مائة عام وأكثر: بريطانيا وبلفور واضطهاد الفلسطينيين ثقافيًا

نظرة عامة

إذا خرجت الشاعرة الفلسطينية، دارين طاطور، من بوابة منزلها في قرية الرينة في الجليل، فإن جرس الإنذار سيدق في شركة جي4أس (G4S) الأمنية البريطانية متعددة الجنسيات، وسوف تنبه السلطات الإسرائيلية التي اعتقلت طاطور في الساعات الاولى من صباح الحادي عشر من تشرين الأول/أكتوبر 2015 على خلفية قصيدتها "قاوم يا شعبي قاومهم" التي نُشرت في حسابها على موقع يوتيوب في وقت سابق من ذاك الشهر. وفي 2 تشرين الثاني/نوفمبر، وجهت لها إسرائيل تهمة التحريض على العنف ودعم منظمة إرهابية.

وُضعت طاطور قيد الإقامة الجبرية قرب تل أبيب، بعيدًا عن قريتها، في كانون الثاني/يناير 2016، أي بعدَ ثلاثة أشهر من السجن. وفي تموز/يوليو، أقرَّت النيابة العامة بعد كفاحٍ طويل بإمكانية وضعها قيد الإقامة الجبرية في منزل عائلتها. وسوف تظل طاطور قيد الإقامة الجبرية أثناء المحاكمة، وستظل تحت مراقبة جي4أس باعتبارها "تهديدًا" لأمن إسرائيل. 1

إن هذا التواطؤ البريطاني في اضطهاد الفلسطينيين ثقافيًا ليس ظاهرة حديثة، بل يمكن القول إن جذوره تعود إلى وعد بلفور الصادر في 1917، والذي بدعوته إلى إقامة دولةٍ للشعب اليهودي على أرض فلسطين وتجاهله وجودَ الفلسطينيين الذين كانوا يسكنون الأرض، قد دشَّن عملية الطرد والنفي والتفتيت الاجتماعي والثقافي المستمرة حتى يومنا هذا. وكان ذلك البداية لنهجٍ بريطاني في التعامل مع الشعب الفلسطيني يقمع ثقافتهم وتاريخهم.

تعكف المملكة المتحدة اليوم على اتخاذ تدابير لفرض الرقابة على التعبير والإبداع الثقافي الفلسطيني، بينما تصرف إسرائيل أموالًا طائلة لترويج إنتاجها الثقافي دوليًا. تتراوح الإجراءات القمعية البريطانية بين مشاركة الشركات الخاصة مثل جي4أس كما في حالة طاطور، والتحركات الوزارية الرامية لحظر المقاطعة الثقافية، وخنق الحوار الأكاديمي، ورفض منح تأشيرة الدخول في أحيان كثيرة لفنانين وتربويين فلسطينيين. وهذه الإجراءات القمعية تدعم الرواية الإسرائيلية الأحادية التي تُعين إسرائيل على مواصلة احتلال الأرض الفلسطينية وترسيخ نظام الفصل العنصري.

من المرجح أن تخرج الكثير من التحليلات العلمية والسياساتية التي تتناول تداعيات وعد بلفور على فلسطين والدول المحيطة بها على مدار القرن الماضي (بما في ذلك ما تقوم به المؤسسات البحثية والفكرية كالشبكة.) يركز هذا التعقيب على البُعد الثقافي ويعرض خلفياته ويناقشه من خلال التمعن في الدور البريطاني في الماضي والحاضر.

بلفور وبدايات الاضطهاد الثقافي

بالرغم من الدمار الهائل الذي جلبه وعد بلفور على رؤوس الفلسطينيين، فإن معظم البريطانيين يجهلونه. فلو سألت أحدًا من عامة البريطانيين في الشارع، فإنه لن يعرف ما هو على الأرجح.

ومع ذلك، تنوي الحكومة البريطانية إحياءَ الذكرى المئوية لصدور وعد بلفور في تشرين الثاني/نوفمبر 2017. وفي وقت سابق من هذا العام، قال رئيس الوزراء البريطاني السابق، ديفيد كاميرون، إنه يريد من حكومة المملكة المتحدة أن تحتفي بالذكرى السنوية مع الجالية اليهودية "بأنسب طريقة". غير أن ما قصده بكلمة "أنسب" لم يكن واضحًا حينها، ولا حتى اليوم، ولكن خطط الاحتفال بهذه المناسبة لا تزال في طور الإعداد كما يُشاع، وهي الآن تحت رعاية وزير الخارجية البريطاني الجديد المثير للجدل، بوريس جونسون.

وعدُ بلفور هو رسالةٌ وجيزة مشؤومة بعثها في العام 1917 وزيرُ الخارجية البريطاني آنذاك، آرثر بلفور، وأعلن فيها أن الحكومة البريطانية "ستبذل غاية جهدها" لتسهيل "تأسيس وطن قومي للشعب اليهودي". وهكذا، حتى قبل أن يبدأ الانتداب البريطاني رسميًا، وعدَ بلفور الاتحادَ الصهيوني أرضَ فلسطين دون الحصول على موافقة سكانها الفلسطينيين. إنّ وجازته في محو ثقافة الفلسطينيين جليةٌ في مفرداته التي انتقاها للإشارة إلى السكان الأصليين، الأغلبية، بعبارة "غير اليهود".

"إن الشعور المنحاز الذي عبَّر عنه بلفور يؤسس لعلاقة المملكة المتحدة بإسرائيل إلى يومنا هذا"

بالرغم من أن بلفور اعترف بسكان فلسطين بعدها بعامين، فإنه اعتبر حياتهم أقلَّ قيمة من حياة الشعب اليهودي الذي سيستولي على الأرض. وكتبَ في إحدى مذكراته: "سواء كانت الصهيونية على حق أو على باطل، جيدة أو سيئة، فإنها ذات جذور متأصلة في تعاليم قديمة وحاجات حالية وآمال مستقبلية، وذات أهمية تفوق بكثير رغبات السبعمائة ألف عربي الذين يسكنون الآن هذه الأرض القديمة."

أفضى إنكار الثقافة الفلسطينية والتاريخ الفلسطيني على هذا النحو إلى نتيجة منطقية تمثلت في طرد السكان الفلسطينيين وتشتيتهم في العام 1948، ومن ثم تدمير المدن والقرى المفرَّغة من أهلها أو تهويدها.

إن الشعور المنحاز الذي عبَّر عنه بلفور يؤسس لعلاقة المملكة المتحدة بإسرائيل إلى يومنا هذا. لذا ليس مستغربًا ألا تُقدِم الحكومة على التشاور مع الجالية الفلسطينية في المملكة المتحدة قبل أن تعلنَ نيتها الاحتفالَ بالذكرى المئوية.

ومع ذلك، بدأ الفلسطينيون التعبئة بالفعل لاتخاذ إجراءات ضد المملكة المتحدة لدورها التاريخي في سلب فلسطين. فرفعت "الحملة الفلسطينية الشعبية لمقاضاة المملكة المتحدة" في مصر قضيةً العام الماضي "لاستعادة حق الشعب الفلسطيني في أرضه". وأعلن الرئيس الفلسطيني، محمود عباس، مؤخرًا أنه يعتزم رفعَ دعوى قضائية ضد حكومة المملكة المتحدة بسبب وعد بلفور. واتهم بريطانيا بدعم "الجرائم الإسرائيلية" منذ نهاية انتدابها في فلسطين، ودعا جامعة الدول العربية لمساعدة السلطة الفلسطينية في رفع الدعوى القضائية.

تنطوي تركة بلفور والانتداب البريطاني على تاريخٍ طويل من القمع الإسرائيلي لأشكال التعبير الفلسطيني يتراوح بين نهب المكتبات الفلسطينية، وسجن الكتاب الفلسطينيين، وحظر الأنشطة الثقافية الفلسطينية، ونسف المواقع والمدارس الثقافية في غزة.

وفي أعقاب إقامة دولة إسرائيل في العام 1948 مُنع الفلسطينيون الذين بقوا داخل حدود ما بات يُسمى "إسرائيل" من دراسة إرثهم الثقافي أو استحضار ماضيهم القريب.

جاء في نعي الشاعر محمود درويش في عام 2008 أنه حين كان في الثامنة من عمره ألقى قصيدةً في مدرسته بمناسبة الذكرى السنوية لقيام دولة إسرائيل، وكانت عن عدم المساواة التي لاحظها بين حياة أولاد العرب وأولاد اليهود. وعلى إثرها استدعاه الحاكم العسكري الإسرائيلي وقال له: "إذا استمريت في كتابة شعر كهذا، فسأُوقف أباك عن العمل في المحجر." لقد بلَغ الخوف بالحاكم العسكري الإسرائيلي أن يهدد طفلًا فلسطينيًا في سُبل عيش أسرته لأنه نطق بأبسط الحقائق.

وحينها، كما الآن، لم تستطع السلطات الإسرائيلية أن تُسكِت التعبير الثقافي عن الوعي الفلسطيني. فسجنت السلطات الإسرائيلية درويش خمس مرات، واتهمته في معظمها بإلقاء أشعارٍ تثير الفتنة وتضر مكانة إسرائيل واستقرارها.

استمرت المحاولات الرامية إلى إسكات درويش حتى بعد وفاته. ففي تموز/يوليو 2016، ساوى وزير الدفاع الإسرائيلي، أفيغدور ليبرمان، أعمال درويش بكتاب "كفاحي" بعد أن بثت إذاعة الجيش الإسرائيلي على غير المتوقع قصيدة "بطاقة هوية" لدرويش. وجاءت تصريحات ليبرمان بعد أن دعاه وزير الثقافة الإسرائيلي، ميري ريغيف، إلى وقف تمويل المحطة الإذاعية على أساس أنها "حادت عن الدرب" وصارت منبرًا للرواية الفلسطينية.

وهكذا يبدو أنه ما تغيرَ منذ الأيام الأولى لقيام إسرائيل سوى القليل. والتحركات الأخيرة التي قامت بها المملكة المتحدة لحظر المقاطعة الثقافية وكبت النقاش الأكاديمي تُظهر الزيادة الكبيرة في مدى انخراط بريطانيا العلني في فرض الرقابة على مناهضي إسرائيل.

التواطؤ البريطاني الحالي

الاعتداء على حرية التعبير بالنيابة عن إسرائيل ليس حكرًا على الشركات مثل جي4أس في حالة دارين طاطور. فبينما يزداد الضغط الدولي على إسرائيل، تسير الحكومة البريطانية وعدد من المؤسسات البريطانية في الاتجاه المعاكس، معززةً دعمَها لأيديولوجيةٍ صهيونية عازمة على قمع الثقافة الفلسطينية والتاريخ الفلسطيني.

تستند جهود وزير الثقافة الإسرائيلي، ميري ريغيف، الرامية إلى تجميد تمويل الفرق الفنية وأشكال الإنتاج "المؤيدة للفلسطينيين" إلى "قانون النكبة" الصادر في العام 2011 والذي يجيز منع تمويل المؤسسات العامة التي تعتبَرُ معارضة لتأسيس إسرائيل أو مشاركةً في أي نشاط "ينفي وجود إسرائيل كدولة يهودية وديمقراطية." ويبدو أن هذا القانون الجائر قدَّم النموذج الذي احتذت به حكومة المملكة المتحدة لتبدأ في فرض الرقابة على الأصوات الثقافية في بريطانيا المنتقدة لدولة إسرائيل.

حدث هذا التطور في آب/أغسطس 2014 حين رفض مسرح ترايسكل في لندن استضافة مهرجان الأفلام اليهودية في المملكة المتحدة لأن جزءًا من تمويله كان من السفارة الإسرائيلية - ردًا على الخسائر في الأرواح التي تسبَّب بها القصف الإسرائيلي على قطاع غزة. وبالرغم من أن القائمين على المسرح عرضوا تمويلًا بديلاً لمساهمة السفارة الإسرائيلية، فإن منظمي المهرجان لم يكونوا راغبين في رفض رعاية السفارة وسحبوا مهرجانهم من المسرح.

واجه مسرح ترايسكل هجمةً متواصلة، وسرعان ما تدخَّل وزير الدولة للثقافة آنذاك، ساجد جاويد، الذي عملَ مع وزير الثقافة والاقتصاد الرقمي، إيد فيزي، والسفير الإسرائيلي حينها، دانيال توب، للضغط على المسرح لسحب اعتراضاته على تمويل السفارة. لم يستطع المسرح الصغير الصمود في وجه التهديد بحجب التمويل عنه، وسحب اعتراضه ودعا المهرجان للانعقاد وفقًا لشروط العام السابق.

"ما عاد وزراء المملكة المتحدة يتجاهلون سياسات إسرائيل وممارساتها، بل صاروا يتبنونها"

وفي فعالية نظمها مجلس النواب اليهود البريطانيين في 2015، قال جاويد إن تدخله في العام السابق كان يهدف أيضًا إلى ردع المنظمات الأخرى عن ممارسة حقها في المقاطعة: "لم أدع مجالًا للبس إزاء ما قد يحدث لتمويل [المسرح] إذا حاول هو أو أيًا كان القيامَ بشيء من هذا القبيل مرةً أخرى."

رسالة جاويد واضحة: مقاطعة المؤسسات الثقافية البريطانية لإسرائيل غير مسموحة إذا كانت ترغب في الحصول على التمويل. وهكذا ما عاد وزراء المملكة المتحدة يتجاهلون سياسات إسرائيل وممارساتها، بل صاروا يتبنونها.

مثَّل موقف مسرح ترايسكل، رغم قِصَره، بداية النقاش العام حول تهديدات أنصار الحكومة الموالية لإسرائيل الموجهة لاستقلال المؤسسات الثقافية في المملكة المتحدة. فعُقد في تشرين الأول/أكتوبر 2014 نقاشٌ عام بعنوان "بعد حادثة مسرح ترايسكل: هل تقوى منظمات الفنون على رفض التمويل الآتي من السفارة؟" في مركز أعمال منظمة العفو الدولية. وبدت الحاجة إلى استراتيجيات فعالة لتحدي الضغط السياسي على الفنون أكثر وضوحًا أثناء النقاش إذ أُبلِغَ عن حالات أخرى من الرقابة والمناورة المؤسسية.

من الأمثلة الأخرى التي سيقت مسرحُ دونمار ويرهاوس الواقع في منطقة ويست إند بلندن والذي قرَّر في نيسان/أبريل 2014 عدم نشر بودكاست كان جزءًا من سلسلة نقاشية رافقت إنتاج الكاتب المسرحي بيتر جيل لمسرحية "فرساي". كانت السلسلة بعنوان "محادثات مستحيلة" أجريت مع معلقين سياسيين وثقافيين لاستكشاف إرث الحرب العالمية الأولى. وقبل أربع وعشرين ساعة من عرض إحدى المحادثات التي كانت بعنوان: " رسالة السيد بلفور إلى اللورد روتشيلد: كيف أعادت الحرب العالمية رسم خريطة العالم،" تلقى مسرح دونمار ويرهاوس شكوى من مموِّل يدِّعي أن الفعالية تشكِّل هجومًا على دولة إسرائيل وتجمعًا معاديًا لإسرائيل والسامية. اقترنت الشكوى بتهديدات بسحب التمويل، ووعيدٍ بالتظلم لدى المؤسسات الثقافية المموَّلة من القطاع العام التي كان يعمل فيها مبرمج الفعالية أو ينتمي لعضوية مجالس أمنائها. وبالرغم من أن مسرح دونمار ويرهاوس عقدَ النقاش، فإنه اختار ألا ينشر البودكاست ولا المناقشات الأخرى على الانترنت.

وجدت الرقابة المؤسسية والحكومية الداعمة لإسرائيل طريقها إلى الوسط الأكاديمي أيضًا. فقد ألغى وزير الدولة لشؤون المجتمعات والحكومة المحلية، إريك بيكلز، في العام 2015 مؤتمرًا أكاديميًا حول الوضع القانوني لدولة إسرائيل في جامعة ساوثامبتون. استضاف المؤتمر أستاذًا إسرائيليًا في القانون وناشطًا فلسطينيًا في حقوق الإنسان، ولكن بيكلز ادّعى أن الفعالية سوف تترك المجال "لأقصى اليسار لتقريع إسرائيل، والذي غالبًا ما ينحط إلى معاداة السامية،" بدلا من توفير "منبر لجميع أطراف النقاش." انضم مايكل غوف، ناظر الكتلة البرلمانية آنذاك، إلى الجدل الدائر وقال: "لم يكن مؤتمرًا وإنما مهرجانَ كراهية لمعاداة إسرائيل."

انصاعت الجامعة لتدخل الحكومة وسحبت موافقتها على عقد المؤتمر في حرمها لأسباب تتعلق بالصحة والسلامة، مدعيةً أن الفعالية قد تثير احتجاجات، وأنها لا تملك الموارد اللازمة للحد من هذه المخاطرة، رغم أن جهاز الشرطة أصدر بيانًا أكَّد فيه قدرتَه على تأمين الفعالية. وفي نيسان/أبريل 2016، لم يُسمَح بعقد المؤتمر للعام الثاني حيث لم يستطع منظموه دفع مبلغ 24,000 جنيه استرليني (29,000 دولار أمريكي) طلبته الجامعة لتغطية تكاليف التعاقد مع شركة أمن خاصة وإقامة سياج.

يتجلى تورط بريطانيا المتزايد في اضطهاد الفلسطينيين ثقافيًا في رفض منحهم تأشيرات لدخول المملكة المتحدة. تساعد الفنون والثقافة والتعليم في إيجاد فضاءات تتيح معالجة المشاكل العصية على نحو خلّاق – ولا سيما حين تجمع بين أناسٍ من خلفيات وسياقات مختلفة. ولهذا السبب ما فتئ نظام الاحتلال الإسرائيلي يحظر التبادل الثقافي والتعليمي بين الفنانين والأكاديميين الفلسطينيين والدوليين منذ عقود. وفي الآونة الأخيرة، منعت إسرائيل الأكاديمي البريطاني الدكتور آدم هنية من دخول إسرائيل أو فلسطين لمدة 10 سنوات بعد محاولته السفرَ إلى جامعة بيرزيت لإلقاء سلسلة محاضرات. ورفضت إسرائيل أيضًا دخولَ الكاتب الفلسطيني المقيم في المملكة المتحدة، أحمد مسعود، للمشاركة في احتفالية فلسطين للأدب في الضفة الغربية في وقت سابق من هذا العام.

وردَت في الآونة الأخيرة تقاريرُ عديدةٌ عن رفض السلطات البريطانية منحَ تأشيرات لفنانين وأكاديميين فلسطينيين راغبين في زيارة بريطانيا للمشاركة في مؤتمرات، ومعارض فنية، وعروض مسرحية، وجولات تحاورية. فمثلًا، رفضت السلطات البريطانية طلب المصور الصحفي الفلسطيني، حمدي أبو رحمة، للحصول على تأشيرة الدخول مرتين رغمه تغطيته ماليًا ودعمه من أعضاء في البرلمان البريطاني، قبل أن تسمح له بالسفر إلى اسكتلندا للمشاركة في مهرجان أدنبرة لهذا العام. ومن الفنانين الفلسطينيين الآخرين الذين رفضت السلطات البريطانية منحهم التأشيرة في السنوات الأخيرة علي أبو خطاب وسماح الشيخ، وهما كاتبان كان من المقرر أن يشاركا في معهد الفنون المعاصرة ضمن مهرجان شباك، ونبيل الراعي المدير الفني لمسرح الحرية في جنين الذي كان من المفترض أن يتحدث في عدد من الفعاليات في المملكة المتحدة. وصار نظام التأشيرة في المملكة المتحدة من العقبات الماثلة أمام بناء شراكات أكاديمية مع الجامعات الفلسطينية. وأعيقت قدرة المؤسسات على العمل معًا بسبب صعوبة الحصول على معلومات واضحة بشأن عملية إصدار التأشيرة، بينما تُرفض طلبات الفلسطينيين طلابًا وأكاديميين على حد سواء. فبحسب المجلس الثقافي البريطاني، رَفضت السلطات البريطانية هذا العام وعلى نحو غير مسبوق منحَ التأشيرة لخمسة طلاب فلسطينيين من أصل عشرة يرعاهم المجلس.

"إن من الضرورة بمكان ألا تيأس المؤسسات البريطانية من دعوة الفلسطينيين للمشاركة في أنشطتها"

تتعامل المؤسسات الفنية والتعليمية فرادى مع هذه القضية على أمل أن تتوصل إلى حل إذا ما عملت بهدوء مع السلطات البريطانية على أساس كل حالة على حدة. وفي المقابل، لا يخضع الفنانون والأكاديميون الإسرائيليون للقيود ذاتها، حتى لو أتوا من المستوطنات غير الشرعية في الضفة الغربية المحتلة. ففي حين يستطيع أي مستوطن إسرائيلي أن يحصل على تأشيرة الدخول بسهولة عند وصوله في المملكة المتحدة، فإنه يتعين على الفلسطيني الذي يسكن على بُعد خطوات منه أن يمرَّ قبل السفر في عملية مكلفة ومعقدة، ومن ثم تظل فرصته ضئيلة في الحصول على التأشيرة.

إن من الضرورة بمكان ألا تيأس المؤسسات البريطانية من دعوة الفلسطينيين للمشاركة في أنشطتها، ولا سيما حين تعكف الحكومة البريطانية على تضييق الخناق على المقاطعة الثقافية وكبت النقاش الأكاديمي بذريعة توفير المنبر "لجميع الأطراف".

تشجيع الإنتاج الثقافي الفلسطيني

إن تغيير المواقف والممارسات في المملكة المتحدة تجاه الثقافة والهوية الفلسطينية، التي ما انفكت تُعامل بدونية منذ عهد بلفور، ليس مهمةً سهلة. ومع ذلك تبذل منظمات المجتمع المدني والتضامن الفلسطينية جهودًا كثيرة، يمكنها التوسع فيها، في الفترة التي تسبق الذكرى المئوية لوعد بلفور بهدف تهيئة الظروف لوضع حدٍ لتواطؤ بريطانيا في فرض رقابة على الفلسطينيين ولسياسات الحكومة البريطانية المجحفة الداعمة لإسرائيل.

الضغط الجماهيري المنظم هو عنصرٌ أساسي في تهيئة هذه الظروف. فقد حظيت الشاعرة الفلسطينية، دارين طاطور، بعد حبسها باهتمام دولي متزايد ودعم من أكثر من 250 شخصية معروفة من كتاب وشعراء ومترجمين ومحررين وفنانين ومفكرين وعاملين في الحقل الثقافي. وتعتقد طاطور أن هذه الاستجابة الدولية يمكن أن تؤثر في الحكم النهائي في قضيتها، فتقول: "الضغط الشعبي قد يجبر السلطات الإسرائيلية على إعادة النظر في اضطهاد الفنانين والكتاب والناشطين الفلسطينيين الشباب لتعبيرهم عن رفض الظلم." لذا يمكن لمنظمات المجتمع المدني الفلسطيني ومجموعات التضامن أن تعمل معًا لزيادة الضغوط الدولية من أجل إطلاق سراح طاطور والعمل على تكثيف حملة "أوقفوا جي4أس" تضامنًا مع المعتقلين السياسيين الفلسطينيين كافة.

وعمومًا، تستطيع هذه الجماعات أن:

  • تَستخدم وسائل الإعلام والمنتديات العامة وأساليب التواصل الأخرى لزيادة الوعي بالأثر المدمر الذي جلبه وعد بلفور على الشعب الفلسطيني بإنكاره الثقافة والهوية الفلسطينية، ولمواصلة الضغط على الحكومة البريطانية كي تصدرَ اعتذارًا رسميًا؛
  • تُنسِّق حملةً تواصلية إبداعية عامة تركز على الهجمات التي تشنها إسرائيل على الثقافة الفلسطينية والتاريخ الفلسطيني وعلى شرعية نداء المجتمع المدني الفلسطيني لمقاطعة إسرائيل ثقافيًا وأكاديميًا حتى تنصاع للقانون الدولي؛
  • تُقدِّمَ العونَ القانوني وأشكال الدعم الأخرى لمنظمي البرامج الفنية والأكاديمية والثقافية التي تواجه ضغوطًا سياسية من مناصري إسرائيل، وتنسِّقَ الأنشطة لمنع وزراء المملكة المتحدة من تهديد استقلال المؤسسات الثقافية والأكاديمية البريطانية؛
  • تُنشئَ قاعدة بيانات شاملة توثق حالات رفض إصدار التأشيرة البريطانية للفلسطينيين على مدى السنوات الخمس الماضية من أجل الضغط على السلطات البريطانية كي تُعامل الفلسطينيين معاملةَ الإسرائيليين عند التقدم بطلب لزيارة المملكة المتحدة؛

لقد آن لبريطانيا، بعد قرابة 100 عام على صدور وعد بلفور، أن تتبنى نهجًا جديدًا. وفي هذا الصدد، تمثِّل الذكرى المئوية فرصةً بالنسبة لبريطانيا للتوقف عن تواطؤها مع إسرائيل لتكميم الفلسطينيين وعرقلة التبادل الثقافي، وللعمل أيضًا بنشاط على تعزيز الإنتاج الثقافي الفلسطيني وضمان سرد القصص والروايات الفلسطينية.

وثمة حاجةٌ أيضًا لإطلاق حملة منسقة لضمان ممارسة ضغطٍ شعبي كاف على الحكومة البريطانية حتى تُقرَّ بالآثار المدمرة المترتبة على تدخلها التاريخي، وتبدأ في جبر الضرر الناجم من تواطؤها الماضي والحاضر في اضطهاد الفلسطينيين ثقافيًا والاستمرار في تهجيرهم.

ملاحظات:

  1. حالة طاطور ليست حالةً فردية معزولة بأي حال من الأحوال. بل هي واحدة من فلسطينيين/ات كُثر اعتُقلوا/نّ مؤخرًا وسجنوا/نّ على خلفية أمور بسيطة من قبيل التعليق على الفيسبوك. إن القضية المرفوعة ضدها ما هي إلا جزء من سجل إسرائيل الحافل والطويل من سجن الشعراء الفلسطينيين، بمن فيهم محمود درويش وتوفيق زياد وسميح القاسم.