Article - Israel’s Nukes Derail U.S. Nonproliferation Goals

## لمحة عامة
تولى باراك أوباما منصبَه كرئيسٍ للولايات المتحدة ولديه التزامٌ قوي بقضية منع انتشار الأسلحة النووية. غير أن تصعيد الولايات المتحدة للعقوبات واتخاذها إجراءاتٍ سريةً ضد المسعى الإيراني المزعوم لامتلاك سلاحٍ نووي وتعزيز وجودها العسكري في الخليج – بينما تغض الطرْف عن الترسانة الإسرائيلية – يجعل من ذلك الهدف بعيد المنال. يبيِّن مدير برامج الشبكة، فكتور قطان، في هذه الورقة السبب وراء ذلك، ويقول محاججًا لو كانت الولايات المتحدة حقًا جادة بشأن عدم الانتشار النووي، فإن عليها أيضًا في إطار استراتيجيتها لعدم انتشار الأسلحة النووية أن تتطرق إلى برنامج السلاح النووي الإسرائيلي القائم منذ فترة طويلة.

إسرائيل تُسقط مبدأ عدم انتشار الأسلحة النووية

إن توطيد النظام الدولي لعدم انتشار الأسلحة النووية هو من الأهداف الرئيسية للسياسة الخارجية للرئيس أوباما. ففي كلمةٍ ألقاها الرئيس الأمريكي في براغ في نيسان/إبريل 2009، أعلن أوباما “عزمَه على المضي قدمًا من أجل عالمٍ خالٍ من تهديد السلاح النووي.” وقال إن هناك “مسؤوليةً أخلاقية” تقع على عاتقه وعاتق الشعب الأمريكي من أجل العمل وقيادة جهود نزع الأسلحة النووية متعللًا بأن الولايات المتحدة هي “القوة الوحيدة التي سبق وأن استخدمت السلاح النووي.”

إن إخفاق الحكومة الأمريكية في التصدي جديًا لبرنامج السلاح النووي الإسرائيلي السري ومخزون إسرائيل من مئات الأسلحة النووية، بما فيها السلاح النووي الحراري من فئة المليون طن، يُظهر سياسة الإدارة إزاء عدم انتشار الأسلحة النووية في أماكن أخرى من العالم بأنها ذات وجهين. إن الدعوة إلى تنفيذ عمليات تفتيش أكثر تغلغلًا في المنشآت النووية الإيرانية المزعومة تنم عن تناقض واضح بالنظر إلى رفض إسرائيلَ الانضمامَ إلى معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية ورفضها السماحَ لمفتشي الأسلحة التابعين للوكالة الدولية للطاقة الذرية بتفتيش منشآتها النووية، التي يعرف بشأنها القاصي والداني منذ زمن.

لقد ساهمت الدراية بوجود برنامج السلاح النووي الإسرائيلي، الذي بدأ بهمَّةٍ وإصرار في عقد الخمسينيات من العقد الماضي وبلغ مرحلةً حاسمةً في عقد الستينيات، في إطلاق سباق التسلح النووي في الشرق الأوسط. ولا يمكن فهم المحاولات السابقة في ليبيا والعراق وسوريا وكذلك المحاولات الإيرانية الحالية المزعومة لامتلاك السلاح النووي إلا كردة فعلٍ على رفض الغربِ للضغط على إسرائيل من أجل توقيع معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية والسماح لمتفشي الأسلحة التابعين للوكالة الدولية للطاقة الذرية بتفتيش البرنامج النووي الإسرائيلي بهدف جعل الشرق الأوسط منطقة خاليةً من الأسلحة النووية.

وفي أيلول/سبتمبر 2009، أعربت الوكالة الدولية للطاقة الذرية عن قلقها إزاء “القدرات النووية” الإسرائيلية ودعت إسرائيل إلى “الانضمام إلى معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية وإخضاع منشآتها النووية كافة للضمانات الشاملة الخاصة بالوكالة الدولية للطاقة الذرية…” وفي نيسان/إبريل 2010، حثَّ الرئيس أوباما الدول كافة، بما فيها إسرائيل، على توقيع معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، قائلًا: “هذا هو الموقف الثابت لحكومة الولايات المتحدة حتى من قَبل أن تأتي إدارتي.”

هذا هو أقصى ما فعلته الولايات المتحدة تجاه إسرائيل، وهو يتناقض بشدة مع أسلوبها في التعامل مع إيران. فإذا كانت إدارة أوباما جادةً بشأن عدم الانتشار النووي، فإن عليها إذن أن تُصلِح موقفها إزاء برنامج السلاح النووي الإسرائيلي إصلاحًا جذريًا وأن تتعامل على قدم المساواة مع الدول كافة. وبخلاف ذلك، فإن دولةً ما ستظل تسعى لامتلاك القنبلة النووية لاستعادة موازين القوى في الشرق الأوسط.

وما لم تتخلَّ إسرائيل عن أسلحتها النووية، كما فعلت جنوب إفريقيا في عام 1994، أو تسمح للوكالة الدولية للطاقة الذرية بتفتيش منشآتها، فإن الجهودَ المبذولةَ لحظر انتشار الأسلحة النووية حتى نزعها بالكامل لن تتكلل بالنجاح. إن رفض إسرائيل الانضمامَ إلى معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية لهو العثرةُ الرئيسيةُ التي تعترض سياسة أوباما. وكما قال وزير الخارجية الإسرائيلي السابق سيلفان شالوم لإذاعة الجيش الإسرائيلي عندما باح رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق إيهود أولمرت بالسر النووي دون قصد: “نحن دائمًا نواجه السؤال نفسه الذي يطرحه أعداؤنا: لماذا يُسمح لإسرائيل [بامتلاك قنبلة نووية] ولا يُسمح لإيران؟”

يحاجِج بعض المحللون ذوو الشأن بأنه ينبغي لإيران أن تمتلك قنبلةً نووية لأن ذلك سوف يُفضي إلى الاستقرار. وهذه هي حجة كينيث والتز التي أعرب عنها في مقالةٍ نشرتها مجلة فورين أفيرز العريقة تحت عنوانٍ مستفز “لماذا ينبغي لإيران أن تمتلك قنبلةً نوويةً.” غير أن هذه حجةٌ خطيرة للغاية، كما بيَّن خبير القانون الدولي ريتشارد فولك في مجلة غيرنيكا. إن الوسيلة الوحيدة لضمان السلامة والاستقرار لكوكبنا هي تطبيق معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية تطبيقًا كاملًا بعد طول انتظار.

استعراض معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية

دخلَت معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية حيز النفاذ في العام 1970 واقتضت من الدول الخمس ذات السبق في حيازة السلاح النووي – وهي الولايات المتحدة، وبريطانيا، وروسيا، وفرنسا، والصين – أن تقلص ترساناتها النووية وتزيلها. وفي المقابل، وافقت جميع الدول الأخرى الموقعة على المعاهدة على عدم حيازة الأسلحة النووية في حين سُمح لها باستخدام الطاقة الذرية لأغراضٍ سلمية.

وعلاوة على ذلك، فإن كل احدةٍ من تلك الدول مطالبةٌ بقبول ضمانات تبرمها وتتفاوض بشأنها مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية “بهدف الحيلولة دون تحويل الطاقة النووية من الاستخدامات السلمية إلى أسلحةٍ نوويةٍ أو وسائلَ تفجيرٍ نوويةٍ الأخرى.” ولا تزال ثلاثة دول خارج إطار معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية وهي الهند وباكستان اللتان أفصحتا عن وضعهما النووي، وإسرائيل التي لم تؤكد ولم تنفِ وضعها النووي. أما كوريا الشمالية فقد كانت طرفًا في المعاهدة قبل أن تعلن انسحابها منها بتاريخ 10 كانون الثاني/يناير 2003.

لم تفِ الدول النووية الخمس قط بتعهداتها بتصفية مخزوناتها من الأسلحة النووية، وما فتئت تُصرّ رغم ذلك على تطبيق البنود الأخرى للمعاهدة، وهو موقفٌ منافق يعزز انتشار الأسلحة النووية. وحسبما يبيِّن إيمانويل وولرشتاين، فإن المشكلة تكمن بالطبع في أن المعاهدة تسمح للدول ببلوغ مستويات متقدمةٍ من الكفاءة التقنية تضمن الاستخدام السلمي للطاقة الذرية، وتجعل من السهولة بمكان بالنسبة لتلك الدول أن تخطو خطوةً إضافيةً وتصنع قنبلةً نووية. وثمة اعتقادٌ واسعٌ، على سبيل المثال، بأن اليابان لديها تلك القدرة النووية.

إن تطوير قدرةٍ نوويةٍ من هذا القبيل هو ما تعكف إيران على فعله بحسب المزاعم. وكما سيرد لاحقًا في سياق هذه الورقة، ليس هناك إجماعٌ على أن إيران عاكفةٌ على صنع سلاحٍ نووي، بحسب أوثق المصادر الاستخباراتية الأمريكية. ومع ذلك، فإن الدول التي ساعدت إسرائيل في حيازة القنبلة النووية هي نفسها من يقود الحملة ضد إيران. وبالنظر إلى مقدار ما تبذله تلك الدول من أجل الحيلولة دون تمتع إيران بحقوقها بموجب معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، فإنه يجدر استعراض تاريخ إسرائيل في حيازة القنبلة النووية استعراضًا موجزًا.

مساعدة إسرائيل في امتلاك القنبلة النووية

رغم أن الولايات المتحدة هي الحليفُ الأقرب لإسرائيل في الوقت الحاضر، فإنها لم تكن من الأولين القائمين على تمكين برنامج السلاح النووي الإسرائيلي الذي بدأ في خمسينيات القرن الماضي. بل كانت فرنسا أول دولةٍ تساعد إسرائيل في مسعاها، إذ وعدتها ببناء مفاعلٍ نوويٍ قُرب ديمونة في صحراء النقب وبتزويده بوقود اليورانيوم مقابل أن تدعم إسرائيل فرنسا وبريطانيا إبان حرب السويس في عام 1956. كما وافقت بريطانيا أيضًا على مساعدة إسرائيل، بيد أنه من غير الواضح ما إذا كانت تلك المساعدة بسبب دعم إسرائيل لغزو السويس – وهو عمل عدواني أدانته الولايات المتحدة.

تُظهر وثائقُ بريطانيةٌ عديدة رُفعت سريتها وغدت متاحةً على موقع دائرة المحفوظات الوطنية على شبكة الإنترنت بأن بريطانيا أرسلت سرًا مئات الشحنات من المواد المحظورة إلى إسرائيل في عقدي الخمسينيات والستينيات من القرن المنصرم. واشتملت الشحنات على مواد كيميائية خاصة بإعادة المعالجة وعينات من موادَ انشطاريةٍ – اليورانيوم-235 في عام 1959، والبلوتونيوم في عام 1966، وليثيوم-6 عالي التخصيب المستخدم في تعزيز القنابل الإنشطارية وكوقودٍ في القنابل الهيدروجينية. كما أرسلت بريطانيا 20 طنًا من الماء الثقيل إلى إسرائيل في عام 1959 و1960 لتشغيل مفاعل ديمونة. وتمت الصفقة بواسطة شركة نوراتوم النرويجية (Noratom) التي كانت في الواجهة وتقاضت عمولةً بلغت 2 في المائة.

أجريت هذه الصفقات بسرية من جانب الموظفين العموميين البريطانيين دون علم وزرائهم. ووفقًا لوزير التكنولوجيا في العام 1966، توني بن، فإن الصناعة النووية، إبان عقد صفقة البلوتونيوم، كانت جزءًا من إحاطته بشأن “تكنولوجيا الحرارة البيضاء” بيد أن أيًا لم يخبره بأن بريطانيا كانت تُصدِّر مواد الطاقة الذرية إلى إسرائيل. ]وقال في معرض حديثه لهيئة الإذاعة البريطانية: “أنا لست مندهشًا وحسب، بل أنا مصدوم،” وأضاف أنه لم يوافق على البيوع لا هو ولا سَلفه فرانك كوزينز. وقال: “لم يخطر ببالي قط أنهم سيأذنون بشيء يخالف تمامًا سياسة الحكومة [البريطانية].”

وفي تلك الفترة، تعمّدت إسرائيل إخفاءَ برنامج سلاحها النووي عن الحكومة الأمريكية إلى حين عرضه كأمرٍ واقعٍ في اللحظة المناسبة. وكشفت إحدى الوثائق البريطانية المرفوعة سريتها أن إسرائيل كانت مستعدةً لدفع مبالغ أكبر لشراء مياه ثقيلة نرويجية عِوضًا عن الأمريكية – علمًا بأن الماء الثقيل الأمريكي كان أرخص بكثير وأن إسرائيل كانت تعاني من نقص النقد: “غير أن شراء الماء الثقيل الأمريكي كان على الأرجح سينطوي على صخب إعلامي وضمانات صارمة؛ وهذا ما كان الإسرائيليون يتفادونه على ما يبدو بدفع مالٍ أكثر.”

تغيرت سياسة إسرائيل المتمثلة في إبقاء أسلحتها النووية سرًا عن الولايات المتحدة بعد حرب حزيران/يونيو 1967. وسواء كان التعتيم النووي الإسرائيلي “متفقًا عليه” بين الولايات المتحدة وإسرائيل أم “متسامحًا به” في الاتفاقيات السرية إبان الحرب الباردة، كما يقترح أحد الباحثين، فإن ذلك لا يقلل اليوم من الاعتراضات على حيازة إسرائيل للسلاح النووي في حقبة ما بعد الحرب الباردة. فلا شك أن حيازة إسرائيل للقنبلة النووية يساهم في انتشار الأسلحة النووية في الشرق الأوسط: فإذا امتلكت إيران سلاحًا نوويًا، فما الذي يمنع المملكة العربية السعودية وغيرها من ممالك الخليج من الإقدام على ذلك؟

ما عرفته الولايات المتحدة ومتى

اكتشف القمر الصناعي الأمريكي فيلا (VELA)، في أيلول/سبتمبر 1979، إجراء تجارب إسرائيلية لسلسلة أجهزة نووية بالقرب من جزيرتي الأمير إدوارد وماريون في المحيط الهندي بشبه القارة القطبية الجنوبية بالتعاون مع النظام العنصري في جنوب إفريقيا. ووفقًا لوثائقَ حصل عليها ساشا بولاكو-سورانسكي، فإن عناصر الاستخبارات الأمريكية والعلماء النوويين في مختبر لوس ألاموس الوطني في ولاية نيو ميكسيكو خلصوا إلى أن ما التقطه القمر فيلا ما كان لينجم عن ظاهرةٍ طبيعيةة.1

وفي رأي الخبراء في مختبر لوس ألاموس ووكالة الاستخبارات الأمريكية، فإن الحادثة كانت انفجارًا نوويًا. غير أن إدارة الرئيس الأمريكي كارتر، الذي كان يُحضِّر لحملته الانتخابية في خضم أزمة الرهائن الإيرانية، قررت دفن التقارير بدلًا من مواجهة إسرائيل وجنوب إفريقيا صراحةً بشأنها.

تُظهر الوثائق المرفوعة سريتها بأن وزير الدفاع الجنوب إفريقي طلب من وزير الدفاع الإسرائيلي آنذاك والرئيس الحالي شمعون بيريز رؤوسًا حربية نووية قبل أربع سنوات من حادثة فيلا. وما كان من بيريز إلا أن قدَّمها لهم “بثلاثة أحجام.” ووقّع الوزيران حينها اتفاقيةً تنظم العلاقات العسكرية بين البلدين وتتضمن بندًا ينفي “وجود هذه الاتفاقية.”

اشتبهت وزارة الخارجية ووكالة الاستخبارات الأمريكيتان بأن إسرائيل كانت المنفذ الرئيسي لتلك التفجيرات، إذ لم تكن جنوب إفريقيا في العام 1979 قد أتقنت العلوم التي تمكِّنها من صنع سلاحها النووي بمفردها، في حين أن إسرائيل كانت قد أتقنتها بالفعل ولكن لم تختبرها.

واستنادًا إلى بولاكو-سورانسكي، بدأت جنوب إفريقيا علاقتها مع إسرائيل في أوج الفصل العنصري عندما وافقت على تزويد إسرائيل بخام اليورانيوم سنة 1961 – وهي السنة ذاتها التي أُجبرت فيها جنوب إفريقيا على ترك الكومنولث بسبب المعارضة الدولية لسياسة الفصل العنصري التي انتهجتها. وفي الفترة 1961-1976، راكمت إسرائيل مخزونًا يبلغ نحو 500 طن من اليورانيوم.

وفي 1976، ألغت جنوب إفريقيا الضمانات الثنائية المقترنة ببيع خام اليورانيوم إلى إسرائيل. وفي مقابل خام اليورانيوم وإلغاء الضمانات، استلمت جنوب إفريقيا من إسرائيل 30 غرامًا من التريتيوم، وهي مادةٌ مشعةٌ تحتاجها الأسلحة النووية الحرارية لزيادة طاقتها التفجيرية. وكانت 30 غرامًا كافيةً لتعزيز عدة قنابل ذرية.

وفي تشرين الأول/أكتوبر 1986، أدلى مردخاي فعنونو، وهو تقنيٌ نووي إسرائيلي، بشهادته لصحيفة صنداي تايمز اللندنية، ولدى التحقق منها مع خبراء نووين مرموقين في الولايات المتحدة وأوروبا، اتضح أن إسرائيل كانت “قوةً نوويةً عظمى.” وقُدِّر حينها أن إسرائيل تحتل المركز السادس على قائمة العصبة الذرية بمخزونٍ لا يقل عن 100 سلاح نووي ومقوماتٍ وقدرةٍ على صنع قنابل ذرية ونيوترونية وهيدروجينية.

تنتج إسرائيل التريتيوم، بحسب فعنونو، بالإضافة إلى صنع الأسلحة من البلوتونيوم. ووفقًا لصحيفة صنداي تاميز “فإن لهذا مغزى كبيرًا، إذ يعني أن إسرائيل قادرةٌ على إنتاج أسلحةٍ نوويةٍ حراريةٍ أقوى بكثير من القنابل الذرية العادية.” وبدا أن اثنتين من الصور التي قدّمها فعنونو للصنداي تايمز تُظهر “ديوتريد الليثيوم الذي يمكن أن يُستخدم في صنع القنبلة النووية الحرارية، وهي أشد الأسلحة فتكًا وتدميرًا على الإطلاق، إذ بوسعها أن تنجم عن قوةٍ تفجيريةٍ تعادل قوة مئات آلاف الأطنان من مادة تي أن تي. وبلغة صانعي القنابل النووية، فإن قدرات إسرائيل تخطت صنع القنابل النووية الصغيرة ’المدمرة للضواحي‘ إلى ’مدمرات المدن. ‘”

وبعد أسبوع من نشر قصة فعنونو، نقلت صحيفة الصنداي تايمز عن البروفيسور فرانسيس بيرين، الملقب بأبي القنبلة النووية الفرنسية، اعترافه بأن الحكومة الفرنسية زوَّدت إسرائيل سرًا بالتكنولوجيا اللازمة لتصنيع القنابل النووية في عام 1957 وهو ما يتناقض و30 عامًا من النفي الرسمي المتكرر من باريس وتل أبيب.

الهجمة على إيران

تعلم الولايات المتحدة وبقية العالم دون أدنى شك بأن إسرائيل تمتلك منذ 50 عامًا برنامجًا سريًا للأسلحة النووية. ورغم ذلك، ومع أن إسرائيل لم تفتح منشآتها قط أمام التفتيش الدولي ولم توقع معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، فإن الولايات المتحدة ماضيةٌ مع إسرائيل في قيادة حملةٍ دوليةٍ ضد إيران وتشديد العقوبات عليها بمعية الاتحاد الأوروبي وكندا واليابان وأستراليا. وتشمل العقوبات المطبقة الآن قيودًا على مبيعات النفط الإيراني، وحظرًا على توريد الأسلحة الثقيلة والتكنولوجيا النووية، وتجميدًا لأصول أفرادٍ ومنظماتٍ معينة.

ومع ذلك، فإن إدارة أوباما حذرةٌ في لغتها. فهي تكرر وعيدها بمنع إيران من صنع “سلاحٍ نووي،” ممّا يقترح أن الولايات المتحدة قد تتقبل إيران ذات القدرة النووية. أي يبدو أنها مستعدةٌ ضمنًا لأنْ تتقبل إيران القادرة على صنع سلاح نووي ولكن غير المُقدِمة على ذلك. ووفقًا لتحليل أجرته مؤسسة كارنيجي، فإنه قد يُسمح لإيران بتخصيب اليورانيوم طالما أن التخصيب لا يصل إلى تلك الدرجة المستخدمة في الأسلحة النووية (أي 93 في المائة – تقوم إيران حاليًا وفقًا للتقارير بتخصيب اليورانيوم بنسبة 20 في المائة). وبعبارة أخرى، تعتبر واشنطن التخصيب بنسبةٍ تفوق 90 في المائة خطًا أحمرَ وهو ما ستفسره الحكومة الأمريكية بأنه مؤشرٌ على أن إيران تسعى لتطوير سلاحٍ نووي، وهو مؤشرٌ يستدعي التحرك. وحينها فقط، ستكون الولايات المتحدة مستعدةً للنظر في القيام بعمل عسكري ضد إيران.

أما الحكومة الإسرائيلية، فما فتئت تُصرِّح بأنها لن تقبل أن تمتلك إيران قدرةً نووية، ناهيك عن امتلاك سلاحٍ نووي. وقد هدَّدت بقصف منشآت إيران النووية كما قصفت مفاعل أوزيراك العراقي سنة 1981.

إن ما يدعو للاهتمام، في هذا الصدد، أن ادعاءات إسرائيل بشأن نوايا إيران النووية ليست جديدة. ففي العام 1992، تنبأ بنيامين نتنياهو، الذي كان حينها عضو في الكنيست الإسرائيلي، بأن إيران ستمتلك سلاحًا نوويًا في غضون “3 إلى 5 سنوات.” وفي العام نفسه، أخبر وزير الخارجية الإسرائيلي آنذاك، شمعون بيريز، التلفزيون الفرنسي بأن إيران ستمتلك رأسًا حربيةً نووية بحلول العام 1999. وفي 1995، نقلت صحيفة نيويورك تايمز عن مسؤولين أمريكيين وإسرائيليين بأن إيران ستمتلك القنبلة النووية بحلول العام 2000.

ومع ذلك، ليس ثمة إجماعٌ حول ما إذا كانت إيران عاكفةً فعلًا على صنع سلاحٍ نووي. فقد نشر مكتب مدير الاستخبارات الوطنية في الولايات المتحدة في العام 2007 تقرير الاستخبارات الوطنية الذي قال “بثقةٍ عاليةٍ” إن إيران كانت تمتلك بالفعل برنامجًا لتطوير أسلحةٍ نوويةٍ لغاية العام 2003، ولكنها أوقفته بعدما اكتُشف أمره. ولم تستأنف طهران برنامجها للسلاح النووي إلا في العام 2007، بيد أن التقرير يذكر: “لا نعلم ما إذا كانت [إيران] تنوي في الوقت الراهن تطويرَ أسلحةٍ نووية.”

ثمة بالطبع مخاوف بشأن المسعى الإيراني الحالي، ولربما تكون إيران بالفعل عاكفةً على صنع قنبلةٍ نووية نظرًا للتهديدات المحدقة بأمنها وتحشيد القوات في منطقة الخليج. وفي هذا الصدد، يُصيب كينيث والتز في مقالته المنشورة في مجلة فورين أفيرز إذ يقول: “إذا قررت طهران بأن أمنها يتوقف على امتلاك أسلحةٍ نوويةٍ، فإن العقوبات لن تثنيها على الأرجح. بل إن فرض المزيد من العقوبات في الوقت الحاضر قد يعزز شعور إيران بأنها باتت أكثر عرضةً للخطر، ويعطيها حافزًا إضافيًا لامتلاك الحماية التي يوفرها سلاح الردع النووي.” وفي تشرين الثاني/نوفمبر 2011، قالت الوكالة الدولية للطاقة الذرية بأنها عاجزةٌ عن “تقديم تأكيدات موثوقة على عدم وجود موادَ وأنشطةٍ نوويةٍ غير معلنةٍ في إيران” وقالت إن لديها “مخاوفُ جديةٌ” بشأن الأبعاد العسكرية للبرنامج النووي الإيراني.

مع ذلك، ورغم تلك المخاوف ورغم امتلاك إسرائيل برنامجَ أسلحةٍ نوويةٍ منذ خمسينيات القرن الماضي ومخزونًا ضخمًا من الأسلحة النووية، لم تقترح أي قوةٍ عظمى على الإطلاق فرضَ عقوبات عليها. بل على العكس، “كوفئت” إسرائيل وكانت محط إعجابٍ بسبب جرأتها على تطوير برنامج أسلحةٍ خاصٍ بها.

فعلى سبيل المثال، أفادت تقاريرٌ بأن ألمانيا باعت إسرائيلَ مؤخرًا غواصات هجومٍ نوويةً متقدمةً قادرةً على حمل الأسلحة النووية وتخزينها وإطلاقها. إن هذه الغواصات المتسلحة نوويًا ترسل إشارةً واضحةً لإيران بأن إسرائيل لن تكون عاجزةً عن الدفاع عن نفسها في حال استهدافها بهجومٍ نووي، وأن باستطاعتها الردَّ متى شاء باستخدام أسلحةٍ أعتى بكثير.

وهذا يثير التساؤلات حول ما إذا كانت إيران – على فَرَض أنها عازمةٌ فعلًا على صنع قنبلةٍ نووية وأنها ستنجح في ذلك – ستحلم في يومٍ من الأيام بشن ضربةٍ نوويةٍ، لأن من شأن ذلك على الأرجح أن يؤدي إلى تدميرها. وثمة تساؤلٌ أيضًا حول السبب وراء رغبة إسرائيل، رغم امتلاكها سلاحَ ردعٍ قوي، في منع دولٍ أخرى من امتلاك السلاح النووي بما أنهم لن يستخدموه أبدًا.

إن فرض العقوبات والتهويل والتحريض المستمر على الحرب ضد إيران سوف يشجع الحكومة الإيرانية على الأرجح على صنع قنبلةٍ نوويةٍ لأجل أن تحمي نفسها بالردع. فحيازة الأسلحة النووية تُعتبر بوليصةَ تأمينٍ ممتازة. ولكنها تجعل، من دون شك، أي محاولات راميةٍ إلى تعزيز منع الانتشار النووي ضربًا من الهراء.

سياسة موحدة للجميع

نجحت إسرائيل بإصرارها على اختزال المشكلة في إيران في تحويل الأنظار عن تراسنتها (وعن استعمارها الحثيث للأراضي الفلسطينية المحتلة)، وهي تساهم في إدامة التوتر وعدم الاستقرار في المنطقة بوجود خطرٍ دائمٍ بنشوبٍ حربٍ ما في المنطقة، وتساهم أيضًا في انتشار الأسلحة النووية في الشرق الأوسط.

لن يتحقق هدف منع الانتشار النووي حتى تحظى الدول كافة بمعاملةٍ متساوية. وسوف يتعين على القوى النووية الخمس المنضوية تحت معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية أن تضطلع بدورها في تقليص ترساناتها النووية، وهو ما تعهدت به الولايات المتحدة وروسيا نظريًا. كما يجب على القوى النووية أن تعمل على إقناع الدول غير المنضمة إلى المعاهدة كإسرائيل وباكستان والهند وكوريا الشمالية بالانضمام إليها. فإذا ما أُريد لجهود مكافحة الانتشار النووي أن تنجح، فإنه ينبغي للدولِ كافةً أن تنضم إلى المعاهدة.

وبينما ينهمك أوباما في الوقت الراهن في حملة إعادة انتخابه لمنصب الرئاسة، فإنه وينبغي له، إذا أُعيد انتخابه لولايةٍ ثانية، أن يتعلم من دروس الماضي ويواجه القوى النووية القائمة في المنطقة – إسرائيل والهند وباكستان – من أجل تحقيق الحلم المتمثل في خلو العالم من تهديد السلاح النووي والمضي قدمًا نحو النزع الكامل للأسلحة النووية.

  1. See Sasha Polakow-Suransky, The Unspoken Alliance: Israel’s Secret Relationship with Apartheid South Africa, New York: Vintage Books, 2010, pp. 136-142.
فيكتور قطان زميل باحث أقدم لدى معهد الشرق الأوسط في جامعة سينغافورة الوطنية. عَمِل في السابق مديرًا لبرامج الشبكة، وكان زميلًا في مرحلة ما بعد...
في هذه المقالة

أحدث المنشورات

 السياسة, المجتمع المدني
في ظل حرب الإبادة على غزة، والمخاوف الصهيونية من تكرار سيناريو هبة أيار في الداخل الفلسطيني المحتل، صعدت حكومة الاحتلال من قمعها للفلسطينيين في الداخل حيث اعتقلت المئات تحت ذرائع مختلفة. صاحب ذلك كله ازدياد ملحوظ في الرقابة وتجريم المحتوى الفلسطيني على المنصات الرقمية وإطلاق حملات تحريض وشيطنة ممنهجة ضد الفلسطينيين سواء على المستوى الصهيوني الرسمي أو الاجتماعي. ما الذي يفسر ضعف التحرك السياسي والاجتماعي في الداخل منذ السابع من أكتوبر مقارنة بهبة أيار؟ وكيف يمكننا كفلسطينيين في الداخل والضفة الغربية من تعميق التعاون مع بعض لمساندة غزة؟
In this policy lab, Nour Joudah and Kylie Broderick join host Tariq Kenney-Shawa to discuss some of the key lessons to be gleaned from the encampments and how we can best build on them to strengthen the Palestine solidarity movement moving forward.
 السياسة
باشرت القيادة المركزية الأمريكية يوم الجمعة 17 أيار/مايو 2024 تشغيلَ الرصيف المؤقت قبالة سواحل قطاع غزة. ومنذ الإعلان عن المشروع، أعربَ الكثيرون عن شكوكهم حول مدى فاعلية الرصيف وعن تخوفهم إزاء الخطط الأمريكية بعيدة الأجل ودور الرصيف في خدمة الأهداف الإسرائيلية. يتناول هذا التعقيب العمليات الجارية عبر الرصيف ويحلل دوافع الفاعلين الجيوسياسيين الرئيسيين من وراء بنائه. ويضعُ الرصيفَ في سياق استراتيجية إسرائيل بعيدة الأجل بشأن فلسطين، حيث يتخذ من الرصيف مدخلًا لفهم أهداف النظام الإسرائيلي الإقليمية الأشمل. وبغض عمّا إذا كان الرصيف مؤقتًا أم دائمًا، يرى الكاتب أنه لا ينبغي النظر إلى الرصيف باعتباره جهدًا إنسانيًا محضًا وقصير الأجل، وإنما كدلالة لاستمرار المساعي الإمبريالية والاستعمارية الأمريكية والإسرائيلية.
Skip to content