ورقة سياساتيةسياسة

الخلط بين داعش وحماس وخطورته

 

لمحة عامة

بدأ رئيس الوزراء الإسرائيلي بينيامين نتنياهو قبل عامٍ تقريباً حملةً مكثّفة لتشويه الفلسطيني من خلال الترويج لفكرة أنّ حماس وداعش "وجهان لعملة واحدة"، على حدّ تعبيره في الأمم المتحدة والكونجرس الأمريكي ومؤتمر ايباك. ورغم أن سعي إسرائيل لربط المقاومة الفلسطينية بالإرهاب العالمي تشبيهاً أو تنظيماً ليس بالجديد، فإن اللافت للنظر هو توسيع نطاق الدعاية الإسرائيلية على المستويين الرسمي والإعلامي لتشمل العرب بالإضافة إلى الغرب، ربما في محاولة مكشوفة جدّاً لاستغلال النفور العالمي والعربي والإسلامي من انزلاق بعض التيارات في الشرق الأوسط نحو التشدّد والإرهاب مبرّرةً ذلك بنصوصٍ تدّعي تمثيلها للإسلام. نتنياهو والمؤسسة السياسية الإسرائيلية يدركان جيداً أن حماس وداعش لا تربطهما أي علاقة، كما أن الأنظمة العربية التي تعمم وصف الإرهابي على الحركات الإسلامية جميعها خدمةً لغاياتها وأهدافها تعي ذلك أيضاً. 1

حماس وداعش، في الواقع، عدوتان لدودتان، حيث خرجت داعش مؤخراً بفيديو تعلن فيه تكفير حركة حماس. وفي هذا الصدد، يناقش المحلل السياساتي في الشبكة بلال الشوبكي الفوارق الرئيسية بين حماس وداعش، بما فيها منهجهما الفقهي، وموقفهما من مفهوم الدولة، وعلاقتهما بأتباع الديانات الأخرى. وهو يحتجُّ بأن من الأهمية الكبرى بمكان أن تدحضَ الحركةُ الوطنية الفلسطينية هذه المحاولات الرامية إلى الخلط بين حماس وداعش، ويبيِّنُ الخطورةَ المترتبة على التقاعس عن ذلك.

مكاسب سياسية قصيرة الأجل

يتجاهل الخالط بين حماس وداعش الحقائق على الأرض. فالبيئة السياسية الفلسطينية معنونة بالاحتلال، بينما البيئة السياسية في الدول التي شهدت بروز داعش معنونة بالسلطوية والاستبداد، وبالنزاعات المذهبية والدينية، وهي بيئة مثالية لظهور الأفكار المتشدّدة بدافع العنف التمييزي.

غير أن المسألة بالنسبة لإسرائيل هي محاولة استثمار قد تنجح إقليمياً ودولياً، فالمزاج العام في الإقليم ونتيجة ما شهده من إرهاب على يد داعش بات متقبلاً لفكرة الربط بين الارهاب وأيّ تيارٍ إسلامي أكثر من أيّ وقتٍ مضى، خصوصاً أنّ كثيراً من وسائل الإعلام العربية لا تتورّع عن التعريف بتنظيم إرهابيّ كدولة إسلامية في العراق وبلاد الشام، في حين يتبنى الإعلامي الغربي الرواية الإسرائيلية دون فحص مصداقيتها. بل إن منظمة التحرير الفلسطينية نفسها لا تبدو معنية بالدفاع عن صورة حماس في المحافل الدولية بسبب الانقسام السياسي بين حركتي فتح وحماس.

تُعتبر حماس جزءاً من الإخوان المسلمين، وهو التيار الذي يهدد بقاء الأنظمة العربية السلطوية ولا سيما في المشرق العربي. وعليه، فإن من أساليب الأنظمة السلطوية في مواجهة الإخوان المسلمين الادّعاء بوجود قواسم مشتركة بينهم وبين داعش، بل وتدعي بالتطابق أحياناً كما هو في الحالة المصرية، ومن ثم تستخدم هذا الزعم كمبرّر أمام المجتمع الدولي لإقصاء الإخوان عن المشاركة في الحياة السياسية.

التغييرات المتسارعة في مصر في السنوات الخمس الأخيرة، والنكسة التي تعرّض لها الإخوان في البلد الذي يعتبر المنفذ الوحيد لغزة، دفع حماس إلى المضيّ قُدُماً في تعزيز النمط الاقتصادي غير الرسمي المعتمد على الأنفاق. فالموقف الرسمي المصري بعد انقلاب عبد الفتاح السيسي على الرئيس المنتخب محمد مرسي أصبح أكثر شدّة ضد قطاع غزة، وحاول الترويج أكثر من مرّة إلى فكرة تعاون حماس مع الجماعات الجهادية في سيناء، وهي الرواية ذاتها التي تطرحها إسرائيل ويتبناها الإعلام الإسرائيلي. إلّا أن في هذه الرواية خللاً واضحاً من زاويتين، الأولى أنّه لا يمكن الوثوق برواية تؤكد علاقة حماس بجهادي سيناء في الوقت الذي تمنع فيه حماس تواصلَ هؤلاء الجهاديين مع أفراد يتبنون الفكر نفسه في القطاع. والثانية أن أي صلات أقامتها حماس بأفراد من هذه الجماعات تقتصر على تأمين احتياجات قطاع غزة الذي تحاصره مصر وإسرائيل، وهذا التواصل ليس بدافع هوية فكرية مشتركة أو عداء مشترك للنظام المصري. فحماس لم تعادِ أيّ طرفٍ مصري وحرصت على إبقاء خطوط التواصل قائمة حتى عند اتهامها في وسائل الإعلام بإقامة صلات مع المنظمات السلفية الجهادية في سيناء. وقد أعلنت حماس غيرة مرة حرصَها على إعادة بناء العلاقة مع مصر بما يضمن تدفق السلع والخدمات والأفراد بشكل رسمي وقانوني إلى قطاع غزة.

إن من الأهمية بمكان أن نفنِّد هذه الرواية عن إحدى أكبر الحركات السياسية الفلسطينية، فإقصاء الإسلاميين المعتدلين من الحياة السياسية يحتمل خطراً يتمثل في دفع المجتمع الفلسطيني ليصبح بيئة حاضنة للتشدّد، وستصبح فتح وحماس حينها في المركب نفسه في مواجهة هذه التيارات التكفيرية. وفيما يلي إبرازٌ للفوارق بين حماس وداعش وبيان حالة العداء بينهما.

الفوارق العقائدية

تصنّف حماس كحركة إسلامية وسطية تعتبر امتداداً لتيار الإخوان المسلمين، ولديها مرجعيتها الفقهية العقلانية، في حين تتبنى داعش نهجاً نصوصياً خالصاً بعيداً عن العقلانية، تستغل نصوصاً من التاريخ الإسلامي باجتزائها أو تجنّب تأويلها وفق المتغيرات، بل تطبقها حرفياً بمعزلٍ عن سياقها التاريخي. وعليه؛ فإنّ حركة مثل حماس بالنسبة لداعش والتيارات التكفيرية عموماً هي حركة علمانية غير إسلامية، فحماس لا تسعى إلى إنشاء دولة إسلامية، إنما هي حركة مقاومة ضدّ الاحتلال بمرجعية إسلامية معتدلة، لا تتعامل مع النصوص الإسلامية بحَرفية، بل تفتح باب التأويل والاجتهاد وتستبعد ما لا ينسجم مع العقل. لذا بادر بعض الباحثين في هذا المجال إلى توزيع هذه التيارات على خطٍّ أفقي يقع على يمينه النصّ وعلى يساره العقل، 2 وفي الوقت الذي يحتل فيه الإخوان المسلمون موقعاً متقدماً باتجاه اليسار نجد داعش في أقصى اليمين.

 تعتبر داعشُ حماسَ تياراً منحرفا. وقد اكتفت حماس بإدانة خطاب داعش المعادي والمهدّد لها واعتبرته جزءاً من حملة تشويه وعداء لحماس تتجاوز فلسطين، إلّا أنّها لم تكتف بالإدانة حين تحوّلت تهديدات داعش والتيارات التكفيرية إلى ممارسات على الأرض. محمود الزهار، أحد أبرز قيادات حماس، يقول: "إن تهديدات تنظيم الدولة الاسلامية فيها شيء عملي على الأرض، ونتعامل مع القضية أمنياً، فمن يرتكب مخالفات أمنية يعامل حسب القانون، ومن يريد أن يناقشنا فكرياً ناقشناه، ونتعامل بجدية معها".

قبل تصريح الزهّار بخمس سنواتٍ تقريباً، كانت حماس قد تعاملت فعلاً مع مثل تيار داعش بشكل أمنيّ حاسم، ففي آب/أغسطس من العام 2009 أعلن عبد اللطيف موسى من مسجد ابن تيمية في غزة عن تأسيس الإمارة الإسلامية في غزة، وعبد اللطيف هو قائد مجموعة مسلحة أطلقت على نفسها "جند أنصار الله"، وقامت بتدمير بعض المقاهي وأماكن الترفيه في غزة. اضطرت حكومة حماس في ضوء ذلك إلى مواجهتها ووصل الأمر إلى اشتباك مسلح، حيث قامت الأجهزة الأمنية في غزة وبمساندة كتائب القسام، الجناح العسكري لحماس، بحصار المسجد، بيد أن مجموعة موسى لم تستلم مما دفع حماس للقضاء على مشروع الإمارة في مهده، وقتلت كل أعضاء المجموعة، وسط انتقادات من خصوم حماس على تعاملها العنيف. غير أنّ حماس برّرت ذلك بالقول إن العنف الذي كانت ستخلقه مثل هذه المجموعات أشد بكثير من عملية استئصال التطرف من قطاع غزة.

لداعش عددٌ قليل جداً من المؤيدين في غزة مقارنةً بأنصار حماس، والسبب في قلّة أنصارها يعود أساساً إلى عدم مساهمة هذه التيارات في مواجهة الاحتلال تاريخياً. تشير بعض الاستطلاعات إلى أن ما نسبته 24% من الفلسطينيين يحملون أفكاراً إيجابية حول التيارات الجهادية، ولكن هذه النسبة فيها مبالغة. فحين يبتهج قلّة من الفلسطينيين بعداء التيارات الجهادية لأمريكا، لا يعود ذلك إلى إيمانهم بهذه التيارات وإنما لشعور الفلسطينيين والعرب أن لأمريكا دوراً هدَّاما بسبب دعمها اللامتناهي لإسرائيل.

الموقف من فكرة الدولة

تختلف حماس وداعش في موقفهما من الدولة الحديثة والديمقراطية، نظرياً وسلوكياً. فكما أشرت أعلاه، تفتح حماس باب الاجتهاد باستمرار، وهو ما يمكّنها من تطوير أفكارها وآرائها. وعليه، فإن تقييم موقف حماس من الدولة المدنية والديمقراطية استناداً إلى أدبيات الإخوان المسلمين الأولى يبدو مجحفاً، إذ أنّ الحركة الأم قد تبنّت أفكاراً جديدة بهذا الخصوص، وصلت إلى القبول الكامل بالديمقراطية والدولة المدنية. وقد عبّر عن ذلك بوضوح الشيخ يوسف القرضاوي المقيم في قطر والذي يعتبر مرجعية فقهية للإخوان المسلمين عموماً، حيث أشار القرضاوي في العديد من كتاباته وأهمها كتاب: "من فقه الدولة في الإسلام" إلى أن فكرة الدولة الدينية غير موجودة في الإسلام وأنّ الدولة المدنية هي ما ينادي بها الإسلام، وهي دولة تقوم على احترام رأي الشعب ذي المرجعية الإسلامية، وتقوم على مبدأ المحاسبة والمساءلة وتقبل التعددية السياسية. ورغم أن النقاش حول علاقة الإسلام بالديمقراطية سابق لوجود الإخوان المسلمين، إلا أنّه أصبح أكثر وضوحاً بعد منتصف القرن الماضي، حيث أكد مفكرون إسلاميون كُثر أنه لا يوجد أي تناقض بين الإسلام والديمقراطية بمن فيهم القرضاوي، والقيادي التونسي وأحد مؤسسي حزب النهضة راشد الغنوشي، والفيلسوف الجزائري مالك بن نبي.

وعلى النقيض، يرفض التيار الذي تمثله داعش الديمقراطية وكلَّ نوع من المشاركة فيها، وتعتبرها نظام حكمٍ كافر. ورغم وجود تيارات جهادية لا تكفّر الإسلاميين المشاركين في العملية الديمقراطية، فإنها تعتبر مشاركتهم اجتهاداً خاطئاً. أمّا داعش فترفض أي ممارسة متصلة بالديمقراطية كالانتخابات، وتعتبر المشاركة فيها كفراً وكلَّ مَن يشارك فيها كافر سواء الحركات أو الأفراد. أمّا حركة الإخوان المسلمين فقد شاركت منذ بداياتها الأولى في الانتخابات البرلمانية، حين قرّر مؤسسها حسن البنا خوض انتخابات البرلمان التي كانت حكومة الوفد المصرية تعمل لعقدها في العام 1942. ورغم أنّه لم يتمكن من ذلك لأن الحكومة رفضت ترشحه، فقد توالى دخول الإخوان المسلمين في البرلمانات العربية وفي السلطة التنفيذية أحياناً.

وبالنسبة لحركة حماس، اتخذت موقفاً في عام 1996 بألا تشارك في انتخابات السلطة الفلسطينية، لكن هذا الموقف لم يكن مبنياً على معتقدٍ يحرّم الانتخابات، وإنّما على موقف سياسي وأيديولوجي من اتفاقية أوسلو، وقد سمحت لأعضائها بالمشاركة في الانتخابات كمستقلين. وحين تبدّلت الظروف وأصبح اتفاق القاهرة لعام 2005 هو المرجعية لانتخابات السلطة الفلسطينية بدلاً من أوسلو، قرّرت حماس المشاركة ورشّحت إلى المجلس التشريعي العديد من أعضائها وبعض المستقلين ضمن قائمة أسمتها التغيير والإصلاح حصلت على أعلى نسبة أصوات.

قدمت حماس، بمشاركتها في الانتخابات، الكثيرَ من الدلائل على أنها مع الدولة الحديثة وأنها تتبنى الديمقراطية، حيث دعت إلى حكومات ائتلافية بمشاركة أحزاب يسارية وعلمانية، وضمّت حكومتها كما قائمتها البرلمانية شخصيات نسوية عديدة، وضمّت حكومتها الأولى وزراء مسلمين ومسيحيين.

داعش، في المقابل، انقلبت على كل المؤسسات الحديثة في المناطق التي سيطر عليها، ولا تعترف بالحدود ولا بالهوية الوطنية، وقد حكمت المناطق التي تسيطر عليها وفق آراء فردية غير منظمة وفوضوية بشكل لا يمكن من خلاله القول إن هناك نموذج حكم واضح لديهم. وبالرغم من حرص داعش على طرح تشكيلة إدارية ذات مسمّيات مستمدّة من التاريخ الإسلامي، كالخلافة والشورى، فإن مضمون الحكم عندها يختلف تماماً ويتعارض مع معظم النصوص الصريحة في مصادر التشريع الإسلامية من نواحٍ عديدة. وعلى سبيل المثال، لا تراعي داعش الشروط المنصوص عليها في القرآن والسنة للدخول في حرب، ولا تلتزم بضوابط الحرب وفقاً للشريعة الإسلامية من حيث سلامة المدنيين والتعامل مع الأسرى. وكمثال آخر فرضُها الجزيةَ على غير المسلمين، علماً أن الجزية لا تفرض على السكان الأصليين حتى لو كانوا غير مسلمين. وفضلاً على ذلك، اعتدت داعش على بيوت العبادة والآمنين في بيوتهم وقتل الأسرى حرقاً بما يخالف النصوص الصريحة في القرآن والسنة.

تشبه داعش إلى حدٍّ ما الأنظمة الهجينة في العالم الثالث، إذ تستخدم مفردات حديثة وديمقراطية لوصف تفاصيل الحياة السياسية فيه، إلا أن مضمون هذه الحياة سلطوي.

التناقض في معاملة الآخر

إن أهم ما يميز حماس عن داعش هو موقفها من أتباع الديانات الأخرى. استخدمت حماس حين نشرت ميثاقها في مرحلة النشوء مفردات دينية لوصف حالة الصراع، وهو ما عرّضها لانتقادات شديدة، لذا وضعت هذا الميثاق جانباً ولم تعد تعتبره مرجعية لها كما أكّد ذلك بعض قادتها.

وقد صرَّح موسى أبو مرزوق نائب رئيس المكتب السياسي في حماس في مقابلة مع صحيفة "ذي جويش ديلي فورورد" أن ميثاق الحركة هامشي ولا تعتبره الحركة مرجعاً لسياستها، حيث قال إن الميثاق لا يحكم الحركة، وإن هناك الكثير من أعضاء وكوادر الحركة الذين يتحدثون عن تغيير الميثاق، لأن هناك الكثير من سياسات حماس الحالية التي تتعارض مع ما هو مكتوب في الميثاق. ومن داخل قطاع غزة، ذهب غازي حمد، القيادي البارز في حركة حماس، إلى ما هو أبعد من ذلك وأكد في مقابلة له مع صحيفة عكاظ السعودية أن ميثاق حركة حماس خاضع للنقاش في أروقة الحركة منذ فترة، وأن هذا النقاش يأتي في ظل الانفتاح على الدول الغربية والنزوع إلى الحوار مع الأطراف الدولية. أمّا سامي أبو زهري، وهو أحد القيادات الشابة في حركة حماس والناطق الرسمي باسمها إبان انتفاضة الفلسطينية الثانية، فقد دعا في مقابلة مع صحيفة لوموند الفرنسية المراقبين إلى عدم التركيز على ميثاق حماس الذي صدر عام 1988، بل إلى الحكم على الحركة في ضوء ما يقوله قياديوها.

تتبنّى حماس اليوم الآيةَ التالية من القرآن الكريم: "لا ينهاكم اللّه عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم." وهذه الآية لا تدعو فقط إلى عدم معاداة المختلفين دينياً وحسب، بل إلى ودّهم والعدل في التعامل معهم أيضاً. وقد طبقتها حماس عملياً على عكس داعش، فبالإضافة إلى تعيين وزراء مسيحيين في الحكومة، كما ذكر أعلاه، تحتفل الحركة مع مسيحيي فلسطين في عيد الميلاد المجيد من خلال إرسال وفود رسمية للمشاركة في الاحتفالات، في الوقت الذي كانت فيه داعش تمثل تهديداً لحياة المحتفلين بهذه المناسبة في أكثر من مكان في العالم.

ورغم أنّ هناك من يدّعي أن هذه الخطوات رمزية تسعى من خلالها حماس إلى تجميل حكمها السلطوي، إلّا أنّ الادّعاء يبدو مجحفاً حين يظهر أن تعامل حماس مع الأقليات لا يختلف عن تعامل فتح مثلاً معهم، وإن ارتكاب حكومة غزة انتهاكات لحقوق الإنسان لا يمكن اعتباره مؤشراً على تشابه حماس مع داعش، وإنما مؤشر على سوء الحكم. وقد استنكرت القيادة السياسية لحركة حماس هذه الانتهاكات عند وقوعها، مثل تلك التي ارتكبتها وزارة الداخلية في عهد فتحي حماد.

حين تعرّض بعض الأفراد لاعتداءات من جماعات متطرفة في غزة، قامت حماس والحكومة باتخاذ إجراءات أمنية حاسمة لضمان حمايتهم ومعاقبة المعتدين، كما حصل مع الصحفي البريطاني آلان جونستون الذي حررته حماس من يد جماعة متشددة قامت بخطفه، وكما حصل في حادثة قتل المتضامن الإيطالي فيتوريو أريغوني.

الأمر نفسه ينطبق على الموقف من الشيعة، ففي الوقت الذي تعاني فيه منطقة الشرق الأوسط من حرب إعلامية بين الشيعة والسنة، لا تزال حركة حماس ترفض تكفير الشيعة، وتتعامل معهم سياسياً. وحين توترت العلاقة مع إيران إبان الأزمة السورية كان أساس الخلاف سياسياً لا عقائدياً، فيما ترى داعش أن الشيعة كفار، بل إنها ترى التيارات السنية ذات الأفكار المغايرة لفكر داعش كافرة هي الأخرى وقتالها واجب.

وتختلف الحركتان أيضاً في سلوكهما مع العدو. فقد حصرت حماس عدوّها بالاحتلال الإسرائيلي، فيما تعتبر داعش أن كل ما سواها هو عدوّ، ومارست الكثير من الجرائم ضد الإنسانية سواء في تعاملها مع المختطفين لديها أو مع المدنيين تحت حكمها، وقد تباهت بهذه الجرائم الإنسانية ومنها جريمة حرق الطيار الأردني معاذ الكساسبة، وقد حاولت أن تُضفي شرعيةً دينية على سلوكها غير الإنساني من خلال تحريفها لكثير من النصوص أو فهما بشكل مغلوط. وفي المقابل بادرت قيادة حماس بالتواصل مع عائلة الكساسبة وتعزيتها ومواساتها وإدانة سلوك داعش. وعلى النقيض من وحشية داعش، تأتي معاملة حماس للجندي الإسرائيلي جلعاد شاليط أثناء أسره، حتى بحسب تقارير جيروسالم بوست.

التقدم على صعيد العلاقة بحركة حماس

حماس وداعش مذكورتان في قائمة الإرهاب في كثير من دول العالم، بما فيها دول الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأمريكية. إلا أن إدراج حماس على هذه القائمة يبدو سياسياً أكثر من كونه قانونياً أو أمنياً، فحماس لم تستهدف أي جهة غير الاحتلال ولا تنادي بذلك، في حين تفعل ذلك داعش. وقد جاء إدراج حماس في قائمة الإرهاب بعد أحداث 11 أيلول/سبتمبر 2001 رغم أن لا صلة لها بتاتاً بتلك الهجات الإرهابية. ويتجلى الطابع السياسي للموقف ضد حماس في القرار الذي أصدرته المحكمة العامة للاتحاد الأوروبي في 17 كانون الأول/ديسمبر 2014 والقاضي بضرورة رفع اسم حماس من قائمة الإرهاب، حيث قالت المحكمة إن قرار إدراجها عام 2003 في القائمة استند إلى تقارير إعلامية وليس إلى دليل جازم.

وعلاوةً على ذلك، اجتمعت الكثير من الشخصيات الأوروبية والأمريكية، المعروفة بوقوفها ضد التيارات الإرهابية في العالم، بقيادات حمساوية في أكثر من مناسبة، ومنهم برلمانيون أوروبيون والرئيس الأمريكي الأسبق جيمي كارتر الذي قابل اسماعيل هنية في غزة عام 2009، وقابل خالد مشعل في القاهرة عام 2012.

خلاصة القول، إنّ محاولة إسرائيل استغلال فوضى الشرق الأوسط للزجّ بحماس داخل إطار الارهاب والتشدد وربطها بداعش هي محاولة بائسة لا يوجد ما يسندها من حقائق، فحماس تختلف عقائدياً وفكرياً وفقهياً وسياسياً عن داعش. وحين تتبنى بعض وسائل الإعلام الرواية الإسرائيلية فإنها تطعن في مهنيتها ومصداقيتها.

على الحركات الفلسطينية ألا تسمح للخلاف مع حماس أن يتحوّل إلى مبرّرٍ لاتهامها بما يسيء إلى القضية الفلسطينية عالمياً وبما يوتّر الساحة الداخلية. وعلى حماس أن تدرك أنّ الفوارق بينها وبين داعش لا تعني أنّ حكمها لغزّة خالٍ من التجاوزات والانتهاكات لحقوق الإنسان، وهو ما يحتّم عليها أن تراجع الكثير من السلوكيات، وأن تكون أكثر حذراً في خطابها السياسي، وألّا تتعامل بمنطق الفصل بين الخطاب الموجّه للداخل والخارج، فكل كلمة تصدر من شخصية حمساوية يتم تسويقها في الخارج كرسالة من حماس إلى العالم.

حين تتجاهل منظمة التحرير الفلسطينية، بقيادتها الفتحاوية، والأنظمة العربية ولا سيما في مصر الربطَ بين حماس وداعش أو حتى تساهم فيه أحياناً، فإنها قد تحقّق "منفعةً" آنية في إطار محاولة تحجيم حماس كخصم سياسي. غير أن هذا سيحمل آثاراً مضرّة بلا شك في استقرار المجتمع الفلسطيني على المدى المتوسط والبعيد، وهو ما سيدفع باتجاه تحوّل المجتمع الفلسطيني إلى بيئة حاضنة للتشدّد في ظل إقصاء الإسلاميين المعتدلين، حينها ستصبح فتح وحماس في المركب نفسه الذي يواجه هذه التيارات التكفيرية.

يتسنى نشر مواد الشبكة وتعميمها ولكن مع ذكر نسبتها إلى "الشبكة: شبكة السياسات الفلسطينية." الأراء الفردية لأعضاء الشبكة لا تعبر بالضرورة عن رأي المنظمة ككل.

ملاحظات:

  1. تتوفر كافة إصدارات الشبكة باللغتين العربية والانجليزية (اضغط/ي هنا لمطالعة النص بالإنجليزية). لقراءة هذا النص باللغة الفرنسية، اضغط/ي هنا. تسعد الشبكة لتوفر هذه الترجمات وتشكر مدافعي حقوق الإنسان على هذا الجهد الدؤوب، وتؤكد على عدم مسؤوليتها عن أي اختلافات في المعنى في النص المترجم عن النص الأصلي.
  2. Samir Suleiman, Islam, Demokratie und Moderene, Herzogenrath: Shaker Media, 2013, P 302. Tariq Ramadan, Muslimes in in Europa, Marburg: Medienreferat, 2001, p15.