المقال - هل يعتبر إحجام إسرائيل عن محاكمة المشتبه بهم جريمة؟

ملخص تنفيذي

“لا تستطيع المدعية العامة للمحكمة الجنائية الدولية أن تغيِّر الماضي، ولكنها تستطيع التأثير في المستقبل بإيجابية. فإذا فتحت المحكمة الجنائية الدولية تحقيقًا تَتبعه محاكمةٌ لمسؤولين إسرائيليين رفيعي المستوى، سوف تبعث رسالةً قوية مفادها بأن الفلسطينيين، كسائر الشعوب الأخرى، يستحقون العدالة، وأن جبر الضرر ليس منَّةً، بل حقٌّ يجب إعماله دون قيدٍ أو شرط.”  – ندى كيسوانسون

نظرة عامة

تحدثت تقارير في الأسابيع الماضي عن قوائم سرية وضعتها إسرائيل بأسماء مسؤولين في الجيش وجهاز المخابرات الذين قد يتعرضون للاعتقال، إذا سافروا إلى الخارج، في حال قررت المحكمة الجنائية الدولية التحقيقَ في جرائم الحرب المرتكبة في الأرض الفلسطينية المحتلة.1

فقد قتلَ الجيشُ الإسرائيلي ما يزيد على 700 فلسطيني وجَرحَ عشرات الآلاف في الأعوام الخمسة التي تلت فتحَ المدعيةِ العامة للمحكمة الجنائية الدولية تحقيقَها الأولي في جرائم الحرب المحتملة في الأرض الفلسطينية المحتلة. ولم تكن حالات القتل والإصابات تلك حوادثَ معزولةً، بل جزءًا من سياسةٍ عامة تسعى إلى قمع مقاومة الفلسطينيين للاستعمار على أرضهم. وكنتيجة لإقدام إسرائيل على سرقة الأرض والاستيطان غير القانوني ونقل مواطنيها إلى الأرض الفلسطينية المحتلة، انفضَ شملُ العائلات الفلسطينية، وتعرضت لجملة انتهاكات شملت الاعتقال التعسفي، والحصار، والحرمان من حرية الحركة. وهكذا، يمكن إقامة دعوى ظاهرة الوجاهة على إسرائيل لارتكابها جرائمَ ضد الإنسانية وجرائمَ حرب، ولعل هذا يساهم في تفسير السبب وراء عدم رغبتها في التحقيق أكثر في الشكاوى والملفات التي بحوزتها.

تقوم المحكمة الجنائية الدولية على مبدأ التكامل القضائي، أي أنه لا يحق لها أن تمارسَ ولايتها القضائية إلا عندما تفشل النُظم القضائية الوطنية في ممارسة ولاياتها القضائية وفقًا للمعايير الدولية. والجدير بالملاحظة أن هذا يشمل الحالات التي تزعم فيها تلك النُظم ممارسةَ ولاياتها القضائية ولكنها تكون فعلًا غيرَ راغبةٍ و/أو غيرَ قادرة على اتخاذ إجراءات قانونية حقيقية. ولهذا فإن عدم رغبة إسرائيل في اتخاذ إجراءات قضائية على المستوى الوطني بحق الأشخاص المزعوم ارتكابُهم جرائمَ حربٍ وجرائم ضد الإنسانية في فلسطين يفتح المجال بقوة أمام تدخل المحكمة الجنائية الدولية.

في الورقة السياساتية هذه، يُبرز المحللان السياسيان في الشبكة دانا فرّاج وعاصم خليل عددًا من المؤشرات التي ينبغي أن تقود مكتب المدعية العامة إلى الخروج بهذا الاستنتاج. وعلى وجه الخصوص، يُركز هذا الموجز على ثلاثة مؤشرات ثابتة مستنبَطة من وحي الإطار القانوني والسياساتي الذي صادق عليه مكتب المدعية العامة في سياسة التحقيقات الأولية التي أصدرها سنة 2013. وينبغي لمكتب المدعية العامة أن يراعي هذه المؤشرات عند النظر في عدم رغبة إسرائيل في التحقيق في الجرائم ومقاضاة مرتكبيها.2 المؤشر الأول هو عدد الشكاوى والملفات التي أُغلقت دون تحقيق نزيه ومستقل وحقيقي. والمؤشر الثاني يُعنى بالتحقيقات المصطنعة ضد الجنود من الرُتب الدنيا بهدف حماية صُناع القرار من الملاحقة القضائية. والمؤشر الثالث هو عدم رغبة إسرائيل في احترام القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان. وفضلًا على ذلك، تناقش هذه الورقة السياساتية دور مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة إزاء المحكمة الجنائية الدولية.

غياب الاستقلالية أو النزاهة أو النية الصادقة 

إبان العدوان العسكري الإسرائيلي على غزة عام 2014، أو عملية الجرف الصامد حسب التسمية الإسرائيلية، وثَّق مراقبون مستقلون عديدون، بمن فيهم لجنة تحقيق تابعة للأمم المتحدة ومنظمات حقوقية محلية ودولية، اعتداءات غير مشروعة عديدة، تضمنت جرائم حرب واضحة. واستنكر بعضهم “تقاعسَ إسرائيل ورفضَها” محاسبةَ “المشتبه في ارتكابهم جرائم بحق المدنيين الفلسطينيين” من خلال التحقيق النزيه في جرائم الحرب المزعومة.3

لقد تسبب العدوان الإسرائيلي لعام 2014 في مقتل ما يزيد على 1500 مدني فلسطيني بحسب التقارير، وفي تدمير مستشفيات وبنى تحتية مدنية فضلًا على منازل تؤوي أكثر من 100,000 من سكان القطاع. ولعل حجم الدمار الحقيقي لن يُعرَف أبدًا لأن إسرائيل منعت محققي المنظمات الحقوقية من دخول قطاع غزة (والضفة الغربية وإسرائيل أيضًا). وبالرغم من كل ذلك، وجّه المحققون العسكريون الإسرائيليون الاتهامَ لثلاثة جنود فقط في أعقاب العدوان في العام 2014. وحتى قبلها، وتحديدًا في 2011، استنكرت الفدرالية الدولية لحقوق الإنسان في تقريرها عدمَ رغبة إسرائيل في فتح تحقيقات نزيهة وفورية وفاعلة ومستقلة في جرائم الجيش المزعومة في الأرض الفلسطينية المحتلة، ووصفت ذاك التقاعس بحرمان الضحايا حقَّهم في العدالة على نحو ممنهج. وبعدها ببضعة أعوام، وجدت منظمة العفو الدولية في الحالات التي زُعم فيها مقتل فلسطينيين على يد قوات الأمن الإسرائيلية “بصورة غير مشروعة” (داخل إسرائيل والأرض الفلسطينية المحتلة) أن إسرائيل لم تحقق في تلك الحالات أو أغلقت التحقيقات الجارية فيها.

لا تقتصر ملفات التحقيق التي أغلقتها إسرائيل على حالات القتل وإنما تشمل طائفةً واسعة من القضايا والانتهاكات وتمتد على فترة زمنية طويلة. وفي إحدى تلك القضايا على وجه الخصوص، قرَّر المحققون العسكريون الإسرائيليون في آب/أغسطس 2018 إغلاقَ تحقيقاتهم في أحداث “الجمعة السوداء” التي راح ضحيتها ما يزيد على 200 مدني فلسطيني في رفح على مدار أربعة أيام إبان العدوان الإسرائيلي على غزة عام 2014. وفي الفترة ما بين 2001 و2008، أُحيلت إلى المفتش المعني بالشكاوى في جهاز الأمن الإسرائيلي أكثر من 600 شكوى من سوء المعاملة ولكن أيًا منها لم يُؤد إلى فتح تحقيق جنائي. واستنادًا إلى الملاحظات الختامية للجنة مناهضة التعذيب التابعة للأمم المتحدة فإن “من بين التحقيقات البالغ عددها 550 تحقيقًا التي بدأها مفتش جهاز الأمن العام بشأن ادعاءات تتعلق بالتعرض إلى التعذيب فيما بين عامي 2002 و2007، لم يؤد سوى 4 تحقيقات إلى اتخاذ تدابير تأديبية، ولم يؤد أي من تلك التحقيقات إلى المحاكمة.”

وفي شباط/فبراير 2019، أنشأ مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة لجنةَ تحقيقٍ مكلفة بالتحقيق في ملابسات ما حصل في تظاهرات العام 2018 لإحياء ذكرى النكبة في قطاع غزة.4 وبعد أن انتقدت اللجنة عدم رغبة إسرائيل في اتخاذ إجراءات قضائية، استنكرت الحكومة الإسرائيلية وجودَ اللجنة من أصله، وادّعت أنها دليلٌ آخر على تحيز مجلس حقوق الإنسان ضد إسرائيل. ومن ثم منعت أعضاء اللجنة المكونة من ثلاثة أشخاص من زيارة إسرائيل أو القطاع.

تُعدّ المحاكم الإسرائيلية خيرَ مثالٍ للنظام القانوني 'غير الراغب أو غير القادر' على التحقيق في جرائم الحرب المرتكبة ومحاكمة مرتكبيها Click To Tweet

تعكس الأمثلة أعلاه نوعَ الاستجابة المتوقعة حينما يكون المسؤولون الذين ساهموا في صياغة التعليمات واللوائح وأقرّوها هم أيضًا مَن يقرر إذا ما كان ينبغي أن يخضعوا للتحقيق أو المحاكمة، وهذا ما أشارت إليه ورقة سياسة التحقيقات الأولية التي وضعها مكتب المدعي العام في 2013. 

تتحدث الخبيرتان في القانون الدولي فالينتينا أزاروفا وشارون وايل عن “الصلات بين الجناة المشتبه بهم وبين السلطات المختصة المسؤولة عن التحقيق و/أو الملاحقة القضائية و/أو الفصل في القضايا.” وتشيران إلى أن النائب العسكري العام في إسرائيل “يمارس السلطات الثلاث جميعها: السلطة التشريعية (تحديد قواعد السلوك في الجيش)، والسلطة التنفيذية (تقديم المشورة القانونية “الآنية” أثناء العمليات العسكرية) والسلطة شبه القضائية (إصدار القرار بشأن التحقيقات والملاحقات القضائية).” وهذا فعليًا يقي صُناع القرار المحاسبة والمساءلة، ويدرء خطر التحقيقات أو الملاحقات القضائية التي تقوم بها المحكمة الجنائية الدولية. وتُعد المحاكم الإسرائيلية، في الحقيقية، “خيرَ مثال للنظام القانوني “غير الراغب أو غير القادر” على التحقيق في جرائم الحرب المرتبكة ضمن اختصاصه القضائي الوطني ومحاكمة مرتكبيها.”

التحقيقات المصطنعة مع الرُتب الدنيا وحماية صُناع القرار

حين تقع الانتهاكات في الأرض الفلسطينية المحتلة، يُحاسب دومًا الجنود من الرُتب الدنيا، ولا تتجاوز محاسبتهم التوبيخ الناعم. وعلى سبيل المثال، أُدين الجندي الإسرائيلي الذي صورته عدسة الكاميرا وهو يُعدِمُ فلسطينيًا مصابًا في الخليل بتهمة القتل غير العمد في العام 2018، وحُكم عليه بالسجن لمدة 18 شهرًا. ومع أن محكمة الاستئناف أيدت الحكم، إلا أن رئيس الأركان الإسرائيلي خفَّضه إلى 14 شهرًا. وبالإضافة إلى لين العقوبة، فإن هذا الحكم لا يعترف بالطابع الهيكلي أو المنهجي للعنف الذي تمارسه إسرائيل على الفلسطينيين. وفي هذا الصدد، يقول توماس أوبي هانسين عند مناقشة المقاربة الإجمالية التي يتبعها مكتب المدعي العام:

في بعض الحالات، لاحظ مكتب المدعي العام أن من غير الكافي محاكمةُ عددٍ محدود من المسؤولين المباشرين عن الانتهاكات بينما تشير الأدلة إلى جرائم منهجية، وعلى هذا الأساس طلبَ المكتب تفويضًا من المحكمة لإجراء تحقيق.

وحتى حين أجرى النائب العام العسكري تحقيقًا في العدوان العسكري للعام 2014، فإنه ركَّز تحديدًا على “الحوادث غير العادية” – بحسب وصفه المراوغ – والتي نجم عنها نحو 100 شكوى.5 وعلى الرغم من فتح 19 تحقيقًا جنائيًا في وقت لاحق ضد جنود اشتُبه في انتهاكهم قوانين الحرب، فإن نطاق التحقيقات كان محدودًا وبدت وكأنها تركز حصرًا على الجناة من الرُتب الدنيا. 

وفي هذا الصدد، أشارت ممثلة مؤسسة الحق، ندى كيسوانسون، إلى أن: “العقوبةَ الصادرة بحق الجنود الإسرائيليين ذوي الرُتب الدنيا في المرات القليلة جدًا التي خضعوا فيها إلى التحقيق والملاحقة القضائية لم تكن متناسبةً مع جسامة سلوكهم الإجرامي”. وذهبَ تقرير لجنة التحقيق التابعة للأمم المتحدة إلى أبعد من ذلك، إذا أشار إلى أن محدودية نطاق تلك التحقيقات الفردية أو عدم كفايتها لم يكن القضية الرئيسية، وإنما “السياسة نفسها التي قد تنتهك قوانين الحرب”.6

يؤكد نتنياهو أن إسرائيلَ سوف تظل تتصرف كما تراه مناسبًا بالرغم من أن تصرفاتها تنتهك اتفاقيةَ جنيف الرابعة لعام 1949 Click To Tweet

إن التركيز على الجناة من الرُتب الدنيا يبرهن على أن إسرائيل ليست راغبةً في الاعتراف بهذه الفرضية، ناهيك عن التصدي لها. ومن المفهوم ضمنًا أن تلك الممارسات القضائية تكفل ألا يخضعَ الأشخاصُ المزعومُ ارتكابُهم جرائمَ حرب وجرائم ضد الإنسانية لتحقيقات وطنية حقيقة، وتكفل حصانَتهم من المسؤولية كذلك. تسترسل مؤسسةُ الحق في توضيح هذه النقطة حيث تشير إلى أن اقتصار التحقيقيات على “الحوادث الاستثنائية” يحول دون التحقيق في القرارات على مستوى السياسات، ويمنع اتخاذَ التدابير بحق المسؤولين العسكريين والمدنيين رفيعي المستوى الذين تُسفر أفعالهم أو امتناعهم عن الفعل عن جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب. وعلى سبيل المثال، خلصت لجنة توركيل في تقريريها الأول والثاني لعامي 2011 و2013 إلى أن آليات التحقيق المستخدمة لدى قوات الأمن الإسرائيلية بدت غير كافية، ولكن ذلك لم يؤدِ إلى أي تغييرات جوهرية، ولا يوجد ما يشير إلى أن توصيات التقريرين سيتم تنفيذها.7

عدم الرغبة في احترام القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان

دأبت إسرائيل على تعطيل تطبيق القانون الدولي الإنساني في الضفة الغربية، حتى أنها لا تصفها بالأرض المحتلة، وتواصل مشروعها الاستيطاني وانتهاكاتها لحقوق الإنسان الفلسطيني فيها. وقد أصدرت وكالاتٌ تابعة للأمم المتحدة ومنظمات أخرى تقارير تبين كيف أن إسرائيل لا تحترم القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان الذيْن يسريان على حالات الاحتلال. وكان الرأي الاستشاري الذي أصدرته المحكمة الجنائية الدولية في 2004 مُدنيًا بوجه خاص.

أكَّد مجلس الأمن في قراره 2334، الصادر في 23 كانون الأول/ديسمبر 2016، وضعَ الضفةِ الغربية وقطاع غزة كأرض محتلة، وأدانَ صراحةً “بناء المستوطنات وتوسيعها ونقل المستوطنين الإسرائيليين ومصادرة الأراضي وهدم المنازل وتشريد المدنيين الفلسطينيين.” وأشار إلى أن هذه الأعمال “تنتهك القانون الإنساني الدولي والقرارات ذات الصلة.” وفي المقابل، ردَّ رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بالموافقة على إنشاء وحدات استيطانية جديدة في الضفة الغربية والقدس. وهذا التحدي الصارخ للقانون الدولي دفعَ بعضَ المحللين إلى اقتراح أن تتعامل المدعية العامة مع هذا النشاط الاستيطاني باعتباره جريمة حرب.

تُنكر إسرائيل أن أنشطتها الاستيطانية في الضفة الغربية تُمثل جريمةَ حرب بالرغم من أنها محظورةٌ صراحةً بموجب نظام روما الأساسي، بما في ذلك “قيام دولة الاحتلال على نحو مباشر أو غير مباشر، بنقل أجزاء من سكانها المدنيين إلى الأرض التي تحتلها،” (المادة 8 (2)(ب)(8))، وكذلك “إلحاق تدمير واسع النطاق بالممتلكات والاستيلاء عليها دون أن تكون هناك ضرورة عسكرية تبرر ذلك وبالمخالفة للقانون وبطريقة عابثة،” (المادة 8 (2)(أ)(4)).

وقد أوضحَ نتنياهو أن إسرائيلَ سوف تظل تتصرف كما تراه مناسبًا بالرغم من أن تصرفاتها تنتهك اتفاقيةَ جنيف الرابعة لعام 1949 (والتي تُعدّ إسرائيل طرفًا فيها) ونظامَ روما الأساسي الذي وقَّعت عليه إسرائيل. والتوقيع يفرض على إسرائيل حدًا أدنى من الالتزام يقضي بعدم تعطيل الغرض والغاية من المعاهدة.

وكمثال للانتهاكات الإسرائيلية الأخيرة للقانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان، صادرت السلطات الإسرائيلية، في الفترة الواقعة بين آب/أغسطس 2016 وأيلول/سبتمبر 2017، و/أو هدمت 734 مبنى يملكه فلسطينيون في الضفة الغربية وشرقي القدس، ما أسفر عن تهجير 1,029 شخص، وواصلت مخططاتها في تهجير المجتمعات الفلسطينية البدوية والرعوية الأخرى. وكما ذُكر آنفًا، يندرج الترحيل القسري، والمصادرة غير المشروعة للممتلكات، وتدمير الملكيات الخاصة، وهدم المنازل تحت بند جرائم الحرب وانتهاكات حقوق الإنسان. وهذه الجرائم جزءٌ من العقوبة الجماعية الممنهجة الممارسَة على الفلسطينيين.

دور مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة 

تستطيع وكالات الأمم المتحدة والمنظمات الدولية أن تتبنى مواقفَ أو تُصدرَ تقارير تحثُّ المحكمةَ الجنائية الدولية على فتح تحقيق أو على عدم تعليق التحقيقات المفتوحة على أقل تقدير. غير أن المادة 16 من نظام روما الأساسي تنص على أن مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة يستطيع إرجاء البدءِ في تحقيقٍ أو مقاضاةٍ لمدة اثني عشر شهرًا قابلةٍ للتجديد، بناءً على قرار صادرٍ بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة بتصويت تسعة أعضاء بالإيجاب دون نقض. وهذا يمنح مجلس الأمن وسيلةً لمنع التحقيق في النزاعات التي تتورط فيها الدول القوية ذات النفوذ ولا سيما أن قرارات الإرجاء قابلة للتجديد سنويًا.

ومع أن مجلس الأمن لم يستخدم صلاحية الإرجاء حتى هذه اللحظة، إلا أن احتفاظه بها يُشكِّل خطرًا على المحاسبة والمساءلة، ولا سيما إذا ما نظرنا إلى موقف الولايات المتحدة إزاء قضية فلسطين. ومع ذلك، يمكن أن يضطلع مجلس الأمن بدور إيجابي في ظل ظروف مختلفة كما فعل ضد الأبرتهايد في جنوب إفريقيا، حيث اعترف مجلس الأمن بتاريخ 4 شباط/فبراير 1972 بشرعية النضال المناهض للأبرتهايد، وأصدر قرارًا بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة بتاريخ 4 تشرين الثاني/نوفمبر 1977 يدعم فرض حظرٍ إلزامي على تصدير الأسلحة لنظام جنوب إفريقيا. وبالرغم من الحُجج التي ساقها باحثون كثيرون حول قابلية تطبيق جريمة الأبرتهايد على السياق الفلسطيني، بما في ذلك ما ورد في تقرير الأمم المتحدة حول الأبرتهايد والفصل العنصري الإسرائيلي ضد الشعب الفلسطيني، فإن هذه الحيثية لا تزال غائبة عن أجندة المحكمة الجنائية الدولية فيما يتعلق بفلسطين.

الأنشطة الاستيطانية لا تخضع لأي تحقيق جنائي قضائي في إسرائيل، والقرار بشأن التحقيق في هذا النوع من الجرائم ينطوي على تحديات أقل بكثير بالنسبة إلى المدعية العامة للمحكمة الجنائية الدولية Click To Tweet

ينبغي النظر إلى صلاحية مجلس الأمن في إرجاء التحقيقات في سياق الضغط الأمريكي المتواصل على المحكمة الجنائية الدولية. فقد صرَّح وزير الخارجية الأمريكي مايكل بومبيو، على سبيل المثال، بأن أي عضو في المحكمة الجنائية الدولية يُشارك في تحقيق جنائي يستهدف الإسرائيليين سوف يُحظَر من دخول الولايات المتحدة، ويمكن أن يواجه عقوبات مالية. وهذا ما حصل بالفعل لموظفين رسميين في المحكمة الجنائية الدولية على خلفية فتح تحقيق في قضية أفغانستان العام الماضي. وعلاوةً على ذلك، أشار جون بولتون، الذي عملَ مستشارًا للأمن القومي الأمريكي حتى أيلول/سبتمبر 2019، إلى أن الولايات المتحدة مستعدةٌ لاستخدام مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة لتكبيل المحكمة الجنائية الدولية، وللتفاوض على إبرام اتفاقات ثنائية مع الدول لمنع تسليم المواطنين الأمريكيين للمحكمة. إن الجهود الأمريكية المستمرة لعرقلة المحكمة الجنائية الدولية عن مسارها ونزع الشرعية عنها جزءٌ من هجمةٍ مباشرة على استقلالية المدعي العام والقضاء.

الخطوات المقبلة أمام فلسطين والمحكمة الجنائية الدولية

يتبين ممّا سبق أنه من المستبعد تمامًا أن تفتح إسرائيل تحقيقاتٍ جنائيةً على المستوى الوطني. وبالرغم من احتلال إسرائيل المطوَّل واستمرارها في ضم الأراضي الفلسطينية المحتلة بحكم القانون والضم بحكم الأمر الواقع من خلال استمرار مشروعها الاستيطاني، وبالرغم من العمليات العسكرية الثلاث التي شنتها على غزة والجرائم والانتهاكات الأخرى الكثيرة للقانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان، لا تزال إسرائيلُ غير راغبةٍ في اتخاذ إجراءات قضائية. ومع ذلك، تستطيع المحكمة الجنائية الدولية أن تُسخِّر هذا الإحجام، الذي ظل يصب في مصلحة إسرائيل لغاية الآن، وتحوِّلَه إلى فرصةٍ للشروع في إجراءات قضائية ومحاكمات. فينبغي للمحكمة عند تقييم مبدأ التكامل القضائي أن تأخذ في الحسبان عدمَ توجيه أي اتهام بارتكاب جرائم حرب، وأن تنظر أيضًا في عدد حالات القتل في صفوف المدنيين التي لا تزال تنتظر التحقيق.

وعلاوةً على ذلك، وحسب ما أشار هانسين “لا تخضع الأنشطة الاستيطانية لأي تحقيق جنائي قضائي [في إسرائيل]”، وينطوي القرار بشأن فتح تحقيق في هذا النوع من الجرائم، مقارنةً بالجرائم الأخرى الواردة، على تحديات أقل بكثير بالنسبة إلى المدعية العامة للمحكمة الجنائية الدولية. وينبغي لمنظمة التحرير الفلسطينية والمجتمع المدني الفلسطيني أن ينشروا هذه الحقيقة على نطاق واسع، وأن يُطلقوا نداءات للتحرك بهذا الاتجاه.

تُعدّ المحكمة الجنائية الدولية، في الوقت الحاضر، الهيئةَ القضائية المستقلة الوحيدة القادرة على إنهاء الإفلات من العقاب عن الجرائم السابقة، ومنع وقوع جرائم في المستقبل. وبالنظر إلى إفلات إسرائيل من العقاب عن انتهاكاتها القانون الدولي الإنساني الكثيرة والموثقة، وبالنظر إلى ضرورة منع ارتكاب جرائم دولية جسيمة، ينبغي للمدعية العامة للمحكمة أن تواصلَ تحقيقها وإقامة الدليل على ارتكاب الجرائم وتحديد الأفراد بغرض محاكمتهم ضمن محاكمات فاعلة وذات مصداقية.

وبالإضافة إلى ذلك، ينبغي لمنظمة التحرير الفلسطينية والسلطة الفلسطينية والمجتمع المدني الفلسطيني ألا يدخروا جهدًا من أجل إبراز مسؤولية إسرائيل عن جريمة الأبرتهايد ووضعها على أجندة المحكمة الجنائية الدولية.

  1. لقراءة هذا النص باللغة الفرنسية، اضغط/ي هنا. تسعد الشبكة لتوفر هذه الترجمات وتشكر مدافعي حقوق الإنسان على هذا الجهد الدؤوب، وتؤكد على عدم مسؤوليتها عن أي اختلافات في المعنى في النص المترجم عن النص الأصلي.
  2. لا بد من الإشارة إلى أن مكتب المدعية العامة يملك مؤشرات أخرى لتحديد مبدأ التكامل القضائي، وهذه الورقة السياساتية تُركز على الجوانب المتصلة بالحُجج التي يطرحها الكاتبان.
  3. في كانون الأول/ديسمبر 2017، رفعت مؤسسة الحق والمركز الفلسطيني لحقوق الإنسان ومنظمتان حقوقيتان فلسطينيتان أخريان ملفًا للمدعية العامة للمحكمة الجنائية الدولية يلفت نظرها إلى 369 شكوى جنائية مرفوعة لمكتب النائب العسكري العام الإسرائيلي على خلفية عدوان العام 2014. وأشارت المنظمات إلى أن الغالبية العظمى من تلك الشكاوى لم تجد مَن يحقق فيها، ولم يصدر فيها ولا لائحة اتهام واحدة.
  4. وقعت أحداث النكبة في عامي 1947-1948 حيث قامت القوات الصهيونية بتهجير ما يربو على 700,000 فلسطيني من ديارهم، وإقامة دولة إسرائيل.
  5. كلمة “غير العادية” توحي ضمنًا بأن العملية العسكرية كانت “عادية” في جميع جوانبها الأخرى (أي متماشية مع المعايير والمتطلبات المنصوص عليها). والغرض الجلي من ذلك هو استباق التحقيقات الدولية المستقلة.
  6. انظر تقرير الاستنتاجات المفصلة للجنة التحقيق المستقلة المنشأة بموجب قرار مجلس حقوق الإنسان S-21/1 §§ 640-41,.
  7. شكَّلت إسرائيل هذه اللجنة في 2010 للتحقيق في الغارة التي استهدفت أسطول الحرية المتوجه إلى غزة.
دانا فرّاج باحثة، ومحامية مسجَّلة في نقابة المحامين الفلسطينيين منذ العام 2019. طالبة دكتوراه في جامعة بورجندي L’Université de Bourgogne، تعمل على سؤال المسؤولية الخاصة...
العضو السياساتي في الشبكة عاصم خليل أستاذ القانون العام، يشغل كرسي الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني للقانون الدستوري والقانون الدولي في جامعة بيرزيت. شغل...
في هذه المقالة

أحدث المنشورات

 السياسة
تكشفُ تغطيةُ وسائل الإعلام الرئيسية في الغرب لمجريات الإبادة الجماعية في غزة تحيزَها الشديد للنظام الإسرائيلي، وتُبرزُ أيضًا سهولةَ نزع الصفة الإنسانية عن الفلسطينيين. تتناول يارا هواري في هذا التعقيب استراتيجيةَ إسرائيل في نزع الصفة الإنسانية عن الفلسطينيين في المجال العام، ودور وسائل الإعلام الغربية في تحقيق أهداف إسرائيل. وتبين أنماطَ التقصير الصحفي المستمرة منذ 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023، وتخلُص إلى أنّ وسائل الإعلام الغربية متواطئة حتمًا في الإبادة الجماعية التي يرتكبها النظام الإسرائيلي ضد الشعب الفلسطيني في غزة.
Al-Shabaka Yara Hawari
يارا هواري· 03 أبريل 2024
لعبت كل من مصر والأردن عبر التاريخ أدواراً جيوسياسية مهمة في القضية الفلسطينية، حيث شكلت حدودهم مع قطاع غزة والضفة الغربية على التوالي المنفس الوحيد للعمق العربي وخاصة بعد حرب 1967. تزايدت وتضاءلت نفاذية هذه الحدود مع اختلاف الحكومات والظروف في المنطقة، لكن يمككنا الجزم أن مع مرور الزمن أصبحت هذه الحدود بشكل تدريجي جزءاً من الحصار على الشعب الفلسطيني وأداة ضغط على الفلسطينيين.
تعكف المصادر الإسرائيلية الرسمية على تضليل العالم إعلاميًا على نطاق واسع لتبرير الإبادة الجماعية التي ترتكبها في غزة. وقد أجَّجَ الصحفيون ومحللو استخبارات المصادر المفتوحة الحملةَ المسعورة لشيطنة الفلسطينيين بنشرهم الأنباء الكاذبة دون تدقيقها كما ينبغي. يتناول طارق كيني الشوا، في هذا الموجز السياساتي، أساليبَ الحرب الإعلامية الإسرائيلية، ويبيِّن كيف أسهمت هذه الجهود في تآكل الحقيقة وإعاقة الجهود الرامية إلى تنظيم استجابة عالمية. ويقدم توصيات للصحفيين والمحللين وعامة الجمهور للاستفادة من الأدوات مفتوحة المصدر لدحض الدعاية الإسرائيلية والمعلومات المضللة السائدة.
Skip to content