تعقيبسياسة

الجغرافيا السياسية في تبادل الأسرى بين إسرائيل وحماس

ركزت معظم التحليلات التي تناولت تبادل الأسرى بين إسرائيل وحركة حماس على الفوائد والتحديات بالنسبة لحكومة غزة بقيادة حماس، ولإسرائيل، وللسلطة الفلسطينية بقيادة حركة فتح في رام الله. غير أنه ينبغي النظر أيضًا إلى تبادل الأسرى على ضوء المساعي التي يبذلها كل فاعلٍ من الفاعلين لاتخاذ موقع في الجغرافيا السياسية المتغيرة في المنطقة مع نظرةٍ على المستقبل.
ً

فبالنسبة لرئيس الوزارء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو، لم يكن تبادل الأسرى مجرد محاولةٍ لكسب الشعبية في الداخل والتغلب على العزلة في الخارج. بل كان أيضًا بادرةَ حسن نية تجاه تركيا التي لا تزال مغتاظةً منذ الهجوم على أسطول الحرية في أيار/مايو 2010 وبسبب غطرسة إسرائيل الرافضة لتقديم اعتذار رسمي.

وكان تبادل الأسرى كذلك غصن الزيتون الإسرائيلي إلى مصر بعد أن قتل جنود إسرائيليون ستة جنود مصريين في آب/أغسطس. والأهم أن تبادل الأسرى كان محاولةً للتقرّب من المجلس الأعلى للقوات المسلحة المصري واستعادة العلاقة التعاونية والتواطؤيَّة التي كانت قائمة مع نظام مبارك في السنين الخالية. ولعلّ التبادل ينمّ أيضًا عن وعي إسرائيلي بأن أي حكومة مصرية مستقبلية قد تكون أكثر عدائية وبأنه من الأفضل لها أن تتفاوض مع المجلس الأعلى للقوات المسلحة عوضًا عن الانتظار لفترةٍ أطول.

وبالنسبة للمجلس الأعلى للقوات المسلحة المصري، فقد كان تواقًا للخلاص من أسبوعٍ دامٍ تخلله احتجاجٌ انقلب إلى مذبحة ذهب ضحيتها أكثر من عشرين مدنيًا مصريًا كثيرٌ منهم أقباط. إنّ نجاح المجلس الأعلى للقوات المسلحة في التوسط في إطلاق سراح الأسرى ساعده في إرساء شرعيته من جديد محليًا وإقليميًا. كما إن مصر منخرطةٌ في صفقةٍ تخصها لتبادل الأسرى تنطوي على إطلاق سراح الإسرائيلي-الأمريكي إيلان غرابيل، المحتجز منذ حزيران/تموز، مقابل إطلاق سراح 22 مصريًا من السجون الإسرائيلية.
وبالمثل، كانت سوريا، التي قبلت باستقبال نحو 15 مُبعدًا، سعيدةً بإشاحة الأضواء بعيدًا عن الانتفاضة الشعبية التي ما فتئ الرئيس بشار الأسد يقمعها بوحشية متزايدة.

تركيا، أيضًا، فتحت أبوابها لبعض الأسرى الفلسطينيين المحرَّرين. ولعبت دورًا أساسيًا في التوسط في تبادل الأسرى بوصفها طرفًا وسيطًا بين الجانبين. ولا تخفى رغبة تركيا في لعب دورٍ أكثر هيمنةً في الشرق الأوسط الجديد، بحيث تحل محل الوسطاء التقليديين مثل مصر، ولا يخفى أن هناك الكثير من الفلسطينيين، على الأقل في غزة، ممن يرحبون بذلك بأذرع مفتوحة. فأردوغان يحظى بالفعل بشعبية واسعة في غزة.

وعقب تبادل الأسرى، تلقت أنقرة إشادةً علنيةً بجهودها من شيمون بيريز. وسعيًا لاغتنام هذا الزخم وبذل جهدٍ أكبر للحد من الضرر، قال إيهود باراك يوم الأربعاء واصفًا مساعدات الإغاثة الإسرائيلية المتمثلة في البيوت المتنقلة المرسلة إلى المناطق الشرقية من تركيا التي ضربها الزلزال والتي تقطنها أغلبية كردية بأنها محاولة "لفتح صفحة جديدة" في علاقتهما المتوترة.

وفي نهاية المطاف، استخدمت إسرائيل صفقة شاليط لخدمة جميع الأطراف مع إعطاء مصر النصيب الأكبر. فإسرائيل لا تزال تفضل مصر المتعاونة التي يمكن التنبؤ بها والخاضعة لسيطرتها على تركيا ذات النفوذ والهيمنة الأكبر.

فما هي آثار تبادل الأسرى على المدى البعيد داخليًا؟ هل سيفرض البُعد الإقليمي مثلثي قوى، مثلث إسرائيل-حماس-مصر ومثلث إسرائيل-فتح-الولايات المتحدة، تكون إسرائيل في كليهما طرفًا مسيطرًا، أم هل سيعمل على المقاربة بين حركتي حماس وفتح؟ تكمن الإجابة على هذا التساؤل لدى الفلسطينيين أنفسهم. لقد أثبتت حماس، في خضمّ خيبة الأمل المتنامية في حكمها الصارم وعرضتها لفقدان الأهمية، بأنها لا تزال قوةً يُحسب حسابها. فقد كان يُظنُّ أن عميلًا ما، عاجلًا أم آجلًا، سيُقدم معلومات عن مكان جلعاد شاليط ويُهرول لأخذ نصيبه من جائزة "العشرة ملايين دولار" التي روجت لها بانتظام قوات الدفاع (أو بالأحرى الاحتلال) الإسرائيلية عبر مكالمات آلية مفعمة بالروح العالية، أو كان يُظنُّ بأن الجيش الإسرائيلي سوف يعثر عليه. إلا أن مكان شاليط ظل لخمس سنوات السرّ الأخفى في غزة، حتى إن كبار قادة حماس لم يطّلعوا عليه، ولعله الإنجاز الأكبر لكتائب عز الدين القسام.

لقد كان تبادل الأسرى، في بعض الأوجه، شبيهًا بالنصر الذي حققته حماس عندما أمَّنت إطلاق سراح مراسل هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي)، آلان جونستون، الذي اختطفته عصابات مسلحة قبل أن تدحر حركةُ حماس حركةَ فتح من غزة في عام 2007. فقد أظهرت حماس، من خلال تأمين الإفراج عنه، بأنها كانت قادرةً على فرض القانون والنظام في وقت كانت تحتاج فيه لمجابهة صور المعارك الطاحنة. وبإطلاق سراح شاليط، برزت حماس كقوةٍ منضبطةٍ قادرةٍ على الإمساك بجندي إسرائيلي، والاحتفاظ به أسيرًا، والمفاوضة على إطلاق سراحه لقاءَ ثمن باهظ مفاوضةَ الأنداد. وفي كلتا الحالتين، أثبتت حماس بأنها عصيةٌ على التهميش والتغييب.

أكّد زعيم حركة حماس، خالد مشعل، بأنه لا علاقةَ لاتفاق تبادل الأسرى بالسياسة الحزبية الضيقة، ووصف عملية التبادل بأنها "إنجازٌ وطني." أمّا مروان بشارة، المحلل السياسي بقناة الجزيرة، فقد وصف الأسرى المحررين بأنهم "الوجوه المفقودة في هذا الصراع" نظرًا لطول المدة التي قضوها في السجن جراء مقاومتهم الاحتلال. بيد أنه من الصعب أن لا ينظر المرء إلى إطلاق سراح الأسرى على أنه ردُّ حماس على مسعى رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس، المروَّج له بشدة، للحصول على عضويةٍ لدولة فلسطين في الأمم المتحدة. لقد كان توقيت تبادل الأسرى سيئًا لحركة فتح. فالزخم المنبثق من مسعى نيل العضوية في الأمم المتحدة والآخذ بالتبدد سريعًا لم يعد يعمل على تعزيز شعبية ذلك المسعى في خضمّ الإحباط الفلسطيني المتنامي الناجم من انعدام الرؤية الموحدة والحكومة الممثلة الخاضعة للمساءلة.

ورغم أن معظم الفلسطينيين ينظرون إلى تبادل الأسرى كانتصار مدوٍ لحماس وإنجازٍ ينمُّ عن براعتها وقوتها، فإن حماس تتعرض لانتقادات لعجزها عن تأمين إطلاق سراح أسماءٍ كبار مثل مروان البرغوثي القيادي المعروف في حركة فتح، وأحمد سعدات الأمين العام للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين. وعلاوةً على ذلك، ما زال هناك 5000 إلى 8000 أسير فلسطيني يقبعون في المعتقلات الإسرائيلية، والكثير منهم محتجزٌ دون تهمة. كما ركزت الانتقادات التي طالت صفقة التبادل على التحالفات الضبابية التي أرستها الصفقة تحت السطح، وعلى الالتهاء والغفلة عن الاستعمار الإسرائيلي المستمر بلا هوادة. ففي اليوم ذاته الذي وافقت فيه الحكومة الإسرائيلية على الصفقة، أعلن نتانياهو بأنه قرَّر تشكيل لجنة غايتها إيجاد وسيلة لشرعنة بناء المواقع الاستيطانية غير القانونية على الأراضي الفلسطينية الخاصة، وأعلن كذلك بناء 2200 "وحدة سكنية" استيطانية جديدة خالصة لليهود في القدس الشرقية المحتلة.

وعلاوةً على ذلك، وإنْ كان جلعاد شاليط حرًا، فإن قطاع غزة لا يزال تحت الحصار المتناميةِ حدتُه منذ العام 1991. لقد لقيت صفقة تبادل الأسرى ترحيبًا من حشودٍ مبتهجة في قطاع غزة المحاصر الذي يتحين أي خبرٍ سار لأخذ فترة استراحة من الكآبة المقيمة. غير أن الناس مدركون بأن حماس قد تخلت الآن عن بطاقتها الوحيدة. ورغم أن إسرائيل قد "خففت" ظاهريًا الحصار عقب هجومها في أيار/مايو 2010 على أسطول الحرية وقتلها تسعة مدنيين، هم ثمانية أتراك وأمريكي من أصل تركي، ورغم أن صفقة شاليط تفترض مزيدًا من التخفيف، فإن الأمم المتحدة والمنظمات غير الحكومية الدولية تقول إن التغيرات الحقيقية على أرض الواقع تتراوح بين طفيفة ومعدومة. فلا تزال إسرائيل تحظر دخول مواد البناء إلى القطاع وتحظر تصدير منتجاته وخروج طلابه لغرض الدراسة في جامعات الضفة الغربية أو الالتحاق بأقربائهم هناك.

تفيد التقارير بأن عباس ومشعل سيلتقيان في تشرين الثاني/نوفمبر لكسر الجمود في اتفاق المصالحة بين فتح وحماس الذي توصل إليه الطرفان في أيار/مايو ولكن لم يُنفذاه. أمّا السؤال المطروح الآن فهو عن احتمال وسُبل توظيف النصر المتمثل في إطلاق سراح الأسرى بُغية تحقيق أهداف أكبر وهي تحرير بقية الأسرى الفلسطينيين، وإنهاء الحصار الإسرائيلي المفروض على قطاع غزة مرةً وللأبد، والانسحاب من الضفة الغربية والقدس الشرقية، والأهم من ذلك، إنجاز الوحدة الفلسطينية تحت راية قيادة وطنية ممثلة جديدة. وإذا لم تتحقق هذه الأهداف، فإن صفقة شاليط لن تعدو أكثر من إنجاز آخر يُضاف إلى تاريخ الفصائل.

October 18: Join Al-Shabaka’s Next Policy Lab
LIVE Online!

Palestinian Narrative: How Do We Build A Strategy?

with Al-Shabaka analysts Tamara Ben-Halim, Hazem Jamjoum,
and Amjad Iraqi