حلقة نقاشسياسة

السبيل إلى استرداد الرواية التاريخية الفلسطينية

لمحة عامة

أثار تعقيب جميل هلال المعنون "استرداد الرواية التاريخية الفلسطينية" ردودًا من أعضاء الشبكة ترد في حلقة النقاش أدناه. حدَّد هلال خمسةَ تحريفات رئيسية في الخطاب السائد بشأن فلسطين وهي: اختزال فلسطين، واجتزاء تاريخها، واختزال الشعب الفلسطيني، وسراب حل الدولتين، وخرافة التنمية في ظل الاحتلال. واقترح الكاتب إجراءات عدة من أجل استرداد الرواية التاريخية الفلسطينية.

وفي الرد على تعقيب هلال، يحث علي أبو نعمة على تعرية أوهام أوسلو، بما فيها الصفة التمثيلية للسلطة الفلسطينية، وأن يعمل الفلسطينيون في الوقت ذاته على تغيير ميزان القوى الذي يُديم الرواية المهيمنة. تتناول الكاتبة الضيف ماندي تيرنر النضال المزدوج المطلوب من المجتمع الفلسطيني في الداخل والخارج بُغية إسقاط نموذج أوسلو لصالح روايةٍ بديلة. يربط صالح حجازي المشكلات في الرواية بعجز الفلسطينيين عن التعبير بوضوح عن هدفهم النهائي، وبالسؤال الوجيه عمّا إذا كان للإسرائيلي مكانٌ في الرواية الفلسطينية.

تنتقد هالة الشعيبي دورَ السلطةِ الفلسطينية ومنظمةِ التحرير الفلسطينية في وضع منهاج دراسي معيب يشوه الخطاب، وتدعو إلى استعادة زمام التحكم بالنظام التعليمي من أجل إرساء خطابٍ جديد على أرضية صلبة. يشير إسماعيل الخالدي إلى أن استرداد الخطاب لا يعدو عن كونه جزءًا واحدًا، رغم أهميته، في النضال المتعدد الأوجه الرامي إلى فضح مصفوفة السيطرة الإسرائيلية بكافة أشكالها والقضاء على الأوهام الأوسلوية إلى غير رجعة. أمّا الكاتبة الضيف سيسيلي سوراسكي فتتحدث عن التقدم الملحوظ على صعيد تحرير العقول من الاستعمار وتحدي الرواية المهيمنة بشأن إسرائيل، ولا سيما في الولايات المتحدة الأمريكية، وتبين أن رؤيةَ هلال قابلةٌ للتنفيذ وتوضح كيفية تنفيذها.

علي أبو نعمة

يُشخِّص جميل هلال العديد من الخرافات والأخطاء التي تشوب النقاش الدائر بشأن فلسطين تشخيصًا دقيقًا. غير أن هذه الخرافات والأخطاء – سواءً التي تجعل من العام 1967 بدايةً للتاريخ وتمحو النكبة، أو وهم سلام فياض المتمثل في مبادرة "بناء الدولة" المدعومة إسرائيليًا وأمريكيًا – لم تأتِ بمحض الصدفة. فهي الأوهام اللازمة لترسيخ مشروع "حل الدولتين" والتي قبلتها منظمة التحرير الفلسطينية والتي يقتصر هدفها الآن على إطالة عمر إسرائيل كدولةٍ يهوديةٍ بشرعنة ممارساتها العنصرية، ولا سيما استبعاد واستثناء اللاجئين الفلسطينيين ليس لسببٍ إلا أنهم من غير اليهود.

ليست الرواية هي ما يعترض طريق الفلسطينيين في الوقت الحاضر، بل معوقاتٌ فعليةٌ على أرض الواقع. فلا جدوى من الشكوى بأن غير الفلسطينيين يُطلِقون اسم "فلسطين" على الضفة الغربية وقطاع غزة فقط، عندما يخرج محمود عباس على شاشة التلفزيون الإسرائيلي ويقول حَرفيًا إن "فلسطين" هي الضفة الغربية وقطاع غزة فقط، وإن الباقي هو إسرائيل. يدافع الفلسطينيون أينما كانوا دفاعَ الصامدين عن النكبة وحق العودة ويؤكدون عليهما رغم أن السلطة الفلسطينية تخلت عن حقوق اللاجئين في المفاوضات، كما تُظهِر أوراق فلسطين. إن الوهم الذي يتعين علينا أن ننبري لتفنيده هو وهم الشرعية التمثيلية للسلطة الفلسطينية، فينبغي للفلسطينيين الغيورين على حقوقهم أن يكونوا أول مَن يعترض عندما يستقبل الرؤساء الأجانب عباس بوصفه "رئيسَ دولة"، إذ إن من شأن ذلك أن يُعزز الأوهام الهدّامة المنبثقة من حقبة أوسلو.

ومع ذلك، فإن العقبةَ الهائلةَ التي تضعها السلطةُ الفلسطينية في سبيل إدراك الحقوق الفلسطينية لا يمكن أن تثنينا. إن نداء المجتمع المدني الفلسطيني لعام 2005 الداعي إلى مقاطعة إسرائيل وسحب الاستثمارات منها وفرض العقوبات عليها – الذي يصيب هلال إذ يؤكد عليه – يُجدد النضال الفلسطيني ويعيد صياغته من حيث الحقوق الخاصة بفئات الشعب الفلسطيني الثلاث: الصامدون في الأراضي المحتلة عام 1948، والقاطنون في الضفة الغربية وقطاع غزة، وفلسطينيو الشتات. وبانضوائنا تحت راية نداء المقاطعة والترويج له، فإننا نغير الرواية بالفعل. إن رؤية إسرائيل للنجاح المتنامي لنداء المقاطعة على أنه "ينزع شرعية" وجودها برمته يُبرهن على أن الرواية تتغير تبعًا لتغير شكل النضال. وبما أن الرواية تخضع لهيمنة الأكثرِ نفوذًا، فلا بد لنا أن نركز على تغيير ميزان القوى بكافة وسائل النضال والمقاومة المشروعة سعيًا لتحقيق الحقوق الفلسطينية ومن ثم فإن الخطاب سيتبع الموازيين الجديدة للقوى.

ماندي تيرنر

يُبيِّن جميل هلال كيف أنه لم يطرأ تحسنٌ للأسف على صعيد قدرة الفلسطينيين على سرد روايتهم منذ نشرَ إدوارد سعيد مقالته في مجلة لندن لاستعراض الكتب (London Review of Books) سنة 1984. إن استحداثَ روايةٍ مضادة "لنموذج سلام أوسلو" المهيمن – الذي رسَّخ التحريفات الخمسة التي عيَّنها هلال – سوف يتطلب نضالًا مزدوجًا داخل المجتمع الفلسطيني وخارجه على حدٍ سواء لأن هناك مصالح قوية في كلتا الساحتين تسعى لضمان استمرارية تلك التحريفات.

ولكننا نعلم ذلك. لذا فإن السؤال الذي يشغلني هو: لِمَ لا أحد يصدق حقًا (حتى مؤيدي نموذج أوسلو) أن نموذج أوسلو، أو ما يُسمى حلَّ الدولتين، سوف يُنَفَّذ أو يكون مستدامًا، ومع ذلك فإنهم لا يزالون يعتقدون بأيديولوجيته؟ هل السبب هو المصلحة الذاتية فقط أم لأنهم لم يبلغوا نقطة التحول الأيديولوجي بعد؟

يُعرِّف سلافوي جيجيك الأيديولوجية بأنها "كذبة تبدو وكأنها تؤخذ على محمل الجد." لقد ساهمت أوسلو في إحياء الأكاذيب والتحريفات التي تعرقل، بحسب هلال، النضال الفلسطيني من أجل الحقوق وتقرير المصير. غير أن عبقرية أوسلو تكمن في لغتها المبهمة – وهو ما يُعدُّ جزءًا من المشكلة أيضًا.

سوف يواجه الخطاب البديل الذي يقترحه هلال رفضًا من البعض بحجة أنه "غير واقعي،" ولا سيما من الحكومات الغربية التي تقدم دعمًا متواصلًا لا يتزعزع لنموذج أوسلو. غير أن التناقضات المتزايدة بين أيديولوجية أوسلو والواقع على الأرض تعني أن التأييد سيزداد لصالح الروايات البديلة في أوساط الفلسطينيين ومناصريهم الدوليين.

أنا لست بتلك السذاجة لأقول إن الساعين للحفاظ على استمرارية الوضع الراهن سوف يقبلون بها بمحض إرادتهم – لأنهم لن يقبلوا بها. ولن يكون هذا بالنضال السهل.

غير أن قناع أوسلو آخذٌ بالسقوط شيئًا فشيئًا وحقيقتها آخذةٌ بالتكشف أكثر فأكثر بوصفها عمليةً ترمي إلى الاستعمار والتجريد من الممتلكات، وليست عمليةً ستقود الفلسطينيين إلى تقرير مصيرهم. فالروايةُ البديلة ضروريةٌ، إذن، والنقاط الخمس التي يوجزها هلال لتلك الرواية هي طريقة ممتازة لبدء معركة الأفكار.

صالح حجازي

كواحدٍ من الجمهور الفلسطيني الذي تخاطبه مقالة هلال، يدور في خاطري سؤالان أساسيان. أولًا، إلى أي مدى يتوافق الخطاب الذي يدعو إليه هلال مع مشروع الدولة القومية؟ وبعبارة أخرى، ما الذي نريده حقًا؟ إن قدرتنا على وضع الأهداف وبناء الاستراتيجيات ما انفكت، كما يبيِّن هلال، تواجه معيقات بفعل الوقائع التي تفرضها بالقوة وبالعنف قوى استعماريةٌ كبرى. ولكننا، كشعب، لطالما ظللنا نطمح إلى أهداف نهائية مختلفة.

المشكلةُ الرئيسية اليوم هي أننا لا نستطيع التوفيق بين خطاب حقوق الإنسان الذي تبنته الحركة الفلسطينية ومشروع الدولة القومية المبني على أسس كولونيالية الذي لا يزال قائمًا في منطقتنا. فبدلًا من إضاعة الوقت في مناقشة نوع الدولة وكيفية إقامتها، يجب علينا أن نؤكد على أن أي حلٍ قائمٍ على أسس "دولة" ضمن حدود فلسطين التاريخية ليس إلا خطوةً نحو الاستعمار التام. فلا بد أن يكون حلُّ الصراع إقليميًا وعابرًا للحدود وتكون له تداعيات دولية مهمة وأن يتجاوز حدود التحرر الوطني المرسومة وفقًا لخطوط القوى الكولونيالية.

وثانيًا، كيف يتحدث الخطابُ إلى المستعمِر الذي جاء إلى فلسطين ليبقى؟ فقد قُرِنت قصتنا المعاصرة منذ بدايتها بقصة اليهود إذ اضطُررنا إلى دفع ثمن المعاملة التي لقيها اليهود في أوروبا. ولكن لا ينبغي لذلك أن يحجب السؤال عمّا إذا كان ينبغي لقصتنا أن تتضمن شيئًا عن اليهود.

إن فشل الحركة الوطنية الفلسطينية في تجنيد اليهود المهاجرين الفارين من الاضطهاد إبان الانتداب البريطاني هو جزءٌ من قصتنا لا بد أن نبحثه، وغيره أسئلةٌ كثيرة. ولا بد أن ننطلق من هذا التأمل الذاتي لكي نصوغ مقاربات جديدة إزاء موقع اليهود في خطاب حركتنا.

ومع أن الإسرائيلي جاء ليبقى ، ولكن لا ينبغي تطبيع تصرفاته أبدًا، حيث تقع على الإسرائيليين مسؤوليةُ التكفير عن الماضي والبدء في تصحيح الجور والظلم، وهناك قِلةٌ قليلةٌ عاكفةٌ على ذلك بالفعل. غير أن هذا يترك السؤال مفتوحًا عمّا إذا كان الوقت قد حان لكي تُعيد الحركة الفلسطينية تقييمَ علاقتها باليهود، ولا سيما الذين وقعوا، مثلنا، ضحايا للمشروع الصهيوني. وبوسع ذلك أن يفتح الباب لمخيلتنا الجماعية ويتيح لنا أن نتصور سبيلًا للمضي قدمًا لا يسترد الخطاب وحسب بل ربما يساهم أيضًا في استحداث سياسةٍ من نوعٍ مختلف.

هالة الشعيبي

تبصِّرنا مقالة جميل هلال بأهمية استرداد الفلسطينيين لروايتهم والتحكم بها. وفي حين أنه يذكر دور السلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير الفلسطينية في قبول الرواية المعيبة، فإن علينا أن نؤكد على دورهما التراكمي والمستمر في إعادة صياغة الخطاب وتشويهه. إن شاغلي الأساسي هو الدور الذي لعبته السلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير الفلسطينية في وضع مناهج دراسية معيبة تدعم خطابًا مشوهًا ذا قيادة دولية. يُقدِّم هلال لمناصري الحقوق الفلسطينية مبادئ توجيهية دقيقة بشأن كيفية استرداد الخطاب الفلسطيني. ولكن نظرًا لتهميش الفلسطينيين في إطار نضالهم، فإن قِلةً منهم يستطيعون أن يوصلوا خطابهم. فما نفتقر إليه هو جماهير فلسطينية قادرةٌ على الضغط من أجل رواية فلسطينية ذاتية بدلًا من روايةٍ يغرسها الغرب.

ولا بد لنا، من أجل بث حركةٍ كهذه في أوساط الفلسطينيين، أن نُصلِح نُظم التعليم الفلسطينية الرسمية وغير الرسمية وأن نستثمر في تربية الأجيال الجديدة من الفلسطينيين حيثما كانوا. إذ تكفي نظرةٌ سريعةٌ في تصفح كتاب التربية الوطنية للصف التاسع لإدراك حجم الضربة الموجهة إلى الرواية الفلسطينية، بما في ذلك تسمية الفلسطينيين القاطنين في إسرائيل باسم "عرب 1948" بدلًا من تسميتهم بالفلسطينيين، والتعميمات المضلِّلة القائلة إن فلسطيني 1948 جميعهم يؤيدون حل الدولتين. والكثير من الكتب المدرسية تلك تُهمل السياق التاريخي المهم والضروري لأي عملية تعليمية فلسطينية.

وعلاوةً على ذلك، ينبغي ضخ المعرفة من كل حدب وصوب – بإعادة ربط الفلسطينيين بالأرض، والعودة إلى الأغاني والأناشيد التي تعلم الصمود، وإعادة هيكلة الفضاء العام المصمم حديثًا لكي لا يبدو دخيلًا ومفروضًا من الخارج. فنحن مطالبون بإنقاذ ذاكرتنا الجماعية.

إن حملة مقاطعة إسرائيل وسحب الاستثمارات منها وفرض العقوبات عليها، وحملة انتخاب المجلس الوطني الفلسطيني، ومسعى إقامة دولةٍ فلسطينية في الأمم المتحدة، وإنشاء لوبي عربي قوي هي أدوات يمكن الاعتماد عليها في استرداد خطابنا الفلسطيني. غير أن جهودنا ستذهب سدى في غياب حاملٍ موثوق لهذا الخطاب. فنحن بحاجةٍ، إذن، لإعداد جيل فلسطيني مسلَّحٍ بالمعرفة التاريخية والسياسية الدقيقة، وفهمٍ عميق للموارد المتاحة من أجل توحيد هويتنا الوطنية. ولربما ينبغي أن تكون مقالةُ هلال دعوةً للمنظمات الشبابية الفلسطينية لكي تكون أكثر انتقادًا ومعارضةً للرواية الفلسطينية المشوهة والمهزومة. وحالما نسترد نُظمنا التعليمية، سنكون قادرين على استرداد روايتنا.

إسماعيل الخالدي

يشخِّص جميل هلال الحالة الحرجة التي يعاني منها الخطاب بشأن فلسطين تشخيصًا دقيقًا. ولعل أخطرَ ما فيه هو أن الشعب الفلسطيني منقسمٌ جدًا بصورةٍ منهجية لدرجةِ أن الكثير من الفلسطينيين لا يعُون تمامًا شدةَ الانقسام أصلًا.

يطرح هلال مقترحات مفيدة حول كيفية استرداد الرواية الفلسطينية وتولي زمامها. غير أن هناك الكثير ممّا ينبغي للفلسطينيين ومؤيديهم أن يفعلوه من أجل المضي قدمًا، وليس أقله إحياء حركةٍ شاملةٍ وفعالة وقابلة للاستمرار من أجل التحرر الوطني.

إن إنشاء حركةٍ كهذه يعني تحدي مصفوفة السيطرة والفصل الإسرائيلية المُحكَمة. فلهذه المصفوفة أوجهٌ ظاهرةٌ وخفية جغرافيًا وماديًا وفكريًا، وهي تُقسِّم الفلسطينيين وتقمعهم مرارًا وتكرارًا وبدرجاتٍ متفاوتةٍ في الأراضي المحتلة (الضفة الغربية وقطاع غزة) وإسرائيل والشتات.

لا يمكن التغلب في الوقت الحاضر على هذه المصفوفة جغرافيًا بسبب الحدود المادية العديدة الهائلة، ولا افتراضيًا عبر ثورة على الفيسبوك. ولا يكمنُ حلُّها في إحراز الوحدة بعيدة المنال بين فتح وحماس، والتي هي في الواقع ذرٌ للرماد في العيون لأن أيًا من الطرفين لا يملك حلولًا لأوجاع الشعب الفلسطيني.

إن الحل يكمن في التصدي لمصفوفة السيطرة والفصل من زوايا مختلفة. وما يقترحه هلال من استرداد الرواية هو جانبٌ مهم في هذا النضال المتعدد الأوجه. ولا بد لهذا النضال أن ينطوي على إحياء منظمة التحرير الفلسطينية وإخراجها بحلةٍ جديدة عن طريق دمقرطتها وتحديثها في إطار عمليةٍ تُشرِك المواطنين الفلسطينيين في إسرائيل والفلسطينيين في الشتات. وتتطلب هذه العملية أيضًا تنحي "القيادة" الفلسطينية المتصلبة والمتهالكة والرجعية وحلَّ السلطة الفلسطينية.

سوف تقطع هذه الخطوات شوطًا طويلًا على صعيد إنهاء مهزلة عملية السلام وما يصاحبها من خرافة إمكانية التنمية في ظل الاحتلال وقابلية حل الدولتين للحياة، وفضح الجوانب الخفية في مصفوفة السيطرة والفصل الإسرائيلية أمام العالم. وحينها فقط ستأخذ الإلهاءات والأوهام المنبثقة عن كارثة أوسلو في التبدد على مرأى من الجميع، ممّا سيتيح للفلسطينيين استرداد الخطاب المشوه بالكامل والانخراط في نضالٍ شامل ومنسَّق وتعددي وغير عنيف من أجل الحرية والعدالة والمساواة.

سيسيلي سوراسكي

ليس من قبيل المصادفة أن تكون مرافق التعليم من أهم ساحات المعارك بالنسبة إلى اللوبي الإسرائيلي، وأن سفير إسرائيل لدى الولايات المتحدة الأمريكية هو مؤرخ. فكما يقول جميل هلال، الرابح هو مَن يحدد الرواية، والصراع بين الإسرائيليين والفلسطينيين هو صراعُ روايات متناحرة بقدر ما هو صراعٌ على دونمات من الأرض وعلى دماء مسفوكة.

إن الدعم المالي والدبلوماسي الأمريكي غير المشروط لإسرائيل على المحك. والمحافظة عليه تتطلب إدامةً لروايةٍ مهيمنةٍ تضع المحرقة اليهودية في صميم سردٍ يُظهِر إسرائيل كضحيةٍ بريئة والفلسطينيين كمروجين للكراهية.

وهذا يعني أن تغيير ميزان القوى يقتضي تغيير الرواية.

وعلى مر السنين، وبالرغم من الجهود المكارثية، أحرز الفلسطينيون وحلفاؤهم تقدمًا حقيقيًا في إبراز الرواية الفلسطينية: فقد غدا مصطلح "الاحتلال" أكثر قبولًا على نطاقٍ واسع من مصطلح "الأراضي المتنازع عليها". وغدت المستوطنات مستهجنةً، وحتى مصطلح "الفصل العنصري" (الأبرتهايد) الذي كان مهجورًا ذات يوم أصبح شائعًا الآن.

ومع ذلك، فإن ما يُعتبر مناظرةً في الأوساط العامة الأمريكية هذه الأيام يكون في الغالب مبارزةً بين اثنين يعرفان عن نفسيهما كصهيونيين ليبراليين يزاود كلٌّ منهما على حب نظيره لإسرائيل. إن المشكلة مع الصهيونية الليبرالية الرومانسية هي التزامُها، بحكم تعريفها، بتقييد التأمل الذاتي في عام 1967 وتجاهل العنصرية المتأصلة في نظام الحكم العِرقي في إسرائيل.

ولكن هذا لا يعني الفشلَ بالضرورة. فاستنادًا إلى خبرتنا في منظمة الصوت اليهودي من أجل السلام، متى ما بدأت عملية تحرير العقول من الاستعمار، لا يمكن وقفها طالما احتفظ المرء بفضوله.

إن تنفيذ رؤية هلال أمرٌ ممكن. فاللغة والأفكار والتأطير تنتشر كالعدوى، ولم يعد تكرار الطرح حِكرَا على المؤسسة الرسمية كما كان في السابق، بل إن بوسع الشبكات العالمية اليوم أن تستخدم وسائل الإعلام الاجتماعية لإعادة صياغة الخطاب. وما نحتاج إليه هو معجمٌ مشترك.

وهذا يترك السؤال الأصعب دون إجابة – مَن يدّعي الحقَّ في صياغة روايةٍ فلسطينية واحدةٍ وموحدة لشعبٍ متنوع؟