ورقة سياساتيةسياسة

حماس 2015: ثلاثة تحدّيات جوهرية

Photo of boy with Hamas flag

لمحة عامة

يستعد رئيس المكتب السياسي لحركة المقاومة الإسلامية (حماس)، خالد مشعل، لزيارة مفصلية للعاصمة الايرانية طهران هذا الشهر كما صرح مؤخراً القيادي في حركة حماس أحمد يوسف. وتأتي هذه الزيارة في ظل المحاولات العديدة لحماس لإعادة تقييم أوضاعها الإقليمية في غمرة كل التغيرات مستمرة الحدوث على الساحات المختلفة. وثمة أصوات تحاجج بأن هذه "المناورات" الإقليمية لحماس تجري على حساب الساحة الداخلية الفلسطينية وأهمها ملف المصالحة الوطنية. كذلك تبدو حركة حماس مثقلة بالكثير من التحديات في العام 2015 والذي يجعلها عُرضة لتساؤلات داخلية وخارجية حول آلية تجاوز المرحلة وكيفية التعامل مع هذه التحديات.

تناقش هذه الورقة والتي أعدّها العضو السياساتي للشبكة بلال الشوبكي ثلاثة تحديات رئيسية من جملة التحديات الجمّة التي تواجهها حماس وهي: أولانكوص حماس عن تعديل ميثاقها في ظل إدراكها لنقاط ضعفه؛ ثانياً عدم تطويرها لاستراتيجية تنشئة بديلة عن استراتيجيتها التقليدية في الضفة الغربية المحتلة بعد الانتخابات التشريعية عام 2006، أو العمل على حل سياسي يعيد لها منابرها التقليدية؛ وثالثاً تلكؤ حماس في إعادة بناء شبكة علاقات إقليمية تحفظ لها كينونتها كحركة مقاومة قبل أن تكون حزباً سياسياً. ستقدّم الورقة السياساتية هذه إيضاحاً مركّزاً لهذه لتحديات الرئيسية في محاولة لتفكيك صورة حماس في العام 2015، بالإضافة إلى الإجابة عن أسئلة جوهرية، وهي: لماذا لا تُقدِم حماس على تعديل ميثاقها رغم محاولة التنصل منه؟ هل لدى حماس استراتيجية تجنيد بديلة في الضفة وكيف تحافظ على شعبيتها؟ هل من بديل مُكافئ لإيران وهل قُطعت كل الخطوط معها؟

ميثاق حماس والنقاش القديم الجديد

إنّ النقد الموجه لبنود ميثاق حركة حماس ليس بالجديد، بيد أن مشاركة حماس في الانتخابات التشريعية وفوزها فيها عام 2006 أعادت الميثاق إلى دائرة الضوء. فلم تعد مشاركتها في السلطة الفلسطينية احتواءً لها، بل أصبح هناك تخوّف من أن تحتوي حركة حماس السلطة ومؤسساتها. ولكن ما يتناساه العديد من المراقبين ومعظم الفاعلين السياسيين الداخليين والخارجيين يتمثل بأن خطاب حماس وسلوكها السياسيين لا تحددهما بالضرورة بنود الميثاق. إلا أنّ الحركة لم تتخذ أي خطوة واضحة وصريحة باتجاه مراجعة الميثاق وتعديله، فيما ظهر وكأنه شكل من التقدّيس لهذه الوثيقة.

كثيرة هي المؤشرات على تجاوز حركة حماس لميثاقها السياسي وإن كان ثمة جدل حول مدى قدرة حماس على تجاوز ميثاقها بشكل جذري دون أن تتجاوز كونها جزءا أصيلاً من حركة الإخوان المسلمين وأيديولوجيتها. ولكن على مستوى الخطاب السياسي يمكن الاستشهاد بما صدر عن رئيس المكتب السياسي لحماس خالد مشعل حول العلاقة مع الإخوان بما يتناقض مع بنود الميثاق، حيث قال: "نحن اليوم حركة تحرير وطني ليس لها علاقة بالإخوان المسلمين". عضو المكتب السياسي لحركة حماس موسى أبو مرزوق كان أكثر وضوحاً في الحديث عن الميثاق، حيث قال خلال مقابلة له مع صحيفة (ذي جويش ديلي فورورد) "إن الميثاق لا يحكم حركته، وإن هناك الكثير من أعضاء وكوادر الحركة الذين يتحدثون عن تغيير الميثاق، لأن هناك الكثير من سياسات حماس الحالية التي تتعارض مع ما هو مكتوب في الميثاق". التنصّل مما ورد في الميثاق لم يصدر فقط عن أعضاء مكتبها في الخارج، فغازي حمد القيادي في حماس والمقيم في غزة أكّد على أن الميثاق خاضع للنقاش والتقييم بهدف الانفتاح على دول العالم، وكذلك طالب سامي أبو زهري القيادي في حماس والمقيم في غزة بعدم التركيز على الميثاق، والحكم على حماس بناء على ما يصدر عن قيادييها من تصريحات.

إن كان الهدف تبيان التناقض ما بين الميثاق والقرارات فمجرد توقيع حماس على اتفاق القاهرة عام 2005 والذي يقضي بانضمام حماس لمنظمة التحرير الفلسطينية بعد إصلاحها يشكل تناقضاً صريحاً مع المادة السابعة والعشرين من الميثاق والتي تؤكد على أن الانخراط في منظمة التحرير يتطلب تبنيها للإسلام. أما مرحلة ما بعد تشكيل حماس الحكومة العاشرة عام 2006، فقد شهدت مجموعة متلاحقة من المواقف والتصريحات السياسية التي عمّقت الفجوة بين الميثاق وسلوك الحركة. فمشعل أورد الآتي في مقابلة مع (سي إن إن):” إنه ليس أمامنا إلا طريق من اثنين، إما وجود إرادة دولية من أمريكا وأوروبا والمجتمع الدولي تدفع إسرائيل إلى مسار السلام وإقامة دولة فلسطينية على حدود عام 1967 مع حق العودة، وهذا أمر محل توافق فلسطيني، أو أن تواصل إسرائيل رفض ذلك فنستمر في خيار مقاومتها." هذا التصريح يتناقض أيضاً مع البنود الواضحة في ميثاق حركة حماس.

بعد ذلك قبلت حركة حماس التوقيع على وثيقة الوفاق الوطني عام 2006 من أجل المصالحة الوطنية، علما أنها نصت على "تركيز المقاومة في حدود عام 1967" والذي يمثل "تراجعاً" آخر تمثل بوقف العمليات العسكرية داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1948. وفي العام 2007 وقعت حماس اتفاق مكة من أجل المصالحة الوطنية الفلسطينية، وهو ما تبعه قيادة حماس لحكومة تحترم الاتفاقيات التي وقعتها المنظمة، وفقاً لما جاء في "خطاب التكليف". ولكن مرة أخرى ومن أجل تبيان التناقض، فإن الميثاق لحركة حماس يعتبر التنازل عن أي جزء من فلسطين مخالفة للشريعة الإسلاميةـ ولا يمكن القبول به. ولكن حماس غضت الطرف عما ورد في خطاب التكليف، كما فعلت لاحقا في مناسبات عدة. لاحقاً ورغم تجذّر الانقسام الفلسطيني، أصدرت حماس بياناً رسمياً أوضحت فيه دعمها الكامل لرئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس في مسعاه من أجل حصول فلسطين على صفة دولة مراقب في الجمعية العامة للأمم المتحدة. علماً أن هذه الخطوة ترتكز أساساً على القبول بالقرارات الأممية السابقة بخصوص فلسطين، وهي قرارات مرفوضة وفقاً لميثاق حماس.

إذن، ما ذُكر أعلاه هو بعض من البراهين التي تدلل على التغيرات التي حدثت لحماس على مر الزمن، وبأن الميثاق لا يشكل إلاّ وثيقة تم تحييدها. وبالتالي فعلى النقاد والمراقبين وصنّاع القرار الحكم على حماس –خاصة فيما يتعلق بإسرائيل- من خلال أعمالها وليس من خلال ما هو مكتوب في ميثاقها منذ ما يقارب ثلاثة عقود.

لكن يبقى السؤال المطروح: لماذا لا تُقدم حماس على تعديل ميثاقها رغم كل هذه المؤشرات على التجاوز الفعلي له؟ من أهم الأسباب التي تمنع الحركة من تعديل ميثاقها يتمثل في الخوف من قاعدتها الجماهيرية المؤدلجة. فقد تم استمالة وتنشئة وتجنيد هذه القاعدة عبر خطاب إسلامي، وقد كانت أداة الاتصال تتمثل فيما عرف بشبكة الدعوة. المفردات الدينية لم تكن تقتصر على مجال التنشئة بل تجاوزته لتحاول حماس تقديم مواقفها السياسية لمؤيديها بصيغة تتضمن المفردات الدينية التي انقسمت في الغالب ما بين حلال وحرام. وبالتالي ورغم أن كون التربية الدينية السابقة للعضوية السياسية شكّلت أهم مقومات التماسك في الحركة، إلا أنها من جانب آخر أضحت عبئاً على الحركة حين لم يعد باستطاعة قيادة حماس تجاوز هذه المحددات الفقهية إذا ما فكّرت في تغيير مواقفها –المبرّرة دينياً- السابقة.

وعليه؛ فإن أي تراجع للحركة عن المواقف التقليدية المنسجمة مع التربية الدينية والمزاج العام داخل الحركة، سيخلق بؤر تساؤل حول مصداقية النخبة. التخوّف من تنامي بؤر التساؤل وتحولها إلى بؤر انشقاق ربما أو انسحاب لصالح تيارات إسلامية أخرى هو ما يفسّر إصرار الحركة على استخدام مصطلح (تركيز) بدل (حصر) المقاومة في أراضي عام 1967، كأحد بنود وثيقة الوفاق الوطني عام 2006. فكلمتي (تركيز واحترام) تتيحان المجال لتأويلات مقبولة على مستوى قاعدة الحركة.

حماس في تخوفها هذا لا تستند على توقعات بما يمكن أن يكون عليه حال جماهيرها ومناصريها، بل على تجربة واضحة لحركات الإسلام السياسي الفلسطينية منذ اتفاقية أوسلو على وجه الخصوص. يضاف إلى ذلك أنّه لا يوجد في حركة حماس شخصية قيادية بمقدورها اتخاذ قرار جذري كتعديل الميثاق دون أن يكون هناك احتمالية لانشقاقات في الحركة. هذه الأزمة على المستوى القيادي تعززت بتحول الكثير من قيادات الحركة التي طالما نظر إليها كشخصيات ثورية دينية تعيش نفس ظروف المجتمع إلى وزراء وبرلمانيين، ورغم ما عانته هذه الشخصيات قبل وبعد توليها هذه المناصب، إلا أن هذا لم يمنع من النظر إليهم كأصحاب مصالح مؤسساتية.

وبالتالي وفي ظل إصرار حماس على العمل ضمن نطاقات ثلاث، كحركة مقاومة وحركة اجتماعية وحزب سياسي، لا بدّ لها أن تراجع بجرأة بنود الميثاق، خصوصاً فيما يتعلق بدورها كحزب سياسي يسعى إلى السلطة، أو يعمل من أجل البقاء فيها، وهو ما يتطلب منها التمهيد لقاعدتها الجماهيرية. الأمر هنا لا يتعلق بمطالبة حماس بتقديم تنازلات لإسرائيل، وإنما بتعديل تلك البنود التي تتناقض مع خطابها السياسي، كالتعامل مع الصراع على أساس ديني، وفي اشتراط تبنّي المنظمة مرجعية إسلامية قبل الانضمام إليه مثلاً، وبذلك تحقق حماس قدراً معيناً من الانسجام بين أدبياتها وسلوكها وتخفّف من مقدار الضغط عليها من قبل أطراف فلسطينية ودولية. وما يجب أن يحفّز حماس على المضيّ قدماً في ذلك، إزالة صفة الإرهاب عنها من قبل المحكمة الأوروبية مؤخراً.

خسارة المنابر التقليدية لحماس في الضفة الغربية

يكمن التحدي الثاني لحماس بفقدانها لمنابرها التقليدية في الضفة الغربية المحتلة. فقد عُرِف عن حركة حماس بأنها تلجأ إلى أساليب في التنشئة السياسية والتجنيد تختلف عمّا هو معمول به لدى كثير من الفصائل الفلسطينية وخاصة حركة فتح. أحد أهم بؤر التنشئة السياسية لدى الحركة هي المساجد التي استخدمت للتربية الدينية المؤسِّسة للانتماء السياسي، فمن خلال العديد من الدورات التعليمية في مجالات متعددة في الشريعة الإسلامية والأنشطة الترفيهية يُوجَّه الطالب بحيث يصبح مهيئاً للانتماء إلى الحركة وذلك لانسجام ما يُقدّم للطالب مع ما تطرحه حماس من مبادئ وأفكار ومواقف سياسية واجتماعية.

بالإضافة إلى التربية الدينية من خلال المساجد ودور القرآن الكريم الملحقة بالمساجد، فإن حماس عملت على حشد أكبر عدد من المناصرين والأعضاء من خلال المؤسسات التعليمية التابعة لها، كتلك المؤسسات التعليمية التي استهدفت المراحل الابتدائية؛ حيث أدارت حماس الكثير من المدارس الخاصة والتي تقدم التعليم المجاني أو شبه المجاني كجزء من مؤسسات خيرية متعددة، ومن خلال الأساتذة المنتمين لحماس في الغالب. فمن خلال هذه المدارس تعمل حماس على تنشئة جيل منتمي لها عقائدياً ومستعداً للانخراط في صفوفها سياسياً. وهذا ما يفسّر مثلاً أن أعضاء الكتلة الإسلامية في الجامعات الفلسطينية يندمجون في صفوفها بشكل منظّم منذ لحظة دخولهم دون الحاجة إلى الاستقطاب في الجامعة.

كذلك فقد وسّعت حماس من دائرة المؤيدين لها من خلال تفاعلها مع المجتمع الفلسطيني كحركة اجتماعية بالإضافة إلى كونها فصيل سياسي أو حركة مقاومة. فقد عمدت إلى إنتاج العديد من المؤسسات الخيرية التي تقدّم خدمات للمواطنين في مجال الصحة والتعليم بالإضافة إلى المعونات الاقتصادية. وقد تلقى العديد من الناس خدمات من هذه المؤسسات دون أن يشترط انتماؤهم للحركة، وهو ما زاد من رصيد حماس الشعبي. وقد مثّلت لجان الزكاة والجمعيات الخيرية مثالاً حياً لفعالية هذه المؤسسات في كسب ود العامة والذي انعكس لاحقاً بالتأييد السياسي والتصويت في الانتخابات التشريعية والبلدية.

وبما أن الحركة تركّز على جيل الشباب وصغار السن؛ فقد أولت اهتماماً بالمؤسسات الرياضية والشبابية، فكان لها حضورها في الكثير من الأندية الرياضية والحركات الكشفية التي عملت كعنصر مساعد في عملية التنشئة، بل كانت نقاط جذب إلى المساجد. بالإضافة إلى ذلك، قدّمت حماس نفسها للجمهور الفلسطيني من خلال وسائل إعلامها الخاصة، التي تطوّرت من بيانات مطبوعة ورقياً إلى صحف وإذاعات وتلفزيونات محلية ثم مواقع الكترونية وفضائيات، وهو ما جعل أفكارها تصل إلى كل بيت فلسطيني وعربي أيضاً.

ولكن وبعد سيطرة حماس على قطاع غزة تعرّضت هذه الإمكانيات لانتكاسة غير مسبوقة في الضفة الغربية إلى الحد الذي يمكن القول فيه أن الحركة فقدت كافة منابرها التقليدية هناك –كالمساجد مثلاً-، ولم يعد بإمكانها توجيه أعضائها وأنصارها أو تجنيد أعضاء جدد. فبعيد الانتخابات التشريعية عام 2006، شنّت مجموعات مسلحة تابعة لحركة فتح هجوماً على كثير من مؤسسات حماس وصادرت محتوياتها. وقد أصبحت هذه الهجمات أكثر كثافة وعدوانية بعد سيطرة حماس على القطاع. في ذات الوقت كانت إسرائيل قد بدأت حرباً منظمة لإغلاق الكثير من مؤسسات حماس في الضفة الغربية أو مصادرة محتوياتها أو اعتقال القائمين عليها، و بلغت ذروة هذه الاعتداءات الإسرائيلية في عام 2008. أضف إلى ذلك كافة الحملات والمضايقات الأمنية التي تنفذها الأجهزة الأمنية الفلسطينية في الضفة الغربية وما ينتج عنها من انتهاكات لحقوق الإنسان.

وبالتالي وبعد سنوات من الانقسام الفلسطيني، وجدت حماس نفسها في الضفة الغربية دون مؤسسات تقريباً، حتى المساجد التي مثّلت البؤرة الأهم للحركة من خلال تأسيس ما عرف بالأسر الدينية، لم تعد تحت سيطرة الحركة. فقد فُرضت رقابة شديدة على هذه المساجد والمؤسسات التعليمية والثقافية التابعة لها، وتم تغيير الكثير من العاملين فيها، ولم يعد بالإمكان القيام بأي نشاط دون تصريح من وزارة الأوقاف. هذه الوزارة التي أسندت حقيبتها في مرحلة لاحقة إلى واحدة من أكثر الشخصيات عداءً لحماس وهو محمود الهبّاش. وقد وصل الأمر في السيطرة على المساجد إلى فرض خطبة موحدة على المساجد في يوم الجمعة من الوزارة المعنية.

وبالرغم من فقدان حماس للعديد من مؤسساتها الحيوية ومنابرها التقليدية للتنشئة السياسية والاستقطاب، إلاّ أن آثار هذه الخسارة بدأت تنعكس على بنية الحركة مؤخراً بشكل جلي. ومن أجل تدارك هذه القضية يبدو أن حماس 2015 قد لجأت لوسائل أخرى "عصرية" كشبكات التواصل الاجتماعي والفضائيات. إلاّ أن الملاحظ في هذه الوسائل أنها وسائل استقطاب أكثر من كونها وسائل تنشئة وتجنيد. كل ما يمكن أن تفعله هذه الوسائل هو حشد المناصرين في الحالات التي يركّز فيها إعلام حماس على الإنجازات وخاصة في المجال العسكري، أو في حشد المتعاطفين حين يركّز إعلام الحركة على ما تتعرض له من اعتداءات إسرائيلية وخصوصاً في قطاع غزة. إذن؛ فالسؤال الذي يبقى برسم الإجابة يتعلق بقدرة هذه الوسائل على ضمان مناصرة جماهيرية مستمرة للحركة، وبقدرة هذه الوسائل على ضمان انضباط أعضاء الحركة وهي الميزة التي اتسمت بها حماس كتنظيم منذ نشأتها.

كل هذا يؤشر إلى أن حركة حماس -وبالرغم من حفاظها على رصيد شعبي منافس لحركة فتح- تفقد كل يوم عنصر محتمل، فيما يشبه بلغة السوق خسارة الربح المفترض من الاستثمارات المجمّدة، واستثمارات حماس المجمّدة تتمثل في مؤسساتها، وخسارتها المؤكدة تتمثل في العناصر الذين قررّوا الابتعاد عن الحركة أو تأييدها. هذا التحدّي يضع حماس أمام معادلة وجودية في الضفة الغربية، وتزداد حدّته مع محاولة الترويج لتيارات سياسية إسلامية مستحدثة أو قائمة، ناهيك عن محاولات استخدام الخطاب الديني لحركات سياسية ذات توجه "علماني" كفتح أو حتى بعض الأحزاب اليسارية من أجل جذب من يحبذّون هذا الخطاب في محاولة لاستقطابهم. هذا التحدّي لا يمكن أن يزول دون استعادة حماس قدرتها على تفعيل مؤسسات التنشئة التقليدية. وهذا بدوره لن يحصل أبداً في ظل البنية الأمنية الحالية في الضفة الغربية، بما يعني أيضاً ضرورة إنهاء الانقسام الفلسطيني على أسس وطنية واستعادة اللُحمة الوطنية.

إشكالية تأمين حاضنة إقليمية

تأسيساً على حقيقة تداخل القضية الفلسطينية مع كثير من الملفات الإقليمية، وعلى تدخل الكثير من القوى الإقليمية والدولية في الشأن الفلسطيني، كان لحماس أعضاء مكتبها السياسي في الخارج، والذين عملوا أساساً على الحديث والتفاوض باسم الحركة مع كافة الأطراف خارج فلسطين، وحشد الرأي العام العربي والإسلامي لصالح الحركة، وتجنيد الأموال والدعم اللوجستي للحركة.

ولكن العصر الذهبي لحماس في الخارج، وفي سوريا تحديداً، انتهى مع وضوح موقف حماس من الثورة السورية. إذ دفعت ثمن موقفها المُعارض لسياسات الأسد بالخروج من سوريا، وفقدان كل ما بنته على مدار سنوات هناك. وتجاوز الأمر ذلك حين خسرت أيضاً الدعم الإيراني الذي مثّل العامل الأبرز في تطوير قدرات حماس وتنامي إمكانياتها في داخل فلسطين وخارجها. ورغم أن الحركة أبقت على خطوط تواصل مع حزب الله، إلا أن خسارتها لأكبر حليف لها شكّلت نكسة غير مسبوقة للحركة.

تعمّقت أزمة حماس على الصعيد الخارجي، حين تبيّن أن الإخوان المسلمين في كلّ من مصر وتونس أضعف من أن يشكلوا حاضنة إقليمية للحركة، وسرعان ما فقدت حماس حالة الاسترخاء التي ترافقت مع اعتلاء مرسي لكرسي الرئاسة في مصر وتقدّم النهضة في تونس، حيث كانت النتيجة أن فقد الإخوان مواقع القيادة في البلدين بأدوات مختلفة، لتجد الحركة نفسها محتضنة من دول أخرى أهمها قطر وتركيا.

وقطر وتركيا وبحكم ما لهما من ارتباطات مع أميركا والغرب عموماً وإسرائيل لا يمكنهما أن تشكلا بديلاً مغرياً لحماس عن سوريا وإيران وحزب الله. فوجود حماس في هذه البلدان يعني مزيداً من الضغط على الحركة، وإن بقاء أعضاء المكتب السياسي في هذه الدول لن يكون مستقرّاً وقد ينقلب الحال في أيّ صفقة إقليمية، كما حدث مع رموز الإخوان الذين خرجوا من قطر صبيحة يوم 12 سبتمبر 2014، بعد أن احتوتهم لمدة قصيرة. أو كما ترددت الأخبار –رغم نفيها- بداية هذا العام حول نية النظام القطري طرد خالد مشعل وقيادة حماس من أراضيها. أو نتاجاً لضغوطات إسرائيلية مكثفة كالتي بدأت ضد تركيا حين اشتكتها إسرائيل لحلف الناتو بعد اتهامها باحتواء خلايا أمنية بقيادة القيادي في حماس صالح العاروري.

ولكن يبدو أن أقطاباً في حماس كانت تدرك جيداً خطورة هذا التحدّي، فعمدت إلى إبقاء التواصل مع إيران رغم الموقف من سوريا وظهر هذا بشكل واضح بعد زيارة هنية لطهران في 2012. وهو ما فُسّر حينها بانقسام في صفوف قيادة حماس، بحيث كان هناك المؤيد للبقاء في قطر والمؤيد لاستعادة العلاقة مع إيران. وبغض النظر عن حقيقة هذا الانقسام، إلا أنّ وجود هذا الخلاف في وجهات النظر (الحقيقي أو المفتعل) قد ساهم في إبقاء شعرة معاوية التي ربطت بين إيران وحماس. حتى فترة قريبة كان الحضور أقوى لأولئك الداعين لتعزيز العلاقة مع قطر وتركيا، إلاّ أن الأمور بدأت تنقلب لصالح الرؤية القائلة بضرورة ترميم العلاقة مع إيران، ليتبين أن التواصل مع إيران لم ينقطع نهائياً من خلال وسطاء في حزب الله والجهاد الإسلامي.

وقد بلغت محاولات ترميم العلاقات ذروتها مؤخراً بعد إقدام وفد رفيع المستوى من حماس على زيارة إيران في كانون الأول/ديسمبر 2014، وقد كان على رأس هذا الوفد محمد نصر عضو المكتب السياسي لحماس وأسامة حمدان المكلف بالشؤون الدولية، وممثل الحركة في إيران خالد القدومي. وبالرغم من أنّه لم يتمخض عن اللقاء معلومات تفصيلية تمكّن من تقدير مستوى العلاقة، إلا أن الزيارة بحد ذاتها تمثل استدراكاً حمساوياً لسياستها، وتفتح المجال لدراسة استعادة العلاقة بوهجها السابق. معظم القراءات ركّزت على طرف واحد من المعادلة، وهو حماس وحاجتها إلى وصال جديد مع إيران يضمن تدفّقاً جديداً للأموال والدعم التقني والعسكري. إلاّ أن القراءة يجب أن تمتد لتصل إلى الطرف الآخر المتمثل في إيران وحاجة هذا الطرف للعلاقة مع حماس.

وبالرغم من تحفّظ المكتب السياسي لحماس في الحديث بإسهاب عن طبيعة العلاقة مع إيران أو قطر وتركيا، إلاّ أن مداخلات الحركة في كثير من الوسائل الإعلامية تعكس تخوّفاً من نكسة أخرى، وهو ما يزيد من فرضية بحث حماس عن بدائل. هذه البدائل قد تكون في استعادة إيران كحليف أو في البحث عن مقرات أخرى في حال انهيار العلاقة مع قطر وتركيا. فقد أكّد مسؤول في حماس أن" تقلبات المواقف السياسية في المنطقة تجعلنا مستعدين لأي سيناريو، ولو كان مستبعداً، ونحن نمتلك علاقات قوية مع العديد من الدول العربية، بما فيها تونس، السودان، اليمن". ولكن وكما ورد في ذات التقرير ونقلاً عمّا يدور في أروقة الحركة، فإن "تنقل القيادة بين فترة وأخرى من بلد إلى آخر يجعلها في حالة إرباك سياسي وإداري على حد سواء."

هذا الإرباك يشير بوضوح إلى أن حماس ستعود لا محالة إلى نسج شبكة علاقاتها القديمة مع إيران. وهذا ما أكده مؤخراً القيادي في حماس بقوله أن "هناك وعودا طيبة بعودة الدعم الايراني لحركة حماس، لتعزيز صمود المقاومة الفلسطينية وامكانياتها". فالخيارات الأخرى غير مريحة، إذ أن السودان دولة هشّة أمنياً بشكل لا يمكن أن تمثل نقطة جذب لحماس، وتطورات المشهد اليمني لا تسمح بالحديث عن هكذا خطوات، أما الحال في تونس فقد تغيّر جذرياً بعد الانتخابات البرلمانية والرئاسية الأخيرة. هذا مضافاً إلى عودة الجفاء بين حماس والنظام الأردني بعد محاولة تلطيف الأجواء بوساطة قطرية، وتجذّر حكم السيسي في مصر التي تتعامل مع حماس كحركة محظورة بجناح عسكري إرهابي.

المؤشرات الأخيرة، بدئاً من الغزل المتبادل بين الجهاد الإسلامي وحماس، وزيارة وفد حماس إلى طهران، وتصريحات مشعل حول عدم انقطاع العلاقة مع طهران، واعتراف حماس على لسان القيادي في حماس محمود الزهار بدعم إيران لها، وبأن لها فضل كبير فيما حققته الحركة في الحرب الأخيرة، وشكر أبو عبيدة الناطق باسم كتائب عز الدين القسام –الجناح العسكري لحركة حماس- لجمهورية إيران كما شكر قطر وتركيا من على منصة احتفال حماس المركزي بذكرى الانطلاقة بكانون الأول 2014، كلها تقود إلى نفس الاستنتاج أن حماس بدأت مراجعة شبكة علاقاتها الخارجية. حماس في هذه المرحلة تحديداً أمام اختبار توازن، يضمن النجاح فيه بقاء علاقة مميزة مع قطر وتركيا كدول مفتاحية في المنطقة دون أن تشكل هاتان الدولتان بديلاً عن الحليف الأهم وهو إيران. مع بقاء الباب مفتوحاً لمزيد من التبعات إن نجحت واستمرت المصالحة القطرية – المصرية، أو تغيرت سياسة المملكة العربية السعودية بعد تولّي الملك سلمان للحكم.

ختاماً، تخلص هذه الورقة السياساتية بأن تخوّف حماس من ردّة فعل أنصارها على أي تعديل للميثاق في ظل بنيتها التنظيمية الحالية ونوعية نخبها وعلاقاتها الإقليمية تحول دون إقدامها على التعديل. كذلك ورغم محافظة حماس على قاعدة جماهيرية منافسة لحركة فتح في الضفة الغربية -مع أنها فقدت العديد من منابرها التقليدية-، إلاّ أن الحركة لا تمتلك ضمانات بقاء الحال على ما هو عليه في ظل تراكم خسارتها. وهذا يشكل تهديداً استراتيجياً لها في ظل اعتمادها على وسائل استقطاب قد تحقق التفافاً جماهيرياً آنياً. وهذا بدوره يستدعي بحثها في تطوير وسائل تنشئة مغايرة أو العمل على حل سياسي يضمن لها استعادة بعض أو كل مؤسساتها في الضفة الغربية المحتلة. أما فيما يتعلق بإشكالية تأمين حاضنة إقليمية، فيبدو أن حماس تتوخى المزيد من الحذر في علاقتها مع تركيا وقطر في ضوء المؤشرات على تبدل مواقفهما في أي صفقة إقليمية قادمة وهو ما يفسر محاولة استعادة العلاقة مع إيران دون أن تتخلى عن علاقاتها مع الدولتين –تركيا وقطر.