية لإسرائيل وبالنضالات المستمرة داخل الولايات المتحدة من أجل العدالة الاجتماعية والإنصاف العرقي والحقوق المدنية وحقوق الإنسان. ويستخدم الشباب غير الفلسطيني الذين علموا عن الاحتلال عبر تلك الوسائل والفعاليات المنظمة في حُرُمهم الجامعية تلك التكنولوجيا لتبادل المعلومات أيضًا.

وعلاوةً على ذلك، تسمح وسائل الإعلام البديلة كموقع الانتفاضة الالكترونية مثلاً بإعادة إحياء التحالفات الطبيعية التي لطالما كانت موجودة ولكنها باتت أكثر وضوحًا الآن. وقد أفرزت العلاقات التعاونية الجديدة نمطًا تضامنيًا أكثر تبادلية، حيث أخرجت أعمال التضامن مع فلسطين من عزلتها، ووضعت فلسطين في قلب النضالات مع المجتمعات الأخرى التي تحارب الاستعمار الاستيطاني، والتدهور البيئي، والحرب العرقية، والاستغلال في العمل، وحقوق المهاجرين واللاجئين، وقمع الدولة، والعنف القائم على أساس النوع الاجتماعي.

المضي قدمًا بوضوح أكثر بشأن التضامن

يوفر الاستعراض والتحليل أعلاه معلومات أساسية لتقديم اقتراحات للفلسطينيين والمتضامنين مع فلسطين تؤسس لاستراتيجيات مدروسة وأخلاقية وفاعلة ومنتجة تسعى لضمان الحقوق الفلسطينية.

مناهضة الصهيونية كعامل للتعبئة

ما انفكت حركة التضامن مع فلسطين تتحرى النهج الأفضل لتوظيفه كعامل محفِّز للتعبئة: مناهضة الاحتلال و/أو مناهضة الصهيونية و/أو التضامن مع فلسطين. ويُعزى بعض السبب في غياب التوافق على النهج إلى أن النقاشات تتناول النُهُج الثلاثة أحيانًا باعتبار أنَّ كلَّ نهجٍ مانعٌ للآخر. يتحدى الشكل المهيمن لأنشطة التضامن مع فلسطين الاحتلالَ الإسرائيلي في الضفة الغربية وقطاع غزة، ولكنه لا يتناول الصهيونية دائمًا كأيديولوجية استيطانية استعمارية عنصرية. ونتيجةً لذلك، فإنه يسمح للصهيونية باستثناء نفسها، ويتيح نمو القمع الصهيوني لدعوات الحركة - مهما كان حدها الأدنى – لإعمال الحقوق الإنسانية والمدنية.

بالفعل، لقد اشتد القمع الصهيوني داخل الولايات المتحدة على مستوى الدولة، والمؤسسات، والعلاقات الشخصية لأن الحركة الأشمل أتاحت بالاشتباك مع المنطق الصهيوني في المنتديات العامة السائدة. وفي هذا السياق ص، وأن يحصروا هوامش الاشتباك في تناول الخطاب والتمويل الصهيوني والاستثنائية الصهيونية ضمن فضاءات التنظيم الجمعي للحركة. وعلى سبيل المثال، حاول أوصياء جامعة كاليفورنيا في نيسان/أبريل 2016 أن يمرروا بندًا في إعلان المبادئ ضد التعصب المعتَمد حديثًا، اشتمل البندُ على تعريف "مناهضة الصهيونية" كشكلٍ من أشكال "التعصب" مساوٍ لمعاداة السامية. وبالرغم من تعديل الإعلان، فإنه ظل ينص على عدم التسامح مع "أشكال مناهضة الصهيونية المعادية للسامية."

من الأهمية بمكان ألا ينغمس الفلسطينيون في وصف أنفسهم بالضحية Click To Tweet

قادَ هذا التحرك إلى مقاومة واسعة النطاق من جماعات التضامن مع فلسطين في كاليفورنيا، وأسفرت عن التشكيك سياسيًا في الصهيونية كأيديولوجية شرعية. فاضطلعت الشبكة اليهودية الدولية لمناهضة الصهيونية ضمن تقريرها المعنون "The Business of Backlash" بإجراء تحقيق شامل حول قيام القوى الصهيونية بإنشاء نظام مالي يقمع الحركة الفلسطينية وغيرها من حركات العدالة الاجتماعية، بينما أنتجت مجموعة فلسطين القانونية ومركز الحقوق الدستورية تقريرًا شاملاً حول الاستثناء الفلسطيني، وكيف تُنفذ سياسات القمع التي تنتهك الحقوق المدنية والحقوق المكفولة بموجب التعديل الأول في الدستور الأمريكي.

يعكف القمع الصهيوني، من جهة، على تضييق الفضاء المتاح للعمل على القضية الفلسطينية بطرق أخلاقية ومركزة على العدالة دون مواجهة عواقب وخيمة. ومن جهة أخرى، فإن التدابير الجاري تمريرها والهادفة إلى تجريم النشاط الفلسطيني تخضع لنقاشات حثيثة وتُفضي إلى التشكيك في الصهيونية - حتى من جانب جماعات لم يسبق لها أن انخرطت في نشاط كهذا. وثمة منظمات بارزة داخل الحركة مثل منظمة الصوت اليهودي من أجل السلام تعكف على توطيد عملها على مبادئ مكافحة الصهيونية، وترفض السماح بالأساليب التكيفية كاستراتيجيات مشروعة. وهي ترفض تمثيل الهوية اليهودية باعتبارها رواية انفرادية وأحادية الجانب. ولأعمال تلك المنظمات في مكافحة القمع أهميةٌ حاسمة في تكوين مجتمع متضامن.

ينبغي لناشطي حركة التضامن أن يبينوا الضررَ الذي تُلحقه الصهيونية بالمجتمعات الأخرى غير الفلسطينية. ويمكن للحركة أن تستفيد من منظمات مثل حركة مالكوم إكس الشعبية والتي ما فتئت تضطلع بهذا العمل منذ زمن من أجل إرساء استراتيجية ورواية سياسية متناسبة. ومن الأفضل أن يركزوا على دور إسرائيل في القمع حول العالم من أجل ترسيخ حركة عالمية مناهضة للصهيونية.

عنصر "فرض العقوبات" في حملة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات

طغت انتصارات حركة التضامن مع فلسطين في حملات المقاطعة الاستهلاكية وسحب الاستثمارات المؤسسية على عنصر فرض العقوبات في حركة المقاطعة. فحين ينحصر تركيز حركة المقاطعة في أرباح الشركات الخاصة، يغفل الناشطون دون قصد عن أساس الدولتين الإسرائيلية والأمريكية ووظيفتهما كمشروعين استعماريين. وعلاوةً على ذلك، فإن المناشدات الداعية إلى إحداث تغيير تشريعي أو ضمان المشاركة في جهود المقاطعة تُقر فعليًا بخصائص تلك الدولة الاستعمارية. وهذا تناقضٌ أساسي بين الاستراتيجية الليبرالية والفلسفة الثورية، ما انفك يلازمُ النضالَ الفلسطيني منذ فترةٍ طويلة، كما لازم حركات تحرر عديدة أخرى، ويفرض معضلاتٍ رئيسيةً على الفلسطينيين المواطنين في إسرائيل. وبينما تستمر الولايات المتحدة في الرضوخ للضغوط الصهيونية، وتوسيع برامجها الإمبريالية في المنطقة والعالم، وزيادة النشاطات البوليسية وعنف الدولة وصناعة السجون في الولايات المتحدة، يكون من واجب الحركة أن تصعِّد معارضتها.

يركز العمل التضامني مع فلسطين منذ فترة طويلة على الدعوة إلى وقف المساعدات العسكرية الأمريكية لإسرائيل. غير أن الكثير من هذا العمل لم يتسن تحقيقه لأنه اعتمد على حملات واسعة النطاق مثل الاحتجاجات، وكتابة الرسائل، والاجتماع بمسؤولين في الكونغرس. وفي حين أن هذه الاستراتيجيات مارست ضغطًا سياسيًا، فإنها لم تطرح أشكالًا للمساءلة أو تكتيكات لتعزيز ديمومة الحركة لتواجه الوعود الفارغة التي يقطعها القادة المنتخبون. ويبدو أن حركة التضامن مع فلسطين وحلفاؤها اليوم سائرون على طريق تحقيق انتصارات أكثر جوهريةً من خلال العمل على حملات محلية تهدف إلى فرض عقوبات تربط اضطهاد الفلسطينيين بالدور الذي تؤديه تجارة الأسلحة وبرامج التدريب الأمني الإسرائيلية في السياسة المحلية الأمريكية والنُظم البوليسية المعسكَرة. إن الدعوة إلى وقف هذه البرامج التدريبية والعمل على إنفاذ القانون المحلي تنطلق من الدعوة إلى فرض العقوبات بالتزامن مع الالتزام بقضايا العدالة الاجتماعية والمجتمعات المحلية. يُعتبر تحالف أوقفوا الدرع الحضري في ولاية كاليفورنيا مثالًا لمجموعة تربط فيما بين هياكل القمع المحلية والعالمية من خلال حملات تنظيمية محلية في قطاعات متعددة.

التضامن مع فلسطين مقابل فضاءات التنظيم الفلسطينية

بالرغم من أن التغير السياسي الأخير في العديد من فضاءات التضامن قد سَمحَ بنشوء حركة متضامنة مع فلسطين متعددة القطاعات وأكثر قوة وذات صيت ذائع وموارد وإمكانيات جيدة في الولايات المتحدة، فإن ذلك لا يخلو من التحديات. فلا تزال هذه الهياكل والاستراتيجيات إلى حدٍ كبير غير متاحة – وغير ممثِّلة - للعديد من المجتمعات الفلسطينية في الولايات المتحدة الذين يعتقدون أن على الشتات أن يضطلع بدورٍ في جسم جماعي عابر للحدود الوطنية يسترشد بفلسفة التحرر. وتصر هذه المجتمعات على عدم التضحية بحق العودة حتى وإنْ كان "لأغراض استراتيجية."

يتواجد العمل التضامني مع فلسطين في الوقت الراهن في مواقع محلية، ولا يوفر سوى قنوات غير رسمية للمبادرات والحوارات الجديدة. لا بد أن تكون إعادة توطيد الأواصر بين أبناء الشعب الفلسطيني عنصرًا حاسمًا في استراتيجيات المنظمات الفلسطينية كافة. وهذا أحد الأهداف الرئيسية لحركة الشباب الفلسطيني. وفي الوقت نفسه، ينبغي لمنظمات التضامن أن تقدِّمَ الدعم والموارد والمهارات للتجمعات الفلسطينية كمساهمة في الحركة الأشمل.

إن دعم جهود التنظيم وبناء الفضاءات المجتمعية للفلسطينيين والعرب لا ينبغي أن يُساء فهمه على أنه تعصب عرقي. بل هو متجذرٌ في فكرة أن الفلسطينيين، كشعبٍ مشتت، يجب أن يبنوا أرشيفهم التاريخي وينموا إحساسهم بالانتماء لمجتمعهم وشعبهم سعيًا لتحقيق استراتيجية تحرر أكثر تنسيقًا. ويزداد هذا الدعم إلحاحًا بالنظر إلى أن التاريخ الفلسطيني ما انفك يُمحى في غياب الأرض. ولم يكن هذا الدعم يومًا دعوةً لتفضيل الأفراد الفلسطينيين كمراجع للمواضيع والقرارات ولا لتمجيدهم أو مغازلتهم بسبب "هويتهم" أو تجربتهم الفردية وظرفهم الاستعماري.

إن من الأهمية بمكان ألا ينشغل الحلفاء والفلسطينيون على السواء بالتعريفات الاعتباطية للإنسان الفلسطيني الأصلي، وألا يأخذوا توجيهاتهم من أفراد فلسطينيين لا يمثلون عملية فلسطينية جماعية. ومن الأهمية بمكان أيضًا ألا ينغمس الفلسطينيون في وصف أنفسهم بالضحية، وألا يعزلوا أنفسهم عن غير العرب الذين ضحوا لسنوات طويلة لأجل النضال الفلسطيني أو عن العديد من الحلفاء الذين يكافحون أشكال القمع التي يتعرضون لها.

ومن الأهمية بمكان أيضًا في الوقت نفسه أن يوثق الفلسطينيون تاريخ الحركة الفلسطينية. فرواية التجربة الفلسطينية وتجربة التضامن مع فلسطين في الولايات المتحدة لا تبدأ في 11 أيلول/سبتمبر 2001، أو بحركة المقاطعة. وعلى الرغم من أن أرشيف الفلسطينيين ليس كاملًا أو متاحًا كغيره من أرشيفات نظرائهم، إلا أن هنالك وفرة في المصادر والأشخاص الذين بوسعهم المساعدة في تقديم تاريخ زاخر أكثر للعمل التضامني مع فلسطين في الولايات المتحدة. وبالرغم من أهمية البحث في تاريخ الاضطهاد الطويل الذي تعانيه المجتمعات الفلسطينية، فإن البحثَ في استراتيجياتهم المتبعة منذ أمدٍ بعيد في الصمود والتضامن والتنظيم أكثرُ أهمية.

ومن الضرورة بمكانٍ أيضًا التركيز على العلاقات التي أقامتها الحركة الفلسطينية على مدى عقود مع المجتمعات الأخرى وفي الشارع، وليس فقط في الجامعات. تجسِّد شبكة العمل العربية الأمريكية في شيكاغو قيمةَ هذه العلاقات طويلة العهد. فالبناء على هذه الدروس والمنجزات سوف يُفرز ضَربًا مختلفًا من الممارسة التنظيمية – ممارسةٌ تمكِّن الفلسطينيين وحلفاءهم من كتابة التاريخ بحيث لا يحتاجون إلى إعادة اختراع استراتيجية تحرر جديدة في كل جيل.

المجتمعات المتضررة من الحرب على الإرهاب

العمل الدعوي بشأن فلسطين الذي لا يأخذ في الحسبان التجربةَ العرقية للمجتمعات المتضررة من الحرب على الإرهاب في الولايات المتحدة والحروب التي تشنها الولايات المتحدة في المنطقة يفصل قاصدًا بين النضالات من أجل العدالة في فلسطين وبين النضالات من أجل العدالة في مجتمعات أخرى. فالإسلاموفوبيا لا تظهر كخوف من المجهول أو بسبب الجهل، وإنما هو نتيجة التنفيذ المُمأسس لسياسات الحرب والعنف والقهر العنصري. فهذه السياسات تساهم في وتسترشد بمسعى الولايات المتحدة لتأمين مصالحها في المنطقة العربية، وعلاقتها بإسرائيل، وبدور إسرائيل المتنامي في عسكرة الولايات المتحدة، ومكافحة الإرهاب، وصناعة السجون، والعمل الشُرطي.

يجب على الفلسطينيين والمتضامنين مع فلسطين أن يوضحوا العلاقة بين فلسطين والحرب على الإرهاب، وكذلك العلاقة بين تصنيف الولايات المتحدة للمجتمعات المتضررة تصنيفًا عرقيًا وبين الوطن العربي. ولأن الحركة كثيرًا ما تجنبت الخوض في هذه الأسئلة حتى الآن، فإن الجالية الفلسطينية لا تدري أين تضع فلسطين في البرنامج السياسي الرامي إلى مقاومة خطاب الإسلاموفوبيا الذي تُذكيه إدارة ترامب. فالعمل من أجل فلسطين، على سبيل المثال، قلما يتطرق إلى أجهزة الأمن الأمريكية المتنامية حجمًا في إطار الحرب على الإرهاب. وتعكف مجموعات من قبيل مسلمون أمريكيون من أجل فلسطين على طرح برامج جديدة لمعالجة هذه المفارقة.

لا توجد بالفعل نقاشات كافية ضمن فضاءات حركة التضامن مع فلسطين بشأن الجهود الرامية إلى القضاء على سياسات التجسس السري، مثل سياسات الإبلاغ عن الأنشطة المشبوهة أو البرامج الجديدة في وزارة الأمن القومي المصممة لمواجهة التطرف العنيف. تناضل الحركةُ أيضًا من أجل تنظيم الفعاليات لمناهضة قوات الواجب المشتركة المعنية بمكافحة الإرهاب والتي تتبع للحكومات المحلية على نطاق المدن. وثمة برامج مماثلة، دُشِّنت أثناء "عملية الصخرة" التي نفذتها إدارة نيكسون إبان الانتفاضة الأولى لمراقبة الجاليات الفلسطينية. ورغم أن هذه البرامج أُوقفت إلى حدٍ كبير في العام 1993، إلا أنها استؤنفت عقب 2007 في معظم عواصم الولايات الأمريكية.

المطلوب هو حركةٌ سياسية ديمقراطية عابرة للقطاعات تُعنى بتمكين المجتمع المحلي. موجة الحراك المشهودة اليوم سوف تساهم فيها، كما ستفعل مشاركة الشباب من خلال المزاوجة بين تقديم الخدمات والسياسة بموازاة الربط بين احتياجات المجتمع الفلسطيني المحلية واحتياجاته العابرة للحدود الوطنية. إن الانتصارات المتحققة على صعيد سحب الاستثمارات ليست هيِّنة، ولكنها لا تستطيع أن تُخفي الوقائع والنكسات السياسية التي لا تزال تؤثر في الفلسطينيين.

الهدف النهائي المرجو ليس نصرًا آخر على صعيد سحب الاستثمارات وإنما حق العودة وإنهاء الاستعمار الصهيوني، ووقف عنف الدولة والظلم العنصري الذي يطال الجاليات الفلسطينية وحلفاءها في الولايات المتحدة. وهو جدولُ أعمالٍ طموح، غير أن الفلسطينيين يعلمون من تاريخهم الحديث أنه كلما تنازلوا وبسَّطوا ومحوا، خسروا أكثر. وسِّعوا الهوامش، واطمحوا لِما هو أكبر، وسيعود اللاجئون الفلسطينيون إلى ديارهم.

Wait!

Before you go, sign up to receive the latest Palestinian policy analysis straight in your inbox: