ورقة سياساتيةسياسة

المقاربة “اللاسياسية” لأزمة المياه في فلسطين

Palestine Water Muna Dajani Al-Shabaka

 

لمحة عامة

أعلنت إسرائيل والسلطة الفلسطينية في وقت سابق من هذا الشهر صفقةً جديدة تبيع إسرائيلُ بموجبها للفلسطينيين 33 مليون متر مكعب من مياه البحر الأحمر المحلاة سنويًا، منها 10 مليون متر مكعب إلى قطاع غزة والباقي للضفة الغربية.

تُخفي هذه الصفقة في طياتها أن فلسطين تمر بأزمة مائية من صنع الإنسان وليس من صنع الطبيعة. فبينما يصور المسؤولون الحكوميون والمجتمع الدولي والوكالات المانحة وحتى الأدبيات الأكاديمية نقص الموارد المائية في فلسطين كنتيجة حتمية للظروف المناخية السائدة في المنطقة، إلا أن ما لا تتطرق إليه هذه الروايات هو أن شُحَّ المياه في فلسطين مُركَّبٌ اجتماعي وسياسي يحجب الأبصار عن رؤية الهيمنة الإسرائيلية على الموارد المائية، مما يؤدي إلى إجحاف شديد بحق الفلسطينيين في المياه.

دأبت إسرائيل طوال عقود على اقتراح حلولٍ تكنولوجية لمعالجة هذا الشح، كمحطات التحلية ومعالجة مياه الصرف وإعادة استخدامها. ولعب المانحون الدوليون دورًا رئيسيًا في تعزيز النهج الإسرائيلي. ترتبط هذه الحلول بالاعتقاد بأن العلم والتكنولوجيا والبنية التحتية سوف تضمن بألا تعود المياه مصدرًا للنزاعات والصراعات والحروب. غير أن هذه الحلول التكنولوجية تتجاهل العناصر الاجتماعية والسياسية والثقافية للمياه.

هذا لا يعني أن التقدم التكنولوجي في مجال المياه ليس ضروريًا لتنمية المجتمعات. فتسخير مصادر مائية إضافية ضروري لاستيعاب أعداد السكان المتزايدة، ولا سيما في مواجهة آثار التغير المناخي. غير أن هذه التقنيات في حالة إسرائيل وفلسطين تنطوي على دوافع واستخدامات سياسية. فلا بد أن نسأل: كيف تستفيد إسرائيل من هذا التقدم التكنولوجي بينما تحافظ على سيطرتها الجبرية على مياه الضفة الغربية، فضلا على مسؤوليتها عن أزمة المياه في قطاع غزة؟ هل يمكن للفلسطينيين الاعتماد على قدرة التكنولوجيا في زيادة وفرة المياه في سياق الاحتلال؟

تتناول هذه الورقة السياساتية توظيف الابتكارات التكنولوجية الإسرائيلية في سياق السرقة الممنهجة للموارد المائية، مما يضعف جهود الفلسطينيين الرامية إلى تأمين حقوقهم المائية والتوزيع العادل لمصادر المياه. وتركز الورقة بوجه خاص على دور المانحين الدوليين في مساندة هذا الوضع، وتقدم توصيات حول ما يمكن للفلسطينيين فعله لتحدي الوضع الراهن وتحصيل مستحقاتهم المائية.

فرض الهيمنة الإسرائيلية على المياه

 عندما احتلت إسرائيل الضفة الغربية وقطاع غزة ومرتفعات الجولان في 1967، أضحت جميع منابع نهر الأردن، بالإضافة إلى المياه الجوفية في الضفة الغربية، تحت سيطرتها. 1 وفي 1982، نقل الجيش الإسرائيلي سيطرته على موارد المياه في الضفة الغربية لشركة مكوروت، وهي شركة المياه الإسرائيلية التي تأسست في 1937.

نصت اتفاقات أوسلو لعام 1993 على إنشاء لجنة مشتركة للمياه يعمل في إطارها الإسرائيليون والفلسطينيون على تنسيق إدارة الموارد المائية في الضفة الغربية. غير أن الاتفاقات تسمح لإسرائيل بالتحكم في تطوير البنية التحتية الفلسطينية للمياه من خلال إجازة مشاريع المياه الفلسطينية وتجميدها، بينما ترهب الفلسطينيين في الوقت نفسه لشرعنة مشاريع المياه في المستوطنات اللاقانونية بموجب القانون الدولي.

تستغل إسرائيل حاليًا 85% من موارد المياه المشتركة في الضفة الغربية، بينما تترك الفلسطينيين في مَحلٍ وجدب. وبالإضافة إلى بسط إسرائيل هيمنَتها على إمكانية الوصول إلى موارد المياه في الضفة الغربية، تعتمد سلطة المياه الفلسطينية اعتمادًا كليًا على إسرائيل باعتبارها المورِّد الرئيسي للمياه، حيث ظلت تشتري مخزونها من إسرائيل منذ توقيع اتفاقات أوسلو. وعلى عكس الادعاءات الإسرائيلية، لا يتلقى الفلسطينيون مياهًا مجانية إضافةً إلى الكميات المخصصة في اتفاقات أوسلو، مما يضطر السلطة الفلسطينية إلى شراء المزيد من المياه من ميكروت لتلبية الطلب المتزايد من سكانها. 2

تستغل إسرائيل حاليًا 85% من موارد المياه المشتركة في الضفة الغربية، بينما تترك الفلسطينيين في مَحلٍ وجدب Click To Tweet

وعلاوة على ذلك، أخذت إسرائيل منذ عقد التسعينيات تضخ استثمارات ضخمة في تحلية المياه ومعالجة مياه الصرف الصحي حتى أصبحت مُصدرًا للمياه لجيرانها الذين يعانون شُحًا مائيًا. تدير ميكوروت 100 مشروع ضخم في إسرائيل، بما فيها 40 منشأة لتحلية المياه توفر 60 مليون متر مكعب من المياه سنويًا. وبالإضافة إلى ذلك، تستخدم إسرائيل 60% من مياه الصرف الصحي المعالجة في الأغراض الزراعية بفضل مرافق معالجة مياه الصرف واستصلاحها. وتُصدِّر إسرائيل هذه الخبرة الفنية إلى العالم النامي، وتجني مليارات الدولارات من وراء تعاونها مع شركات المياه والحكومات في الأرجنتين وقبرص وأوغندا وأذربيجان والبرتغال.

تتبنى اتفاقات إسرائيل مع السلطة الفلسطينية حلولًا تقنية تتجاهل سياسة الاستيلاء الإسرائيلية على المياه الفلسطينية، وبالتالي فإنها تتعاطى مع مسألة المياه كمسألة عملية بحتة. وعلى هذا النحو، لا تمتثل عمليات التحويل والحصص والمبادلات المتبعة لمبادئ القانون الدولي للمياه التي تدعو إلى توزيع عادل للمياه والاعتراف بالحقوق المائية الفلسطينية. استأنفت اللجنة المشتركة للمياه عملها في كانون الثاني/يناير 2017 بعد تجميد استمر ستة أعوام بسبب ترتيب مشروط يستوجب الموافقة على مشاريع المستوطنات الإسرائيلية حتى يتسنى النظر في المشاريع الفلسطينية. يقول جان سيلبي إن الفلسطينيين وافقوا بين عامي 1998 و2010 على أكثر من 100 مشروع إسرائيلي في الضفة الغربية، بينما لا يزال 97 مشروعًا ممولًا من الجهات المانحة ينتظر الموافقة الإسرائيلية. إن استئناف الاجتماعات والتعاون ليس حميدًا البتة. ففي حين أن الترتيب الجديد سيسمح للفلسطينيين بمدّ الأنابيب والشبكات دون انتظار موافقة اللجنة، فإنه يتيح لإسرائيل الشيء نفسه، وهذا يعني أن إسرائيل تستطيع بناء شبكات المياه للمستوطنات دون أخذ موافقة اللجنة المشتركة. ويضيف سيلبي: "بالرغم من أن الفلسطينيين سيحصلون الآن على استقلالية في مدّ الأنابيب، فإنهم لن يحصلوا على أي مياه إضافية لتجري فيها - إلا بموافقة إسرائيلية."

تمويل المانحين يعزز وضع إسرائيل الراهن

يحرص مجتمع المانحين الدوليين على إثبات جدوى استثماراته المليونية، ويفاقم بذلك انعدام المساواة في المياه بين إسرائيل وفلسطين. وعلى الرغم من أن نهج المانحين يتمثل في زيادة توفر المياه وحماية صحة الناس والبيئة، فإن تحقيق ذلك في ظل الاحتلال يكون بقبول الوضع الراهن. لا يُفترض بالمعونة أن تكون تدخلاً طويلَ الأجل، بل ينبغي أن توفر الدعم للجهات الفاعلة والمجتمعات المحلية حتى تتمكن من تطوير استصلاح مستدام للموارد وملكيتها. وبالنظر إلى التدخلات المستمرة لعقود وملايين الدولارات المحوَّلة لقطاع المياه في الأرض الفلسطينية المحتلة، فإن فشل مجتمعات المانحين في تحسين ظروف معيشة الفلسطينيين يبين كيف أضرت المساعدات بالاعتراف بالحقوق الفلسطينية.

زادت الوكالات المانحة الدولية منذ التسعينات استثماراتها في قطاع المياه الفلسطيني من خلال بناء محطات معالجة مياه الصرف الصغيرة والكبيرة، وشبكات المياه، وخطوط المجاري، وحتى محطة لتحلية المياه في غزة. ومعظم هذه المشاريع تُنفَّذ بموجب اتفاقات أوسلو، التي تُملي على اللجنة المشتركة للمياه تخطيطَ المشاريع قبل إعطاء أي أموال للسلطة الفلسطينية. وهكذا فإن تطوير قطاع المياه خارج نطاق أوسلو الضيق مقيد. 3

يفاقم مجتمع المانحين الدوليين انعدام المساواة في المياه بين إسرائيل وفلسطين Click To Tweet

تركزت الاستثمارات الدولية عمومًا على بناء محطات معالجة مياه الصرف الصحي في الضفة الغربية، مع زيادة اهتمام الجهات المانحة في إنشاء ست محطات رئيسية في غرب نابلس وجنين وأريحا والبيرة ورام الله وطولكرم. غير أن عددًا كبيرًا من هذه المشاريع لا يؤتي أُكله. فعلى سبيل المثال، حصلت محطة سلفيت لمعالجة مياه الصرف الصحي على التمويل في عقد التسعينيات ولكنها لم تدخل طور التشغيل قط، حيث أخذت اللجنة المشتركة المشروع عبر متاهة بيروقراطية، بدءًا بتغيير موقعه المعتَمد وانتهاءً بالاشتراط لتشغيله أن يُربَطَ بمستوطنة آرييل، وهي واحدة من أكبر التجمعات الاستيطانية في الضفة الغربية التي تضخ مياه صرفها الصحي غير المعالجة إلى القرى الفلسطينية القريبة.

يُخفي التأطير الرسمي لهذه المشاريع القضايا السياسيةَ الأساسية. ففي عام 2015، مثلًا، وقَّع الاتحاد الأوروبي وسلطة المياه الفلسطينية اتفاقيةً لبناء محطة لمعالجة مياه الصرف بقيمة 20.5 مليون دولار في محافظة طوباس في شمال شرق الضفة الغربية. وقد علَّق رئيس سلطة المياه الفلسطينية، مازن غنيم، قائلًا:

"ما زالت مياه الصرف الصحي غير المعالَجة تشكل تحديًا رئيسيًا في فلسطين وتخلِّفُ آثارًا خطيرة على الصحة والبيئة والزراعة. سوف يخفف هذا المشروع بشكل كبير المخاطر الصحية التي تواجه السكان في شمال محافظة طوباس وتلوث البيئة. وسوف يسمح المشروع بإعادة استخدام المياه المعالجة في الزراعة، مما يعني المحافظة على مصادر المياه الجوفية المحدودة في فلسطين. (الخط الغامق للتأكيد من الكاتبة).

يوجد هذا الاعتقاد لدى الكثيرين من مسؤولي السلطة الفلسطينية والوكالات المانحة ومنظمات المجتمع المدني، حيث يعتقدون بوجود حاجة إلى بنية تحتية لمعالجة مياه الصرف كي تكون بديلًا لموردٍ "محدود".

بالرغم من أن معالجة مياه الصرف أمرٌ ضروري، فإن تأطيرها كمصدر مائي إضافي للزراعة يعزز فكرةَ إيجاد وسائل بديلة لإعمال الحقوق المائية في فلسطين. وبعبارة أخرى، فإن التركيز على إمكانات مياه الصرف بدلا من تعطيل حقوق الفلسطينيين المائية يصور أزمةَ المياه كأزمة طبيعية تتطلب حلًا تكنولوجيًا - وليس مشكلة من صنع الإنسان تحرم الفلسطينيين عمدًا من مورد حيوي.

أمّا في قطاع غزة، فإن المقالات الإخبارية والتقارير والحملات الدولية المنشورة على مدار العقد الماضي تصف شح المياه بأنه "كارثي" و"مثير للقلق" ويشكِّل "أزمة إنسانية". وهي كذلك بالفعل إذ يضطر السكان إلى تدبِّر أمورهم بالاعتماد على مصدر رئيسي للمياه - خزان مياه ساحلي - غير صالح للاستهلاك البشري بنسبة 96%. ويرجع ذلك إلى عقود من الإفراط في استخراج المياه الجوفية، وتلوثها بمياه الصرف الصحي، وتسرب مياه البحر إليها. وقد تفاقمت هذه المشكلة بسبب الحصار والعدوان الإسرائيلي المتكرر على القطاع، وتراجعت البنية المائية لأسباب عدة أهمها تدمير محطات معالجة مياه الصرف الصحي الحيوية وخزانات المياه ومحطات الطاقة.

يعكف المجتمع الدولي والسلطة الفلسطينية منذ التسعينات على تأطير أزمة المياه في غزة على أنها قابلة للحل عن طريق بناء محطة لتحلية المياه. وقد دأبت الأمانة العامة للاتحاد من أجل المتوسط بوجه خاص، وهي هيئة تضم 28 دولة في الاتحاد الأوروبي و15 دولة في جنوب البحر الأبيض المتوسط وشرقه، على التعبئة من أجل تنفيذ هذا المشروع، حيث يجادل الاتحاد بالقول:

نظرًا لعدم وجود مصدر بديل للمياه العذبة، فإن وجود محطة تحلية كبيرة هو مطلب حتمي لمعالجة العجز المائي في غزة. وقد اشتدت الحاجة الماسة إلى وجود منشأة لتحلية المياه في غزة مع ارتفاع مستوى الأزمة الإنسانية في غزة بسبب عدم كفاية الموارد المائية والتداعيات ذات الصلة على صحة الإنسان.

يعزز هذا النهج رواية الفصل الجغرافي والسياسي لقطاع غزة عن الضفة الغربية، حيث يعامل غزة ككيان قائم بذاته يحتاج إلى منشأة خاصة به من أجل توفير المياه. وهذه الادعاءات تتجاهل حقيقة أن المياه في الضفة الغربية - الخاضعة بالكامل تقريبا للسيطرة الإسرائيلية - يمكن أن تغيث غزة. وفي هذا الصدد، يؤكد كليمنس ميسيرشميد، الهيدرولوجي الألماني العامل في قطاع المياه الفلسطيني:

يحق لقطاع غزة بموجب قانون المياه الدولي أن يحصل على حصة عادلة من حوض المياه الجوفية الساحلي. لا يمكن فصل غزة عن بقية فلسطين. ولا بد من تزويد غزة بالمياه من الخارج، تمامًا مثل نيويورك أو لندن أو باريس أو ميونيخ. تشتري الضفة الغربية الغنية بالماء كميات متزايدة من المياه من شركة ميكوروت (إسرائيل)، بينما يتعين على غزة أن ترعى نفسها؟ هذا منطق إسرائيلي خالص وقديم ومذهب إسرائيل المائي-السياسي. وبموجب هذا النموذج الجديد يتم التخلي عن النضال الفلسطيني التاريخي من أجل الحقوق المائية مقابل "حصة عادلة ومعقولة من الموارد المائية العابرة للحدود"، وهو حق ينص عليه القانون الدولي للمياه. يمتلك النقب الإسرائيلي فائضًا من المياه لأن نهر الأردن العلوي بأكمله محوَّل عند بحيرة طبريا إلى الناقل الوطني للمياه الذي يمر على مقربة من غزة. فهناك كميات هائلة من المياه الفائضة المتدفقة مرورًا بغزة، بينما يستمر القطاع في الجفاف.

وعلى غرار محطات معالجة مياه الصرف في الضفة الغربية، لم تدخل محطة تحلية المياه في غزة الطور التشغيلي بكامل طاقتها رغم الانتهاء من تشييدها. فبعد عقود من جمع الأموال من الاتحاد الأوروبي وغيره، افتتحت منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف) المحطة في كانون الثاني/يناير 2017. غير أنها في نهاية شباط/فبراير كانت تعمل على أساس جزئي على وقود الطوارئ. تتطلب محطات تحلية المياه أيضًا صيانةً مستمرة وقطع غيار باتت متيسرة الآن بموجب آلية إعادة إعمار غزة المصممة "لتيسير عمليات إعادة الإعمار المُلحَّة." لقد جعلت هذه الآلية الحصارَ نقطة انطلاق لها، وهي خطوة انتقدتها أوكسفام باعتبارها تطبيعًا للحصار و"شرعنةً لنظام سيطرة وتحكم شامل." وأكدت أوكسفام كذلك خطورةَ فصل الحلول الاقتصادية والتكنولوجية عن الظروف السياسية.

عندما يرفع صناع السياسات الفلسطينيون والدوليون تحليةَ المياه كحل وحيد لوضع المياه في غزة، فإن هذا يعزز الزعم بأن التقدم التكنولوجي هو الحل دون معالجة الواقع السياسي والقيود المفروضة على الأرض.

وهذا يُجسِّد أيضًا مقاربةَ المانحين الساذجة إزاء المياه في غزة والضفة الغربية. إن هذه المشاريع في جوهرها لا تتحدى الانتهاكات الإسرائيلية للقانون الدولي، وهي بالتالي تصادق - حتى لو عن غير قصد - على الانتهاكات الإسرائيلية للقانون الدولي المتمثلة في احتلالها المستمر ومصادرتها الأراضي والموارد الطبيعية الفلسطينية.

وعلاوةً على ذلك، فإن الجهات المانحة الرئيسية، وهي الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة والولايات المتحدة، لا تمول مشاريع إشكالية فحسب، بل تعمل بنشاط على تعزيز التكنولوجيا الإسرائيلية والتقدم العلمي الإسرائيلي بينما تتجاهل قدرات بحوث المياه الفلسطينية.

إسقاط الفلسطينيين من التعاون في مجالات البنية التحتية والتكنولوجيا والعلوم

بينما يفرض الاحتلال الإسرائيلي القوانين العسكرية على إمكانية الوصول إلى الموارد الأساسية مثل المياه والسيطرة عليها، ويشدد الخناق على الواردات الأساسية من مصادر الوقود والطاقة، لم تطور السلطة الفلسطينية منذ عقود أي بنية تحتية كبرى في قطاع المياه، ولا سيما في المنطقة (ج)، التي تشكل 60% من مساحة الضفة الغربية. تمتلك "الإدارة المدنية" التابعة للاحتلال حق الاعتراض على جميع مشاريع البنية التحتية في المنطقة (ج)، حتى بلغ معدل قبولها للمشاريع 1.5% فقط بين عامي 2010 و2014. وجُمدت معظم مشاريع المياه الكبيرة بسبب شرط إسرائيل القاضي بربط المستوطنات بتلك المشاريع الممولة من الوكالات المانحة للشعب الفلسطيني. وهكذا فإن المنطقة (ج) لا تزال مسرحًا لتراجع التنمية، ويصنفها المجتمع الدولي كمجال للتدخل الإنساني فقط.

وعلاوةً على ذلك، فإن المجتمع الدولي ماضٍ في تعاونه الوثيق مع تكنولوجيا المياه في إسرائيل والتعبير عن إعجابه بها ولا يرى التراجع في التنمية الذي يشهده قطاع المياه الفلسطيني. وفي الآونة الأخيرة، صنَّف الاتحاد الأوروبي القدس - التي تحتلها إسرائيل في انتهاك للقانون الدولي - كواحدة من أفضل خمس مدن في العالم من حيث الكفاءة والإدارة والابتكار في مجال المياه. وهذا يُعد تهنئةً لنظام الاحتلال على عمله في المدينة التي لا يزال 36% من سكانها الفلسطينيين غير متصلين بالبنية التحتية الإسرائيلية للمياه، والتي تخضع لسياسات تمييزية تهدف إلى إفراغ المدينة من سكانها الفلسطينيين.

إن تجريد قضايا المياه من بُعدها السياسي يعوق السعي الفلسطيني من أجل الحق في تقرير المصير Click To Tweet

وقَّعت المفوضية الأوروبية ووزارة الطاقة والموارد المائية الإسرائيلية في 2012 مذكرة تفاهم لمدة خمس سنوات لتعزيز التعاون العلمي ولا سيما في مجال تحلية المياه والطاقة. وتسعى الحكومة البريطانية للدخول في تعاون مماثل مع إسرائيل، وقد أطلقت مؤخرًا برنامجين ينطويان على مبادرات من قبيل إرسال طلاب فلسطينيين في مرحلة الدراسات العليا إلى المختبرات الإسرائيلية لبناء شراكات و"حل القضايا الخطيرة المتمثلة في نقص المياه ونوعيتها". وإلى جانب الموقف المعتاد إزاء قوة الاحتلال، يُعد هذا النهج إشكاليًا لأنه يسعى إلى تطبيع الاحتلال، فضلًا على أن الاستثمار في التميز العلمي لا يطال الجامعات والمؤسسات البحثية الفلسطينية. بل إن جميع الأعمال تعود بالنفع على مؤسسات الاحتلال.

ثمة استثناءٌ ظاهري لهذا الاتجاه وهو مبادرة من وزارة التنمية الدولية في المملكة المتحدة التي قدَّمت 1.6 مليون دولار لمساعدة المزارعين المعرضين للخطر في المنطقة (ج) من الضفة الغربية، وبخاصة رعاة الماشية البدو، في إعالة أسرهم بسبب زيادة تكلفة الإنتاج الزراعي. فقد مكَّن البرنامجُ المزارعين من إعادة تأهيل خزانات المياه، وزودهم بنظم لنقل المياه يبلغ طولها نحو 20 ميلا؛ وقد حسَّنت هذه التطورات كفاءة الري. غير أن سعة الخزانات محدودة (70 مترًا مكعبًا في السنة) وتعتمد على حصاد مياه الأمطار. وهكذا فإن إعادة تأهيلها تخفف وطأة مشكلة نقص المياه التي يفرضها المحتل، بدلًا من المساعدة في حلها، أي أنها تُضعف الجهود الفلسطينية الرامية إلى إحراز نصيب عادل من الموارد من خلال حصر التنمية المائية الأكثر تمكينًا في حلول صغيرة النطاق.

وباختصار، يواصل المانحون نهجهم المعتاد الذي يطبع الاحتلال، بالانخراط في التعاون البحثي والعلمي مع إسرائيل وتمويله، واستثمار ملايين الدولارات في تطوير البنية التحتية للمياه بإيعاز من إسرائيل. بل إن الجهات المانحة تقوم بإعادة تأهيل أو إعادة بناء البنية التحتية التي تدمرها القوات الإسرائيلية. إن تواطؤ المانحين في هذه الآليات الهدامة يساهم في قناعة الفلسطينيين بالوضع الراهن وفي اعتمادهم على الغير، بالإضافة إلى تخلِّف قطاع المياه الفلسطيني عمومًا. إن تجريد قضايا المياه من بُعدها السياسي إلى هذه الدرجة يعوق السعي الفلسطيني من أجل الحق في تقرير المصير.

النضال من أجل سيطرة فلسطينية على المياه: سُبل المضي قدمًا

في حين أن الوضع المائي قد يبدو قاتمًا بالنسبة للفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة، هناك عدد من الاستراتيجيات التي ينتهجها الفلسطينيون وحلفاؤهم - ويمكنهم تطويرها أكثر - لإجلاء الطابع السياسي لانعدام المساواة في المياه في الأرض الفلسطينية المحتلة، وإظهار حقيقة الأزمة بأنها من صنع الإنسان وليس الطبيعة، والدفع باتجاه حلول عادلة لها.

  • إبراز النهج الذي تتبعه الجهات المانحة في تطوير قطاع المياه وكيف أنه يصرف الانتباه في أحسن أحواله، ويضر الكرامة الفلسطينية والاستقلال والنجاح عمومًا في استعادة الحقوق المائية في أسوأ أحواله. وهذا يتطلب حملات وبرامج لتعزيز الوعي بسياسات المياه والمطالبة بمساءلة المانحين لضمان الوفاء بحقوق الفلسطينيين المائية في جدول الأعمال الفلسطيني، وهذا يكون من خلال التصدي للاحتلال الإسرائيلي وانتهاكه الحقوق.
  • مطالبة مشاريع تطوير قطاع المياه الممولة من المانحين بأن تتبع خطة طوارئ إقليمية وشاملة في الأرض الفلسطينية المحتلة. وينبغي لهذه المشاريع أن تضمن تنفيذ برامج التنمية - وليس برامج المساعدات الإنسانية - على نحو تشاركي وشفاف بحيث تصبح حقوق المياه أولوية قصوى.
  • تعزيز المؤسسات البحثية والجامعات الفلسطينية كمراكز للمعرفة في سياسات الموارد الطبيعية وإدارتها، حيث يتم إنتاج التكنولوجيات الملائمة والبحوث التطبيقية لتعكس الأوجه السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية لإدارة الموارد الطبيعية في ظل الاحتلال، وتطوير نخبة فنية قوية من خبراء المياه والمهندسين الفلسطينيين لدعم جهود التعبئة المحلية والمجتمعية.
  • المطالبة بمزيد من الشفافية من مؤسسات السلطة الفلسطينية لضمان أنها تحمي حق الشعب الفلسطيني في الموارد الطبيعية بالانضمام إلى الحملات المحلية والدولية المدافعة عن الحقوق المائية ومؤازرتها، وتوفير منصة مسموعة لمنظمات المجتمع المدني للتعبير وطنيًا ودوليًا عن الظلم الذي يتعرض له الفلسطينيون في مجال المياه.
  • بناء تحالفات مع الحركات الدولية والعابرة للحدود الوطنية لمواصلة فضح الانتهاكات الإسرائيلية للحقوق المائية، وإطلاق حملة عالمية للعمل مع المجتمعات الأصلية الناشطة في معارضة الصناعات الاستخراجية واسعة النطاق والدول المنخرطة فيها.

إن من الأهمية بمكان، في الختام، أن نعيد تعريف الصراع على الوصول إلى الموارد الطبيعية والتحكم بها، وأن نعيد تأطيره ليكون جزءًا من النضال الفلسطيني من أجل الحرية وتقرير المصير.

ملاحظات:

  1. لم تبدأ إسرائيل بمصادرة مياه نهر الأردن والمياه الجوفية في الضفة الغربية في 1967، بل إنها أنشأت في الخمسينيات، مثلًا، الناقل الوطني للمياه الذي حوَّل 350 مليون متر مكعب من المياه سنويًا من نهر الأردن إلى مدنها الساحلية ومنطقة النقب. فضلًا على أن إسرائيل دأبت قبل 1967 على استغلال مستودعٍ غني بالمياه الجوفية يقع في الجانب الإسرائيلي من الخط الأخضر.
  2. تفيد سلطة المياه الفلسطينية بأنها تشتري ما بين 55 و57 مليون متر مكعب من المياه من ميكروت سنويًا، وتستخدم 103 ملايين مترٍ مكعب سنويًا من الأحواض المائية (أقل من الكمية التي نصت عليه اتفاقات أوسلو والبالغة 118 مليون متر مكعب في السنة - وهي بحد ذاتها كمية قد عفا عليها الزمن وباتت غير كافية).
  3. وبالإضافة إلى ذلك، تتحجج إسرائيل بافتقار الضفة الغربية إلى البنية التحتية اللازمة لمعالجة مياه الصرف كي تتهم الفلسطينيين بتلويث الجداول والأودية، بالرغم من أن اللجنة المشتركة للمياه والإدارة المدنية الإسرائيلية قد اعترضتا على تطوير تلك البنية التحتية في الضفة الغربية وبذلك أعاقتا إنشاءها. وفي الوقت نفسه، فإن المستوطنات الإسرائيلية وما تضخه من مياه صرف صحي تهدد أيضًا صحةَ الفلسطينيين وتدمر البيئة. تستفيد إسرائيل أيضًا من مياه الصرف الصحي هذه، حيث تعالجها في منشآتها وتقبض ثمن ذلك من السلطة الفلسطينية. ومن ثم تستخدم المياه المعالَجة لري المحاصيل الزراعية الإسرائيلية. انظر بتسيلم، " Foul Play: Neglect of Wastewater Treatment in the West Bank " 2009.