ورقة سياساتيةسياسة

تجفيف فلسطين: حرب إسرائيل المنهجية على المياه

Israel's water war on Palestine

نظرة عامة

تنتهج إسرائيل سياسةً تستهدف البنيةَ التحتية المائية الفلسطينية، وهي سياسةٌ ذات شقين تهدف للحيلولة دون استدامة المجتمعات الفلسطينية. وفي هذا الموجز السياساتي، تتناول منى دجاني، الباحثة البيئية وعضوة السياسات في الشبكة، الأدلةَ المتوفرة على استهداف إسرائيل البنيةَ التحتية المائية، وتُبيِّن كيف أن هذه السياسة لا تعوق النمو الاقتصادي وحسب، بل تدفع الفلسطينيين إلى ترك أراضيهم. وتتطرق الكاتبةُ أيضًا إلى تسليع المياه الناجم عن هذه السياسة الإسرائيلية، وتُحذر من أنه يُغير الأنماط التقليدية للإدارة المائية المجتمعية، ويمكن أن يغير شكل المجتمع الفلسطيني للأبد. ولمواجهة هذه الحرب على المياه، تقترح دجاني على الفاعلين المحليين والوطنيين والدوليين اتخاذَ إجراءات – مثل حملات التوعية وإنشاء قواعد البيانات - من أجل وضع هذه القضية على الأجندة السياسية. وتحثُّ المانحين على المطالبة بالتعويض عمَّا خسروه في الاستثمارات المائية. 1

حرب إسرائيل على المياه

كانت البنيةُ التحتية المائية من بين ضحايا الهجمة الإسرائيلية الأخيرة على قطاع غزة، حيث كانت هدفًا مقصودًا للصواريخ الإسرائيلية. وهذا الهجوم على البنية التحتية المائية ليس ممارسةً جديدةً ولا مقصورةً على غزة بل هو جزءٌ لا يتجزأ من الحملة الإسرائيلية المتواصلة لعكس عجلة نمو المجتمعات الفلسطينية وجعل الحياة اليومية فيها لا تُطاق.

ومن أجل وقف الاستهداف الإسرائيلي المتعمد للبنية التحتية المائية، لا بد من الاعتراف بأن الضرر الذي ألحقه بمصادر المياه الفلسطينية الحيوية هو ضررٌ ممنهج، ولا بد أيضًا من توثيقه، ثم صدِّه على مستويات المجتمع الفلسطيني كافة من خلال حملات التوعية ومبادرات المجتمع المدني. ويجب على أصحاب المصلحة الدوليين، كجامعة الدول العربية والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة، أن يضغطوا أيضًا على إسرائيل كي تكفّ وترعوي.

سياسةُ حرمان المجتمعات الفلسطينية من الحصول على المياه هي أداةُ حربٍ يستخدمها الاحتلال الإسرائيلي والسلطات العسكرية بلا هوادة، وهي تُفضي إلى تقويض المقاومة الفلسطينية. ولهذه السياسة تداعيات جمة، منها التدهور البيئي بعيد المدى، والمخاطر على الصحة العامة في المدى القريب والبعيد، والحرمان الفعلي لشريحة معتبرة من السكان المدنيين من الحصول على المياه النظيفة الصالحة للشرب.

يحظر البروتوكول الأول الملحق باتفاقية جنيف (1977) استهداف البنى التحتية المائية، وينص على أنه:

"يُحظَر مهاجمة أو تدمير أو نقل أو تعطيل الأعيان والمواد التي لا غنى عنها لبقاء السكان المدنيين ومثالها المواد الغذائية والمناطق الزراعية التي تنتجها والمحاصيل والماشية ومرافق مياه الشرب وشبكاتها وأشغال الري، إذا تحدد القصد من ذلك في منعها عن السكان المدنيين أو الخصم لقيمتها الحيوية مهما كان الباعث سواء كان بقصد تجويع المدنيين أم لحملهم على النزوح أم لأي باعث آخر."

تشنُّ إسرائيل هجومَها المستمر على البنية التحتية المائية الفلسطينية على جبهتين: إحداث الضرر المباشر والمكثف والمتعمد ضمن عمليات عسكرية واسعة النطاق، وإحداث الضرر بعيد المدى جراء منع إصلاح البنية التحتية المائية أو صيانتها أو تطويرها. ورغم أن استهداف البنية التحتية المائية قلما يكون على الأجندة السياسية، فإنه تكتيكٌ عسكريٌ موثّق يتبعه الجيش الإسرائيلي، وهو أسلوبٌ متعمد سواء كان على هيئة قصف محطة معالجة مياه الصرف الصحي في غزة أو استهداف خزانات الماء الرومانية التي لا تزال تؤمِّن المياه لقريةٍ نائية في الضفة الغربية. ولقد أكَّد تقرير غولدستون الذي صدر بتكليف من الأمم المتحدة بهدف توثيق انتهاكات حقوق الإنسان في أعقاب العدوان الإسرائيلي على غزة 2008-2009 ("عملية الرصاص المصبوب") تسببَ إسرائيل في تدمير البنية التحتية المائية تدميرًا "متعمدًا ومنهجيًا".

لم يكن العدوان على غزة على مدار واحدٍ وخمسين يومًا صيفَ هذا العام استثناءً لهذه القاعدة. فقد دعت شخصيات سياسية إسرائيلية إبان القصف، بحسب تقارير، إلى قطع إمدادات المياه والكهرباء الصادرة إلى غزة. وهذه الدعوةُ جزءٌ من لغة الحرب التي تعتبر البنيةَ التحتية المائية والكهربائية سلاحًا سياسيًا للإكراه.

استهداف البنية التحتية المائية إبان العمليات العسكرية

استهدفت إسرائيل في كلِّ الهجمات التي شنتها على غزة في العقد الماضي بنيةَ القطاع التحتية المائية من محطات الكهرباء الرئيسية إلى محطات معالجة مياه الصرف الصحي وشبكات المياه. وشلَّت العمليات العسكرية عملَ أنابيب المياه والصرف الصحي وغيرها من قدرات معالجة المياه العادمة. وأظهرت تقاريرُ أعقبت عمليةَ الرصاص المصبوب أن الأضرار تركت ثلثَ سكان غزة دون ماء. وبلغت تكلفة الضرر البيئي الناجم، بحسب التقديرات، 44 مليون دولار.

استهدفَ الطيران الإسرائيلي في الأيام الأولى من العملية العسكرية الإسرائيلية الأخيرة في غزة "الجرف الصامد" محطةَ ضخ مياه الصرف الصحي غرب مدينة غزة، حيث عطَّلت إسرائيلُ بضربتها المنشأة التي تضخ 25,000 متر مكعب من المياه العادمة يوميًا إلى محطة معالجة مياه الصرف الصحي الرئيسية في غزة. وبعد الهجوم، أعلنت بلدية غزة أنها لن تكون قادرةً على معالجة مياه الصرف الصحي. واضطرت إدارة المنشأة، بسبب استمرار الغارات على المحطة، إلى وقف محاولاتها إصلاح الضرر تجنبًا لإصابة العاملين بعد استشهاد سبعة موظفين أثناء تفقدهم الأضرارَ الأولية. وأدى القصفُ الإسرائيلي شرقَ مدينة غزة إلى إصابة أحدِ خطوط أنابيب المياه الرئيسية، ممَّا قطع إمدادات المياه عن مناطق شرقَ المدينة تؤوي ما يزيد على 1.5 مليون نسمة.

تُقدَّر خسائر البنية التحتية المائية وحدها بمبلغ 30 مليون دولار. فمنذ بدء العدوان على غزة هذا الصيف، دُمرت محطة معالجة مياه الصرف الصحي الرئيسية، وشبكة الأنابيب المتصلة بها. وباتت أربعة آبار، وخمس خزانات، وعدد لا يُحصى من أنابيب الشبكة غير صالح للاستعمال. ونتيجةً لذلك، تدفَّق ما يزيد على 100,000 مترٍ مكعب من مياه الصرف الصحي غير المعالجة في شوارع غزة وإلى البحر.

ومن دون مياه شرب مأمونة، بات يتعين على الغالبية العظمى من سكان غزة البحثُ عن المأوى والخدمات الأساسية خارج منازلهم. وهكذا فإن تدمير آبار المياه والبنية التحتية للصرف الصحي يُفاقم الأزمة الإنسانية. وفي حين تفيض أحياء كاملة بمياه الصرف الصحي، يزيد القلق ازاء تفشي الأوبئة والأمراض. وصار على المستشفيات المثقلة أصلًا أن تتعامل مع أمراض الجهاز الهضمي، والحساسيات الجلدية، والأمراض المنقولة بالمياه، وأمراض الجهاز التنفسي. وفي هذا الصدد، قال أحد الناطقين باسم منظمة أوكسفام: "نحن نعمل في بيئة تدمرت بُنيتها التحتية المائية تمامًا، ممّا يمنع الناس في غزة من الطبخ، وتنظيف المراحيض، وغسل الأيدي. والمخاطر الراهنة المحدقة بالصحة العامة هائلة، و[...] سوف تستغرق البنية التحتية في غزة شهورًا أو سنوات لتتعافى تمامًا."

وفي هذا الإطار، يمكن – بل وينبغي – اعتبارُ حصارِ غزة استمرارًا لسياسةٍ تستهدف البنية التحتية المائية. ففي ظل القيود الصارمة المفروضة على الواردات المسموح إدخالها إلى غزة، استحالت إعادة بناء محطة معالجة مياه الصرف الصحي المتضررة من هجمات عام 2008. وحتى عمليات التصليح الدورية صارت مستحيلة، أمّا تحديثُ الأنظمة إلى أنظمةٍ أكثرَ كفاءة أو استدامة، فهو أمرٌ غير وارد. وبالتالي، أمست الابتكارات في مجال معالجة المياه، والتحسينات في نوعية الحياة المعتمِدة على توافر المياه المنتظمة أمرًا محظورًا. وبالمثل، تتعرض المصادر المائية المتاحة للاستنزاف بسرعة، ممّا يجعل المشاريع المستقبلية أكثرَ صعوبة.

ومن دون التصليحات، أخذت أضرارٌ دائمة تلحق بأراضي غزة. فثمة تسربٌ سريع لمياه البحر وفرطٌ في ضخ المياه الجوفية منذ سنوات. وحتى مصادر المياه المتاحة ليست دائمًا نظيفة، حيث ثبَتَ أن 95% من المياه التي ظل الفلسطينيون في غزة يستخدمونها لعقود غيرَ صالحةٍ للاستهلاك البشري. وأدى نقص الكهرباء المستمر منذ عقدٍ تقريبًا إلى الحد من القدرة على معالجة المياه، وبالتالي من وصول المياه إلى المنازل، وكذلك زيادة تصريف مياه الصرف الصحي غير المعالجة في البحر. وحتى قبل العدوان على غزة هذا الصيف، كان ما مقداره 90 مليون لتر من مياه الصرف الصحي غير المعالجة أو المعالجة جزئيًا يُضَّخ في البحر يوميًا بسبب عدم كفاية مرافق المعالجة.

إن الواردات المسموح لها بدخول غزة حاليًا، مثل المولدات وكميات الوقود المحدودة وشاحنات المياه، تساهم في تعويض النقص مؤقتًا فقط، وهي تهدف إلى تأمين الخدمات الأساسية والإغاثية العاجلة للسكان المشردين. وليس بوسع هذه التدابير المؤقتة بأي حالٍ من الأحوال أن تعالج مشاكل توفير المياه في قطاع غزة، وهي بالكاد تخفف وطأة آثار الحرب الإسرائيلية على المياه. إن مراحل إعادة إعمار البنية التحتية في غزة وتأهيلها لن تتطلب ملايين الدولارات وحسب، بل ستستغرق وقتًا طويلًا جدًا أيضًا في ظل ظروف الحصار السائدة.

حرب مياه بعيدة المدى في أرجاء المناطق المحتلة

الأدهى ممّا سبق هو الضررُ البطيء ولكن المتعمد في البنية التحتية المائية للضفة الغربية. فثمة شواهد في المنطقة على اتباع السياسة نفسها المتمثلة في إلحاق الضرر المتعمد بمعدات المياه أثناء الحملات العسكرية، ومن أوضح تلك الشواهد الاجتياحُ الإسرائيلي لمدينة جنين في عامي 2001 و2002 الذي أصاب البنية التحتية لمياه الشرب ومياه الصرف الصحي بأضرار هائلة، ممَّا قطع خدمات المياه لأسابيع.

تأخذ أضرارُ البنية التحتية شكلاً آخر أكثرَ دهاء وبطئًا، فبدلًا من الحصار وحظر الواردات، غدا الهدمُ هو العرف السائد ولا سيما في المجتمعات المهمشة في المنطقة (ج)، التي تبلغ مساحتها نحو 60% من الضفة الغربية بموجب اتفاقات أوسلو، وفي "المنطقة العازلة" التي أعلنتها إسرائيل في محيط قطاع غزة، حيث صودرت هذه المناطق الواقعة تحت السيطرة الإسرائيلية المباشرة لأسباب "أمنية،" وتُستخدم الآن كمناطق عسكرية ومناطق لتدريب الجيش. إن الإعلان عن منطقة ما منطقةً عسكرية يقتضي بصورة شبه تلقائية تجريفَ الأراضي الزراعية، وتهديد حياة المجتمعات المجاورة، ومصادرة مساحات واسعة من الأراضي.

وبالرغم من أن الأدوات والمعدات قد تكون متوفرة في المنطقة (ج)، فإن صعوبة إقامة البنية التحتية فيها توازي صعوبة تشييدها في قطاع غزة المحاصر، إذ يتعين على الفلسطينيين القاطنين في هذه المنطقة الحصولُ على إذن السلطات الإسرائيلية من أجل إنشاء البنية التحتية المائية أو صيانتها أو توسيعها (يجب الحصول على إذن أيضًا في المناطق (أ) و(ب) ولكن من خلال لجنة المياه المشتركة المذكورة أدناه). ولمّا يكاد يكون النفي هو الجواب الدائم، يُضطر المدنيون إلى تشييد البنية التحتية دون إذن. وهذا يُعرِّضهم إلى الغرامات وأوامر الهدم.

شهدت الفترة بين عامي 2009 و2011، وفقًا لائتلاف المياه والصرف الصحي والنظافة الصحية في حالات الطوارئ في فلسطين، تدميرَ 173 قطعة مختلفة من البنية التحتية الخاصة بالمياه والصرف الصحي والنظافة الصحية، بما في ذلك مصادرة صهاريج المياه التي تستخدم كإجراء طارئ عند قطع إمدادات المياه. وبالإضافة إلى قيام الجيش الإسرائيلي باستهداف البنية التحتية في المنطقة (ج) استهدافًا منهجيًا، ما انفك سكان المستوطنات اليهودية غير الشرعية يخربون المصادر المائية الفلسطينية ويدمرونها، ويستولون في أحيانٍ كثيرة على الينابيع الطبيعية ويسخرونها لتسليتهم وترفيههم. وتأتي تصرفات المستوطنين هذه في إطار سياسةٍ إسرائيلية واضحة تعتبر استهدافَ الموارد المائية من هذا القبيل أسلوبًا مقبولًا من أساليب الحرب.

إن تدميرَ البنية التحتية المائية الأثرية مثل خزانات أو ينابيع المياه التاريخية لا يَحرم المجتمعات المهمشة في المنطقة (ج) من المياه وحسب، بل يُدمر أيضًا مُكونًا مهمًا للتاريخ الفلسطيني وعلاقة المجتمع القديمة المتأصلة بالمصادر الطبيعية وإرث المصادر المدارة محليًا. ويسري الشيء نفسه على قطاع غزة، حيث تقتطع منطقة الحدود المحتلة نحو 17% من مساحة القطاع، وفي هذه الرقعة دُمِّرت 305 آبار زراعية بين عامي 2005 و2013. تضم هذه المنطقة العازلة والمنطقة (ج) غالبيةَ الأراضي الزراعية الفلسطينية، لذا فإن لاستهداف البنية التحتية المائية فيهما تداعيات واسعة على الإنتاج الاقتصادي وقدرة المجتمعات الفلسطينية على الاكتفاء ذاتيًا. وبسبب تدمير البنية التحتية المائية في الأراضي الزراعية، بات الفلسطينيون أكثر اعتمادًا على المساعدات والواردات، وبالطبع، على البضائع الإسرائيلية.

يتسبب تعذر الوصول إلى مصادر مائية منتظمة ونظيفة وموثوقة في تراجع الأنشطة الصناعية والزراعية والتجارية، وبالتالي الانهيار الاقتصادي. وهذا ينطبق بوجه خاص على الأنشطة الاقتصادية سريعة التأثر والمعتمدة على الموارد في فلسطين، مثل الزراعة. وفي ظل هذه الظروف، تبلغ مساحة الأراضي الزراعية المروية في الضفة الغربية 6.8% فقط، وهذه النسبة الصغيرة تُدرّ نصف المنتجات الزراعية في الأرض الفلسطينية المحتلة. ويشير هذا الرقم إلى الخسارة الهائلة في الفرص الاقتصادية في القطاع الزراعي، والتي تُعزى حصرًا إلى فقدان المياه بسبب القيود وأعمال الهدم الإسرائيلية. وبحسب التقديرات، تبلغ المكاسب الاقتصادية الضائعة 1.44 مليار دولار سنويًا.

تغيير العلاقة بالأرض

تعتمد العديد من المجتمعات المحلية على مصادر المياه الأساسية، مثل الآبار والينابيع وخزانات المياه، في تلبية الاحتياجات المحلية. وفي كثير من الأحيان تكون هذه البنية التحتية مبنيةً منذ عقود، أو حتى آلاف السنين، وهي بحاجة ماسّة للإصلاح والترميم. وتعاني المئات من هذه المجتمعات في الضفة الغربية من الضرر والتدمير المتعمد الذي يستهدف مصادرها المائية. فما فتئت قوات الجيش الإسرائيلي تستهدف خزانات مياه الأمطار والآبار وأنظمة الري وشبكات المياه المشيَّدة في الحقبة السابقة للعهد الروماني. لا تقتصر آثار تدمير البنية التحتية المائية على انتشار الأمراض، وانعدام ضروريات الحياة الأساسية، وفقدان الدخل أو فرص التنمية. فعلى المدى البعيد، يؤثر استهداف إسرائيل للبنية التحتية المائية تأثيرًا بالغًا في علاقة الفلسطينيين بأرضهم. فلمَّا تَحرم إسرائيلُ المزارعين من الماء، فإنها تدفعهم إلى الخروج من أرضهم. وحرمانُها الرعاةَ من الوصول إلى الآبار القديمة يقطع أرزاقهم ويستنضب فرص العمل في القرى الغنية بالموارد الطبيعية ويُفرغها من عائلاتها وتقاليدها. فليس مستغربًا، ضمن هذا النموذج من الحرب المائية، أن غور الأردن الغني بالمياه هو من أكثر المناطق تعرضًا للهجمات الغاشمة من حيث هدم البنية التحتية المائية.

يمكن القول بوضوح إن هنالك حربًا مائيةً ممنهجة تُشنُّ ضد السكان الفلسطينيين. وفي المدى البعيد، سوف تدمِّر هذه الحرب العلاقةَ العضويةَ بين المدن والبلدات والقرى ومصادر المياه المَحلية، وسوف تُحوِّل مصادر المياه من مصادر مُدارة محليًا إلى سلعةٍ تتحكم فيها إسرائيل. فسكان رام الله اليوم، مثلًا، باتوا يشترون مياههم من شركة مكوروت، شركة المياه المعيَّنة من الحكومة الإسرائيلية. وهكذا لم تعد المياه موردًا مجتمعيًا، وما انفك تسليعها على يد الاحتلال الإسرائيلي يُغيِّر شكلَ المجتمع الفلسطيني.

الضغط السياسي لحماية البنية التحتية المائية

يُعد تدمير البنية التحتية المائية ضربةً مباشرةً لمخططات التنمية البشرية الفلسطينية التي استهدفتها الجهات المانحة الدولية إبان العقدين الماضيين. فالمانحون ينفقون مليارات الدولارات على مشاريع المياه في قطاعٍ يمكن النظر إليه على أنه مدفوع بقوة الجهات المانحة. ويذهب جزءٌ كبير من هذه المليارات إلى حساب إعادة بناء البنية التحتية المائية المتضررة من عمليات القصف الإسرائيلية المتعاقبة. وأحيانًا تثني الكلفة المرتفعة لفاتورة إعادة التأهيل الوكالات المانحة عن إصلاح البنية التحتية. وهذا يتيح للمجتمعات مثل سوسيا في تلال الخليل الجنوبية والفارسية في غور الأردن (مجتمعات من البدو أو سكان الكهوف يبلغ تعداد كل منها بضع عشرات فقط) إمكانيةَ الحصول على الإغاثة الإنسانية الأكثر إلحاحًا فقط، والتي تكون كلفتها أقل. وحين تُبعِد القوات الإسرائيلية صهاريج المياه المؤقتة، فإنها قد تُستبدَل في نهاية المطاف، غير أن هذه الدورة تَحوُل على ما يبدو دون إيجاد حلٍ بعيد المدى لأزمات المياه التي تواجهها القرى.

يجب أن تتحول تدخلات الجهات المانحة في مجال المياه من تقديم الحلول المؤقتة إلى ممارسة الضغط السياسي الفاعل على إسرائيل كي توقف قواتها العسكرية عن تدمير البنية التحتية المائية لغايات استراتيجية. ويمكن بعدئذ استثمار المال في تطوير بنية تحتية على المدى البعيد تُمكِّن المجتمعات الفلسطينية سياسيًا على المستوى الشعبي، وتضمن حصولها على المياه النظيفة، وتسمح بتنمية القطاعين الصناعي والزراعي اقتصاديًا. وإذا أمكنَ تطمين الفلسطينيين ومجتمع المانحين بأن البنية التحتية محصنة من الهجمات الإسرائيلية، فستنقلب الحال على السياسة التي تركت الفلسطينيين بلا حولٍ ولا قوة.

وفي استهلال هذه العملية، أدانت سلطة المياه الفلسطينية بشدة تدميرَ خزانات المياه في الضفة الغربية. وقطعت شوطًا لا بأس به في توثيق الدمار، وقالت إن تصرفات إسرائيل تنتهك اتفاق لجنة المياه المشتركة المبرم سنة 2001. وهذه اللجنة أُنشئت كآلية لضمان حصول الفلسطينيين على المياه في الضفة الغربية من خلال برنامج لإدارة المياه يهدف إلى إبقاء "البنية التحتية المائية خارج دائرة العنف." ولكن بما أن اللجنةَ مشتركةٌ بين السلطة الفلسطينية ودولة الاحتلال، فإنها تظل في نهاية المطاف تحت سيطرة سلطة الاحتلال.

تعكف بعض المنظمات غير الحكومية ومنظمات المجتمع المدني على استكشاف طرقٍ بديلة لمحاسبة إسرائيل على انتهاكاتها في مجال المياه، وهي تحركات ينبغي النظر إليها كنموذج، ويمكن البناء عليها والانطلاق منها. يتعاون ائتلاف المياه والصرف الصحي والنظافة الصحية في حالات الطوارئ مع مؤسسة الحق الفلسطينية لحقوق الانسان لإعداد تقرير ورفعه إلى اللجنة المعنية بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. يوثِّق التقرير انتهاكات إسرائيل في قطاع المياه، ويحث على التحرك انطلاقًا من العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والذي وقعت إسرائيل عليه. غير أن ثمةَ حاجةً لبذل جهود أكثر كهذه من أجل التعبئة في هذا الاتجاه محليًا ودوليًا.

أمّا على صعيد المجتمع المحلي، فثمة نقصٌ عام في الوعي، وشعورٌ سائد بالعجز ازاء إحراز الحقوق المائية. ومن أجل التصدي لهذا الوضع، يتعين على قادة المجتمع المحلي أن يتبنوا الحقوق المائية باعتبارها عنصرًا مهمًا في نضالهم الشعبي ضد الاحتلال. وهذا يقتضي توعيةَ المجتمعات المحلية بشأن حقوقها والعملَ جماعيًا على توثيق الانتهاكات التي تطالها، والحشدَ الجماعي للمطالبة باتخاذ إجراءات. يساهم الاهتمام المنصب على أزمة المياه بغزة في تحفيز التحركات في الضفة الغربية، حيث نُظِّمت حملات لتوصيل المياه إلى السكان ولو رمزيًا. ويمكن توظيف هذه الجهود من أجل التوعية بحرب إسرائيل المنهجية على المياه، وتحفيز العمل في مواجهتها والسماح بتوصيل المياه العذبة إلى قطاع غزة.

وعلى المستوى الوطني والدولي، هناك حاجةٌ ملحة للدعوة إلى فضح انتهاكات الحقوق المائية في جميع المحافل، وبذل الجهود للانضمام إلى الحملات الشعبية العالمية الداعمة لحقوق الشعوب الأصلية في المياه. وعلاوةً على ذلك، يجب أن تكون سلطة المياه الفلسطينية ومجتمع المانحين الدوليين أكثر استنكارًا لانتهاكات المياه، وعليهم أن يحاسبوا إسرائيل على جرائمها.

وبالنظر إلى الوضع الحالي، يمكن اتخاذ تحركات إيجابية بالطرق التالية:

1) على المجتمع المدني أن:

  • يلفتَ الانتباه إلى الأضرار الناجمة عن استهداف البنية التحتية.
  • ينشئَ تحالفات لتأمين الدعم المتبادل.
  • يضعَ قاعدة بيانات شاملة ويديمها بخصوص تدمير البنية التحتية المائية، ويضع قوائم بالمتضررين من الدمار والتداعيات في المدى البعيد ويُحدِّثها.

2) على الحركات الشعبية أن:

  • تضعَ الحق في المياه على جدول الأعمال، ولا سيما في إطار لجان النضال الشعبي الفلسطينية، كي يحظى الحقُّ في المياه بموقعٍ في جدول الأعمال السياسي.
  • تنشئَ روابط مع المجتمعات المحلية الأصلية الأخرى التي تناضل من أجل تحقيق العدالة المياه.
  • توظِّفَ النضال لحماية المصادر المائية كمحورٍ للتعبئة والحشد في الحملات العالمية الأصلية.

3) على منظمة التحرير الفلسطينية/ السلطة الفلسطينية أن:

  • توثِّقَ الانتهاكات الإسرائيلية.
  • تُسخِّرَ صفتها كدولة مراقبة في الأمم المتحدة من أجل محاسبة إسرائيل من خلال المنظومة الأممية.

4) على الحكومات والمنظمات الحكومية الدولية الرئيسية، مثل الأمم المتحدة، أن:

  • تحاسبَ إسرائيل على جميع انتهاكاتها لحقوق الإنسان، ومن ضمنها الحق في المياه.
  • تُصرَّ على أن تعوِّضَ إسرائيلُ المانحين عن البنية التحتية التي دمرتها بعد أن أنشأتها الهيئات الدولية. ولا بد من المطالبة بتعويض المانحين عن استثماراتهم.

ملاحظات:

  1. تتوفر كافة إصدارات الشبكة باللغتين العربية والانجليزية (اضغط/ي هنا لمطالعة النص بالإنجليزية). لقراءة هذا النص باللغة الفرنسية، اضغط/ي هنا. تسعد الشبكة لتوفر هذه الترجمات وتشكر مدافعي حقوق الإنسان على هذا الجهد الدؤوب، وتؤكد على عدم مسؤوليتها عن أي اختلافات في المعنى في النص المترجم عن النص الأصلي.