حلقة نقاشسياسة

رمق أوباما الأخير في المسار الفلسطيني-الإسرائيلي

لمحة عامة

دخلت إدارة أوباما الأشهر الأخيرة من عمرها، وكثُر الحديث عن تقلص "فرصتها السانحة" للعمل على الصعيد الفلسطيني-الإسرائيلي. وبينما تدور التكهنات حول ما إذا كان الرئيس باراك أوباما سوف يتخذ أية تدابير، تحوم الشكوك حول مدى التأثير الإيجابي لأي تدبير على أرض الواقع.

يطرح واضعو السياسات عددًا من الخيارات الممكنة، منها بيانٌ شديدُ اللهجة يحدد معايير أوباما/جون كيري لحل الصراع، والامتناع عن استخدام حق الفيتو ضد قرار يصوِّت عليه مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة لتأكيد الوضع غير القانوني للمستوطنات. يجب على إدارة أوباما أيضًا أن تأخذ في اعتبارها مؤتمرَ السلام الدولي الذي استضافته فرنسا في مطلع حزيران/يونيو والذي من المقرر أن تستأنفه الأطراف المشاركة فيه في أيلول/سبتمبر.

يعرض محللو الشبكة سام بحور وزها حسن وفادي قرعان وشيرين صيقلي وعمر شعبان آراءهم المتنوعة حول ماهية الخطوة التي قد تُقدم عليها إدارة أوباما إنْ كانت هناك واحدة بالأساس. ويناقشون أيضًا الردود الفلسطينية والمخاطر الممكنة، وماهية الإجراءات التي ينبغي أن يفكر الفلسطينيون في اتخاذها. تم توليف هذه الآراء في السرد التالي، ويعرض القسم الأخير رأي كل محلل بشأن ما ينبغي أن يفعله الفلسطينيون. وقد أدار هذا النقاش الزميل السياساتي في الشبكة طارق بقعوني.

هل إدارة أوباما عاكفةٌ حقًا على التخطيط لمبادرة جديدة؟

يبدو أن الحكومة الأمريكية مهتمة على أرفع المستويات في اتخاذ إجراء بشأن فلسطين قبل انتهاء ولاية الرئيس أوباما. وثمة تطورات أوحت بذلك على رأسها جسُّ أوباما نبضَ مسؤوليه السياسيين والأمنيين حين استشارهم بشأن ما ينبغي أن تفعله إدارته إذا عزمت ذلك.

أشار البعض عليه أن يتخذ خطوةً تُصعِّب على الرئيس القادم - هيلاري كلينتون أو دونالد ترامب - أن يقدم مزيدًا من التنازلات للإسرائيليين. وأشار آخرون بألا يتدخل لأن الأمر لا يستحق. وقال آخرون إن المجتمع الدولي ينتظر شخصًا يتولى زمام القيادة على صعيد المبادرة الفرنسية وعلى صعيد حماية الحكومات العربية الساعية إلى تطبيع العلاقات مع إسرائيل. يكمن التحدي، بالنسبة لأوباما، في القلق من أن أي تدبير يتخذه قد يؤدي إلى التدهور على صعيد اتفاق إيران ومجموعة 5+1، وهو ما سيرحب به الجمهوريون ودول الخليج. ويقال إن أوباما يسعى لأن يترك بصمةً في المسار الفلسطيني-الإسرائيلي ولكنه يخشى في الوقت نفسه أن أي مبادرة يمكن أن تلطخ هذه البصمة.

يجب على الفلسطينيين أن يأخذوا على محمل الجد احتمالَ أن يُقدِمَ أوباما على عملٍ ما بسبب ازدرائه بينيامين نتنياهو، ولأن هذه الخطوة ستحظى بتأييد سامانثا باور وجون كيري. ومن المرجح أن تتجسد أي مبادرة بعد انعقاد الانتخابات الرئاسية الأمريكية، أي ما بين تشرين الثاني/نوفمبر 2016 وكانون الثاني/يناير 2017.

ومع ذلك، وضع الفلسطينيين لا يسر. فالسلطة الفلسطينية ضعيفة جدًا، والفلسطينيون منقسمون، ولا بوادر للمصالحة أو لرغبة في عقد انتخابات وطنية جديدة. وهذا يوحي بغياب الضغط على إدارة أوباما وكذلك انعدام الدافع عند إدارة أوباما للتحرك، ولا سيما أن العالم العربي أيضًا لا يضغط عليها، وإنما يمارس ضغوطًا على الفلسطينيين. بالإضافة إلى أن دعم الولايات المتحدة للمبادرة الفرنسية فاترٌ في أحسن أحواله.

ما هي الخيارات المطروحة؟

الخيار الأكثر طموحًا هو أن يعترف أوباما بدولة فلسطين، كما سبقته إلى ذلك 138 دولة عضوة في الأمم المتحدة. تستطيع الولايات المتحدة فعل ذلك من خلال الاعتراف الأحادي بدولة فلسطين أو التوقيع على قرار لمجلس الأمن الدولي يوصي بقبول فلسطين في عضوية الأمم المتحدة، مع إمكانية إدراج معايير للخروج بحل تفاوضي للصراع. الخيار الأول ليس مرجحًا، أمّا الثاني فممكن، ولا سيما مع استمرار الولايات المتحدة في التعبير عن خشيتها من إضاعة فرصة التوصل إلى حل الدولتين. تستطيع الإدارة الأمريكية أن تتخذ هذه الخطوة في إطار تنفيذ تصريحات سابقة في السياسة الأميركية - بدءًا من إدارة جورج بوش الابن وخريطة الطريق للسلام وصولًا إلى مجموعة دراسة العراق المشتركة بين الحزبين الجمهوري والديموقراطي. فحين تنطلق إدارة أوباما من هذه التصريحات ستبدو مبادرته وكأنها تنفيذٌ لِما بدأه الجمهوريون. ولعل هذا النهج الحذر هو خيار أوباما الوحيد.

يستطيع أوباما أن يكرس المعايير الجديدة في خطابٍ أو في إطارِ عمل أمريكي. غير أن الرئاسات المقبلة تستطيع تجاهل هذا الخطاب بسهولة، وإصدار إطار مستقل يحدد السياسة الأمريكية قد يكون أكثرَ صعوبةً على الصعيد المحلي.

هناك احتمال آخر يتمثل في اتخاذ مسار محدود. فالحضور المتزايد لمسؤولي وزارة الخارجية الأمريكية ووفود لجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب في فلسطين مؤخرًا يشير إلى تنامي اهتمام المسؤولين الأمريكيين رفيعي المستوى في مناقشة العراقيل المرتبطة بالاحتلال التي تعوق بناء الدولة الفلسطينية والتنمية الاقتصادية. وهذا يعكس اهتمامًا في دعم الفلسطينيين اقتصاديًا، والتقرير بشأن كيفية إنهاء الاحتلال وإقامة دولة فلسطينية.

تستطيع الولايات المتحدة أن تحذو حذو الفاتيكان وتوقع على اتفاق ثنائي مع فلسطين تعترف بموجبه فعليًا بفلسطين كدولة. ويمكن لهذا الاتفاق أن يأتي على شكل اتفاق تجارة حرة. أو يمكن للولايات المتحدة أن تتخذ تدابير لتعزز واقع الفلسطينيين على الأرض بطرح حزمةٍ اقتصادية تدعم السيادة الفلسطينية وأولويات بناء الدولة.

ما هي الردود الفلسطينية والمخاطر المحتملة؟

تمر القيادة الفلسطينية في حالةٍ يرثى لها لدرجة أنها قد تقبل بأي خطوة قد تبدو ناجحة، بغض النظر عن المخاطر. ولعل القادة الفلسطينيين يريدون ترسيخ مجموعة جديدة من المعايير قبل أن يغادر محمود عباس السلطة. وبالإضافة إلى ذلك، ومن خلال تكريس المعايير الأمريكية، يستطيع أوباما أن يوحي إلى المستوطنين أن استمرار التوسع الاستيطاني لن يكون مقبولاً.

ومع ذلك فإن وضع معايير قد ينطوي على مخاطر بالنسبة للفلسطينيين إذ إنها قد ترسخ موقفهم الضعيف. فالمعايير الأمريكية الجديدة ستشير إلى حدود 1967 ولكنها ستشتمل أيضًا على تبادل الأراضي وشرعنة المستوطنات، وعلى ترتيبات خاصة لمدينة القدس، أي أقل من عاصمة للفلسطينيين. ويُحتمَلُ أن تكرس المعايير كذلك فكرةَ الدولة اليهودية، ولذلك عواقب وخيمة بالنسبة للمواطنين الفلسطينيين في إسرائيل. ويمكن للمعايير أيضًا أن تشكِّل خطرًا على قرارٍ يصدره مجلس الأمن بشأن المستوطنات. فهناك قرارٌ صادرٌ بالفعل بشأن عدم قانونية المستوطنات، ويكمن الخطر في أن صدور قرارٍ جديد قد يشرعنها بدلًا من تأكيد عدم قانونيتها. فحينما تشير وثيقةٌ، مثلًا، إلى حظر "الاستمرار في بناء المستوطنات،" فإنها قد توحي بأن ما يجري بالفعل على أرض الواقع أمرٌ جائز.

إن إبرام اتفاقٍ تجاري ثنائي بين الولايات المتحدة وبين فلسطين يعني اعترافًا فعليًا بفلسطين كدولةٍ ونفيًا لشرعية المستوطنات، ولكن رغم أن اتفاق التجارة قد ينطوي على اعتراف ضمني بالدولة الفلسطينية، فإنه أيضًا ينقل إدارةَ أوباما من السياسة إلى المسار الاقتصادي. وتكمن الخشية في أن الابتعاد عن المسار السياسي سوف يشرعن رغبة أوباما في الابتعاد عن القضايا السياسية، وهي خطوة قد يتبناها القطاع الخاص الفلسطيني المتعثر.

ماذا على الفلسطينيين أن يفعلوا؟

سام بحور: على القيادة الفلسطينية في الأيام القادمة ألا تبارحَ الإطار السياسي. ورغم أن هذا قد لا يجدي فورًا على الصعيد المحلي أو يساعد في تحسين الحياة اليومية، فإنه سيحول دون تمييع القضايا والردود المحتملة من إدارة أوباما. المطلب السياسي الأبرز هو التركيز على إحراز الاعتراف الأمريكي المباشر بفلسطين في غضون الأشهر الستة المقبلة. وفي الأجل القصير، سوف يحرج هذا أصحاب المصلحة الداعين إلى دولتين ولكن العاجزين عن قبول الاعتراف. فكلما حشرنا الفاعلين الرئيسيين في الزاوية من خلال الدعوة لإقامة دولة فلسطينية، استطعنا أن نكشف أن أيًا منهم غير جاد بشأن إقامة دولة فلسطينية. وبوسعنا بعدها أن ننتقل إلى أُطر سياسية أخرى إذا دعت الحاجة.

زها حسن: إن احتمال أن يكون ضرر المعايير الأمريكية الجديدة أكثر من نفعها هو احتمالٌ كبير. أي اعتراف أمريكي صريح بدولة فلسطين سوف يشتمل حتمًا على شروطٍ من شأنها أن تؤثر سلبًا في القضية الوطنية الفلسطينية. فمن المرجح، مثلًا، أن تكون هناك إشارة إلى أن دولة فلسطين هي البُقعة المكانية التي يستطيع الفلسطينيون أن يمارسوا حقهم في تقرير المصير ضمن حدودها. وسيكون لذلك تداعيات بالنسبة للاجئين الفلسطينيين والمواطنين الفلسطينيين في إسرائيل. وتضمين هذه المعايير المشروطة في قرارٍ لمجلس الأمن سيرتقي بها إلى درجة القانون وسيكون من الصعب التراجع عنها لاحقًا. ولتجنب المخاطر الكامنة في هذه الخيارات، قد يكون من الأكثر أمنًا تشجيع الولايات المتحدة على إبرام اتفاق تجاري ثنائي مع فلسطين، لأن توقيع اتفاق كهذا سيكون بمثابة اعتراف بفلسطين كدولة وسيعمل على نزع الشرعية عن المستوطنات الإسرائيلية ومنتجات المستوطنات.

فادي قرعان: الجهات الفاعلة الرئيسية في المجتمع المدني الفلسطيني التي تركز على مقاطعة إسرائيل وسحب الاستثمارات منها وفرض العقوبات عليها وعلى رفع التكلفة الاقتصادية التي يدفعها الاحتلال لا ينبغي أن يُطلب منها أن تُسخِّر مواردها لتمكين جهود أوباما. هذا عملٌ طويل الأجل ويحتاج أن يستمر. ونحن بحاجة أيضًا إلى مناصرةٍ من المجتمع المدني تركز على القانون الدولي، وترفع وثيقةً مشتركة للجنة الوطنية الديمقراطية أو لإدارة أوباما تنص بوضوح على حقوقنا التي نؤمن بها وأن أي معايير لا تشتمل على هذه الحقوق لن تكون مقبولة. وختامًا، نحن بحاجة إلى إعادة أصوات المغيبين عن الحوار لسنوات إلى دائرة صنع القرارات السياساتية. وهذا يعني التواصل مع الأصوات الفلسطينية خارج الضفة الغربية وقطاع غزة. فإذا تلقى أوباما، مثلًا، نداءً قويًا من الفلسطينيين في إسرائيل يبين الخطوط الحمراء فيما يتعلق بالحقوق، فإن ذلك يمكن أن يؤثر في المعايير التي ستضعها إدارته.

شيرين صيقلي: إن التحدي الذي يمثله أشخاصٌ مثل كورنيل ويست في مواجهة الحزب الديمقراطي هو مؤشرٌ واحد على المكاسب الهائلة التي حققها الناشطون الطلابيون ومؤيدو المقاطعة في الجامعات على امتداد الولايات المتحدة. ويمكننا أن نواصل هذا الزخم ونبني على جهود التضامن المشترك والمتقاطع. ويمكن لهذه الجهود أن تُطلق دعوةً لإنهاء حصار غزة. وبالرغم من أن هذه اللحظة تبدو قاتمةً تمامًا من حيث المشهد السياسي في الولايات المتحدة - فعلى سبيل المثال، أحد أهداف هيلاري كلينتون المحليين الأوائل في حال فوزها سيكون الناشطون وحركة المقاطعة - فإنها تقدم الكثير من الإمكانيات الراديكالية لطرح المطالب. ومع أن السلطة الفلسطينية لا تزال تفتقر إلى المطالب الطموحة، فإن باستطاعتنا أن نتحداها وندفعها للانخراط في الزخم المتعدد الجوانب الذي نشهده الآن.

عمر شعبان: إن تعزيز المجتمع المدني في غزة والضفة الغربية أمرٌ مطلوب للغاية. فقد أثرت الأموال في الضفة الغربية في طريقة إضعاف المجتمع المدني، ومنعته من الضغط على السلطة الفلسطينية. نحن بحاجة إلى أن نجعل المجتمع المدني أكثر استقلالًا وقدرةً على الدفاع عن حقوق الشعب الفلسطيني بدلا من أن يكون سلعةً تُشترى. ونحن بحاجةٍ أيضًا إلى إفهام حماس ما جرى في تونس من حيث اعتدال الإسلام السياسي، ونحن بحاجة لنشر المعرفة في غزة حول هذه الخيارات المتاحة لحركة حماس.

Wait! Before you go, sign up to get the latest Palestinian Perspectives on Palestine policies

* indicates required