“اللوبي – الولايات المتحدة الأمريكية”: دروس وعِبر لحركة التضامن مع فلسطين

فرغت قناة الجزيرة في تشرين الأول/أكتوبر من إعداد الفيلم الوثائقي "اللوبي - الولايات المتحدة الأمريكية"، وهو تحقيقٌ استقصائي سري يتناول مدى النفوذ الإسرائيلي في الولايات المتحدة، بيد أن الوثائقي لم يُعرض قط. وبالرغم من أن المدير العام لشبكة الجزيرة عزا التأخير إلى مسائل قانونية عالقة، إلا أن صحفيين كُثر، ومنهم مَن شاركَ في إعداد هذا الوثائقي، قالوا إن قطر حظرت عرضه - على الأرجح بسبب ضغط أمريكي ورغبة قطرية في التزلُّف إلى واشنطن. (عرضت الجزيرة في كانون الثاني/يناير 2017 وثائقيًا عن النفوذ الإسرائيلي في المملكة المتحدة وكان بعنوان "اللوبي"). 1

والآن، لم تعد النسخة الأمريكية من الوثائقي طي الكتمان. فقد نُشر الوثائقي المسرب في الشهر الماضي على موقع الانتفاضة الإلكترونية،  وموقع مجلة  أوريان21 الفرنسية وصحيفة الأخبار اللبنانية اللتين اضطلعتا بترجمة الوثائقي إلى اللغتين الفرنسية والعربية على التوالي. يُظهر الوثائقي بأجزائه الأربعة ومن خلال صحفي الجزيرة المُتخفي "توني" كيف أن وزارة الشؤون الاستراتيجية والاعلام الإسرائيلية تعمل مع منظمات أمريكية من قبيل مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات والتحالف من أجل إسرائيل في الجامعات لتنفيذ الاجندة الإسرائيلية ومن جملتها محاربة حركة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات.

يكشف الفيلم الوثائقي ولأول مرة ثريًا إسرائيليًا أمريكيًا يُدعى آدم ميلستاين، وهو مؤسس وممول موقع "كناري ميشن" الذي يُشهِّر وينال من سمعة طلاب الجامعات وأعضاء هيئات التدريس الداعمين لحركة المقاطعة والحقوق الفلسطينية. ويكشف الوثائقي أيضًا عن العمل المشترك بين التحالف من أجل إسرائيل في الجامعات وموقع كناري ميشن باستخدام نُظم مراقبة واسعة النطاق لمسح وسائل التواصل الاجتماعي بحثًا عن مواد مهمة من قبيل الانشطة والفعاليات المؤيدة لفلسطين، ومن ثم الانخراط في استهداف ومضايقة النشطاء والمناصرين من افراد ومنظمات.

"أثبت الوثائقي صحة الكثير من شكوكنا... وهو يعرض أدلةً مُلجِمة تبين أن الحكومة الإسرائيلية تعكف على إدارة حملة تشهير تستهدف افراد في الولايات المتحدة والإضرار بهم وقمعهم بسبب ممارستهم حقوقهم الدستورية - وهي تفعل ذلك بالتآمر مع أفراد ومنظمات يعملون كوكلاء غير مسجلين لسلطة أجنبية،" يقول المؤسس المشارك لموقع الانتفاضة الإلكترونية والمستشار السياساتي في الشبكة علي أبو نعمه.

ولمناقشة تداعيات هذا الفيلم الوثائقي وماهية الدروس المستفادة لحركة التضامن مع فلسطين أجرت الشبكة مؤخرًا الحوارً التالي مع أبو نعمه.

التشهير المستهدَف هو استراتيجية أساسية تنتهجها المنظمات العاملة مع الحكومة الإسرائيلية. ماذا يخبرنا الوثائقي عن هذا الأسلوب؟

من الحالات المقلقة والمربكة التي واجهتنا ما حدث للبروفيسور "بيل مولين" الأستاذ في جامعة بيردو في ولاية إنديانا، حيث تعرض لاتهامات باطلة بارتكاب التحرش الجنسي من مواقع إلكترونية مجهولة. وفي حين لم يتسنَّ ربط المواقع الإلكترونية التي تتهم البرفسور مولين بمنظمة محددة أو فرد بعينه، إلا أننا نجزم بأن مُنشئ هذه المواقع شخصٌ أو جهة واحدة. وهذا الأسلوب يُطابق ما وصفه هؤلاء الذين يعملون لمصلحة منظمات اللوبي الإسرائيلي في الوثائقي، ألا وهو تشويه سمعة الأشخاص بواسطة مواقع إلكترونية مجهولة كوسيلة حرب نفسية لثنيهم عن عملهم في مناصرة فلسطين. والتهمة المستخدمة في تشويه السمعة ليست اعتباطية بل تُنتقى على أساس استراتيجي: مولين بروفيسور من العرق الأبيض ومن فئة عمرية معينة، أي أنه من فئة يمكن أن يلصق بها اتهامٌ كهذا. استهدفت تلك المواقع الإلكترونية أيضًا فتاةً مسلمة في جامعة بيردو، وروجت كذباً شائعات بأنها تشرب الخمور، وترتاد الحفلات، وتجامع الرجال. ومن الواضح جدًا أن هذه المنظمات لا تنوي التوقف عند أي حد في سبيل إسكات المدافعين عن حقوق الفلسطينيين.

أغلب الداعمين لإسرائيل في الولايات المتحدة ليسوا يهودًا، بل مسيحيين Click To Tweet

كيف استجابت وسائل الإعلام الرئيسية لتسريب الوثائقي "اللوبي - الولايات المتحدة الأمريكية"؟

لم تتطرق وسائل الإعلام الرئيسية له قط. وأنا أجد هذا الصمت عجيبًا. فالتسريب مادة إخبارية بغض النظر عن مضمون الفيلم. تخيلوا لو كان الفيلم المسرَّب عن النفوذ والضغط الروسي، لتصدَّر الخبر الصفحات الأولى وعناوين النشرات في وسائل الإعلام الأمريكية. أمّا جماعات الضغط الإسرائيلية فقد التزمت الصمت عمومًا، وتلك استراتيجيتها المثلى، لأنه ما مِن طريقة للفلفة ما قيل في الوثائقي أو تبريره؛ لذا فإن التزام الهدوء والدعاء حتى تزول المحنة هو أسلوبها الأمثل. ولكن الخبر الجيد هو أن الكثير من الناس يشاهدون الوثائقي، وعلى مدى الأسابيع والأشهر وربما السنوات المقبلة سيكون قد شاهده الملايين.

اخترق "توني" عددًا من المنظمات اليهودية، ولكن ما لا يدركه المشاهد هو دور المسيحية الصهيونية والدعم المسيحي لإسرائيل في الولايات المتحدة.

إن من الخطأ أن يستنتج المشاهد من هذا الفيلم بأن جماعات يهودية قليلة فقط تمتلك نفوذًا أكبر من حجمها، فهذا الطرح يمكن أن ينحدر إلى سردٍ لا يساعد القضية أو إلى سردٍ يُضفي مصداقية على نظريات المؤامرة. وهذه هي الطريقة التي تروج لها تلك الجماعات في تعاملها مع الوثائقي. فهم يدَّعون كذبًا على سبيل المثال بأن شبكة الجزيرة أنتجت وثائقيًا عن "اللوبي اليهودي،" بالرغم من أن الفيلم لا يستخدم لغةً كهذه مطلقًا. إن ما تفعله منظمات من قبيل منظمة مشروع إسرائيل والتحالف من أجل إسرائيل في الجامعات ما هو الا تأجيج واستغلال الرواية التي تروق للقوميين المسيحيين البيض الذين يشكلون جزءًا وازنًا من قاعدة الرئيس ترامب - والمسيحية الصهيونية التي هي بدورها حجر أساس في هذه الأيديولوجية. يتوقف نفوذ المنظمات التي يفضحها الوثائقي على نفوذ حركة مسيحية صهيونية أكبر بكثير في الولايات المتحدة. فأغلب الداعمين لإسرائيل في الولايات المتحدة ليسوا يهودا بل مسيحيين.

ما انفكت إسرائيل وداعموها اليمينيون يركبون موجة القوميين البيض ومعاداة السامية لأنهم معنيون في حشد المسيحية الصهيونية وتأمين الدعم لإسرائيل بأي ثمن حتى لو كان سلامة اليهود أنفسهم. ويتبين خطر هذا من خلال المجزرة التي ارتكبها عنصري أبيض في كنيس "Tree of Life" في مدينة بيتسبرغ في ولاية بنسيلفانيا. فقد انبرت المنظمات اليمينية الموالية لإسرائيل بالإضافة إلى الحكومة الإسرائيلية نفسها في الدفاع عن ترامب، مؤكدةً انه من من الخطأ الادعاء بأن ترامب أو أتباعه يحضون على مثل هذا العنف. ولكن في المقابل، عبَّرت جماعات يهودية ليبرالية عن تخوفها من الخطاب الذي يتبناه اليمين ويغذي رواية العنصريين البيض.

كيف يؤثر هذا الاتفاق الميكافيلي بين إسرائيل ومؤيديها والقومية البيضاء في الدعم الأمريكي لإسرائيل؟

تُظهر الاستطلاعات، كالاستطلاع الذي أجرته مؤخرًا مؤسسة يوجوف (YouGov) لحساب مجلة الإيكونوميست كيف أن التأييد الأمريكي لإسرائيل يزداد عند الرجال البيض وكبار السن بينما يتراجع في الشرائح الديمغرافية الأخرى، كأصحاب البشرة الملونة والنساء والجيل الشاب. وعلى هذا النحو، تتداخل قاعدة داعمي إسرائيل مع قاعدة داعمي ترامب وأجندة تيار اليمين. وحين يرى الناس مدى إقدام ترامب وزمرته على دعم إسرائيل، فإنهم يتراجعون. قد تحقق استراتيجية نتنياهو المتمثلة في تحويل إسرائيل إلى قضية حزبية في الولايات المتحدة مكاسب على المدى القريب لإسرائيل، إلا أنها قد تُضعف الدعم والتأييد في المدى البعيد.

تشويه سمعة الأفراد أسلوبٌ يائس ويُظهر أن هذه المنظمات لا تملك في جعبتها أجوبة أو حلولً Click To Tweet

بالنظر إلى عملك في هذا المجال، وبعد نشر الفيلمين الوثائقيين، ما هي الدروس التي يمكن ان تستفيد منها حركة التضامن مع فلسطين؟ 

علينا أن نضاعف جهونا وننشئ حركةً أكثر نشاطًا وانضباطًا. يجب أن يدرك الناشطون بأن ثمة جهودًا هائلة منظمة تُبذل للإيقاع بهم والإضرار بهم وتلطيخ سمعتهم. وأنا لا أقول ذلك على سبيل اللوم، وإنما لأبين أننا بصدد خصمٍ ليس بهين، وأن من الأهمية بمكان أن ندرك ذلك وأن يكون تفكيرنا استشرافيًا كي نتنبأ بخطوات ذلك الخصم.

وتجلى هذا مؤخرًا في انهاء محطة السي أن أن الاميركية تعاقدها مع معلقها السياسي "مارك لامونت هيل" بسبب دعمه الصريح للحقوق الفلسطينية، وذلك عقب حملة تشهير مكثفة نفذتها جماعات اللوبي الإسرائيلي. يواجه مارك هيل أيضًا نداءات تطالب بفصله من منصبه التدريسي في جامعة تيمبل في ولاية بنسيلفانيا، بيد أن الجامعة قد دافعت حتى الآن عن حقه في حرية التعبير. وهذه الحادثة الجديدة تؤكد المخاطر الحقيقية التي ما انفك يواجهها الأفراد في الولايات المتحدة، ولا سيما داخل المؤسسات، حين يتطرقون إلى الموضوع المحرم المتمثل في إسرائيل وجرائمها بحق الشعب الفلسطيني.

لكننا في الوقت نفسه إذا بذلنا جهودًا منضبطة ومدروسة بحق، فسنتمكن من ولوج محافل ما كنت لأتوقع أنها ممكنة. ومن أمثلة ذلك حملة "ليس هكذا يعامل الأطفال" التي تركز على احتجاز الأطفال الفلسطينيين لدى الجيش الإسرائيلي. وقد اشتملت الحملة على الدعوة والمناصرة والضغط وتنظيم الفعاليات وتُوِّجت بمشروع قانون تقدمت به عضو مجلس النواب بيتي مكولوم (من الحزب الديمقراطي من ولاية مينيسوتا) لحظر الدعم الأمريكي المقدم لغرض احتجاز الأطفال لدى الجيش الإسرائيلي. ووقَّع على مشروع القانون ثلاثون عضوًا في الكونغرس. مشروع القانون هذا لم يأت من فراغ، بل كان نتيجة حملة مدروسة جيدًا ومستدامة، لم تتطلب ملايين الناس لإنجاحها، بل مجموعة من الأشخاص العازمين. ومن الجدير بالتنويه انه لم يفقد أيُّ من رعاة مشروع القانون مقاعدهم في الكونغرس في انتخابات التجديد النصفي التي جرت مؤخرًا.

يجب علينا المجاهرة في دفاعنا أكثر، وأن ندعم بعضنا البعض أكثر. فكلما جعلنا من الانتقادات التي توجه لإسرائيل أمرًا طبيعيًأ، كلما ضعفت أساليب تلك المنظمات أكثر Click To Tweet

ما الذي تجده في الوثائقي يدعو إلى التفاؤل بمستقبل حركة التضامن؟

منظمات اللوبي الإسرائيلي بدت يائسةً بالرغم من تصويرها نفسها على أنها قوية ومتنفذة وكتومة للغاية. وهي تعترف - حين تعتقد بأن أحدًا لا يسمعها - بأن عملها صعب، وأن الدعم المتأتي من كلا الحزبين لإسرائيل يتداعى. ولدينا هنا "جوناثان شانزير" من مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات يقول بلسانه بإن تشويه سمعة الناشطين المؤيدين لفلسطين بتهمة معاداة السامية "ما عاد كما كان،" ويشير "إيريك غالافر" ايضاً من "مشروع إسرائيل" إلى أن الأرضية التي يقف عليها الآيباك آخذة في التفتت. فهؤلاء يرون ما هو آت. إن تشويه سمعة الأفراد والتشهير بهم أسلوبٌ يائس يُظهر أن هذه المنظمات لا تملك في جعبتها أجوبة أو حلولًا.

فضلاً على أن التأثير الكامن لهذه الاستراتيجية متوقفٌ على استمرار النظرة إلى التضامن مع فلسطين كقضية هامشية. فأساليب الترهيب المتبعة لا تنجح إلا إذا أمكن تحديد الأفراد واستهدافهم. لذا، كلما أصبح التضامن مع فلسطين أكثر انتشارًا وشيوعًا، فقدت هجمات اللوبي الإسرائيلي قوتها وفاعليتها. الدرس الذي علينا ان نتعلمه هو انه يجب علينا المجاهرة في دفاعنا أكثر، وأن ندعم بعضنا البعض أكثر. فكلما جعلنا من الانتقادات التي توجه لإسرائيل أمراً طبيعيًا، كلما ضعفت أساليب تلك المنظمات أكثر.

 

ملاحظات:

  1. لقراءة هذا النص باللغة الفرنسية، اضغط/ي هنا. تسعد الشبكة لتوفر هذه الترجمات وتشكر مدافعي حقوق الإنسان على هذا الجهد الدؤوب، وتؤكد على عدم مسؤوليتها عن أي اختلافات في المعنى في النص المترجم عن النص الأصلي.

Stay Informed

Join Al-Shabaka’s mailing list and find the latest Palestinian policy analysis in your inbox: