مشروع بناء الدولة الفلسطينية في دائرة الشك

لمحة عامة

بينما كانت شرارة الانتفاضة الفلسطينية ضد الاحتلال الإسرائيلي الجاثم منذ قرابة 50 عامًا تنطلق من القدس لتعمَّ سائر الأرض الفلسطينية المحتلة، كان محمود عباس يرفع علم فلسطين في الأمم المتحدة بحضور لفيفٍ من كبار الشخصيات. غير أن شراسةَ الرد الإسرائيلي من جيشٍ ومستوطنين غير شرعيين – بما فيه هجمات بالذخيرة الحية واقتصاص وإعدام خارج نطاق القضاء بحق الفلسطينيين العُزَّل – يضع مشروع الدولة الفلسطينية في دائرة الشك.

لم تكن أرضية مشروع الدولة مستقرةً، بل كانت متداعية بالأساس حيث إن قدرة القيادة الفلسطينية على النهوض بها مقيدة بشدة، كما قدرة المجتمع المدني الفلسطيني على تعزيز استقلالية دولة فلسطين وسيادتها الحقة وضمان أن الفلسطينيين كافة، بمن فيهم اللاجئون ومواطنو إسرائيل، متمتعون بحقوقهم الأساسية. تناولت المدير العام  للشبكة، نادية حجاب، هذه القيود في حديثها في ندوة استضافتها مؤخرًا كلية كينيدي للإدارة الحكومية بجامعة هارفارد. يستند هذا التعقيب إلى تلك الندوة، ويلقي نظرةً على الجهود التي بذلتها القيادة الفلسطينية والمجتمع المدني الفلسطيني لغاية الآن.

الخطاب ورفع العلم: لحظة ابتهاج أم يأس؟

استهل الرئيسُ الفلسطيني محمود عباس خطابَه أمامَ الجمعية العامة في 30 أيلول/سبتمبر 2015 بنداءٍ حزين للمجتمع الدولي كي ينقذَ الشعب الفلسطيني. وبدا القائد المزعوم للشعب الفلسطيني في ثلثي خطابه تقريبًا، وهو يطلقُ النداءَ تلو النداء، وكأنه يفترض أنه لا هو ولا شعبه يمتلكون أي وسيلةٍ لتحدي الاحتلال الإسرائيلي العسكري المطول، واللامساواة التي يواجهها المواطنون الفلسطينيون في إسرائيل، ورفض الاعتراف بحق اللاجئين في العودة.

وفي الثلث الأخير من خطابه، ألقى "القنبلة" التي وعد وسائلَ الإعلام بها منذ أسابيع عدة، حيث دعا الأمم المتحدة رسميًا إلى توفير الحماية الدولية للشعب الفلسطيني. وقال إن الفلسطينيين لن يلتزموا بالاتفاقات المبرمة مع إسرائيل طالما أن إسرائيل لا تلتزم بها، وإن على إسرائيل أن تتحملَ مسؤولياتها كسلطةِ احتلال. وقال أيضًا إن فلسطين ستواصل الانضمامَ إلى الاتفاقات واستخدام المعاهدات والأدوات الدولية.

بالرغم من أن عباس بدا شديدًا، فإنه لم يقل شيئًا سيتعذر عليه التراجعُ عنه إذا ما استؤنفت المفاوضات. ولم يعلن نهايةَ التعاون الأمني المقيت بين إسرائيل وأجهزة أمن السلطة الفلسطينية المدربة أمريكيًا وأوروبيًا.

إذن هل كان الخطابُ وحفلُ رفع العلم في الأمم المتحدة لحظةَ ابتهاج أم يأس بالنسبة للشعب الفلسطيني؟ من المؤكد أنها لحظة تأمل وتفكر لأن الفلسطينيين أضحوا أبعدَ ما يكون إلى نيل حقوقهم المعترف بها عالميًا لأن شيئًا لم يستطع لغاية الآن أن يوقفَ المشروع الاستعماري الإسرائيلي المستمر بلا هوادة على جانبي الخط الأخضر.

حدود منظمة التحرير الفلسطينية/فلسطين في النهوض بمشروع إقامة الدولة

اتبعت منظمة التحرير الفلسطينية مؤخرًا استراتيجيةً تتمثل في نيل الاعتراف بالدولة الفلسطينية والاستفادة من المزايا التي تجلبها وضعية الدولة. وقد خطت خطوتها الأولى في هذا الاتجاه في 2011 حيث صارت فلسطين في أواخر ذلك العام دولةً كاملة العضوية في اليونسكو، ممّا تسبب في قطع المساعدات الأمريكية بقرار من الكونغرس الأميركي. وفي العام 2012، أحرزت منظمةُ التحرير الفلسطينية صفةَ دولة مراقبة غير عضو لفلسطين في الجمعية العامة للأمم المتحدة، حيث قصدت الجمعية العامة بعدما أجهضت الولايات المتحدة جهودها لنيل صوت الأغلبية في مجلس الأمن.

وبعدما فشلت المفاوضات مع إسرائيل بوساطة وزير الخارجية الأمريكي جون كيري فشلًا نهائيًا في نيسان/أبريل 2014، أخذت منظمة التحرير الفلسطينية/فلسطين تتطلع إلى عضوية المحكمة الجنائية الدولية. وفي أواخر العام، أحبطت الولايات المتحدة قرارًا بشأن إقامة الدولة الفلسطينية دون أن تستخدم حق الفيتو. وفي كانون الثاني/يناير 2015، صادقت فلسطين على نظام روما الأساسي و15 معاهدة أخرى. وفي الأول من نيسان/أبريل غدت فلسطين رسميًا عضوًا في المحكمة الجنائية الدولية. ويبلغ مجموعُ ما صادقت عليه فلسطين أو انضمت إليه من معاهدات واتفاقات لغاية الآن 44 معاهدة واتفاقية.

غير أن هذه التحركات لم تُستَغل على أكمل وجه، وهي رمزيةٌ أكثر منها مؤثرة. وفي هذا الصدد، كَتب نضال سليمان وفالنتينا أزاروفا من الشبكة تحليلًا وضَّحا فيه كيف أن فلسطين لم تستفد بالكامل من المزايا التي جلبتها عضويتها في منظمة اليونسكو بعد أن صادقت على دستور اليونسكو وانضمت إلى ثمانية اتفاقات أخرى وبروتوكولات ذات صلة منبثقة عن اليونسكو.

أقدمت منظمة التحرير الفلسطينية/فلسطين بالفعل على خطوات لمنع إسرائيل من إدراج مواقعَ تراثيةٍ فلسطينية في قائمتها الوطنية، ولإدراج المواقع الفلسطينية ضمن مواقع التراث العالمي. ولكن كان بوسع فلسطين، ولا يزال بوسعها، أن توظِّفَ عضويتها في اليونسكو لتأكيد سيادتها على أرضها وبحرها - وبوسعها أن تُلزم الدولَ الثالثة بمساءلة إسرائيل عن التزاماتها. فضلًا على أن أحد بروتوكولات اليونسكو التي وقعت عليها فلسطين ينص على المسؤولية الجنائية الفردية وعلى فرض عقوبات وفقًا لمبدأ الولاية القضائية العالمية.

تُعتبرُ عضوية منظمة التحرير الفلسطينية/فلسطين في اليونسكو استمرارًا لاختيار الرمزية بدلاً من الإجراءات الملموسة. فلو كانت منظمةُ التحرير الفلسطينية عاكفةً حقًا على تحري السُبل القانونية اللازمة لإعمال الحقوق الفلسطينية، لكانت أحرص على متابعة الرأي الاستشاري الذي أصدرته محكمة العدل الدولية سنة 2004 بشأن جدار الفصل العنصري الإسرائيلي.

لقد خلص الرأي الاستشاري إلى أن الجدار غير قانوني، وأن إسرائيلَ ملزَمةٌ بتقديم تعويضات عن جميع الأضرار التي تسبب فيها. وأكَّد أن المستوطنات تنتهك القانون الدولي، وأن غزةَ والضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية، هي أراضٍ محتلة. ولربما كان الاستنتاج الأبرز الذي خلصت إليه المحكمة هو أن جميع الدول ملزمةٌ بالاعتراف بعدم شرعية الوضع ووقف أي مساعدة مقدمة لإسرائيل بغية إدامته.

ورغم أن الآراء الاستشارية ليست ملزمةً قانونًا، كما أشرتُ أنا والمستشارة السياساتية في الشبكة، ديانا بطو، في مقالة مشتركة، فإن تأثير المحكمة يكمن في أنها تفسر القوانين. والدول المؤمِنة بسيادة القانون - مثل الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي – تهتم بمثل هذا الرأي.

والنقطة الأخيرة أساسية لأنه كان بوسع منظمة التحرير الفلسطينية أن توضِّح، مرارًا وتكرارًا، للدول الأوروبية وغير الأوروبية والفاعلين الآخرين أن تعاملهم مع إسرائيل يشكل مخاطر قانونية واقتصادية على سلطاتهم. ولكنها لم تفعل حتى الآن. وقد قال لي مسؤولٌ فلسطيني ممن كان له دورٌ رئيسي في إنجاح المرافعة الفلسطينية أمام محكمة العدل الدولية وذلك بعد شهور من صدور الرأي الاستشاري: "كان انتصارنا أمام محكمة العدل الدولية كنزًا وطنيًا، ولكنهم لم يستفيدوا منه."

ولهذا أهمية كبيرة ولا سيما بالنسبة للاتحاد الأوروبي، نظرًا لسعيه للعمل ككيانٍ يحكمه القانون. وكما قال أحد ممثلي الاتحاد الأوروبي في اجتماع خاص العام الماضي: "إن من الأهمية بمكان أن نُري إسرائيل أن مستوطناتها باطلة ليس لأنها تنتهك الحقوق الفلسطينية وحسب، بل لأن عدم قانونيتها تقوِّض جهود الأوروبيين أنفسهم الرامية إلى بناء نظام قانوني دولي يحظى بالاحترام."

هل لنا أن نتخيل وضعَ فلسطين اليوم لو وظَّفت منظمة التحرير الفلسطينية الرأيَّ الاستشاري توظيفًا فعالًا قبل 11 عامًا؟ هل كانت المستوطنات غير القانونية والمستوطنون ليتكاثروا بهذا المعدل؟ وهل كانت المنطقة (ج)، التي تمثل 60% من مساحة الضفة الغربية والخاضعة لسيطرة إسرائيل الحصرية بموجب اتفاقات أوسلو الكارثية، لتفقدَ الكثير من سكانها الفلسطينيين بسبب الهجمات التي لم تسلم منها حتى المشاريع المدعومة من الاتحاد الأوروبي؟ وهل كانت القدس لتعيشَ الكابوس الذي تعيشه اليوم، وهل كانت لتفقدَ سكانها باطراد كما الآن بسبب السياسات الإسرائيلية؟

ولهذا السبب يُشكك فلسطينيون كثيرون في التحركات الراهنة لمنظمة التحرير الفلسطينية/فلسطين. فالأدوات موجودة منذ زمن بعيد، وكل ما كان عليها فعله هو استخدامها لإحراز نتائج أفضل، ولكنها لم تفعل.

أما بالنسبة لعضوية فلسطين في المحكمة الجنائية الدولية، فهي مهمة. ولكن ثمة عقباتٌ عديدة، منها أن المحكمة تخطو ببطء شديد نحو اتخاذ قرار، حيث تشير فالنتينا أزاروفا في مقالة سياساتية إلى أن المحكمة قد تستغرق سنوات لفتح تحقيق، وأكثر من ذلك لإصدار لوائح اتهام. ففي أفغانستان وكولومبيا، استغرقت الدراسات الأولية قرابة 10 أعوام. ومن المسائل التي قد تبطئ سيرَ العملية طبيعةُ الصراع الإسرائيلي الفلسطيني المسيسة جدًا، ومحدودية الموارد المتاحة للمدعي العام، وعدم تعاون الدولة. فمن الصعب أن نتصورَ أن تقومَ إسرائيل بالتعاون الجاد مع المحكمة الجنائية الدولية للتحقيق في جرائم الحرب التي ترتكبها وفي بناء المستوطنات، رغم أنها قد تلتزم أمام المحكمة بالكلام فقط.

لا تخفى حدود قدرة منظمة التحرير الفلسطينية/فلسطين على جعل مشروع الدولة الفلسطينية حقيقةً واقعة. فهي إمّا غير راغبة في الاستفادة الكاملة من الأدوات القانونية وغير القانونية المتاحة لها، أو في تقليص تنسيقها الأمني  مع إسرائيل وإمّا غيرُ قادرةٍ على ذلك. فهي متورطةٌ حتى أذنيها في الوضع الراهن، وتعلم أن أي إجراءات حازمة سوف تُفضي إلى تداعيات أمريكية وإسرائيلية قاسية مثل خفض المساعدات وتقييد حرية الفلسطينيين في التنقل والوصول المقيدة أصلاً.

جهود المجتمع المدني الفلسطيني في محاسبة إسرائيل

نداء مقاطعة إسرائيل وسحب الاستثمارات منها وفرض العقوبات عليها الذي أطلقه المجتمع المدني الفلسطيني سنة 2005 هو الخطوة الأبرز التي شهدتها السنوات الأخيرة على صعيد محاسبة إسرائيل، وبات معروفًا باسم نداء المقاطعة الذي آلف بين عناصر المجتمع المدني الدولي دعمًا للحقوق الفلسطينية. ومن الجدير بالذكر أن النداء أُطلق بعد سنة من صدور قرار محكمة العدل الدولية بشأن الجدار، ويَرجع بعض السبب في ذلك إلى أن منظمة التحرير الفلسطينية لم تغتنم الفرص التي أتاحها القرار لتحدي الاحتلال الإسرائيلي.

لم تبدأ جهودُ المجتمع المدني الفلسطيني والدولي من أجل محاسبة إسرائيل بنداء المقاطعة، بل سبقته منظمات حقوقية عديدة عاملة في الأرض الفلسطينية المحتلة مثل مؤسسة الحق، ومنظمات شعبية مثل حملة أوقفو الجدار، وكذلك نقابات واتحادات نسائية ومنظمات أخرى.

وفي الولايات المتحدة، مثلًا، تشكَّلَ ائتلافٌ يضم منظمات مدنية، منها كنائس ومنظمات شعبية، في عامي 2001 و2002 تحت مسمى الحملة الأمريكية لإنهاء الاحتلال الإسرائيلي، وصار يضم الآن نحو 400 منظمة عضو على الصعيد الوطني. وعلاوةً على ذلك، هناك الكثير من اليهود الناشطين في مناصرة حقوق الإنسان الفلسطيني والمساواة للجميع في الولايات المتحدة وأوروبا. وقد انضمت منظمة الصوت اليهودي من أجل السلام إلى نداء المقاطعة رسميًا هذا العام، وهي منظمة وطنية لها نحو 200000 مؤيد وما يزيد على 60 فرعًا.

تكمن أهمية حركة المقاطعة في أنها أتت بقيادة فلسطينية لجهود الناشطين المختلفة، وأوجدت حركةً أكثر تأثيرًا من مجموع أعضائها منفردين. وقد مكَّنت، على سبيل المثال، من وضع أهداف عمل على الصعيد العالمي. ويأتي في صدارة قائمة أعمال المواطنين، بعد مقاطعة منتجات المستوطنات الإسرائيلية، سحبُ الاستثمارات من الشركات العاملة في المستوطنات غير القانونية وآليات إسرائيل في التحكم بالسكان مثل فيوليا، إلبيت، هوليت باكارد، وجي 4 أس، وغيرها.

ولنأخذ شركة فيوليا كمثال. فبعد نحو سبع سنوات من النشاط المستهدَف المنطوي على جهود بذلها ناشطون متضامنون مع فلسطين لوقف تجديد عقود إدارة النفايات وغيرها من الخدمات الموقعة بين الشركة وبلديات في مدن بعيدة مثل برمنغهام وبوردو، بالإضافة إلى جهود أخرى مبذولة في أماكن أخرى في العالم،  انسحبت شركة فيوليا كليًا من إسرائيل في آب/أغسطس من هذا العام. وشملت الأنشطة التي انسحبت منها الشركة تسيير خطوط حافلات على الطرق المفصولة في الأرض الفلسطينية المحتلة، وتقديم خدمات للمستوطنات الإسرائيلية غير القانونية، وتسيير قطار القدس الخفيف الذي يربط المستوطنات بإسرائيل. وتشير التقديرات إلى أن شركة فيوليا خسرت عقودًا حول العالم تفوق قيمتها  20 مليار دولار أمريكي. وهذا بالطبع يرسل رسالةً إلى الشركات الأخرى المتعاملة مع إسرائيل.

إن الوعي المتنامي في أوروبا وخارجها إزاء المخاطر التي تجلبها العلاقة بالجهات الإسرائيلية، بالإضافة إلى نشاط المواطنين، يساهم في إقناع الكنائس الأمريكية وصناديق المعاشات التقاعدية الأوروبية بسحب استثماراتها من الشركات المتربحة من الاحتلال الإسرائيلي. وقد استبعدَ صندوقُ المعاشات التقاعدي الوطني السويدي (AP7) ومن بعدِه بنك أيه أس أن الهو لندي (ASN) عملاقَ النقل الفرنسي شركة ألستوم من محفظتيهما الاستثماريتين، وكان ذلك في مرحلة مبكرة في  2009.

وفي العام 2015 استبعدَ أكبرُ صناديق المعاشات التقاعدية النرويجية (KLP) شركتين من محفظته الاستثمارية بسبب "استغلالهما الموارد الطبيعية في الأرض المحتلة في الضفة الغربية." واستند قراره إلى "مراجعة القانون الدولي الساري"، حيث جاء في المراجعة "إن فتح محجرٍ في أرض محتلة لا يتفق على الأرجح" والقانون الدولي.

يكتسبُ نداءُ المجتمع المدني للمقاطعة أهميته لسببين آخرين يوازيان التوظيفَ الاستراتيجي للمقاطعة وسحب الاستثمارات من حيث الأهمية إنْ لم يتفوقا عليه. الأول هو أن النداء أوجدَ قيادةً فلسطينية ممثلة لا يوجد لها مثيل في الوقت الحاضر، وإنْ كانت ملتفةً حول استراتيجية محددة. فقد وقَّع على النداءِ الأولي ما يزيد على  170 مؤسسةٍ مدنية ونقابة عمالية ومهنية واتحاد وجمعية نسائية. وبحلول العام 2007، أُنشئت اللجنة الوطنية للمقاطعة - في أعقاب المؤتمر الفلسطيني الأول لمقاطعة إسرائيل المنعقد في رام الله سنة 2007 - بهدف توجيه حملة المقاطعة والتنسيق بين أعضائها حول العالم.

تضم عضوية اللجنة الوطنية للمقاطعة ممثلين لمنظمات المجتمع المدني، و ممثلين للجنة القوى الوطنية والإسلامية، وهي لجنةٌ تضم الأحزاب السياسية الفلسطينية كافة في الأرض الفلسطينية المحتلة، وتُصدر قراراتها بتوافق الآراء.

السببُ الثاني لأهمية نداء المقاطعة هو أنه يُذكِّر الفلسطينيين بالأهداف التي يكافحون لأجلها، وهي حقُّ تقرير المصير والأهداف الثلاثة المتمثلة في التحرر من الاحتلال، والمساواة للمواطنين الفلسطينيين في إسرائيل، وحق العودة للاجئين. فبعد أن قدمت منظمة التحرير الفلسطينية التنازلَ تلو التنازل دون مقابل، ضلَّ فلسطينيون كُثر عن أهدافهم، وهي كارثةٌ لأي حركة وطنية.

لا تتحدث حركة المقاطعة أو اللجنة الوطنية للمقاطعة - ولا تسعيان لكي تتحدثا - باسم حركة وطنية فلسطينية. ولكن بفضل نداء المقاطعة لعام 2005 أخذَ التثقيفُ والنشاط حول الحقوق الفلسطينية يشملان الأهداف الثلاثة على نحو متزايد. وعلاوةً على ذلك، فإن كل هدف يُعنى بحقوق شريحةٍ من الشعب الفلسطيني، فالحرية تختص بإنهاء احتلال الأرض الفلسطينية التي استولت عليها إسرائيل في 1967، والعدالة تختص بحقوق اللاجئين الفلسطينيين، والمساواة تختص بحقوق المواطنين الفلسطينيين في إسرائيل.

يسيء البعضُ الفهمَ إذ يظنون أن حركة المقاطعة تُعارضُ وجودَ إسرائيل كدولة. ولكن هذه ليست القضية. فنداء المقاطعة بحد ذاته يقوم على الحقوق لا على السياسة، واللجنة الوطنية للمقاطعة لا تقرر بشأن ما إذا ينبغي أن تكون المحصلةُ النهائية دولةً واحدة أو دولتين. وعلاوةً على ذلك، يتطرق النداء لحقوق المواطنين الفلسطينيين في إسرائيل بشكلٍ مباشر، ويدعو الإسرائيليين أصحاب الضمير لدعم حملة المقاطعة. ويشيرُ أنصارُ المقاطعة إلى أنهم يقفون ضد دولة الاستعمار والفصل العنصري في إسرائيل التي تحابي الإسرائيليين اليهود تمامًا كما وقفَ العالمُ ضد دولة الفصل العنصري في جنوب أفريقيا. وها هي جنوب أفريقيا لا تزال موجودة، أمّا الفصل العنصري فقد زال (على الأقل في جنوب أفريقيا).

ووفقًا لمصادرَ موثوقةٍ، فإن معظم الأعضاء الأفراد في اللجنة الوطنية للمقاطعة يؤيدون حل الدولتين. فضلًا على أن غالبية الكنائس الأمريكية والأوروبية وصناديق المعاشات التقاعدية العاكفة على سحب استثماراتها من الاحتلال الإسرائيلي تستهدف الأنشطة الإسرائيلية وراء الخط الأخضر وليس داخل إسرائيل نفسها (رغم صعوبة التمييز بالطبع لأن المؤسسات الحكومية والمالية والتعليمية وغيرها من المؤسسات الإسرائيلية مشتركةٌ بطريقة أو بأخرى في مشروع إسرائيل الاستيطاني غير القانوني).

ينظر العالم، بما فيه إسرائيل والولايات المتحدة، إلى حركة المقاطعة الآن بأنها قوية جدًا، ويتجلى ذلك في ملايين الدولارات المبذولة في سبيل وقفها في الولايات المتحدة. وقد دعا رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في حزيران/يونيو لإيجاد "جبهة واسعة" لمحاربة المقاطعة في حين عقد الملياردير اليميني الأمريكي شيلدون اديلسون قمةً في لاس فيغاس لمحاربة المقاطعة مع التركيز خصوصًا على الحُرم الجامعية. وهناك أيضًا جهودٌ كبيرة مبذولة لاستصدار قرارات جامعية تخلط بين انتقاد سياسات إسرائيل ومعاداة السامية، ولإقناع الولايات بإصدار قرارات تحظر التعامل مع الشركات التي تقاطع المؤسسات المتربحة من الاحتلال الإسرائيلي

ومن المفارقة أنَّ ما نراه هو محاولةٌ من إسرائيل وأنصارها للمضي قدمًا بمشروعها الاستعماري دون معوقات، وهم يطالبون فعليًا بحق في كامل الضفة الغربية ويطرحون "حلَّ" الدولة الواحدة القائمة على الفصل العنصري. وفي المقابل، لا يزال معظم أنصار حركة المقاطعة، بمن فيهم العديد من قيادات اللجنة الوطنية للمقاطعة نفسها، يدعمون حل الدولتين.

ثمة جهودٌ أخرى يبذلها المجتمع المدني الفلسطيني في الوقت الراهن. ففي أوروبا، تعمل منظمات حقوق الإنسان مثل مجموعة متينللاستفادة من التزامات الاتحاد الأوروبي وأعضائه بموجب قوانينهم المحلية في مجالات مثل حماية المستهلك، ومن التزامهم المعلن بحقوق الإنسان والقانون الدولي. وقد بدأت هذه الجهود وأنشطة المجتمع المدني في إطار المقاطعة والحقوق الفلسطينية تؤتي ثمارها حين أخذت البلدان فرادى تضع علامات على منتجات المستوطنات لتمييزها، وحين منعت توجيهات الاتحاد الأوروبي لعام 2013 صراحةً تقديمَ المنح والقروض من الاتحاد الأوروبي للأنشطة الإسرائيلية في الأرض الفلسطينية المحتلة (بما فيها القدس الشرقية). ومع ذلك، فإن التوجيهات الخاصة بوضع علامات على منتجات المستوطنات، حتى وإنْ طُبقت بحذافيرها، تظل عقوبةً خفيفة. لذا ينبغي للاتحاد الأوروبي أن يحظر دخول منتجات المستوطنات في أسواقه حظرًا تامًا، وأن يفرض عقوبات أخرى بهدف إنهاء الاحتلال الإسرائيلي.

هناك أيضًا نصائح تجارية تصدرها بعض الدول الأوروبية - بما فيها المملكة المتحدة وفرنسا وإسبانيا – مفادها أن الشركات قد تواجه إجراءات قانونية مرتبطة "بالأراضي والمياه والمعادن وغيرها من الموارد الطبيعية" فضلاً عن "مخاطر تطال سمعتها" إذا تعاملت تجاريًا مع المستوطنات. وبالرغم من أن هذه النصائح غير ملزمة، فإن الشركات لا ترغب في المخاطرة. وعلى سبيل المثال، أصدر المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية تقريرًا يقترح سلسلةَ تدابير يتسنى للأوروبيين تطبيقها للتفريق بين إسرائيل والمستوطنات في تعاملاتهم، وللدفاع عن حل الدولتين مع الالتزام بقوانينهم الخاصة. وقد ركزت التدابير على القطاع المصرفي في إسرائيل، ممّا تسبَّب في انخفاض أسهم أربعة مصارف إسرائيلية.

وفي أعقاب النجاحات المتحققة في الولايات المتحدة على صعيد استثارة قرارات الكنائس بسحب استثماراتها، تعكف بعض المنظمات الشعبية، مثل هيئة خدمات الأصدقاء الأمريكية (الكويكرز) والصوت اليهودي من أجل السلام وائتلاف الحملة الأمريكية لإنهاء الاحتلال، على بناء وجودٍ مناصر ومؤازر لحقوق الفلسطينيين في الكونغرس الأمريكي، وقد بدأت تظهر بوادر النجاح، حيث بعثت عضو الكونغرس بيتي ماكولوم رسالةً لزملائها بشأن الممارسة الإسرائيلية المتمثلة في اعتقال الأطفال الفلسطينيين. ونتيجةً لهذه المناصرة، وقَّع 19 عضوًا في الكونغرس على الرسالة.

ومع ذلك، كما أن حدود قدرة منظمة التحرير الفلسطينية/فلسطين واضحة، فإن حدود قدرة المجتمع المدني الفلسطيني وحركة التضامن الدولية واضحةٌ أيضًا، ولكن لأسبابٍ مختلفة بالطبع. فلا توجد قيادةٌ وطنية قادرة على الاستفادة من النجاحات التي تحققت في المجتمع المدني والبناء عليها، وهناك بالتأكيد حيزٌ محدود للتعاون بين المجتمع المدني ومنظمة التحرير الفلسطينية/فلسطين في مساعيهم المختلفة، لأسباب عديدة، ممّا يحدُّ كثيرًا من قدرة كل طرف على ترجمة تلك المساعي إلى نتائج سياسية ذات جدوى على الأرض.

وبينما يمضي المجتمع المدني وحركة التضامن الدولية قدمًا، تخطو منظمة التحرير الفلسطينية/فلسطين بحذر شديد، خوفًا من ردود الفعل، فتقبل بأهون الأعمال مثل وضع علامات لتمييز منتجات المستوطنات بدلاً من أن تسعى لفرض عقوبات دولية ضد الاستعمار الإسرائيلي للضفة الغربية بما فيها القدس الشرقية، والحصار المفروض على قطاع غزة.

الأدهى من ذلك أن قوات الأمن الفلسطينية أصبحت أقسى وأكثر وحشية في ممارسة القمع ورفض الانتقادات. ففي أواخر أيلول/سبتمبر، قمعت قوات الأمن مظاهرات شهدتها بيت لحم احتجاجًا على اعتداء أجهزة الأمن على شابٍ فلسطيني أثناء مسيرة لدعم المسجد الأقصى. وطالبَ المتظاهرون باستقالة محافظ المدينة وإسقاط عباس. ومن المفارقات أن المجتمع المدني الفلسطيني يتمتع بحرية أكبر في العمل خارجَ فلسطين.

وعلاوةً على ذلك، فإن تفتت الجسم السياسي الفلسطيني لا يزال مستمرًا. فقد تحدَّث عباس في خطابه في الجمعية العامة للأمم المتحدة عن عزمه الحفاظَ على وحدة الأرض والشعب ولكنه – رفضًا لتقارير تتحدث عن سعي حماس للتفاوض مع إسرائيل بشأن هدنة طويلة - قال إنه لن يقبل بحلولٍ مؤقتة أو دولةٍ مجزأة. وهناك مخاوف بأن منظمة التحرير الفلسطينية وحزبها السياسي الرئيس، فتح، سوف يتفتتان أكثر بخروج عباس. وهناك مخاوف من قيام دولة بوليسية، أو بالأحرى دويلات بوليسية.

بالرغم من أن صورة المشهد المستقبلي قاتمةٌ على المدى القصير، فإن الأمدين المتوسط والبعيد يبشران بموجةٍ قوية من النشاط في المجتمع المدني حول العالم، وتزايد التدابير في الدول الأوروبية بحيث تستمر الضربات الموجعة للاستعمار الإسرائيلي في الأرض الفلسطينية المحتلة. وسرعان ما سيظهر شكلٌ من أشكال القيادة الفلسطينية أكثرُ تمثيلًا لتطلعات الشعب الفلسطيني وحقوقه. وهذا ليس بعيد المنال كما قد يبدو، فهذه القيادة برزت إبان الانتفاضة الأولى. وثمة قيادة قائمة على استراتيجية رئيسية وفعالة برزت مع انطلاق نداء المقاطعة. وثمة قيادة أخرى أيضًا برزت على نحو غير متوقع هذا العام في أوساط الفلسطينيين المواطنين في إسرائيل. وهكذا حينما تبرز قيادة وطنية فلسطينية، ستجد الأرضية وقد باتت مهيأةً لقيادة الشعب الفلسطيني نحو الحرية والعدالة والمساواة.

May 23: Join Al-Shabaka’s 1st Policy Lab LIVE Online!

Apartheid: How Useful is the Framework?

with Al-Shabaka analysts Yara Hawari and Diana Buttu