حلقة نقاشسياسة

الشباب الفلسطيني يثور، فهل من دورٍ للأحزاب السياسية؟

لمحة عامة

يتجلى غياب القيادة الوطنية الفلسطينية الحقَّة بشدة في الأزمة الراهنة. فمن المسلَّم به عمومًا أن انتفاضةَ الشباب الحالية في وجه الاحتلال العسكري الإسرائيلي المطوَّل ونكران الحقوق الإنسانية في الأرض الفلسطينية المحتلة وداخل إسرائيل تفتقرُ كثيرًا إلى القيادة. فما هو دور الأحزاب السياسية في انتفاضة الشباب بالنظر إلى استحكامها في الجسم السياسي الفلسطيني رغم انقساماتها وضعفها؟ وإذا افتراضنا أن المصالحة بين فتح وحماس ستظل معلَّقة، ما الذي يمكن للأحزاب والقوى السياسية الأخرى أن تفعله لتوفير إطار عملٍ للقيادة الوطنية، سواء ضمن منظمة التحرير الفلسطينية أو خارجها؟ وما هي السُبل الأخرى التي يمكن أن توفر فضاءً لنشوء قيادة وطنية - أو محلية –جديدة في أوقات الأزمات، وغيرها؟ 1

ثمة بعض القواسم المشتركة في التشخيص الذي يخلص إليه المحللون السياساتيون في الشبكة، غير أن آراءهم بشأن العمل المستقبلي تندرج تحت مجموعتين: أولئك الذين يقترحون بدائل خارج الهيكل السياسي القائم، وأولئك الباحثون عن سُبل لإنجاح الهيكل الحالي. يدعو جمال جمعة إلى الاستثمار الجاد في إعادة بناء الفضاء السياسي من أجل دعم الانتفاضة، بما في ذلك تعزيز العلاقات بين الفلسطينيين في الوطن وفي الشتات. ويبين جميل هلال أن إحدى طرق المضي قدمًا تتمثل في البناء على اللجان المحلية المشكَّلة ديمقراطيًا والربط فيما بينها باعتبارها أساسًا لإحياء الحركة الوطنية. لا ترى نجمة علي حاجةً في إقامة إطار جديد بديل، بل تدعو إلى تغيير السلوكيات في النظام القائم. ويعتقد خليل شاهين أيضًا أن هذه المرحلة الانتقالية لا تزال تتسع لنظام الأحزاب التقليدية على مساوئه.

يشير جابر سليمان إلى أن هبّة الشباب الفلسطيني موجهةٌ نحو السلطة الفلسطينية بقدر ما هي موجهةٌ نحو المحتل، وأن الخيار الوحيد يتمثل في إيجاد السُبل للتعاون بهدف الحفاظ على هذا الزخم. تخلصُ مريم أبو سمرة إلى أن الشباب أنفسهم هم مَن سوف يُصلِح السياسة الفلسطينية إصلاحًا جذريًا في نهاية المطاف. ويشير بلال الشوبكي إلى أن الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين وحركة الجهاد الإسلامي قادرتان على الحشد، وبذلك تستطيعان العملَ على تسخير الأحزاب التقليدية لخدمة الهّبة الجديدة. ويقول علاء الترتير إن المواجهة والاشتباك على المستويات كافة وفي المجالات المختلفة يجب أن تصبحَ أسلوبَ حياة دائم في ظل الاستعمار حتى تتحقق الحرية.

جمال جمعة: رؤية، أهداف واضحة، وعلاقات متشعبة

انتظر الفلسطينيون الأحزاب السياسية لما يقارب الشهرين لتأخذ دورها في قيادة وتوجيه هذه الانتفاضة. إلاّ أنهم ما زالوا ينتظرون. فهذه الأحزاب غير قادرة وغير راغبة بتنظيم وقيادة الانتفاضة الحالية نحو انتفاضة شاملة ذات بعد تحرري، وهذا يرجع لعدة أسباب. أولاً، فإن قيادات هذه الاحزاب غير مستعدة لدفع الثمن الذي سيترتب على قيادة وتأطير المقاومة الشعبية. هذا الثمن المتأتي من قِبَل سلطات الاحتلال الاسرائيلي والمتمثل بحملة اعتقالات وملاحقة وضرب بنى التنظيمات خصوصا أنها تعمل في العلن وبناها التنظيمية ضعيفة، أو لأن هذه القيادات لا تريد أن تضحي بامتيازاتها المالية أو مكانتها السياسية كأعضاء في منظمة التحرير الفلسطينية.

أضف إلى ذلك عدم استطاعة الاحزاب اتخاذ قرار كهذا بعيدا عن القوى والأجهزة الأمنية في السلطة الفلسطينية ورأس هرم السلطة الذي يمثل أكبر فصيل في منظمة التحرير وهو حركة فتح التي أصبح قرارها مرتهن بمصلحة السلطة بالرغم من وجود تيارات معارضة وغير راضية عن الاداء ولكن قدرتها على التأثير والتغيير ضعيفة. يعتبر الرئيس محمود عباس، وهو صاحب السطوة في منظمة التحرير وعلى كل قيادات هذه الاحزاب، أن الانتفاضة أوصلت رسالتها إذ أنها أعادت الاهتمام بالقضية الفلسطينية وحركت المجتمع الدولي وبالتالي فهو يراهن على مبادرات جديدة للعودة الى المفاوضات. هذا إضافة إلى أن عبّاس أعلنها بوضوح على مر السنين بأنه لا يريد انتفاضة جديدة.

كذلك فإن هياكل هذه الأحزاب وبناها التنظيمية الحالية لا تستطيع توفير الأطر السياسية والتنظيمية والاقتصادية لقيادة انتفاضة طويلة الأجل تستنزف الاحتلال. فالانتفاضة الناجحة والفعّالة تحتاج الى رؤية شاملة لتحقيق أهداف واضحة وممكنة قادرة على تجنيد الامكانيات والفرص والعلاقات محليا وعربيا ودوليا. أما بخصوص القوى الاسلامية كحماس والجهاد الاسلامي، فهم أيضاً يراوحون نفس الموقف لاعتبارات ربما بعضها مختلف. فهم أيضاً غير راغبين بدفع ثمن إضافي للاحتلال الاسرائيلي أو إعطاء اسرائيل فرصة لشنّ هجوم عسكري جديد على قطاع غزة. وهم أيضاً خائفون من أن استغلال السلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير الفلسطينية من استغلال هذه الانتفاضة لتحسين شروط التفاوض مع اسرائيل.

ولكن ثمة عوامل ومعطيات ايجابية عدة تدعم ضرورة خلق مساحة لظهور قيادة وطنية او محلية جديدة. فحتى لو هدأت وتيرة الانتفاضة الحالية فأنها نجحت بالتأسيس لمرحلة جديدة وفتحت الابواب واسعة للتفكير في أهلية القيادة الحالية وشرعنت البحث عن بدائل. كذلك فقد وحدت الانتفاضة المندلعة الشعب الفلسطيني في الداخل الفلسطيني المحتل والضفة الغربية والقدس وقطاع غزة. ولكن الذي اختار أن يبقى منقسماً هم القوى والأحزاب السياسية. أما الشتات الفلسطيني فقد تحرك ولو بشكل جزئي وساهم بشكل واضح في تنظيم التظاهرات. كذلك فالتحركات الميدانية والمبادرات المختلفة تشير إلى بدايات تشكل قيادة للحراك وإن ما زالت مبعثرة وموضعية ولكن بالتأكيد يمكن البناء عليها.

أما على الناحية السلبية، فمن الواضح أن السلطة الفلسطينية لن تسمح بظهور قيادة جديدة وستعمل كل ما بوسعها من أجل إجهاض أي تحرك بهذا الاتجاه حتى لو تتطلب ذلك التنسيق مع الاحتلال الاسرائيلي لوأد أي تحرك مع العلم أن تقاسم الأدوار مع سلطات الاحتلال قائم على أية حال. كذلك فإن ضعف الحراكات الشعبية القائمة وضعف أو حتى انعدام دور الطبقة المثقفة في الحياة السياسية الفلسطينية وعدم قدرتها على تشكيل رافعة سياسية وفكرية للقوى الشعبية والمقاومة الشعبية، بالإضافة لغياب دور الشتات في التأثير على عملية صناعة القرار، تشكل عوامل سلبية إضافية. لذلك فان الحديث عن خلق مساحات وقيادات سياسية جديدة يجب أن يأخذ بعين الاعتبار البناء على ما هو ايجابي ومعالجة ما هو سلبي. ومن المهم أيضاً مراعاة أن أي حراك جدّي في هذا الاتجاه يجب ان يراعي درجة معقولة من السرية في التحرك.

وبالتالي فالمطلوب هو خلق حاضنة شعبية بموازاة الحراك، والعمل على دعم الحراك الشعبي والاطر الشعبية والجماهيرية التي تمتلك رؤية سياسية تعبوية-تنموية-نهضوية كاتحادات العمال والمزارعين والأطر النسوية والشباب بالطبع. كذلك فمن المهم تجنيد الطاقات الجادة من الشتات خصوصا من الشباب وخلق مجموعات عمل من أجل رسم خارطة للتواصل والتنسيق مع عناوين وطنية مهمة ومتنورة مستعدة لتحمل المسؤولية ومقتنعة بأهمية دور الشتات في القرار الفلسطيني وفي اسناد مقاومة الشعب الفلسطيني.  

نحن بحاجة الى تنسيق جاد ما بين الداخل والخارج بهذا الخصوص، ويجب أن نعيد بناء الثقة بيننا أولا والثقة بأنفسنا وبقدرتنا على التغيير ثانيا، والايمان المطلق بشعبنا وقدرته على النهوض والعطاء ثالثا، وترسيخ اليقين بحتمية انتصارنا رابعا.   

جميل هلال:  تجمعات ديمقراطية، قيادة موحدة جديدة

قادت الأحزاب السياسية الديمقراطية والتقدمية عبر التاريخ النضالَ من أجل التحرر من الظلم، ولا سيما من النهب والإرهاب الاستعماري الاستيطاني. غير أن هذه القيادة انقطعت للأسف منذ الانتفاضة الأولى في أواخر عقد الثمانينات. ولم تخفق الأحزاب والحركات السياسية في الاضطلاع بمسؤوليتها وحسب، بل تسببت أيضًا بتجزئة حركة التحرر الوطني الفلسطيني، في حين كان يجدر بالأحزاب أن تستعرض بعينٍ ناقدة التقدمَ المحرز في الماضي وأوجه القصور بهدف إعادة بناء الحركة لتكون أكثر انسجامًا مع المستجدات الوطنية والإقليمية والدولية. وباختصار، لا تستطيع الأحزاب السياسية في الوقت الحاضر أن توفر قيادةً موحدة واستراتيجيةً متماسكة لنضال الشباب الحالي ضد المستعمر الظالم، ولمستقبل الشباب القاتم.

كلُّ المؤشرات تدل على أن المصالحة بين فتح وحماس ليست قريبة. أمّا الأحزاب السياسية الأخرى فقد لعبت دور الوسيط بدلا من أن تشكِّل قيادةً بديلة ذات برنامج يعالج تفاقم التجزئة والاستعمار والقهر والإخضاع الذي يعانيه الفلسطينيون. لم تتشكل أي كتلة تاريخية للضغط على قطبي السياسة الفلسطينية، فتح وحماس، لكي تعود الحركتان إلى رشدهما، أو لتولي المسؤولية في تقديم رؤية وقيادة جديدتين إنْ هما فشلتا. إن غالبية الشعب الفلسطيني تعاني الخذلان والإحباط بسبب أداء فتح وحماس واستمرار المشاحنات، بينما يُمعِن المستعمِر في الاستحواذ على الأرض الفلسطينية وتدمير المنازل، واعتقال الفلسطينيين، وتهويد القدس، وإبادة أهل غزة إبادةً جماعيةً بطيئة، وممارسة التمييز والعزل على فلسطينيي الداخل المحتل، والحكم على اللاجئين بالنفي. والآن صار الجنود والمستوطنون يقتلون الشباب العزَّل بدمٍ بارد، ومع ذلك تحافظ السلطة الفلسطينية على التنسيق الأمني ​​بلا خجل.

لعلَّ الحل يكمن في أن ينشئ كل مجتمع فلسطيني قيادتَه الديمقراطية البديلة، ومن ثم التفكير سويًا في سُبل بناء حركةٍ وطنية جديدة مع المحافظة على الأصول التي شيَّدها النضال الفلسطيني في العقود السابقة. ومع أن هذه المهمة ليست سهلة، يبدو أن فلسطينيي الداخل المحتل ماضون في الطريق الصحيح، وينبغي دراسة تجربتهم واتباعها حيثما أمكن.

التطبيق، بطبيعة الحال، ليس سهلًا. ولكن بالنظر إلى حالة الضعف الشديدة التي تمر بها معظم المجتمعات الفلسطينية، ثمة حاجة لتأسيس لجان محلية في القرى والمخيمات والأحياء للتعبير عن احتياجات هؤلاء كل بحسب خصوصية ظرفه، ومن ثم الانطلاق لتشكيل رابطات أكبر. وعلى سبيل المثال، مجتمعاتٌ كثيرة في الضفة الغربية مشغولةٌ بالبحث عن سُبل الدفاع عن نفسها وأرضها وممتلكاتها من هجمات المستوطنين الدموية والغادرة، وفي قطاع غزة تشغلها طريقة التعامل مع المشاكل الملحة الناجمة عن الحصار الإسرائيلي والحروب الفتاكة المتكررة، وفي لبنان تشغلها كيفية تمكين اللجان الشعبية في المخيمات من تشكيل "إطار عمل موحد" للتعامل مع المشاكل الأعم في المخيمات كافة داخل لبنان. ويتسنى لدور هذه اللجان المحلية أن يتمدد حسب مقتضيات الحال، سواء بحسب متطلبات البلديات أو المجالس القروية أو الفروع المحلية للأحزاب السياسية أو منظمات المجتمع المدني المحلية أو المؤسسات. وتُعتَبر الجهود النضالية المستمرة التي تبذلها لجنة المتابعة العليا للجماهير العربية في إسرائيل، وحركة مقاطعة إسرائيل وسحب الاستثمارات منها وفرض العقوبات عليها، بمثابة منارات نسترشد بها جميعنا.

أمّا في العالم الحقيقي، فإن الناس يتباحثون ويخرجون بحلول ملموسة للمشاكل التي يواجهونها في حالة معينة. ولحسن الحظ، فإنهم لا ينتظرون أحدًا مثلي ليقول لهم ما ينبغي أن يفعلوه.

نجمة علي: التغيير يبدأ أولاً من داخل الأحزاب

يقود الشباب الفلسطيني المنتفض حالياً مرحلة مهمة من المواجهة ضد الاحتلال الاسرائيلي والظلم الممارس بحقهم. هذا الانتفاض يشير للدور المهم للفئة الشابة والجيل الجديد في استبدال القيادات الحالية. فبروز جيل جديد على الساحة السياسية هو عامل أساسي في خلق أي تغيير سياسي في العالم. يبقى السؤال: هل هذا الجيل مؤهل لرفع سقف الانتفاضة أو أي تحرك أو هبة من الشارع الى الدائرة السياسية أو الدبلوماسية؟

تكمن الاشكالية في عدم التمرد فعلياً على القيادات الفلسطينية التقليدية من فتح وحماس واليسار وهو أكثر ما نحن بحاجة إليه لنقل الحس الثوري من الشارع إلى العمل الدبلوماسي والسياسي. إذ تتصرف الفصائل الفلسطينية اليوم كأحزاب سياسية حيث تزين أو تحسب المكاسب والثمار السياسية التي من الممكن حصدها من خلال هذه الهبة - كإرجاع فتح قنوات المفاوضات مع اسرائيل مثلا- ولكنها لا تتصرف كفصائل ثورية تخوض معركة تحرر وهو ما يتناقض مع الشارع حالياً. وبالتالي، فإن الأحزاب الفلسطينية تشكل عائقا أكثر مما هي داعمة للانتفاضة الشبابية أو لأي تحرك غير روتيني -بمعنى غير ممأسس وخارج الأطر التقليدية مثل الاذرع العسكرية للأحزاب التي يوجد سيطرة عليها. أي تحرك لا يوجد توجيه أو سيطرة عليه لا يصب في مصلحة أي حزب، لأنه لا يستطيع توجيهه وهنا من الممكن القول أنه يوجد فرصة ويجب اغتنامها.

القضية لا تُختزل فقط في خلق مساحة جديدة خارج أو داخل منظمة التحرير الفلسطينية، وإنما في تغيير السلوك السياسي لدى الفلسطينيين كشعب مسيس وينتمي إلى الأطر السياسية المتواجدة حاليا. يتحتم على هذ السلوك السياسي الانتقال من السقف الحزبي إلى السقف الوطني. لقد كرّس وعزز الانقسام الفلسطيني الداخلي وضعف منظمة التحرير الفلسطينية الانتماء الحزبي الضيق. ما نراه اليوم في الشارع هو تمرد علني على الانتماءات الحزبية الضيقة واعلان عن الحاجة الى تعزيز الوطني على حساب الحزبي.

ولكن وفي نفس الوقت وفي ظل غياب المصالحة وتجذر الانقسام الحزبي، كانت الصورة لتكون مشجعة أكثر لو تمرد الشباب المسيس حزبيا ضد القيادات التي تقود الأطر السياسية الفاعلة حاليا واستبدالها بطاقات شبابية غير منهكة سياسيا وتملك الثقة الكافية والقوة والوقت .أما بالنسبة للقيادات المحلية والتي لم تكن يوماً بمعزل عن القيادات المركزية وخصوصا بأن فتح وحماس مثلاً هم حركات سياسية جماهيرية وليست حزبية بالمعنى التقليدي، فلا أرى سيناريو لنشوء حراك شعبي مستقل مثلا. نعم من الممكن أن تتكون لجان شعبية على غرار تجربة الانتفاضة الأولى، ولكن حتى القيادة لوطنية الموحدة تكونت وقتها من أطر سياسية تحمل رؤيا وأهداف سياسية محددة ومتفق عليها تمركزت حول إنهاء الاحتلال كخطوة أساسية من أجل التحرر.

باختصار نحن بحاجة "لربيع فلسطيني داخل الاحزاب الفلسطينية" وليس بحاجة لخلق أطر سياسية أخرى بديلة تزيد من حالة الانقسام وتعزز الممارسة الحزبية الضيقة. اذا لم يكن هنالك تمرد شبابي داخل الأحزاب السياسية الفلسطينية لن تستطيع أي انتفاضة خلق تغيير فعلي على الساحة السياسية. ولكن إن لم تحصل هذه التمردات الشبابية الداخلية فستذهب تضحيات الشعب الفلسطيني مهب الريح، مما سيزيد  شعور الإحباط بعدم القدرة على تغيير أي شيء. إن أكثر ما يخيفني هو أن يتحول هذا الإحباط إلى عملية اغتيال بطيئة للشعب الفلسطيني وايمانه بقدرته على التحرر.

خليل شاهين: الحراك المتخطي للسياسة التقليدية

ثمة عملية تاريخية قيد التشكل خارج نطاق مقاربات الإصلاح والترميم لما يعرف بالنظام السياسي الفلسطيني، الذي أنتجه فكر سياسي يقترب من اختتام مسار انتحاره منذ كفّ عن أن يكون فكرًا لحركة تحرر وطني باعترافه بشرعية وجود النظام الاستعماري الاستيطاني العنصري في سياق مرحلة اتفاق أوسلو، والتي جعلت منظومات عمله أسيرة للعلاقة الاستعمارية. بينما تشكل الموجة الانتفاضية الحالية خروجا من، وعلى، هذه العلاقة الاستعمارية وتشكل امتدادا لأشكال من التعبير والعمل السياسي والكفاحي تتطور منذ فترة خارج منظومة العمل السياسي والتنظيمي التي كرسها الفكر السياسي التقليدي في مرحلة أفوله منذ سبعينيات القرن الماضي.

ومع ذلك، لا بد من الإقرار بثنائية "التعايش" القائم حاليا بين العمل السياسي التقليدي للمنظمة والسلطة والفصائل، وأشكال العمل السياسي الجديدة، التي يتصدرها الشباب. فهي نابعة من الطابع الانتقالي للمرحلة الراهنة، لاسيما من حيث استمرار الدور السياسي للحركة الوطنية التقليدية، رغم إنسداد الأفق أمام دورها التاريخي، أي قدرتها على تجسيد الحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني. لكن هذا الإقرار ينبغي، في الوقت ذاته، أن يحفز التفكير الاستراتيجي الفلسطيني على الاشتباك مع تداعيات الانهيار في الفكر والممارسة من جهة، ومتطلبات إعادة البناء من جهة أخرى، بما هي عملية تهدف إلى إعادة بناء المشروع الوطني الفلسطيني والحامل الوطني القادر على تحقيق أهدافه.

فقد شهدت السنوات الماضية تطور مسار جديد لا يؤمن بإعادة بناء الحركة الوطنية كمدخل لبناء وتطوير برامج العمل، بل يرى على عكس ذلك أن استقطاب أوسع الفئات من الفاعلين ضمن منظومات من برامج العمل التشاركية هو المدخل لإعادة بناء الحركة الوطنية، من خلال التركيز على شق مسار جديد يبني على ما يجمع الفلسطينيين في الوطن والشتات، أي الحقوق التاريخية والطبيعية للشعب الفلسطيني. وجاءت نماذج حركة المقاطعة العالمية وحركة حق العودة ولجان المقاومة الشعبية للجدار والاستيطان ومخططات التطهير العرقي في الداخل الفلسطيني المحتل والضفة الغربية والحراكات الشبابية وغيرها، تعبيرا عن أشكال العمل الجديدة خارج المنظومة التقليدية للعمل السياسي السلطوي والحزبي.

في سياق كهذا، تعد الموجة الانتفاضية وليدا جديدا لأشكال من العمل الشعبي والشبابي أخفقت المنظومة التقليدية للعمل السياسي الرسمي والحزبي في قراءة دلالاتها وصيرورتها وتأثيراتها، وبخاصة في لحظة تفاقم الانقسام والصراع الداخلي على مواقع القوة والنفوذ. وبعيدا عن بكائيات الخشية من عدم توفر مقومات تنظيمها وتصاعدها واستدامتها، يمكن القول إنها قد تتكسر أو تشتد، لكنها موجة أعلى ضمن سلسلة من الموجات سوف تتوالى في مسار تصاعدي حتى تتحول عند لحظة ما إلى ما يشبه "تسونامي"؛ أي إلى حدث مؤسس في الوعي الجمعي لمكانة القضية الفلسطينية بصفتها قضية تحرر وطني، وللحاجة إلى إعادة بناء الوعي بالشرط الاستعماري من جهة، وكذلك إعادة بناء الهياكل والأطر الوطنية والمؤسساتية القادرة على شق مسار كفاحي جديد من جهة أخرى.

إن الموجة الانتفاضية الحالية تعني أن هناك جيلًا يلتقط زمام المبادرة في إعادة صياغة علاقة الشعب مع الاحتلال، باعتبارها علاقة صراع وليس "تفاهم". وهو يقوم بذلك عن طريق كسر احتكار السياسة، دون إذن من أحد، بل وبالتمرد على أشكال العمل الرسمي والفصائلي في نطاق المعازل التي تديرها سلطة بدأ الاحتلال منذ العام 2000 خصوصاً في إعادة تحديد العلاقة معها، لتحويلها إلى مجرد وكيل إداري واقتصادي وأمني تحت سقف منظومة السيطرة الاستعمارية.  

غير أن كسر احتكار الحركة الوطنية التقليدية للسياسة، لا يعني انتهاء الدور السياسي للفصائل، رغم حالة الانقسام الداخلي وافتقارها للشرعية المستمدة من الإرادة الشعبية. فهي لا تزال الإطار المنظم لممارسة السياسة، رغم تراجعها، ولديها جمهورها وتتصدر أشكال المقاومة المسلحة، وبخاصة في قطاع غزة، ولها تأثيرها المهيمن على المنظمة والسلطة والاتحادات والنقابات، وبخاصة الحركة الطلابية.

وقد تكون الإرهاصات الحالية في نشوء أشكال وأطر وقيادة جديدة للعمل السياسي والكفاحي شبيهة بفترة نهاية الخمسينيات وبداية الستينيات عندما شق جيل شاب، بالاستفادة من الظروف والعوامل العربية والدولية المواتية حينذاك، مسارًا جديدًا في الصراع، مكّنَه خلال فترة غير طويلة من إزاحة قيادة ما قبل وبعد النكبة عن مواقع القيادة، وطوَّرَ أشكالَ عمله، وصولًا إلى تنظيمها في كيانات سياسية وتشكيلات مسلحة استمدت شرعيتها من الشعب الذي دان لها بالولاء كقيادة جديدة دون انتخاب.

ومع ذلك، يتوجب الإقرار بأن ظروف ومقومات مثل هذه العملية غير متوفرة بعد، ولا يزال هناك متسع لدور تلعبه مكونات الحركة الوطنية التقليدية. إلا أنه لن يكون ممكنًا إعادة الاعتبار للسياسة عبر شكل ممارستها المنظم والجماهيري من خلال العمل التنظيمي، إلا بتغيير في الأهداف وأساليب العمل والقواعد التي تحكم السياسة ذاتها، للالتقاء عند نقطة ما مع أشكال العمل السياسي والكفاحي الآخذة في التبلور والاتساع خارج المنظومات التقليدية للعمل المؤسساتي والحزبي، باتجاه إعادة صياغة العلاقة مع النظام الاستعماري.

يتطلب ذلك العمل وفق مبدأ التشاركية مع جيل الشباب في قيادة وتنظيم وتحديد أهداف وشعارات الموجة الانتفاضية، بعيدا عن محاولات الاحتكار أو الاحتواء. وربما سوف يسهم ذلك في ارتقاء أشكال العمل المنظمة للفصائل إلى مستوى المبادرة الكفاحية التي يلتقط زمامها جيل الشباب، بما يخدم تطوير الهبة الشعبية الحالية إلى مستوى انتفاضة شاملة قادرة على شق مسار كفاحي جديد، قائم على تبني إطار الصراع التحرري.

جابر سليمان: تخطي المعضلة لإعادة بناء الحركة الوطنية

يثير الحراك الشبابي المتواصل في فلسطين منذ حوالي الشهرين مجموعة من التساؤلات والإشكالات حول دوافعه وأسبابه وماهيته وآفاق تطوره، وأبرزها: هل هو تعبير عن حالة يأس وإحباط، أم عن تجدد الروح الوطنية؟ هل تعود جذوره العميقة إلى تكريس الانقسام الفلسطيني، وواقع السلطة المهترئ، ووصول عملية أوسلو وحل الدولتين إلى طريق مسدود، وتغول الاحتلال والاستيطان، وامتهان كرامة الفلسطينيين وانتهاك المقدسات، وتراجع الاهتمام العربي بقضية فلسطين والإهمال الدولي لها؟ هل هو حراك شعبي أم هبة شعبية، أم ماذا؟ هل يتحول إلى انتفاضة شعبية على غرار الانتفاضة الأولى، أم سيبقى تعبيراً عن حالة غضب لا تلبث أن تنحسر؟ ما هي شروط تحوله إلى انتفاضه بقيادة وطنية موحدة وبرنامج وطني موحد؟ والأهم من ذلك كله، ما هو السبيل إلى بلورة مثل هذه القيادة في ظل تعثر المصالحة الوطنية ومأسسة الانقسام الفلسطيني؟ وما دور الفصائل الفلسطينية في إطار منظمة التحرير الفلسطينية، وإطار القيادة الفلسطينية الموسعة في تعزيز الانتفاضة وحمايتها وفي تطوير قيادة وطنية موحدة لها؟

على الرغم من أن الحراك الشبابي الراهن الذي يقوده الجيل المولود قبيل وبعد أوسلو موجّه ضد الاحتلال الاسرائيلي بالدرجة الأولى، إلاّ أنه يحمل في ثناياه احتجاجا وغضباً عارمين على السلطة الفلسطينية وأدائها السياسي المسؤول عما آلت إليه أحوال القضية الفلسطينية عموماً والأحوال في المناطق المحتلة منذ العام 1967 بشكل خاص. وهذا في حدّ ذاته يشكل مفارقة كبرى ومعضلة عندما يجري الحديث عن دور الفصائل الفلسطينية (داخل المنظمة وخارجها) في تطوير الحراك وبلورة قيادة موحدة له. إذ كيف يمكن لمن كان السبب في  خلق الوضع الراهن، مع تفاوت الأدوار بين فتح وحماس وبين فصيل وآخر، أن يساهم في الحلّ أو أن يأتي هذا الحلّ على يديه؟ باختصار وبعيداً عن التبسيط، لا يمكن استبعاد دور الفصائل أو إعفائها من المسؤولية، وخاصة في ظل غياب حركة وطنية بديلة حتى اللحظة، أو كتلة شعبية منظمة خارج الفصائل (كتلة تاريخية بالمعنى الغرامشي)، بوسعها تشكيل إطار وطني جامع لمختلف فئات الشعب الفلسطيني وتوظيف دورها في الحراك الراهن.

إذ لا يمكننا تجاهل أهمية التنسيق بين القيادة السياسية والفصائلية من جهة، ومجموعات الشباب المنتفض والجماهير الداعمة التي تقوم بفعل المواجهة اليومية ضد الاحتلال. ولكن هذا لا يعني بأي حال من الأحوال أن تركب الفصائل على ظهر الحراك وتستثمره في غير اتجاهه التاريخي المناهض للاحتلال والمعارض للانقسام والمتطلع للخروج من أزمة العمل الفلسطيني الراهنة. وخصوصاً أن الشعب الفلسطيني لا يزال يدفع ثمن استثمار الانتفاضة الأولى من أجل التوصل إلى توقيع اتفاقية أوسلو.

وهذا ما يطرح على الجميع وعلى الفصائل بالذات مهاماً وطنية عاجلة وملحة تتمثل في ألاّ تدفع الفصائل الحراك باتجاه العسكرة، وألاّ تحمله أكثر مما يحتمل، أو أن تضغط عليه باتجاه تحقيق نتائج سريعة (الإنهاء الفوري للاحتلال)، وذلك من خلال التوافق على أهداف مرحلية وتكتيكية متواضعة لا تقفز فوراً إلى هدف تصفية الاحتلال، الذي عجزت عنه الفصائل مجتمعة. بل عليها التعامل معه بوصفه حلقة من حلقات النضال الشعبي على هذا الطريق الطويل والشائك من الواجب المساهمة فيه ودعمه. وعلى الفصائل أيضاً أن تستوعب دور الأجيال الشابة وأن تستمع إلى صوتها، ولا تستبعد دورها في قيادة الحراك الشعبي (القيادة/القيادات الميدانية واللجان المجتمعية المحلية)، على أن تركز جُلّ جهدها على تشكيل قيادة سياسية فصائلية موحدة (حتى قبل التوصل إلى إنهاء الانقسام) تدعم الحراك من خلال توفير مقومات صمود الشعب الفلسطيني الملتف حول، بغية الاستعداد لمعركة طويلة النفس مع الاحتلال، وصولاً إلى انتفاضة شعبية وعصيان مدني شاملين (مثال إضراب 1936). وفي السياق ذاته خوض معركة دبلوماسية وقانونية ضد الاحتلال الإسرائيلي على الصعيد الدولي. وهذا كله يتطلب أول ما يتطلب إنهاء التنسيق الأمني مع الاحتلال فوراً، كخطوة لا بدّ منها لتفكيك البنية الإدارية والقانونية لأوسلو، وإعادة النظر في وظائف السلطة وإنهاء الانقسام وإعادة بناء منظمة التحرير الفلسطينية على أسس وطنية جامعة.

وعلى الأطر الشعبية المناهضة للاحتلال ومنظمات المجتمع الأهلي والاتحادات الشعبية والمهنية والجامعات، وحركة المقاطعة، وغيرها من فعاليات المجتمع الفلسطيني أن تنخرط في الحراك بشكل أوسع مما هو حاصل حتى الآن، وأن تستثمر علاقاتها الدولية مع لجان التضامن مع فلسطين والحركات المناهضة للعنصرية والاحتلال عبر العالم، وذلك من أجل دعم الحراك وتحقيق أهدافه باتجاه إنهاء الاحتلال.

مريم أبو سمرة: الشباب الفلسطيني سيُعيد تعريف السياسة الفلسطينية يومًا ما

لماذا عجزت الأحزاب السياسية التقليدية حتى الآن عن توظيف الإحباط الحالي عند الشباب؟ يُعبِّر هذا السؤال عن قضية أساسية تقتضي منا عند التصدي لها أن ننظر إلى التحول الذي طرأ على السياسة الفلسطينية، ولا سيما التحول في خطاب منظمة التحرير الفلسطينية واستراتيجيتها من النضال التحرري إلى بناء الدولة. وهذا قد أفرغ النضال من مبادئه التي قام عليها، وقوَّض استراتيجياته ببطء، حيث حلَّ التطبيع الاستعماري الجديد مع المحتل محلَّ مكافحة الاستعمار. وهكذا باتت الحركة الوطنية مشلولة من حيث قدرتها على تعبئة القاعدة الشعبية.

لقد أفضت العلاقة الاستعمارية الجديدة بين المستعمِر والمستعمَر إلى فصل القيادة الفلسطينية عن جماهيرها وقواعدها، ومن ثم إلى توقف النضال. تُعتبر الأزمة بين حماس وفتح أبرزَ مظهرٍ من مظاهر الحالة الاستعمارية المعقدة المفروضة على الفلسطينيين، وعجز الأحزاب الفلسطينية عن حمل إرادة شعوبها فوق المصالح النيوليبرالية. غير أن المشروع النيوليبرالي الذي جلبته اتفاقات أوسلو يؤثر في الأحزاب الفلسطينية كافة، ولكن بدرجات متفاوتة، ويسلبها القدرة على التعبير عن الإرادة شعبية.

وفي هذا السياق، من المستبعد أن نرى أي دور كبير للأحزاب التقليدية في الانتفاضة الحالية – ما لم تستعِد رؤيتها السياسية المناهضة للاستعمار وخطاب الحركة الفلسطينية. غير أن تحولًا جذريًا من هذا القبيل قد يعني زوال النخبة الحاكمة وتفكيك آلة المصالح الاقتصادية والسياسية في الأرض الفلسطينية المحتلة. وهذه مخاطرة لا يبدو أن القيادة الفلسطينية راغبة في الإقدام عليها في الوقت الراهن.

في الواقع، إن أي جهد آخر يرمي إلى بناء قيادة قوية ودائمة للحركات العفوية على الأرض يحتاج إلى إعادة وضع التحرير والعدالة في صميم النضال. إن فرصة أن يضطلع الشباب الفلسطيني في نهاية المطاف بدورٍ في إعادة تعريف السياسة الفلسطينية جذريًا أرجحُ من أن تساهمَ الأحزاب التقليدية مساهمةً حقيقيةً في الانتفاضة الحالية.

وفي هذا الصدد، ينبغي أن نهتمَّ بالجهود الجديدة التي يبذلها الشباب الفلسطيني في الشتات وعلى أرض فلسطين التاريخية، الذين يقدمون إطارًا سياسيًا قويًا للانتفاضة الحالية، والسخط الفلسطيني بصفة عامة. ومن السابق لأوانه أن نقيِّم الإمكانات الاستراتيجية الكامنة في هذه المبادرات، ولكن من الأهمية بمكان أن نسلطَّ الضوء على الخطاب الراديكالي الذي تتبناه. ومن الأهمية بمكان أيضًا أن نقدِّرَ، قبل كل شيء، الجهود المضنية التي يبذلونها لإعادة توحيد الرسالة السياسية للمجتمع الفلسطيني - ولو رمزيًا، في الفترة الحالية - بقواعده الشعبية وشرائحه كافة: الرازحون تحت الاحتلال في الضفة الغربية وقطاع غزة، وفلسطينيو 1948، وفلسطينيو الشتات. ومن تلك الجهود، على سبيل المثال، الحملة الدولية لدعم المقاومة الفلسطينية التي دعا إليها الشباب الفلسطيني من شتى بقاع العالم ليوم 29 تشرين الثاني/نوفمبر وهو اليوم العالمي للتضامن مع الشعب الفلسطيني الذي تحتفي به الأمم المتحدة.

ترسم هذه الجهود مسارًا جديدًا للسياسة الفلسطينية التي تهدف إلى توحيد المجتمع الفلسطيني حول رؤية مشتركة للعدالة والتحرير والعودة. إن هذه المبادرات الناشئة قد توفر فضاءً جديدًا لبروز قيادة وطنية قادرة على تجديد استراتيجية المقاومة من أجل النضال الفلسطيني واستدامتها.

بلال الشوبكي: التوجه للأحزاب القادرة على التعبئة والتحريك

في ظل الحراك الجماهيري الحالي، والذي يتحرّك بعفوية جماعية وترتيب فردي في كثير من الأحيان، دون أن يكون هناك جهد تنظيمي واضح لـ "الأحزاب الفلسطينية"، يبدو من الملحّ الآن أن تتجه هذه "الأحزاب" إلى مرحلة تحجيم مساحة العمل الحزبي ضمن دائرة أنشطتها للتتسع تلقائياً دائرة العمل الحركي والاجتماعي. الحزبان الكبيران في فلسطين –فتح وحماس- انحرفا كثيراً إلى مسار العمل المؤسساتي الذي فرضته المشاركة في إدارة السلطة الفلسطينية، وهما الآن أمام فرصة جيدة لتقويم المسار بما ينسجم مع كونهما حركتا تحرر تحت الاحتلال. المطلوب أيضاً من كافة الفصائل أن تتداعى نحو برنامج وطنيّ يقفز عن تجربة أوسلو، ويتجاوز البناء المؤسساتي المكبّل للعمل النضالي. هنا يظهر الدور الجوهري للفصائل بأن تستخدم أذرعها الاعلامية ومنابرها المسخّرة للتعبئة والتنظيم والتجنيد كي تعيد بناء ثقافة سياسية واقتصادية واجتماعية تحتضن تجربة الانتفاضة. هذا وبدوره سلوك قد يتبعه خسائر عديدة على صعيد تغيير نمطية الحياة الاستهلاكية المريحة للفلسطينيين وخصوصاً في الضفة الغربية.

قد تكون هذه الخطوات صعبة على حركة فتح والتي تماهمت مع مؤسسات السلطة، إلا أن خسارتها ستكون أكبر بكثير إن هي بقيت على ذات الحال. فالمزاج العام للشارع الفلسطيني بما فيه مزاج قاعدة حركة فتح الجماهيرية يختلف تماماً عمّا يدور في أذهان القيادة السياسية من كون ما يجري "هبّة" متحكم بها أمنياً ويمكن استغلالها لتحريك ملف التسوية السياسية والمفاوضات. هذا يعني أن عدم دخول الفصائل الفلسطينية في مجال التعبئة والتنظيم والحشد لمواجهة مفتوحة مع الاحتلال، في ظل استمرارية الحراك الشبابي سيؤدي إلى إفراز قيادات "ميدانية" للانتفاضة، وستصبح هذه القيادات أقدر على التحكم في المشهد ممن يجلسون في مكاتبهم. وهو ما يعني أيضاً تعميق الفجوة بين "قوى" الميدان المتحرّرة من القيود التنظيمية والحزبية والقوى البيروقراطية حزبياً وحكومياً.

على الحراك الشبابي المنتفض حالياً ألّا يبقى حبيس خيارات فتح وحماس. فالجبهة الشعبية لتحرير فلسطين والجهاد الإسلامي بإمكانهما الدخول بقوة في مجال حشد المسيرات والمظاهرات المناهضة للاحتلال، وهما فصيلان يحظيان باحترام الجمهور الفلسطيني ولديهما قدرة على التحرّك أكثر من حركة حماس التي تعرّضت لحملة أمنية مزدوجة في الضفة الغربية من قِبَل الاحتلال الاسرائيلي والسلطة الفلسطينية. إذا ما استطاعت الحركتان وبمشاركة فصائل أخرى أن تدفع بالفلسطيني نحو المواجهة المفتوحة مع الاحتلال، فإن بإمكانها الدعوة سريعاً إلى تشكيل لجان تنسيقية لإدارة أنشطة الانتفاضة، على أن تتطور لاحقاً إلى قيادة مشتركة تلتحم لاحقاً مع منظمة التحرير الفلسطينية ضمن مشروع إصلاحي للمنظمة.  

ولكن خلق المساحة السياسية الجديدة مرتبط بتجاوز التجارب السابقة، وتحديداً تجربة التسوية على أساس حل الدولتين. من يحتكر التمثيل الفلسطيني الآن هو من يتبنى هذا الحل، وبإسقاطه جماهيرياً، بمعنى أن تتحول حالة الانتفاضة من تعبير عن مواجهة الاحتلال فقط، إلى رفض صيغة أوسلو، ستتشكل أو ستظهر قيادات للخيارات الجديدة، أو أن تلجأ القيادات الحالية لتعديل خطابها وسلوكها السياسيين.

علاء الترتير: سياسات الاشتباك في ظل الاستعمار

مَن الذي يحمي ويستثمر ويبني على موجة الغضب المندلعة في الأرض المحتلة، وكيف، هو السؤال الرئيسي الذي نجابهه اليوم. فالتضحيات المستمرة التي نشهدها يجب أن تُحمى وتُصان من "الاستثمار/الاستغلال" من قِبَل "النخبة السياسية الفلسطينية التقليدية" البعيدة كل البعد عن نبض الشارع حتى لا يتم استخدامها –مرة أخرى- كورقة في "مفاوضات" مقبلة بائسة نعرف نتيجتها سلفاً. كذلك يجب أن تُحمى موجة الغضب هذه حتى لا تصبح مجرد وسيلة وأداة بيد السلطات لتفريغ غضب الشباب المنتفض.  

عجز "القيادات الفلسطينية التقليدية" على مر السنين وعدم قدرتها على تلبية تطلعات الفلسطينيين شكّل فرصة  "للقيادات غير التقليدية" والتي تضم بجوهرها فاعلين من المجتمع المدني الفلسطيني ومعارضين لنهج السلطة الفلسطينية، ولكن هذه الفرصة لم تُستغل بشكل مقنع ومجدي بعد. بالطبع هذه العملية التغييرية والتحولات البنيوية والتكتيكية لن تحصل بين ليلة وضحاها إذ أننها تتطلب وقتاً من الزمن وموارد عدة وإصراراً وفرصاً سياسية ولحظات حرجة للتعبئة الجماهيرية. ولكن أحاجج هنا بأن إدراك هذا التحول –والذي بجوهره يعني تغيراً في البنية القيادية للفلسطينيين وأدواته النضالية وأهدافه السياسية- هو غاية في الأهمية من أجل البناء على ما يجري اليوم في الأرض المحتلة واستغلال هذه اللحظة المواتية لتوفير بعض الاجابات الفعلية والعملية للسؤال دائم التكرار: ما هو البديل؟ البديل قيد التشكل وهو ليس وليد اليوم أبداً إلاّ أنه ما زال يافعاً في طور التشكل كالشباب المنتفض. ومن دون إسناد حقيقي جمعي يبني على الشبكات الاجتماعية والبُنى الأفقية لتنسيق الجهود والمبادرات فإن اندثار هذا الحراك في المستقبل القريب يلوح في الأفق.

ولذلك ولتجنب انكسار جديد يزيد من الاحباط والتخبط يجدر بالقيادات الفلسطينية غير التقليدية التحرك الآن من أجل توحيد الجهود للوصول الى استراتيجية نضالية عملية تولد ولا تستنزف الطاقات والجهود. المسؤولية كبيرة على عاتق هذه القيادات غير التقليدية ولكنها ممكنة وضرورية والفرصة متاحة وإن كانت صعبة. ولكن لحظات "التحول التاريخي" لم تكن أبداً سهلة على مرّ العصور والأزمان. فالمطلوب على الصعيد الآني هي الاستمرار في حلقات الاشتباك السياسي وغير السياسي لرفد مخزون الاشتباك عن طريق الانضواء في جهد اشتباكي تشاركي جمعي متعدد الجبهات. هذه الجهد الاشتباكي لا يقتصر على الاشتباك الفعلي على الحواجز العسكرية فقط بل يمتد أيضاً إلى النواحي السياسية والاقتصادية –كالمقاومة الاقتصادية- والفكرية والاعلامية والخطابية والاستراتيجية التخطيطية والتكتيكية. فالاشتباك –بمعناه الواسع- كنهج حياة في ظل الاستعمار هو القادر فقط على تغيير معادلات القوة والوقائع على الأرض ومسارات المستقبل.

هذه الحراكات هي تمثيل فعلي لمعنى السياسة الُمشتَبِكَة والتي تقوم على توحيد جهود الفاعلين الُمشتَبِكين الذين يتحدون ويجادلون السلطات والنخب وادعاءاتهم التمثيلية. ولكن ومن أجل التحول من حالة الغضب الُمشتَبِكَة إلى حالة حراك اجتماعي ممثل للمجتمع الفلسطيني ككل "كمجتمع حراك اجتماعي" فالمطلوب هو البناء على الشبكات الاجتماعية الموجودة وغيرها لتوحيد الأهداف الجمعية بجهد اشتباكي يبني على ثقافة التحرر من الاستعمار ويؤسس على ضرورة تحدي السلطات القمعية والنخب المستبدة. هذه الشروط الاستباقية كفيلة –وإن لم تكن العلاقة بهذا القدر من الخطية المباشرة على أرض الواقع كما يمكن أن تفترض النظرية- بأن تحوّل موجة الغضب الحالية لحالة اشتباك دائمة مع المستعمِر وحراك اجتماعي مستدام يجعل المستعمَر أقرب إلى الحرية والانعتاق وتقرير المصير.

ملاحظات:

  1. تتوفر كافة إصدارات الشبكة باللغتين العربية والانجليزية (اضغط/ي هنا لمطالعة النص بالإنجليزية). لقراءة هذا النص باللغة الفرنسية، اضغط/ي هنا. تسعد الشبكة لتوفر هذه الترجمات وتشكر مدافعي حقوق الإنسان على هذا الجهد الدؤوب، وتؤكد على عدم مسؤوليتها عن أي اختلافات في المعنى في النص المترجم عن النص الأصلي.

Wait! Before you go, sign up to get the latest Palestinian Perspectives on Palestine policies

* indicates required