تعقيبسياسة

في أيلول وما بعده: من يتحدث باسمي؟

كيف يُعقل بأن يُقال لي لأنني فلسطينية إن "ممثلي الشرعي الوحيد" هو منظمة لم أشترك معها قط، ولست عضوًا فيها بل ولم أنتخبها في حياتي؟

لقد قيل الكثير عن مسعى السلطة الفلسطينية الرامي إلى نيل اعترافٍ بدولةٍ فلسطينية في الأمم المتحدة هذا الشهر. ويبدو أن هناك أصواتًا متعاليةً داخل منظمات المجتمع المدني والفلسطيني ومعسكر التضامن المؤيد للفلسطينيين تحذر من أن هذه الخطوة قد تُضعِف منظمة التحرير الفلسطينية بوصفها "الممثل الشرعي الوحيد" للفلسطينيين، وتفرض دولة البانتوستان، وتُعرِّض حقوق اللاجئين الفلسطنيين إلى خطر أكبر.

ورغم أن هذه كلها مخاوف مشروعة، فإنها لا تتطرق إلى جوهر القضية، التي هي أكبر بكثير من أيلول/سبتمبر وتتجاوز إلى ما هو أبعد بكثير من محاولة إقامة الدولة. فبدلًا من التركيز على علل استراتيجية السلطة الفلسطينية/منظمة التحرير الفلسطينية الأخيرة وعواقبها، لا بد أن نجيب على الأسئلة المُلحّة التالية: ما هي شرعية السلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير الفلسطينية؟ من أين استمدتا هذه الشرعية؟ وكيف لنا أن ننهض بتطلعاتنا السياسية الجماعية ومع مَن؟

طرح الأسئلة المناسبة

إن النقاش المحتدم حول مسألة تمثيل منظمة التحرير الفلسطينية في الأمم المتحدة يطغى على الحاجة للإجابة على هذه الأسئلة. فيقول الخبير القانوني المرموق في جامعة أكسفورد، غاي غودوين-غيل، إن منظمة التحرير الفلسطينية سوف تفقد مقعدها في الأمم المتحدة لصالح "دولة فلسطين" التي تمثلها السلطة الفلسطينية. ويحذر من أن الفلسطينيين اللاجئين وفي الشتات سوف يفقدون صوتهم بذلك، إذ إن منظمة التحرير الفلسطينية هي "الممثل الشرعي الوحيد" للشعب الفلسطيني.

وعلى النقيض، يُفنّد أستاذ القانون ومستشار منظمة التحرير الفلسطينية السابق، فرانسيس بويل، التحليل الذي يطرحه غاي غودوين-غيل. فهو يُصرّ على أن اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير أُنشئت كنتيجةٍ لإعلان الاستقلال الفلسطيني الصادر سنة 1988 كحكومةٍ مؤقتةٍ لدولة فلسطين، وأن كل الفلسطينيين في العالم سوف يصبحون تلقائيًا مواطنين في دولة فلسطين. وبالتالي، فهو يقول إن منظمة التحرير الفلسطينية سوف تواصل باعتبارها الحكومة المؤقتة لدولة فلسطين تمثيلَ مصالح كافة الفلسطينين حول العالم حينما تصبح فلسطين دولةً عضوًا في الأمم المتحدة.

لقد غدا الطرحان اللذان ساقاهما غودوين-غيل وبويل مركزيين في الحديث الدائر حول إعلان إقامة الدولة في أيلول/سبتمبر. كلاهما يُسلِّمان بأن منظمة التحرير الفلسطينية هي "الممثل الوحيد" للشعب الفلسطيني وأن السلطة الفلسطينية هي الممثل الشرعي للفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة. وهذا الافتراض مفتوح للنقاش. فتمثيل إرادة شعبٍ ما وتطلعاته ليس صكوكًا أبديةً على بياض يمكن تسليمها لزعماء نصَّبوا أنفسهم بأنفسهم.

حاول غودوين-غيل طرح هذه النقطة في مقالة نُشرت له مؤخرًا في صحيفة الغارديان عبّر فيها عن وجهة النظر القائلة بأن إقامة الدولة الفلسطينية يجب أن تتم عبر الإرادة الديمقراطية للشعب، وبأن الأوان قد حان لكي تفتح منظمة التحرير الفلسطينية أبوابها للإصلاح وتسمح للفلسطينيين – كافة – بالمشاركة في عمليةٍ انتخابيةٍ ديمقراطية. غير أن الدعوات الموجهة لمنظمة التحرير من أجل تبني الإصلاح الديمقراطي ما فتئت لسنوات تقع على آذانٍ صماء.

إلى أي درجةٍ اتسمت منظمة التحرير الفلسطينية بالديمقراطية؟

بُنيت منظمة التحرير كمنظمةٍ ديمقراطيةٍ بالفعل عندما أُنشئت في القدس عام 1964 باعتبارها الهيئة الممثلة للفلسطينيين تحت رعاية جامعة الدول العربية. فقد نصّ قانونها الأساسي على حق الفلسطينيين كافة – في مخيمات اللجوء وتحت الاحتلال وفي الشتات – في انتخاب ممثلين لهم في برلمان منظمة التحرير الفلسطينية المتمثل في المجلس الوطني الفلسطيني، الذي بدوره ينتخب من بين أعضائه 18 ممثلًا ليكونوا أعضاء في اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير، وهي هيئته التنفيذية العليا.

ومع ذلك، لم يسبق وأن نُظمت انتخابات مفتوحة مباشرة لاختيار أعضاء المجلس الوطني الفلسطيني. إذ ألقت منظمة التحرير الفلسطينية باللائمة على الصعوبات اللوجستية نظرًا لتشتت الفلسطينيين حول العالم. وعوضًا عن ذلك، طبقت منظمة التحرير نظام حصص قام بموجبه كل فصيل بتسمية ممثلين له لعضوية المجلس الوطني الفلسطيني بما يتناسب وحجم نفوذه الشعبي، وهو ما فتح الباب للاتحادات العمالية والطلابية وكذلك الجماعات النسائية والشبابية لتعيين ممثلين لهم. وظلت حركةُ فتح الفصيلَ المهيمن على المجلس الوطني التشريعي واللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير.

اكتسبت منظمة التحرير الفلسطينية بتبنيها الكفاحَ المسلح من أجل المقاومة والتحرير وبفضل حضورها القوي على الأرض وفي مخيمات اللاجئين الفلسطينيين تأييدًا واسع النطاق وشرعيةً شعبيةً في أوساط الفلسطينيين. وفي عام 1974، اعترفت الجمعية العامة للأمم المتحدة بمنظمة التحرير باعتبارها "الممثل الشرعي والوحيد" للشعب الفلسطيني، ودعتها للمشاركة في أنشطة الأمم المتحدة بصفة مراقبٍ دائم.

منظمة التحرير الفلسطينية تتحول الى أداة مفيدة

شهدت الديمقراطية المقيَّدة التي مارستها منظمة التحرير الفلسطينية تغيرًا كبيرًا مع التوقيع على اتفاقات أوسلو عام 1993 التي أسفرت عن تأسيس "سلطة الحكم الذاتي الفلسطينية المؤقتة" التي سرعان ما هيمنت عليها حركة فتح. فغدت السلطة الفلسطينية محور اللعبة السياسية، وأجريت انتخابات للمجلس التشريعي الفلسطيني داخل الأراضي المحتلة، وأصبحت منظمة التحرير الفلسطينية أكثر تهميشًا. وتغير خطاب المنظمة من منظمة تهدف إلى التحرير وتستمد قوتها وشعبيتها من مخيمات اللاجئين إلى هيكلٍ أجوف يزداد ضعفًا يومًا بعد يوم.

اجتمع المجلس الوطني الفلسطيني إبان الفترة 1991-2010 مرتين فقط – وكان اجتماعه لمناقشة مهام إدارية وحسب. ولم تنبعث منظمة التحرير الفلسطينية من جديد إلا في عام 2006 عندما خسرت حركة فتح الانتخابات لصالح حركة حماس. ففي محاولةٍ يائسةٍ لإبقاء سيطرتها على السياسة الفلسطينية، التجأت حركة فتح إلى منظمة التحرير الفلسطينية – التي كانت فتح لا تزال تهيمن عليها عددًا – وجادلت بأن فوز حماس لا يساوي الكثير لأن منظمة التحرير لا تزال هي "الممثل الشرعي والوحيد" للشعب الفلسطيني. وهكذا، وبعد أن كان لمنظمة التحرير طموحات ديمقراطية، أصبحت المنظمة أداةً مفيدةً لحركة فتح لإفشال النصر الديمقراطي الذي حققته حماس، وبالتالي إفشال الديمقراطية الفلسطينية بعينها. وبعد أعمال العنف الدموية التي اندلعت بين حركتي حماس وفتح عام 2007 في غزة وشهدت هزيمة فتح في نهاية المطاف هناك، علّق رئيس منظمة التحرير الفلسطينية ورئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس عملَ المجلس التشريعي الفلسطيني وعيّن سلام فياض رئيسًا للوزراء. وعندما عارض الفلسطينيون، ولا سيما حركة حماس، هذه الخطوة غير الديمقراطية، لجأ عباس إلى اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير لإضفاء الشرعية على قرار التعيين.

إن الانقلاب على العملية الديمقراطية الذي جلب حماس إلى السلطة قد جلب لها أيضًا ميزةً تتمثل في قدرتها على التمسك بالسلطة إلى متى ما أرادت. فقد رفضت حماس الدعوة التي أطلقتها فتح مؤخرًا لإجراء انتخابات رئاسية وتشريعية كسبيلٍ لحل المأزق بينها وبين حماس التي تقلصت رغبتها في خوض اللعبة الديمقراطية إلى حدٍ كبيرٍ الآن بما أنها غدت صاحب السلطة الفعلية في قطاع غزة. وبتعطيل العملية الديمقراطية على يد كلتا الحركتين المتنافستين على مقاليد الحكم في السلطة الفلسطينية السقيمة، فإن الفلسطينيين هم مَن يدفعون الثمن في النهاية.

البحث عن اتجاهات جديدة

يتعين على الفلسطينيين اليوم، ونحن نناقش العواقب المترتبة على إعلان دولةٍ فلسطينيةٍ في الأمم المتحدة، أن يَعوا عدم أهلي‏ة السلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير الفلسطينية على حدٍ سواء. فكلاهما تآمر على وأد الإصلاح الديمقراطي الفلسطيني. وقد تجلى ذلك بوضوح عندما وافق المجلس المركزي التابع لمنظمة التحرير الفلسطينية على تمديد ولاية عباس كرئيسٍ للسلطة الفلسطينية إلى حين عقد انتخابات جديدة على الرغم من انتهاء ولايته في كانون الثاني/يناير 2010.

وفي حين تعكف الشعوب العربية في شتى أنحاء الشرق الأوسط على مقاومة الأنظمة الديكتاتورية والدعوة إلى مساءلتها، يجب أن لا يُتوقَّع منّا نحن الفلسطينيون أن نتّبع، دون تمحيص، توصيات الخبراء القانونيين والقادة غير الممثِّلين. إن ما يجب أن يكون في صلب الحديث بشأن مسعى إقامة الدولة هو شرعيةُ أولئك الجالسين في الأمم المتحدة والمتحدثين باسمنا. فلا السلطة الفلسطينية ولا منظمة التحرير الفلسطينية تستمد شرعيتها من شعبها، بل تستمدها من المجتمع الدولي على حساب شعبها.

تتمثل المسألة الصعبة التي ينبغي التعامل معها في كيفية تحقيق الشرعية. لقد أولى جُلّ النقاش الدائر حول الكارثة المحتملِ وقوعُها جراء محاولة إعلان الدولة في الأمم المتحدة قدرًا كبيرًا من الاهتمام لعقد انتخابات ديمقراطية كبديلٍ للوضع الراهن. ولكن هل الانتخابات، رغم فائدتها كهدفٍ من أهداف التمثيل الديمقراطي، هي الوسيلةُ الوحيدة حقًا المتاحة لبناء الحركات؟ إن الاتجاهات الجديدة التي ننشدها نحن كشعب لا بد وأن تشمل سُبلًا لإعادة إرساء شرعية تمثيلنا واستدامة هذه الشرعية بينما نواصل السعي من أجل تقرير المصير وإعمال حقوقنا الإنسانية.
‪‎‬