
ملخص تنفيذي
في أيلول/سبتمبر 2025، حثَّ رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الإسرائيليين على التهيؤ لمقاومة العزلة الدولية المتزايدة عبر تحويل البلاد إلى «سوبر إسبرطة»، أي إلى دولة تتبنى النموذج الإسبرطي القائم على خلق مجتمع شديد العسكرة قائم على التعبئة الدائمة، ليكون أكثر تسلّحًا واعتمادًا على الذات، وأقدر على تحمّل الصراعات طويلة الأمد رغم تصاعد الضغوط الخارجية. بالفعل، منذ تشرين الأول/أكتوبر 2023، صاغت القيادة الإسرائيلية توجهًا نحو مزيدٍ من الاستقلالية الاستراتيجية، وشرعت في تنفيذه بشكل انتقائي. وقد طُرح هذا التوجه بوصفه بناءً لاقتصاد حربي أقدر على التصدي لخطر العقوبات، يهدف إلى تخفيف التأثر بالقيود القانونية الدولية، والضغوط الدبلوماسية، وحظر توريد الأسلحة.
لكن بدلًا من تحقيق الاكتفاء الذاتي الاقتصادي الوطني الكامل، يتشكل اقتصاد الحرب الإسرائيلي في صورة نظام هجين يجمع بين مسارين متوازيين: تعزيز الإنتاج المحلي في القطاعات الدفاعية الأساسية من جهة، وتعميق الاندماج الانتقائي في شبكات الإمداد العالمية من جهة أخرى. ويهدف هذا الترتيب إلى تقليل قابلية الاقتصاد العسكري للتعرّض للعقوبات عبر توزيع المخاطر ضمن شبكات إنتاج وإمداد عابرة للحدود بدلًا من تركيزها في قناة واحدة يسهل استهدافها بالعقوبات. فبينما تسعى الركيزة الأولى إلى تقوية القاعدة الصناعية الدفاعية محليًا، تعمل الركيزة الثانية على توسيع الروابط الإنتاجية والتكنولوجية عبر الحدود، بما يوزّع نقاط الضعف عبر منظومات إمداد متعددة يصعب تعطيلها بآليات العقوبات التقليدية. وفي هذا السياق، يرى الكاتب أن أدوات المعاقبة الدولية التقليدية -ولا سيما الحظر المجزأ أو غير المنسَّق- أصبحت أقل فاعلية، ما يستدعي تبنّي استراتيجيات تستهدف البنية التحتية المادية ونقاط الاعتماد الأساسية التي يقوم عليها اقتصاد الحرب الإسرائيلي.
التوصيات
ينبغي على المجتمع المدني والحركات الشعبية أن يواصلا حملات المقاطعة الاستهلاكية، مع توسيع نطاقها لتشمل شبكات اللوجستيات العسكرية ومنظومات الإنتاج ذات الاستخدام المزدوج. تظل سلاسل الإمداد البحرية نقطة نفوذ رئيسية؛ إذ يمكن للإجراءات المنسّقة لعمال الموانئ وتعطيل المرافئ أن تفرض تكاليف مباشرة على نقل الأسلحة إلى إسرائيل. كما أن الضغط على شركات التأمين، وهيئات التصنيف، والوسطاء في الشحن، وخدمات الموانئ يمكن أن يزيد المخاطر المرتبطة بنقل الشحنات العسكرية إلى إسرائيل. كما يمثّل التنظيم في قطاع التكنولوجيا مسارًا ثانيًا للضغط، إذ لا يزال نظام الابتكار الدفاعي الإسرائيلي متشابكًا بعمق مع البنية التحتية السحابية العالمية، وخدمات الذكاء الاصطناعي، ومنصات معالجة البيانات. وتُظهر حملات مثل «لا تكنولوجيا للفصل العنصري» كيف يمكن لتنظيم العاملين والضغط عبر المشتريات والمساهمين تعطيل هذه الاعتمادات الخدمية. وينبغي أن يمتد الضغط أيضًا إلى البنية التحتية المادية التي تمكّن أنظمة الحرب الرقمية.
كما تحتفظ الحكومات الوطنية والهيئات التنظيمية بقدرة تأثير كبيرة لأن الاقتصاد الحربي الإسرائيلي ما زال يعتمد على مدخلات مستوردة وعلى تساهل الأطر التنظيمية لدى الدول الشريكة. لذا ينبغي للدول الداعمة لأطر المساءلة والمحاسبة أن تولي الأولوية لمراقبة الصادرات والمكونات ذات الاستخدام المزدوج، بما في ذلك المركّبات الكيميائية الأولية للطاقة، والمواد النادرة، والحساسات، وأنظمة الدفع، وتقنيات التوجيه. كما ينبغي تشديد الإجراءات للتصدي لتغيير بيانات الشحن، والتوريد عبر الوسطاء. ويجب على الهيئات التنظيمية توسيع متطلبات العناية الواجبة والإفصاح لشركات التأمين، والممولين، والوسطاء اللوجستيين، وهيئات الاعتماد التي تخدم سلاسل الإمداد الصناعية الحربية الإسرائيلية. ومن شأن تطبيق معايير القانون الإنساني الدولي في نظم منح تصاريح التصدير أن يسهم في تقييد الشحنات التي تنطوي على مخاطر تتعلق بإساءة الاستخدام. وينبغي للحكومات أن تقيد المشتريات العامة، والشراكات البحثية، واتفاقات ترخيص التكنولوجيا التي تشمل الشركات المتورطة، بما في ذلك الشركات التابعة والمشروعات المشتركة الخاضعة للولايات القضائية المحلية. كما يمكن لأطر الرقابة البرلمانية وآليات المقاضاة أن تحدّ من المشاركة التي تتيحها الدول في منظومات الإنتاج الدفاعي العابرة للحدود.
كما يمكن لـتحالفات دول الجنوب العالمي أن تسهم في سدّ فجوات التنفيذ التي تخلقها أنظمة العقوبات المجزأة. تتمتع التحالفات في مختلف أنحاء الجنوب العالمي بنفوذٍ كبير من خلال الإنفاذ المنسق للحظر، والامتناع عن تقديم الخدمات اللوجستية، والرقابة على السلع. وتمثل التعهدات التي أثمر عنها الاجتماع الوزاري في بوغوتا، الذي عقدته كولومبيا وجنوب أفريقيا ومجموعة لاهاي، نواةً سياسية للتنسيق العملياتي ينبغي إضفاء طابع مؤسسي عليها عبر منصات لتبادل المعلومات الاستخباراتية، وآليات تنسيق الجمارك، وأطر متزامنة لرفض استخدام الموانئ. ومن شأن إنشاء وحدات لإنفاذ الحظر ورصد محاولات التحايل أن يمكِّنَ الدول المعنية من التدخل المبكر لتعطيل سلاسل الإمداد. كما تمنح صادرات الطاقة والسلع مزيدًا من النفوذ في فرض الضغط الاقتصادي. وتوضح سوابق -مثل تعليق البرازيل لصادرات النفط الخام وتعليق كولومبيا لصادرات الفحم- كيف يمكن للسلع الاستراتيجية أن تعمل كأدوات ضغط فعلية عندما تُنسَّق بين أطراف متعددة.
وأخيرًا، تمثّل المؤسسات المالية والمتعددة الأطراف نقطة ضغط إضافية، نظرًا لأن اقتصاد الحرب الإسرائيلي لا يزال مدمجًا في أنظمة التمويل والابتكار العالمية. إن ربط الاستثمارات والضمانات الائتمانية والخدمات المالية بالامتثال للقانون الدولي الإنساني، إلى جانب زيادة التدقيق في تمويل رأس المال المخاطر وتمويل التقنيات ذات الاستخدام المزدوج، يمكن أن يقيّد توسع الصناعات الحربية الإسرائيلية ويحدّ من الوصول إلى البنية التحتية المالية الحيوية. كما توفّر المبادرات الناشئة مثل مجموعة بريكس وخاصة مبادارات فك الارتباط بالدولار مسارات إضافية لفرض قيود مالية تتخطى سيطرة الولايات المتحدة الأمريكية على النظام المالي العالمي.
مقدمة
مع تصاعد عدوان الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران، يسعى النظام الإسرائيلي إلى بناء اقتصاد حرب قادر على دعم حملات عسكرية طويلة الأمد مع الحد من احتمالات المساءلة الدولية. في أيلول/سبتمبر 2025، حثَّ رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الإسرائيليين على التهيؤ لمقاومة العزلة الدولية المتزايدة عبر تحويل البلاد إلى «سوبر إسبرطة»، أي إلى دولة تتبنى النموذج الإسبرطي القائم على خلق مجتمع شديد العسكرة قائم على التعبئة الدائمة، ليكون أكثر تسلّحًا واعتمادًا على الذات، وأقدر على تحمّل حالة الحرب المستمرة. وبالفعل، منذ تشرين الأول/أكتوبر 2023، صاغت القيادة الإسرائيلية توجهًا نحو مزيدٍ من الاستقلالية الاستراتيجية، وشرعت في تنفيذه بشكل انتقائي. وقد طُرح هذا التوجه بوصفه بناءً لاقتصاد حربي أقدر على تحمل العقوبات، يهدف إلى تخفيف التأثر بالقيود القانونية الدولية، والضغوط الدبلوماسية، وحظر توريد الأسلحة.
يضع الموجز السياساتي هذه التطورات في سياق ما يصفه بعقيدة “سوبر إسبرطة” الناشئة. ويتجاوز المصطلح -كما يُستخدم هنا- حدودَ الخطاب السياسي ليشير إلى مشروع سياسي-اقتصادي قائم على التعبئة المستمرة، وعقيدة الحرب الاستباقية، والتوسع المتسارع في الصناعات الحربية. يتكشف هذا التحوّل في سياق الاعتداءات العسكرية المتكررة التي تشنها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران، بما يوضح كيف يعمل اقتصاد الحرب الإسرائيلي عمليًا على ترسيخ الإفلات من العقاب وتبديد المساءلة. ومع ذلك، فحتى في الوقت الذي يمضي فيه الكيان الصهيوني في أجندة تعزيز الاعتماد على الذات، فإن هذا المسار لا يعكس توافقًا وطنيًا راسخًا، بل يتسم بتوترات مؤسسية تكشف عن مواطن ضعف بنيوية.
ونتيجةً لذلك، بدلًا من تحقيق الاكتفاء الذاتي الاقتصادي الوطني الكامل، يتبلور اقتصاد الحرب الإسرائيلي في صورة نظام هجين يجمع بين الإحلال المحلي والاندماج الاستراتيجي في الاقتصاد العالمي. وتعمل هذه البنية على توزيع المخاطر عبر شبكات عابرة للحدود بدلًا من تركيزها في قناة واحدة قابلة للاستهداف بالعقوبات. وتسعى الركيزة الأولى لهذه الاستراتيجية إلى تعزيز الإنتاج المحلي في القطاعات الدفاعية الأساسية، في حين تُعمِّق الركيزة الثانية التكاملَ العابر للحدود بما يوزع نقاط الضعف عبر شبكات يصعُب فرض عقوبات فعالة عليها. وفي هذا السياق، يرى الكاتب أن آليات المعاقبة الدولية التقليدية -ولا سيما الحظر المجزأ أو غير المنسَّق- أمست أقل فاعلية، ما يستدعي اعتمادَ استراتيجياتٍ تستهدف البنيةَ التحتية المادية وبؤر الاعتماد التي يقوم عليها اقتصاد الحرب الإسرائيلي.
السعي نحو تحقيق الاكتفاء الذاتي الاستراتيجي
تُرجمت عقيدة «سوبر إسبرطة» إلى مقترحات سياساتية تركز على مفهوم «السيادة الصناعية»، رغم أن التنفيذ ما زال متباينًا ومحل نزاع مؤسسي. وتجلت الصياغة الرسمية الأوضح لهذا الاستقلال الاستراتيجي في تقرير لجنة ناجل، المُقدَّم في كانون الثاني/ يناير 2025، والذي يوصي بزيادة الإنتاج المحلي للأسلحة الأساسية لتقليل الاعتماد على الموردين الأجانب. ويصاحب هذا التحوُّل في القطاع الصناعي تحوُّلٌ عقائدي نحو نهج «الهجوم الوقائي والاستباقي». ولدعم هذا التحوُّل، أوصت اللجنة بزيادة كبيرة في ميزانية الدفاع تتراوح بين 36 و74 مليار دولار إضافية على مدى السنوات العشر المقبلة. وتشمل الأولويات الرئيسية زيادةً كبيرة في مخزونات الذخائر بهدف تحقيق الاكتفاء في الإنتاج بحلول عام 2034.
عقيدة «سوبر إسبرطة» ليست خطة تحظى بإجماعٍ وطني، بل هي مشروع سياسي-اقتصادي محل جدال، تشوبه شروخٌ وانقسامات داخلية مرشحة للاتساع Share on Xفي أيلول/سبتمبر 2025، أنشأت وزارة الدفاع مديرية التسليح الوطنية بهدف مَركزة عمليات الشراء، وتسريع سلاسل الإمداد المحلية، ودفع عجلة تطوير الأسلحة الدقيقة والمسيرات محليًّا. وقد أفاد مسؤولون إسرائيليون بزيادة القدرة على التصنيع المحلي لبعض أنواع الذخائر -بما فيها القنابل الثقيلة الملقاة جوًّا- إضافةً إلى إنشاء مرافق لإنتاج مواد الطاقة والمواد الخام الحيوية، وزيادة معدلات إنتاج الذخيرة. وتحظى هذه المبادرات بدعمٍ من برامج الإعانات والحوافز الموجهة للتقنيات الدفاعية وتقنيات الاستخدام المزدوج.
برزت وزارة الدفاع بوصفها القوة المؤسسية الرئيسية وراء هذه الاستراتيجية الابتكارية المرتبطة بالمجهود الحربي، حيث أبرمت في عام 2024 وحده عقودًا مع أكثر من 80 شركة ناشئة -وهو رقم أعلى بكثير من مستويات ما قبل الحرب- وضخت قرابة 255 مليون دولار عبر قنوات شراء سريعة. وتمثل هذه العقود شكلًا من أشكال الدعم الضمني، إذ تموِّل البحثَ والتطوير في المراحل الأولى، بالتوازي مع تأمين الطلب المسبق، وتقليل المخاطر التجارية، وتعزيز المصداقية للمستثمرين في القطاع الخاص. وقد تركزت الاستثمارات في قطاعات استراتيجية مثل المسيَّرات، والذكاء الاصطناعي، والأنظمة ذاتية التشغيل.
علاوة على هذا، استُخدمت آليات تمويل موازية عبر هيئة الابتكار الإسرائيلية، إذ يُقدِّم «برنامج حوافز الشركات الناشئة في مراحلها الأولى» حاليًّا منحًا تصل قيمتها إلى 2.7 مليون دولار، تغطي حتى نصف الميزانيات المعتمدة، وهي قابلة للسداد عبر حصص من الأرباح عند بدء تحقق المبيعات. يوجِّه هذا التمويل -الذي لا يشترط على الشركات التنازل عن حصص ملكية- المواردَ نحو التقنيات الدفاعية وتقنيات الاستخدام المزدوج ذات الدورات التطويرية الطويلة. وإضافةً إلى ذلك، أعادت الحكومة الإسرائيلية إحياء نموذج «يوزما» من خلال مبادرة «يوزما 2.0»، ملتزمةً بتوفير رأس مال عام لصناديق رأس المال المغامر بنسبة مطابقة تبلغ 30%. ورغم أن البرنامج صُمم ليكون حافزًا للابتكار عمومًا، فقد وجّهت أولويات الحرب استثمارات كبيرة نحو التقنيات المرتبطة بملف الأمن. كذلك، يعزز «صندوق الشركات الناشئة» الموسَّع التابع لهيئة الابتكار الإسرائيلية -والذي يقدم حاليًّا نحو 135 مليون دولار سنويًّا- سلاسلَ الابتكار. وكل هذه الأدوات مجتمعةً تُدمِج الأولوياتِ الدفاعية ضمن منظومة الابتكار الوطنية الإسرائيلية.
وإلى جانب القطاع الصناعي، ينطوي مسعى إسرائيل نحو تحقيق الاكتفاء الذاتي الاستراتيجي على تعميق عسكرة المجتمع، في الوقت الذي أدت فيه الحرب متعددة الجبهات إلى تفاقم النقص في القوى البشرية، ما دفع النظام إلى إخضاع فئات كانت تاريخيًا خارج منظومة التجنيد. وعقب حكم المحكمة العليا الإسرائيلية الصادر في 25 حزيران/يونيو 2024، والذي أنهى الإعفاءات القانونية لطلبة المدارس الدينية المتشددة، صدرت إخطارات تعبئة جماعية، شملت 54,000 استدعاء في تموز/يوليو 2025. وأدى هذا إلى خلاف زعزع استقرار التحالفات الحاكمة وكشف عن التوترات بين متطلبات التجنيد والاستقرار السياسي. ومع ذلك، لا تزال مستويات التجنيد أقل من المستويات المستهدفة للعمليات العسكرية الجارية.
وفي غضون ذلك، تفاقم نقص العمالة المدنية، ولا سيما عقب سحب تصاريح العمل الممنوحة للفلسطينيين على نطاق واسع. وقد تعثرت محاولات تعويض هذه العمالة بأخرى وافدة من الهند وسريلانكا والصين لسد الفجوة، ما أدى إلى ارتفاع الكلفة وإبطاء وتيرة الإنتاج. يتماشى الاستغناء عن العمالة الفلسطينية مع السياسة الاستيطانية الاستعمارية التي تهدف إلى إبعاد السكان الأصليين عن أراضيهم. وينسجم أيضًا مع نموذج توظيف يقدِّم الاعتبارات الأمنية أولًا، ويُفضِّل قابلية السيطرة والتحكم على الكفاءة القتصادية، ويرسخ نظام عمل يتماشى مع البنية الأشمل للفصل العنصري العسكري الدائم.
حدود «إسبرطة» الإسرائيلية
عقيدة «سوبر إسبرطة» ليست خطة تحظى بإجماعٍ وطني، بل هي مشروع سياسي-اقتصادي محل جدال، تشوبه شروخٌ وانقسامات داخلية مرشحة للاتساع. وقد تعرَّض إطار تقرير ناجل للنقد بشأن اتساقه الاستراتيجي، وجدواه المالية، ومستوى المساءلة المؤسسية فيه. فالتقرير يطرح برنامجًا شاملًا للتوسع الصناعي دون صياغة إطارٍ سياسي أو تشغيلي متكامل ينظِّم تنفيذه. وتظل آليات التمويل فيه قاصرة، إذ تفتقر الزيادات المقترحة في الميزانية إلى استراتيجية إيرادات واضحة وموثوقة.
تتفاقم تلك القيود بفعل الانقسامات الأوسع نطاقًا في الحوكمة. فقد أشار الباحثون أيضًا إلى وجود حدود بنيوية في قدرة إسرائيل على صياغة سياسات استراتيجية مستدامة، ومنها ضعف التنسيق بين الوزارات والفجوات في التنفيذ. وبما أن لجنة ناجل هيئة استشارية، فهي تفتقر إلى سلطة تنفيذية رسمية، ما يجعل توصياتها مرهونة باعتمادها سياسيًا داخل نظام ائتلافات مجزأ. وتزيد القيود البنيوية تعقيد عملية التطبيق، ومن بينها تبعيات سلاسل الإمداد، ونقص الكوادر الماهرة، وصعوبة الحصول على المواد الخام الأساسية. فلا تزال إسرائيل تعتمد على سلاسل الإمداد العالمية في مجال الرقائق الإلكترونية، والمواد المركبة المتقدمة، وأنظمة الدفع.
كذلك يقدم التقرير معالجةً محدودة لمشكلتي نقص الأيدي العاملة والتفاوت في التزامات الخدمة العسكرية، ولا سيما داخل المجتمعات الدينية المتشددة، ما يُهدد توافر القوى البشرية على المدى البعيد. تبرز هذه الثغرات مجتمعةً التوترات المتزايدة بين الطموح الاستراتيجي والقيود الملموسة التي تعوق مسعى النظام الإسرائيلي نحو تحقيق الاستقلال الصناعي. كما تُبرز الفارق بين خطاب «سوبر إسبرطة» والواقع العملي، مبينةً أن النتيجة ليست اكتفاءً ذاتيًّا كاملًا، بل شكلًا محدودًا من الاكتفاء الاستراتيجي يهدف أساسًا إلى تعزيز قدرة النظام على امتصاص العقوبات الدولية.
ترتيب جيوسياسي للتخفيف من أثر العقوبات
جديرٌ بالذكر أن هذه القيود البنيوية تُفسّر اضطرار المسعى الإسرائيلي نحو تحقيق الاكتفاء الاستراتيجي إلى اتخاذ صيغة هجينة. فعجزُ إسرائيل عن تحقيق الاستقلال الصناعي الكامل دفعها إلى اتباع استراتيجية موازية تتمثل في تعزيز الاندماج مع شبكات الدفاع العابرة للحدود ومع الدول المتحالفة مع الأنظمة الاستبدادية، بما يخفف من حدة تأثرها ويُعقِّد تطبيق الحظر عليها بشكل عملي. ويُمثل إعادةُ الترتيب الجيوسياسي على هذا النحو الركيزةَ الثانيةَ لعقيدة «سوبر إسبرطة»، وإنْ كانت أقل وضوحًا؛ إذ ينطوي على التحصين ضد العقوبات عبر تعميق التشابك في العلاقات الاقتصادية بدلًا من الانعزال.
يُمثل إعادةُ الترتيب الجيوسياسي الركيزةَ الثانيةَ لعقيدة «سوبر إسبرطة»، وإنْ كانت أقل وضوحًا؛ إذ ينطوي على التحصين ضد العقوبات عبر تعميق التشابك في العلاقات الاقتصادية بدلًا من الانعزال Share on Xتصاعدت ضغوط العقوبات مع تنامي التعبئة العالمية على خلفية الإبادة في غزة، غير أن تطبيقها لا يزال متباينًا ومجزأ. فقد فرضت كل من إسبانيا وتركيا وألمانيا وإيطاليا قيودًا متفاوتة على التجارة وتصدير الأسلحة، لكن الثغرات القانونية والإعفاءات والتراجع عن تلك السياسات قوّضت فعاليتها. لكن لا تزال تلك التطورات العقابية تشير إلى ارتفاع المخاطر على إسرائيل وتدهور سمعتها. وللتخفيف من هذه المخاطر، اتجه النظام الإسرائيلي على نحو متزايد إلى تحصين نفسه من العقوبات بدلًا من الانعزال، مع الترويج في الوقت نفسه لفكرة الاكتفاء الذاتي.
وفق ما وثقته المقررة الخاصة للأمم المتحدة فرانشيسكا ألبانيزي في تقريرها لعام 2025، تحولت إسرائيل من «اقتصاد الاحتلال» إلى «اقتصاد الإبادة»، القائم على شبكات متشعبة من الشركات الوطنية والدولية. يذكر التقرير ما يزيد على 45 شركة محورية في هذا الاقتصاد السياسي، تشمل شركات تصنيع أسلحة، وشركات تكنولوجيا، وشركات إنشاءات، وصناعات استخراجية، ومؤسسات مالية، وجامعات. ويرتكز هذا التحوُّل إلى بنى تحتية مؤسسية تدمج اقتصاد الحرب ضمن دوائر تمويل وإنتاج وتطوير تكنولوجي عابرة للحدود. ويعمل هذا الترتيب على توزيع المخاطر عبر شبكات إنتاج عالمية بدلًا من تركيز اقتصاد الحرب في قناة واحدة يسهل استهدافها بالعقوبات.
لا يزال قطاع الدفاع الإسرائيلي يرتبط ارتباطًا وثيقًا بشبكات الإنتاج العالمية. فتعتمد شركات كبرى مثل «إلبِيت سيستمز» و«الصناعات الجوية الإسرائيلية» اعتمادًا كبيرًا على الصادرات، والمشروعات المشتركة، والتطوير المشترك مع شركاء أجانب. ويؤدي توسيع نظم الإنتاج المشتركة -التي تشمل الدفاع الصاروخي، وأنظمة الأمن السيبراني، والذكاء الاصطناعي- إلى تعميق اندماج الشركات الإسرائيلية في الأسواق الدفاعية العابرة للحدود، مما يُعقِّد فرض نُظُم الحظر ويُقلل من فعاليتها. وتعكس آليات الإنتاج المشترك، مثل مشروع «آر تي إكس-رافائيل تامير» لاعتراض الصواريخ في آركنساس، اعتماد إسرائيل المتزايد على التصنيع خارج حدودها من خلال الاندماج الاستراتيجي في شبكات الإنتاج الدفاعي العالمية.
يصاحب هذا التوزيع البنيوي آليات أكثر مباشرة للتحايل على العقوبات، حيث تعتمد مشتريات الدفاع الإسرائيلية على وسطاء خارجيين وشبكات تجارية عالمية للحصول على مكونات محظورة، وغالبًا بأسعار مرتفعة. وتُبرز هذه الممارسات أن التحصين لا يتأتى من خلال الإحلال المحلي وحسب، بل ينطوي أيضًا على جهود حثيثة لتقويض فاعلية تطبيق أي حظر. وفي هذا السياق، اتبعت إسرائيل استراتيجية إعادة الترتيب الجيوسياسي، مع تعميق علاقاتها مع مجموعة من الأنظمة اليمينية والقومية العرقية والاستبدادية الأقل حساسيةً تجاه الضغوط المرتبطة بحقوق الإنسان والالتزامات بموجب القانون الدولي.
إن الممر الاقتصادي الرابط بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا يُدمج إسرائيل ضمن شبكات ممتدة للربط واللوجستيات والتكنولوجيا، تهدف إلى بناء علاقات اقتصادية واستراتيجية عميقة. وقد برزت الهند بوصفها شريكًا أساسيًّا لإسرائيل وأكبر مستورد لأسلحتها. ويُعزِّز هذا التوافق الاستراتيجي توقيع اتفاقية استثمار ثنائية في أيلول/سبتمبر 2025. وتبرُز المجر أيضًا بوصفها شريكًا صناعيًّا أوروبيًّا لإسرائيل، فيما تُزوِّدها أذربيجان بالطاقة في مقابل استيرادها أسلحة إسرائيلية. وفي الوقت نفسه، قفزت صادرات الأسلحة إلى دول «اتفاقات أبراهام» (الإمارات والبحرين والمغرب) من 3% من إجمالي الصادرات الدفاعية في 2023 إلى 12% في 2024، بما يعزِّز استراتيجية إعادة الاصطفاف الإقليمي لإسرائيل.
عمد النظام الإسرائيلي كذلك إلى نقل بعض البنى اللوجستية إلى الخارج في إطار استراتيجية تَحوُّط بحرية صُممت للتخفيف من مخاطر تشديد العقوبات وعرقلة الشحن واضطراب سلاسل الإمداد أثناء الحرب. فلكي تُقلل إسرائيل اعتمادها على الموانئ المحلية المعرضة للحصار أو الإضرابات العمالية أو الهجمات الصاروخية، سعت إلى نقل بعض العمليات اللوجستية الحيوية إلى خارج حدودها. ويشمل ذلك مسعى شركة «إسرائيل شيبياردز ليميتد» إلى تأمين حصة سيادية في ميناء لافريون اليوناني، لإقامة مركز متوسطي لإعادة الشحن والتخزين يمكن أن يحل محل مينائي حيفا وأسدود إذ لزم الأمر، بعد أن تعرضا لاضطرابات تشغيلية متكررة إبان الحرب. كذلك يعكس اعتراف إسرائيل بـ«أرض الصومال» في كانون الأول/ ديسمبر 2025 منطقًا مشابهًا يتعلق بالتموضع البحري. فهي تقع قرب مضيق باب المندب مقابل اليمن، وتوفر موقعًا محتملًا للمراقبة، وتنسيق اللوجستيات، وحماية طرق الشحن في ظل الاضطرابات المرتبطة بالحوثيين في البحر الأحمر.
تُظهر هذه الإجراءات نهجًا هجينًا يعتمد على التحصين أكثر من الاكتفاء الذاتي أو الاستقلال الكامل؛ حيث يقترن الإنتاج المحلي في القطاعات الحربية الأساسية بتوزيع العمليات اللوجستية على مواقع خارجية متعددة. وتوفر هذه الاستراتيجية الهجينة تحصينًا متعدد الأوجه: فهي تقلل التعرض المباشر للعقوبات، بينما توزع نقاط الضعف عبر عدة ولايات قضائية وممرات إمداد مختلفة.
تزداد إسرائيل تحصينًا أيضًا من خلال تعميق تكامل صناعاتها الحربية مع الأسواق الأوروبية. فما يزال الاتحاد الأوروبي أكبر شريك تجاري لإسرائيل، من خلال التعاون في البحث، وتبادل التقنيات، وتنفيذ برامج مشتركة لتطوير الأسلحة. وقبل الحرب الحالية، كانت شركات الدفاع الإسرائيلية قد أقامت شراكات عميقة وسريعة النمو مع الأسواق الأوروبية. وتوضح شراكات مثل برنامج صواريخ «يورو سبايك» -الذي يدمج بين شركة رافائيل للأنظمة الدفاعية المتقدمة والمصنعين الألمان في قطاع الدفاع- عمقَ الترابط في الإنتاج المشترك. على نحو مماثل، فإن الشراكات بين مجموعة «سافران» الفرنسية -من خلال شركتها الفرعية «ساجيم» للصناعات الدفاعية- وبين «إلبيِت سيستمز» لإنتاج المسيرات العسكرية، بجانب استحواذ شركة «الصناعات الجوية الإسرائيلية» على شركة «إنتراكوم ديفنس» للصناعات الدفاعية اليونانية، تتيحُ للشركات الإسرائيلية وصولَا مباشرًا إلى موارد صندوق الدفاع الأوروبي وقنوات الشراء التابعة له. وتبني هذه العلاقات الصناعية الراسخة حاجزًا مؤسسيًّا أمام تطبيق الحظر، إذ إن المصنعين والمستثمرين والحكومات الأوروبية منخرطون فعليًّا في سلاسل الإمداد الحربية لإسرائيل.
وفي إطار تعزيز استراتيجيات التحوّط الجيوسياسية هذه، تمنح الأطر القانونية والتنظيمية في الولايات المتحدة إسرائيل تحصينًا إضافيًّا ضد تنفيذ سياسات حركة مقاطعة إسرائيل وسحب الاستثمارات منها وفرض العقوبات عليها. فقد أدى إلغاء الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لمذكرة الأمن القومي رقم 20 في شباط/ فبراير 2025 إلى إضعاف الشرط الإنساني الذي يحكم عمليات نقل الأسلحة الأمريكية، وذلك من خلال إلغاء متطلبات الإبلاغ والضمانات المرتبطة بالالتزام بالقانون الإنساني الدولي. وفي الوقت نفسه، تواصل التشريعات الأمريكية المناهضة للمقاطعة وقيود المشتريات على مستوى الولايات فرض الجزاءات على الشركات المشاركة في أنشطة العقوبات، مما يقيد قدرة القطاع الخاص على المشاركة في حملات الضغط الدولية.
كذلك، لا ينبغي النظر إلى النقاشات الجارية بشأن التقليل التدريجي لدعم برنامج الولايات المتحدة للتمويل العسكري الأجنبي على أنه تعزيز لاستقلال إسرائيل الاستراتيجي، وإنما بوصفه إعادة تنظيم لآليات الدعم الأمريكية. فقد تناولت النقاشات السياسية ومقترحات اللجان الاستشارية المرتبطة بمفاوضات مذكرة التفاهم الأمنية القادمة بين الولايات المتحدة وإسرائيل إمكانيةَ تحويل أجزاء من حزمة المساعدات السنوية الحالية البالغة 3.8 مليار دولار إلى برامج تطوير وإنتاج مشترك موسعة، تُموَّل عبر اعتمادات وزارة الدفاع الأمريكية بدلًا من مِنح برنامج التمويل العسكري الأجنبي التقليدية. ومثل هذا التغيير سيُمكِّن إسرائيل من الحفاظ على واردات الأسلحة السنوية -وربما زيادتها- في الوقت الذي يُقلِّص فيه آليات الإشراف التقليدية المرتبطة بالمساعدات العسكرية الأمريكية المباشرة، وبذلك يُرسِّخ شراكة دفاعية أقل تقيُّدًا بالضوابط التقليدية.
التصدي للتحصين الإسرائيلي
تعمل عقيدة «سوبر إسبرطة» الإسرائيلية عبر استراتيجيتين متكاملتين: الإحلال المحلي في الإنتاج الحربي الحيوي، والاندماج الاستراتيجي في شبكات عابرة للحدود. وكما يتضح، تَحدُّ الأعباء المالية ونقص القوى البشرية والتبعية لسلاسل الإمداد من نطاق الاستراتيجية الأولى، في حين تُمكِّن شبكات الإنتاج المشترك وإعادة التنظيم الجيوسياسي الاستراتيجية الثانية من العمل بفعالية. وتسمح هذه الاستراتيجية المزدوجة لاقتصاد الحرب الإسرائيلي بامتصاص ضغوط العقوبات عبر التحصين من خلال التنويع بدلاً من الانعزال، وذلك من خلال تحويل التبعيات، وإعادة توجيه المشتريات، والاستفادة من التكامل بين الدول الشريكة لدعم العمليات العسكرية في ظل القيود الدبلوماسية.
تعمل عقيدة «سوبر إسبرطة» الإسرائيلية عبر استراتيجيتين متكاملتين: الإحلال المحلي في الإنتاج الحربي الحيوي، والاندماج الاستراتيجي في شبكات عابرة للحدود Share on Xولمواجهة هذه الاستراتيجية الإسرائيلية، يجب تركيز الضغط على نقاط الاعتماد في اقتصاد الحرب الإسرائيلي التي يصعب تعويضها بسرعة، مع التكيف مع الجهود الموازية التي تبذلها إسرائيل لإعادة توجيهها وتوزيعها. ولأن اقتصاد الحرب المقاوم للعقوبات يتكوّن تدريجيًا، فإن مواجهته تتطلب استراتيجية ضغط تدريجية أيضًا.
فعلى المدى القريب، تتمثل الأولوية في استهداف التبعيات الخارجية التي يصعب استبدالها بسرعة. وعلى المدى المتوسط، ينبغي توجيه الاهتمام نحو المدخلات الصناعية، والأنظمة التكنولوجية، والبنى التحتية المالية التي تُسهم في استدامة فظائع النظام الإسرائيلي. أما على المدى الطويل، فيجب منع تحوّل اقتصاد الحرب الإسرائيلي إلى نظام مُحصَّن بالكامل ضد العقوبات، وذلك عبر بناء تحالفات دولية قوية لتطبيق العقوبات وتطوير آليات قانونية فعالة للمحاسبة.
التوصيات
إن إعادة توجيه استراتيجيات المعاقبة نحو «نقاط النفوذ المادية» -أي العناصر أو المواقع الملموسة في النظام الاقتصادي الصناعي التي يمكن التأثير عليها عمليًا لإحداث ضغط فعلي- بدلًا من الاكتفاء بتهديده بعزلة رمزية، محورية في تقويض البنية التحتية الداعمة لاقتصاد الحرب الإسرائيلي. ومن هذا المنطلق، تتجه التوصيات التالية إلى مجموعات فاعلة مختلفة، لكنها متكاملة في أدوارها.
المجتمع المدني والحركات الشعبية
إن ضغط المجتمع المدني يصبح أكثر تأثيرًا عندما يكون اقتصاد الحرب مرتبطًا بشبكات دولية، لأن ذلك يفتح نقاط ضغط خارج الدولة، كما هو حال الإنتاج الحربي في إسرائيل الذي لا يزال مرتبطًا بشبكات خدمية ولوجستية عابرة للحدود، لذا:
- ينبغي على القوى الشعبية أن تواصل حملات المقاطعة الاستهلاكية، مع توسيع نطاقها لتشمل شبكات اللوجستيات العسكرية ومنظومات الإنتاج ذات الاستخدام المزدوج. وتظل سلاسل الإمداد البحرية نقطة ضغط محورية. فعمليات الاعتراض اليمنية في البحر الأحمر وتحركات عمال الموانئ الأوروبيين -مثل إيقاف الكونفدرالية العامة للشغل في فرنسا شحنات مكونات الذخائر في ميناء مرسيليا فوس، وإيقاف عمال الموانئ الإيطاليين شحنات الصُلب العسكري في جنوة– تُظهر أن العمل المنظم قادر على فرض كلفةٍ ملموسة ومباشرة رغم مزاعم الاستقلال الاستراتيجي. ويمكن لتوسيع التحالفات العمالية عبر موانئ مثل جنوة وبيرايوس ومرسيليا ورافينا أن يحوِّل هذه الإيقافات العرضية للشحنات إلى ممارسات تعطيل مستدامة عابرة للحدود.
- ينبغي للحملات أيضًا أن تستهدف منظومات الاعتماد والبنى التحتية اللوجستية التي تشكِّل الدعامة الأساسية للتجارة البحرية، والتي تشمل شركات التأمين، وهيئات التصنيف البحري، ووكلاء الشحن، ومقدمي خدمات الموانئ، وذلك بهدف تعظيم المخاطر التجارية التي قد تتعرض لها الشحنات العسكرية المتجهة إلى إسرائيل.
- يُشكِّل العمل التنظيمي في قطاع التكنولوجيا مسارًا مهمًا لممارسة الضغط. إذ إن منظومة الابتكار الدفاعي الإسرائيلية جزءٌ لا يتجزأ من البنية التحتية السحابية العالمية، وخدمات الذكاء الاصطناعي، ومنصات معالجة البيانات. وتظهر حملات مثل «لا تكنولوجيا للفصل العنصري» كيف تسهم التنظيمات العمالية، والطعون في سياسات المشتريات، وضغط المساهمين في تعطيل هذه الاعتمادات الخدمية. وينبغي أيضًا تركيز الضغط على البنية التحتية المادية الداعمة للنظم الحربية الرقمية، والمتمثلة في مراكز البيانات ومزارع الخوادم وفروعها الخارجية، والتي تُرسِّخ وجود الشركات الإسرائيلية داخل منظومات التوريد الأجنبية.
الحكومات والهيئات التنظيمية
وسّعت إسرائيل من إنتاجها الحربي المحلي؛ ومع ذلك، فهي لا تزال معتمدة على المستلزمات المستوردة، والنُظُم الخدمية، والتساهل التنظيمي الذي يوفره لها شركاؤها. ولذلك، تكون الإجراءات الحكومية أكثر فاعلية عندما تستهدف العناصر الخارجية التي تجعل الإحلال الصناعي ممكنًا.
- ينبغي للدول الداعمة لأطر المساءلة والمحاسبة أن تولي الأولوية لمراقبة الصادرات والمكونات ذات الاستخدام المزدوج، بما في ذلك المركّبات الكيميائية الأولية للطاقة، والمواد النادرة، والحساسات، وأنظمة الدفع، وتقنيات التوجيه. كما ينبغي تشديد الإجراءات للتصدي لتغيير بيانات الشحن، والتوريد عبر الوسطاء.
- ينبغي للهيئات التنظيمية توسيع متطلبات العناية الواجبة والإفصاح لشركات التأمين، والممولين، والوسطاء اللوجستيين، وهيئات الاعتماد التي تخدم سلاسل الإمداد الصناعية الدفاعية. ومن شأن تطبيق معايير القانون الإنساني الدولي في نظم منح تصاريح التصدير أن يسهم في تقييد الشحنات التي تنطوي على مخاطر تتعلق بإساءة الاستخدام.
- ينبغي للحكومات أن تقيد المشتريات العامة، والشراكات البحثية، واتفاقات ترخيص التكنولوجيا التي تشمل الشركات المتورطة، بما في ذلك الشركات التابعة والمشروعات المشتركة الخاضعة للولايات القضائية المحلية. كما يمكن لأطر الرقابة البرلمانية وآليات المقاضاة أن تحدّ من المشاركة التي تتيحها الدولة في منظومات الإنتاج الدفاعي العابرة للحدود.
ائتلافات الجنوب العالمي والمنصات الحكومية الدولية
يعتمد نموذج التحصين الهجين لإسرائيل على إعادة توجيه التجارة واللوجستيات والمشتريات عبر ولايات قضائية متساهلة. ولذلك يمكن للتنسيق بين دول الجنوب العالمي أن يسدّ ثغرات الإنفاذ التي خلّفتها إجراءات الحظر الغربية المجزأة.
- تتمتع التحالفات في مختلف أنحاء الجنوب العالمي بنفوذٍ كبير من خلال الإنفاذ المنسق للحظر، والامتناع عن تقديم الخدمات اللوجستية، والرقابة على السلع. وتمثل التعهدات التي أثمر عنها الاجتماع الوزاري في بوغوتا، الذي عقدته كولومبيا وجنوب أفريقيا ومجموعة لاهاي، نواةً سياسية للتنسيق العملياتي ينبغي إضفاء طابع مؤسسي عليها عبر منصات لتبادل المعلومات الاستخباراتية، وآليات تنسيق الجمارك، وأطر متزامنة لرفض استخدام الموانئ.
- من شأن إنشاء وحدات لإنفاذ الحظر ورصد محاولات التحايل -تمتلك القدرة على تتبع ممارسات تغيير بيانات الشحن، ومسارات إعادة الشحن، وشبكات المشتريات غير الرسمية- أن يمكِّنَ الدول المعنية من التدخل المبكر لتعطيل سلاسل الإمداد.
- تمنح صادرات الطاقة والسلع مزيدًا من النفوذ في فرض الضغط الاقتصادي. وتوضح سوابق -مثل تعليق البرازيل لصادرات النفط الخام وتعليق كولومبيا لصادرات الفحم– كيف يمكن للسلع الاستراتيجية أن تعمل كأدوات ضغط فعلية عندما تُنسَّق بين أطراف متعددة.
المؤسسات المالية الدولية ومتعددة الأطراف
حتى في ظل توسُّع الإنتاج المحلي، يظل اقتصاد الحرب الإسرائيلي مدمجًا في أنظمة التمويل والتأمين ورأس المال الابتكاري العابرة للحدود. ومن ثمَّ، فإن النفوذ المالي يُعد أداة أساسية لعرقلة تحصينه من العقوبات.
- على بنوك التنمية، وصناديق الثروة السيادية، والمؤسسات المالية الإقليمية أن تشترط الامتثال للقانون الدولي الإنساني أساسًا للاستثمارات، وضمانات الائتمان، والخدمات المالية. كما يمكن أن تسهم زيادة التدقيق في رأس المال الاستثماري، ومنح الابتكار، وقنوات تمويل التكنولوجيا ذات الاستخدام المزدوج في تقييد التوسع الصناعي الحربي على مستوى البحث والتطوير.
- من شأن تقييد وصول الشركات المتورطة في الإنتاج العسكري إلى أسواق رأس المال والخدمات المالية أن يضاعف الضغوط عبر قطاعي الإنتاج والخدمات اللوجستية. كما تتيح مبادرات الحد من هيمنة الدولار داخل مجموعة بريكس مساراتٍ إضافية لفرض قيود مالية مستهدفة بمعزل عن القيود التنظيمية الأميركية.
أحمد القاروط خبير في الاقتصاد السياسي متخصص في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، منشغل بالقضايا المتعلقة بالمنافسة بين القوى العظمى والاقتصاد السياسي للصراعات.









