
ملخص تنفيذي
يتناول هذا الموجز السياساتي تقويضَ الصحة بوصفه إطارًا تحليليًّا لفهم المساعي الإسرائيلية الممنهجة لتدمير البنية التحتية للرعاية الصحية في فلسطين، ولا سيما في غزة. وهو لا يتناول انهيار المنظومة الصحية في غزة بوصفه أثرًا عرضيًّا للإبادة، وإنما نتيجة مباشرة لسياسات ممتدة من الحصار والاحتلال والتهميش الهيكلي، هدفت إلى جعل الحياة الفلسطينية غير قابلة للتعافي ودفعها نحو التلاشي.
منذ بداية الاحتلال العسكري، خاصة بعد 1967، مرورًا بنظام التصاريح في مرحلة أوسلو في التسعينيات، وانتهاءً بالحصار المفروض عام 2007، عكف الاحتلال الإسرائيلي على إضعاف السيادة الصحية الفلسطينية تدريجيًّا. وقد بلغت هذه الاستراتيجية ذروتها خلال الإبادة الجماعية الجارية في غزة، إذ دمرت قوات الاحتلال الإسرائيلي المستشفيات واستهدفت العاملين في القطاع الصحي استهدافًا ممنهجًا. فعلى أرض الواقع، انتقل النظام الصحي في غزة من منظومةٍ تحتاج إلى التطوير، إلى منظومةٍ عاجزةٍ عن الاستمرار، ثم إلى الانهيار التام.
ومن خلال رصد المسار التاريخي لسياسات تقويض الصحة، يؤكد هذا الموجز أن توصيف هذه العملية وتسميتها شرطٌ ضروري لتحقيق المساءلة. وحيث إن النية تتكشف من خلال أنماط التدمير لا عبر التصريحات العلنية، فإن إطار تقويض الصحة يُمكِّن صناع السياسات والجهات القانونية والناشطين من تحديد أوجه تدمير القطاع الصحي بوصفه آليةً مركزية للسيطرة الاستعمارية الاستيطانية.
التوصيات
من دون مساءلةٍ دوليةٍ تضع تدميرَ الصحة في صميم تعريف الإبادة الجماعية، تظلّ دبلوماسيةُ وقفِ إطلاق النار غيرَ كافية. ولوقف تقويض الصحة، لا بدّ أن يتجاوز التحرّكُ حدودَ الإغاثة الإنسانية وإعادة الإعمار. وفي هذا الإطار، تتوجّه التوصيات التالية إلى الدول، وهيئات الأمم المتحدة، والمحاكم الدولية، والجهات المانحة، والمؤسسات الصحية الفلسطينية، بوصفها جميعًا أطرافًا تتحمّل مسؤوليةَ التصدّي لتقويض السيادة الصحية الفلسطينية، والسعي إلى استعادتها.
- اعتبار تقويض الصحة جريمة
ينبغي للهيئات القانونية الدولية ومنظمات حقوق الإنسان اعتمادُ مصطلح "تقويض الصحة" رسميًّا، للإقرار بالتدمير المتعمّد للمنظومات الصحية بوصفه أداةً للعقاب الجماعي ومحو الجماعات. ويُسهم توصيف هذه الجريمة وتسميتها في تعزيز جهود المراقبة والتوثيق والمساءلة القانونية.
- إخضاع العنف التاريخي للمساءلة القانونية
يتعين على المحاكم وهيئات التحقيق تقييمَ الانتهاكات الإسرائيلية من منظورٍ زمني ممتد، يشمل عقودَ الحصار، وتعطيلَ التنمية، والتدهورَ البنيوي لقطاع الصحة في فلسطين. فينبغي التعامل مع الانهيار طويل الأمد للنظام بوصفه شكلًا من أشكال العنف البنيوي، مع ضرورة مساءلة جميع الأطراف المتواطئة، بما في ذلك الدول التي تقدِّم دعمًا سياسيًّا أو عسكريًّا.
- السعي إلى تعافٍ بنيوي قائم على التحرر
يجب أن تتم جهود إعادة الإعمار والتعافي بقيادة فلسطينية، وأن تستند إلى مبدأ السيادة. ويتطلب ذلك إنهاءَ سيطرة إسرائيل على الحدود والمجال الجوي وإمدادات الوقود وسلاسل توريد المستلزمات الطبية، وإلغاءَ نظام التصاريح الطبية، وضمانَ حرية التنقل للمرضى ومقدِّمي الرعاية الصحية، وإدماجَ ضمانات قانونية تحول دون تكرار تكتيكات الحصار مستقبلًا.
- إرساء بنية تحتية معرفية لطبٍّ قائم على التحرر
ينبغي للمؤسسات الأكاديمية وشبكات الصحة العالمية إنشاء منصة للطبِّ القائم على التحرر بقيادة فلسطينية، على أن تُعنى بدراسة الصحة في ظل الاحتلال، وإنتاج معرفة خاضعة للمساءلة أمام المجتمعات المتأثرة. فلا بد أن تُعلي الأبحاث من شأن العدالة، لا العمل الخيري.
- إرساء حماية مطلقة للوحدات الطبية
ينبغي أن تسدَّ عمليات إصلاح القانون الدولي الإنساني الثغرات التي تبرِّر الاعتداءات على المرافق الطبية. وينبغي للدول اعتماد ضمانات قانونية مطلقة لحماية البنية التحتية للقطاع الصحي والعاملين فيه، مع الإقرار بأن حماية الوحدات الطبية تمثّل "قاعدة آمرة" لا يمكن تجاوزها.
مقدمة
منذ تشرين الأول/ أكتوبر 2023، أدت الحملة العسكرية الإبادية التي تشنها إسرائيل على غزة إلى انهيار جميع ركائز النظام الصحي في القطاع تقريبًا. فقد قصفت قوات الاحتلال الإسرائيلي المستشفيات، وقتلت أفراد الطواقم الطبية، وعرقلت مرور القوافل الإنسانية، وألحقت دمارًا واسعًا بالبنية التحتية الأساسية. ورغم توثيق منظمات حقوقية بارزة للتدمير الممنهج لقطاع الرعاية الصحية في غزة، فإنها كثيرًا ما تتجنب توصيف الواقع على حقيقته؛ إذ إن ما تمارسه إسرائيل لا يمكن اختزاله في عمليات عسكرية متفرقة، بل هو نتاج سياسة طويلة الأمد. فلا يُعزى تدمير المنظومة الصحية في غزة إلى الفصل الأخير المتمثل في الإبادة الحالية ضد الشعب الفلسطيني، بل سبق ذلك بسنوات طويلة. إنه نتاج استراتيجية مدروسة طويلة الأمد، تسعى إلى جعل الحياة الفلسطينية غير قابلة للتعافي ولا قابلة للإغاثة، ومآلها التلاشي.
يتناول هذا الموجز السياساتي تقويضَ الصحة بوصفه المنطق الحاكم للصحة في ظل الاستعمار الاستيطاني؛ فهو إضعاف منهجي وعرقلة متعمدة للأسس التي تقوم عليها صحة السكان الأصليين، وتحويلها إلى أدوات وسلاح. ففي فلسطين، لا تتوقف الممارسات الإسرائيلية لتقويض الصحة عند استهداف قطاع الرعاية الصحية فحسب، بل تُعيد صياغة الصحة نفسها كساحةٍ لفرض الهيمنة، يُنتَج فيها المرض والضعف ويُداران منهجيًّا. وفي ظل هذا النظام الاستعماري، يصير الاعتلال الصحي شرطًا للهيمنة وأداةً للتحكم. وبهذا المعنى، فإن ممارسات تقويض الصحة تمثِّل الواجهة الصحية لمنطق المحو، إذ تحافظ الدولة الاستعمارية الاستيطانية على استمراريتها من خلال خلق المرض والتبعية، وإضعاف مقومات حياة الشعب الفلسطيني المستعمَّر.
تعريف تقويض الصحة
يمكن تعريف تقويض الصحة بوصفه نظامًا مُمنهجًا تتحول فيه الصحة من منفعةٍ عامة خاضعة للحماية إلى ساحة للإكراه وفرض السيطرة. ويُدار هذا النظام من خلال منظومة مترابطة من الآليات، تشمل الخنق الإداري، وتفكيك البنية التحتية، وتجريم الممارسة الطبية، وإنتاج التبعية، والمحو المعرفي، والتدمير البيئي، والإعاقات المُمنهجة، بما يؤدّي إلى تقويض مقوّمات البقاء والتعافي واستشراف المستقبل لدى جماعة سكانية بعينها. وفي ظل الحكم الاستعماري الاستيطاني تتجلى هذه الآليات في مزيج من العنف الإداري البطيء والتدمير العسكري، في مسار يفضي إلى تراجع مستمر في القدرة على التعافي.
في ظل الحكم الاستيطاني الاستعماري، تتجلى عملية 'تقويض الصحة' في مزيجٍ من العنف الإداري البطيء والتدمير العسكري، في مسار يفضي إلى تراجع مستمر في القدرة على التعافي Share on Xعلى مدى عقود، مضى هذا المنطق الاستعماري الإسرائيلي الحاكم للصحة الفلسطينية عبر مراحل متعاقبة من الإهمال، والتسليح، وفرض التبعية، والحصار، وصولًا إلى الإبادة. أسهم تعاقب هذه المراحل في إعادة تشكيل البنى الاستعمارية الناظمة للصحة وسبل البقاء في فلسطين، على نحوٍ تراكمي، وصولًا إلى الانهيار الراهن الذي يشهده قطاع غزة. ويمكن تتبع هذه البنى عبر مسارٍ زمني، يبدأ من الإهمال الذي ساد في سبعينات القرن الماضي، إلى استخدام الرعاية الصحية كسلاح صراحةً إبان الانتفاضة الأولى، إلى الفخ الإداري في حقبة أوسلو، ثم الخنق البيئي الذي فرضه الحصار، وصولًا إلى القضاء على النظام الصحي في ظل الإبادة الجارية في غزة. وإذا استوعبنا هذه التحوّلات، يتّضح أن ما يجري اليوم ليس خروجًا عن السياق، بل الحلقة الأحدث في مسار طويل الأمد استهدف إحكام السيطرة على القدرة الصحية ذاتها. وفي ظل هذا النظام، تُغدو صحة الفلسطينيين مشروطة على نحوٍ دائم، ويغدو البقاء نفسه مستحيلًا على المستوى البنيوي.
الاحتلال وإهمال الصحة (1986–1967)
أهمل النظام الإسرائيلي النظامَ الصحي الفلسطيني إهمالًا شديدًا عقب احتلاله غزة والضفة الغربية عام 1967؛ إذ طبَّق سياسةَ احتواء تعاملت مع صحة الفلسطينيين بوصفها عبئًا يجب إدارته، وليس حقًّا يجب حمايته.
طوال سبعينيات القرن العشرين، أشرفت الإدارة الإسرائيلية العسكرية على منظومة صحية اتسمت بالتفكك ومحدودية الموارد في غزة. فتُظهر البيانات التي جمعها ممارسون طبيون فلسطينيون وأكدها اتحاد لجان الإغاثة الطبية الفلسطينية لاحقًا أن العيادات الطبية كانت تعاني من حرمان حاد، إذ افتقر معظمها إلى المستلزمات الأساسية، وأدوات التشخيص، وإمكانية الإحالة الطبية. فبدلًا من الاستثمار في البنية التحتية، فرض النظام الصهيوني حالة جمود بيروقراطي قيّدت الحصول على المعدات والأدوية وحتى سيارات الإسعاف بتصاريح عسكرية إسرائيلية.
ومع نهاية السبعينيات، كانت غزة تعاني نقصًا حادًّا في الكوادر الطبية، حيث وصل المعدل إلى طبيب واحد لكل 1666 نسمة، وتراجع في بعض المناطق إلى طبيب واحد لكل 2200 نسمة مقابل طبيب واحد لكل 350 إلى 450 نسمة في أراضي عام 1948 والأردن. كما كانت العيادات مثقلة؛ إذ لم يتجاوز عددها 25 عيادة، يعمل في كلٍّ منها طبيب واحد فقط، من دون أطباء الأسنان أو سيارات إسعاف، ما اضطر الأطباء إلى استقبال قرابة 200 مريض يوميًّا، مع تخصيص بضع دقائق فقط لكل مريض.
انعكس هذا الإهمال المُنظَّم أيضًا في مؤشرات الصحة العامة، حيث قدَّرت دائرة الإحصاء المركزية الإسرائيلية معدل وفيات الرضع في غزة والضفة الغربية بنحو 70 وفاة لكل ألف طفل في عام 1985. وكشفت بيانات صادرة عن شبكات طبية فلسطينية واقعًا أشد خطورة؛ إذ بلغ معدل وفيات الرضع 49 حالة لكل ألف طفل في بدّو (قرية فلسطينية قرب القدس)، و91 لكل ألف طفل في القرى المحيطة برام الله، وصولًا إلى ما يقارب 100 لكل ألف طفل في المناطق الأشد فقرًا، مثل الخليل وغور الأردن. في ذلك العام، بلغ معدل وفيات الرضع في إسرائيل 14 لكل ألف طفل، مقابل 55 في الأردن و60 في سوريا. تعكس هذه التباينات الحادة أن تعثُّر المؤشرات الصحية الفلسطينية ناجمٌ عن إهمال بنيوي محكوم بدوافع سياسية.
انعكس هذا النمط كذلك على مستوى البنية التحتية؛ إذ شهدت الضفة الغربية زيادةً سكانية بنسبة 21% بين عامي 1974 و1985، مقابل انخفاض عدد أسِرَّة المستشفيات من 1393 إلى 1308، ما أدى إلى تراجع النسبة من 2.1 إلى 1.6 سرير لكل ألف نسمة. وسجلت في غزة زيادة سكانية بنسبة 26% مقابل انخفاض عدد الأسِرَّة من 1004 إلى 872، لتتراجع النسبة من 2.4 إلى 1.6 سرير لكل ألف نسمة. في المقابل، حافظت إسرائيل خلال هذه الفترة على معدل يقارب 6.1 أسِرَّة لكل ألف نسمة.
على المستوى البنيوي، اعتمدت استراتيجية الحوكمة الصحية الاستعمارية التي ينتهجها النظام الإسرائيلي على سياسة تعطيل التنمية، التي أنتجت التبعية الفلسطينية وأبقت عليها. إذ باتت القرارات الأساسية الخاصة بالبنية التحتية الصحية، بدءًا من استيراد الإبر الطبية وانتهاءً بتوسيع المستشفيات، خاضعة لإشراف عسكري إسرائيلي مباشر وسيطرة مركزية. وقد ترسخت هذه السيطرة عبر إرساء نظام تصاريح استعماري، أخضع حركة الفلسطينيين وإمكانية حصولهم على الرعاية الصحية للموافقات العسكرية. ومن خلال هذا النظام، تُفوِّض الدولة الاستعمارية الاستيطانية لنفسها سلطة تقرير الحياة والموت بآليات بيروقراطية باردة.
الانتفاضة الأولى واستخدام الصحة كسلاح (1993–1987)
شكّلت الانتفاضة الأولى منعطفًا تحوَّلت فيه سياسات الإضعاف الإداري المتراكمة للنظام الصحي الفلسطيني إلى عنفٍ استعماري مكشوف، إذ جرى توظيف الإهمال المتراكم على مدى عقود كسلاحٍ مُنظَّم وعلني. ففي مواجهة الانتفاضة الفلسطينية عام 1987، دمج النظام الإسرائيلي القمع العسكري بالإكراه الطبي، موسّعًا منطق السيطرة ليخترق أروقة المستشفيات والعيادات.
لم يقتصر الحصار الإسرائيلي على غزة على تقييد حركة الأفراد والبضائع، بل امتد ليفرض قيدًا مباشرًا على مقومات الحياة والصحة الأساسية Share on Xمن أبرز التقارير التي كشفت عنف تلك المرحلة تقرير منظمة أطباء من أجل حقوق الإنسان التي أوفدت بعثةً لزيارة الضفة الغربية وقطاع غزة في الأيام المئة الأولى من الانتفاضة. وقال الدكتور هـ. جاك غايغر إنّ ما وثقته البعثة يرقى إلى “استشراء العنف” على يد القوات الإسرائيلية. وبيّنت مقابلات مع طواقم طبية فلسطينية أن ما شهدته البعثة كان الوضع الاعتيادي لا الاستثنائي، في ظل مستشفيات مثقلة ونقص حاد في التجهيزات وعملٍ يتجاوز القدرة الاستيعابية بكثير. فمثلًا، لم يكن يتوافر في مستشفى عالية الحكومي في الخليل سوى جهازين صالحين لقياس ضغط الدم.
وأكّدت منظمة أطباء من أجل حقوق الإنسان أن العنف الممارس ضد المحتجّين الفلسطينيين لم يكن إجراءً للسيطرة على الحشود، بل ممارسة منهجية ومقصودة لكسر الأطراف وإحداث الإعاقات. وفي كثير من الأحيان، كان الضحايا يصلون إلى أقسام الطوارئ وهم يعانون كسورًا متعددة، وإصابات بالغة، ومضاعفاتٍ من بينها النفاخ تحت الجلد الناتج عن كسور الأضلاع. كان إحداث هذا النوع من الإصابات سياسةً مقصودة، عكست ما كان متداولًا آنذاك على نطاق واسع بوصفه عقيدة “اكسروا عظامهم” المنسوبة إلى رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق إسحاق رابين، وهي سياسة لا تزال آثارها ماثلة اليوم في أزمة مبتوري الأطراف في غزة.
في الواقع، وثّق مختصّون في المجال الطبي أن قدرًا كبيرًا من هذا العنف كان موجّهًا عمدًا لإحداث إعاقات في أجساد الفلسطينيين؛ إذ استهدفت نحو نصف إصابات الطلقات النارية الأطرافَ السفلية، فيما أدّت الرصاصات عالية السرعة إلى ما عُرف بتأثير “ثلج الرصاص”، حيث تتناثر الشظايا داخل الجسم، مُضاعِفةً حجم التلف في الأنسجة. كذلك أفادت المستشفيات بحدوث حالات فشل كلوي ناجمة عن تفتت العضلات بفعل الضرب المبرح، إضافةً إلى نزيف دماغي متكرر نتيجة صدمات الرأس التي كادت تصل إلى حدِّ كسر الجمجمة. وقد سقط آلاف المصابين في الشهرين الأولين من الانتفاضة -وهي أعداد تفوق بكثير الأرقام الرسمية التي أعلنتها السلطات الإسرائيلية- ما دفع بالنظام الصحي المنهك أساسًا إلى حافة الانهيار. فبعد سنوات من الإهمال، لم تستطع المستشفيات الفلسطينية استيعاب الارتفاع المفاجئ في أعداد المصابين، واضطرت إلى العمل في ظروف وصفها مراقبون بأنها أدنى بكثير من المعايير المقبولة.
فضلًا عن ذلك، انتهك النظام الإسرائيلي مبدأ “الحياد الطبي” مِرارًا، وهو مبدأ في القانون الدولي يهدف إلى حماية الطواقم الطبية والمرضى والمنشآت الصحية. إذ استولت القوات الإسرائيلية على سيارات الإسعاف واستخدمتها كوسيلة دخول مموَّهة لتنفيذ عمليات اعتقال واعتداءات بالضرب داخل مخيمات اللاجئين. وشملت الانتهاكات عرقلةَ عمل أفراد الطواقم الصحية والاعتداء عليهم واحتجازهم وطردهم، علاوة على تدمير المعدات الطبية وأخذ المرضى قسرًا من أَسِرَّتهم. وشهدت الخدمات الصحية الفلسطينية انهيارًا واسعًا، تمثَّل في تراجع خدمات رعاية الحوامل وتوقف برامج التطعيم، بينما أسفرت انقطاعات المياه في مخيمات اللاجئين عن ولادات جرت في غياب المياه النظيفة.
في الوقت نفسه، رفضت نقابة الأطباء الإسرائيلية لقاءَ وفد منظمة أطباء من أجل حقوق الإنسان، فيما عمد مسؤولون إلى نفي الانتهاكات الموثَّقة ووصفها بالمفبركة. هذا الإنكار للمعاناة يشكِّل في حدِّ ذاته أحدَ آليات تقويض الصحة؛ إذ يمحو الأذى القائم ويتيح استمراره في الوقت نفسه. وقد خلص الوفد إلى أنه لو جرت هذه الممارسات في سياق “حربٍ معترف بها”، لاعتُبر كثيرٌ مما جرى توثيقه فظائعَ جسيمة.
كشف العنف الإسرائيلي الذي أعقب الانتفاضة الأولى حجم الدمار الذي ألحقه نظام الاحتلال بقطاع الرعاية الصحية في غزة والضفة الغربية. فلم تعد المستشفيات ملاذات للحماية، بل غدت فضاءات خاضعة للتحكّم العسكري، يسودها الرعب. ولم تتوقّف عملية تسليح الرعاية الصحية عند لحظة الانتفاضة، بل جرى ترسيخها بوصفها ممارسة ممأسسة.
أوسلو وتعميق التبعية (2008–1994)
لم تُفضِ اتفاقات أوسلو في تسعينات القرن الماضي إلى تحقيق تقرير المصير الفلسطيني، بل أعادت صياغة الاحتلال الإسرائيلي من سيطرة مباشرة إلى نمطٍ مُحكَم من الإدارة غير المباشرة. فرغم أن الاتفاقات أفضت إلى تأسيس وزارة صحة فلسطينية، إلا أنها أتت في سياق الاحتلال العسكري والتبعية للمانحين، وهو ما حال دون بناء منظومة صحية فلسطينية موحدة وذات سيادة. وظلَّ تقديم الرعاية الصحية مشتت بين وزارة الصحة الفلسطينية ووكالة الأونروا والمنظمات غير الحكومية والقطاع الخاص. وفي الوقت نفسه، واصل النظام الإسرائيلي تحكمه في حركة الأفراد والبضائع، ما جعل الحصول على الرعاية الصحية مرهونًا بنظام تصاريح صارم وتعسفي.
لم تُقلِّص اتفاقات أوسلو السيطرة الإسرائيلية على المنظومات الصحية الفلسطينية؛ بل أعادت إنتاجها ضمن آليات بيروقراطية توحي باستقلالٍ ذاتي فلسطيني، فيما أبقت على الممارسات الإسرائيلية لتقويض الصحة وعمّقتها. فهذا النقل المزعوم للسلطة لم يشمل سيادة الفلسطينيين على الموارد، ولا حرية الحركة، ولا مقوّمات الإمداد الطبي الأساسية التي تقوم عليها أي منظومة صحية قابلة للعمل. ومع احتكار إسرائيل السيطرة على الحدود، بات استيراد أي قطعة غيار لمولّدات الكهرباء، أو شحنة من المضادات الحيوية، أو حتى إطارات سيارات الإسعاف، مشروطًا بالحصول على تصريح عسكري.
تتجلَّى سياسة إسرائيل لـ'تقويض الصحة' في اعتداءاتها المنهجية التي تستهدف قدرة الفلسطينيين على الحياة بالنيل من أجسادهم، وذلك عبر تقويض منظومة الرعاية الصحية Share on Xاضطرّ المرضى الفلسطينيون في غزة والضفة الغربية، ممّن تتطلّب حالاتهم علاجًا تخصّصيًا في القدس الشرقية المحتلّة أو خارجها، إلى الخضوع لنظام تصاريح تفرضه الإدارة المدنية الإسرائيلية. ففي عام 2011 وحده، أحالت وزارة الصحة الفلسطينية أكثر من 33,000 مريض لتلقّي رعاية صحية مشروطة بالتصاريح، توفّي من بينهم ستة على الأقل قبل صدور الموافقة. كما خضع مرضى آخرون لما عُرف بـ”التحقيقات الأمنية” قبل منحهم التصريح، في عملية تعسّفية تفتقر إلى الشفافية والرقابة الطبية. وبحلول عام 2013، واجه أكثر من 1500 مريض تأخيرًا في الإجراءات، بينما لم يتلقَّ أكثر من 250 مريضًا أي ردّ على الإطلاق.
وفي الوقت نفسه، أسهمت قرارات الرفض التعسّفية لتصاريح مرافقي المرضى، بمن فيهم الأطفال، في إضعاف فرص حصولهم على الرعاية الطبية الأساسية. كما مُنِع دخول سيارات الإسعاف مباشرةً إلى القدس الشرقية المحتلّة في أكثر من 90% من الحالات، ما أجبر مرضى الطوارئ على الخضوع لعمليات نقل متعدّدة عند نقاط التفتيش. وفي الضفة الغربية، واجه أكثر من 20% من نحو 250,000 طلب تصريح الرفضَ أو التأخير. فقد فوّت كثير من المرضى الفلسطينيين المقيمين في غزة والضفة الغربية مواعيدهم العلاجية بسبب نظام التصاريح، واضطرّ آخرون إلى تلقّي رعاية دون المستوى، فيما توفّي بعضهم أثناء انتظار العلاج.
أصبحت السيطرة البيروقراطية على الوصول إلى الرعاية الصحية المنطق الحاكم لإدارة الصحة في مرحلة ما بعد أوسلو. فقد أحكمَ النظامُ الإسرائيلي قبضته على حياة الفلسطينيين عبر سياسة تأخير التصاريح ورفضها، التي جعلت المرضى ينتظرون لأسابيع أو شهور، ليضعَ الأطباء والمرضى ووسائل الإسعاف والمستلزمات الطبية تحت رحمة الموافقات العسكرية. وقد تجلى العنف الاستعماري الإسرائيلي من خلال البيروقراطية، ونقاط التفتيش العسكرية، والسيطرة على مصادر الطاقة الحيوية اللازمة لعمل المنشآت الصحية. وفي قطاع غزة، أدّت القيود المفروضة على الوقود إلى اعتماد المستشفيات على المولدات، ما جعلها معرضة للانهيار بشكل كبير تحت الحصار.
الرعاية الصحية تحت الحصار (2023–2008)
بعد فوز حركة حماس في الانتخابات عام 2007 وحدوث القطيعة السياسية بينها وبين حركة فتح، فرضت إسرائيل حصارًا بريًّا وجويًّا وبحريًّا كاملًا على غزة، ما مثَّل انطلاقة لسياسة معلنة لخنق البنية التحتية. وصار قطاع الرعاية الصحية خاضعًا لحصار مستمر. وفي السنة نفسها، صاغ مسؤولون إسرائيليون إطارًا لتقييد الوصول إلى الغذاء، قائمًا على احتساب الحدّ الأدنى من السعرات الحرارية اللازمة لتجنّب المجاعة، مع تقليص الاستيراد على نحوٍ يُبقي حياة الفلسطينيين على حافة الانهيار.
وبحلول عام 2008، كان النظام الإسرائيلي قد رفض أكثر من 40% من الإحالات الطبية أو أخَّرها، بما في ذلك حالات طارئة من مرضى السرطان والفشل الكلوي والإصابات الخطيرة. وفُرِضت قيودٌ على دخول المعدات الطبية الأساسية وقطع الغيار تحت بند “الاستخدام المزدوج”، فيما أدّت أزمات الوقود المتكررة إلى تعطيل مولدات المستشفيات مرارًا. وبعد مرور 18 شهرًا على الحصار، حذرت منظمة الصحة العالمية من أن النظام الصحي في غزة بات عاجزًا عن تنفيذ استجابة طارئة منظمة.
مهّدت هذه الهشاشة المقصودة الطريقَ لكارثة إضافية. فمع بدء الهجوم الذي استمر 22 يومًا ضمن عملية “الرصاص المصبوب” في كانون الأول/ديسمبر 2008، انهارت البنية الصحية المنهكة تحت وطأة الضغط. وفي ظل غياب مصادر طاقة مستقرة، ونقص حاد في المستلزمات، وخروج مستشفيات عن الخدمة، غدا تقديم العلاج للمصابين والمرضى أمرًا شبه مستحيل، فيما توفّي كثيرون وهم ينتظرون رعاية طبية لم يحصلوا عليها. وما بدا ظاهريًا خللًا في الطاقة أو البنية التحتية، كان في جوهره حرمانًا منهجيًا من المقوّمات الحيوية الأساسية، أخضع صحة الفلسطينيين وبقاءهم لمنطق التحكّم السياسي والعسكري.
وبناءً عليه، أظهرت العواقب الكارثية للهشاشة المتعمَّدة استشهاد أكثر من 1400 فلسطيني، في وقتٍ عملت فيه المستشفيات تحت ضغط الإصابات الجماعية وبموارد تشغيلية شديدة الشحّ. وألحقت العملية أضرارًا بـ34 مركزًا صحيًا، ما قَوَّض إمكانية الحصول على علاجٍ منقذ للحياة. وبحلول عام 2010، أثار التراكم المركّب للحصار وسياسات تعطيل التنمية تساؤلات علنية حول ما إذا كانت الممارسات الإسرائيلية في غزة تنطوي على قصدٍ إبادي.
في عام 2017، ومع توقف محطة توليد الكهرباء الوحيدة في غزة عن العمل بعد نفاد إمدادات الوقود، حذرت منظمة الصحة العالمية من أن 14 مستشفى عامًّا و16 عيادة للرعاية الأولية تواجه خطر الإغلاق الوشيك بسبب النقص الحاد في الوقود. فقد أسفرت القيود المفروضة على الوقود في ظل الحصار عن تعطيل غرف العمليات، وحضانات حديثي الولادة، ووحدات الغسيل الكلوي، وأنظمة تبريد اللقاحات إلى حدٍّ كبير. وعليه، أُجبرت المستشفيات على ترشيد الكهرباء إلى بضع ساعات فقط يوميًّا، في وقتٍ شهدت فيه التقارير ارتفاعًا حادًّا في حالات سوء التغذية المزمن بين الأطفال ونقص العناصر الغذائية الدقيقة.
بحلول عام 2018، كشفت مسيرة العودة الكبرى عن مرحلة جديدة من الحصار. فقد أسفر استهداف إسرائيل المتعمد للمتظاهرين بالذخيرة الحية عن أكثر من 35 ألف إصابة بين آذار/ مارس 2018 وكانون الأول/ ديسمبر 2019، ما أثقل كاهل الجراحين الذين افتقروا إلى المستلزمات اللازمة لمنع مئات حالات البتر، في تجسيدٍ لما تصفه غادة مجادلي بـ”تفتيت الأمة عبر تفتيت الجسد”.
وعليه، فإن سياسات إسرائيل كانت قد فرضت خناقًا بيولوجيًّا على غزة قبل الإبادة الجماعية الحالية بوقتٍ طويل. فلم يقتصر الحصار الإسرائيلي على غزة على تقييد حركة الأفراد والبضائع، بل امتد ليفرض قيدًا مباشرًا على مقومات الحياة والصحة الأساسية.
الإبادة الجماعية الجارية
تمثِّل الإبادة الجماعية الجارية اليوم المرحلةَ الأخيرة في عملية تقويض الصحة؛ إذ حوَّلت القوات الإسرائيلية مستشفيات غزة من ملاذات آمنة إلى مواقع للإعدام. فقد أفادت منظمات حقوقية أن القوات الإسرائيلية عمِدت مرارًا إلى تطويق المرافق الطبية ومحاصرتها وقصفها واقتحامها، تمهيدًا لإجبارها على الإخلاء. وخلال الفترة من تشرين الأول/ أكتوبر 2023 إلى أيار/ مايو 2025، قتلت القوات الإسرائيلية أكثر من 1400 عنصر من الكوادر الطبية، ونفّذت ما يزيد على 700 هجوم على منشآت الرعاية الصحية، في إطار تقويض منهجي للمنظومة الطبية في غزة.
بعد أن قصفت القوات الإسرائيلية مستشفى الأهلي في تشرين الأول/ أكتوبر 2023، ما أسفر عن استشهاد 471 شخصًا وإصابة أكثر من 370 آخرين، أصبح استهداف المرافق الطبية أمرًا مُعتادًا. فمهَّد ذلك الاعتداء الطريق لحصار مستشفى الشفاء الذي كان أكبر مركز لعلاج الإصابات في غزة. وبحلول نيسان/ إبريل 2024، أدَّت عمليات التطويق والقصف والاقتحام الإسرائيلية إلى تعطيل المستشفى بالكامل وإخراجه عن الخدمة.
صعَّدت القوات الإسرائيلية هجماتها على القطاع الصحي في غزة في ظل إفلاتها الكامل من العقاب والمساءلة. وفرضت حصارًا على مستشفيات العودة وكمال عدوان والإندونيسي والرنتيسي ومجمع ناصر الطبي في غزة، رافقته عمليات إخلاء قسرية، وإطلاق نار على الأقسام، واعتقال كوادر طبية، وعرقلة دخول الغذاء والمستلزمات الطبية. وجاءت هذه الأفعال في إطار مخطط عسكري أشمل وضعته إسرائيل لإخراج جميع المنشآت الطبية في شمال غزة عن الخدمة. وفي كانون الثاني/ يناير 2024 ، اقتحمت القوات الإسرائيلية مستشفى الأمل، وأطلقت النار مباشرة على واجهته، واحتجزت أطباء، وأجبرت أكثر من 7000 نازح كانوا يلتمسون المأوى داخله على مغادرته. وانتهى الحصار الذي استمر لأكثر من أربعين يومًا بإخراج المستشفى عن الخدمة كليًا بحلول آذار/ مارس 2024.
ومنذ السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023، دأبت إسرائيل على تسريع المرحلة الأخيرة من عملية تقويض الصحة عبر إضعاف قدرة غزة على صون الحياة واستدامتها. فلم يتبقَّ في مستشفيات غزة سوى أقل من 1800 سريرٍ لأكثر من مليوني فلسطيني. وصارت خدمات طبية مثل العمليات الجراحية وغسيل الكلى وعلاج السرطان ورعاية حديثي الولادة شبه مستحيلة. أما الكوادر الطبية التي نجت من القتل والاعتقالات أو التعذيب، فتواصل عملها تحت القصف المباشر، في ظل نقصٍ حادٍّ في الكهرباء والمضادات الحيوية ووسائل التخدير. فالجروح تسوء لتصل إلى مرحلة النخر، بينما تتم عمليات البتر في غياب مُسكنات الألم. كذلك تتفاقم حالات سوء التغذية وتتزايد سرعة انتشار الأمراض التي كان يمكن الوقاية منها سابقًا، ذلك بالتزامن مع تحذيرات منظمة الصحة العالمية من مخاطر اندلاع أوبئة التهاب الكبد الوبائي «أ» وشلل الأطفال واليرقان.
إنّ ما نشهده في غزة هو شكلٌ من أشكال الحرب البيولوجية، قائم على التجويع، وانتشار العدوى، وترك الجرحى دون علاج، في تجسيدٍ عملي لما وصفه غسان أبو ستة ببيئةِ إبادةٍ جماعية، حيث تداخلت آثار الهجوم الإسرائيلي لتُنتج دمارًا بيئيًا واجتماعيًا وبيولوجيًا واسع النطاق. فقد حوَّل النظام الإسرائيلي الهواء والمياه والتربة إلى أسلحة عبر تدمير محطات الصرف الصحي ومحطات تحلية المياه، وإغراق الأحياء بالنفايات، وتلويث طبقات المياه الجوفية، وإحراق الأراضي الزراعية. وتسبب استهداف البساتين والمنشآت الزراعية وشبكات الري في القضاء فعليًّا على مقومات إنتاج الغذاء. فصارت أبسط عناصر الحياة، مثل شرب المياه والتنفس وزراعة الغذاء، تنطوي على مخاطر مميتة.
تُشكِّل سياسة تقويض الصحة التي تنتهجها إسرائيل ذراعًا أساسيًّا في “بيئة الإبادة الجماعية”، إذ تتجلى في اعتداءاتها المنهجية التي تستهدف قدرة الفلسطينيين على الحياة بالنيل من أجساد السكان الأصليين، وذلك عبر تقويض منظومة الرعاية الصحية. فحتى لو نجا الفلسطينيون من القصف والحصار وأشكال التحكم البيروقراطي، فهم محاصرون في معاناة بلا علاج، ومحرومون من حق التداوي والتعافي والمقاومة. فإلى جانب الرصاص، تعتمد الإبادة الإسرائيلية على تسمم الدم، وولادة الأجنة الميتة، والاختناق بفعل الألم. ويتمثَّل الهدف منها في تفكيك المنظومات التي تحافظ على الحياة، عبر حرمان الفلسطينيين من أطبائهم وعياداتهم ومستشفياتهم. فما يحدث ليس انهيار منظومة صحية بقدر ما هو تنفيذ لمنطقٍ استعماري يستهدف القضاء على مقومات الحياة نفسها.
التوصيات
من دون مساءلة دولية تضع تدمير الصحة في صميم تعريف الإبادة الجماعية، تظل دبلوماسية وقف إطلاق النار غير كافية. فمن أجل وضع حدٍّ لتقويض الصحة، لا بد أن يتجاوز التحرّك حدودَ الإغاثة الإنسانية وإعادة الإعمار. والأولويات التالية موجهة إلى الدول وهيئات الأمم المتحدة والمحاكم الدولية والجهات المانحة والمؤسسات الصحية الفلسطينية، بوصفها جميعًا أطرافًا تتحمَّل مسؤولية التصدي لتقويض السيادة الصحية الفلسطينية والسعي إلى استعادتها.
- اعتبار تقويض الصحة جريمة
ينبغي للهيئات القانونية الدولية ومنظمات حقوق الإنسان اعتمادَ مصطلح “تقويض الصحة” رسميًّا، لإقرار التدمير المتعمد للأنظمة الصحية بوصفه أداةً للعقاب الجماعي ومحو الجماعات. ويُسهم توصيف هذه الجريمة وتسميتها في تعزيز جهود المراقبة والتوثيق والمساءلة القانونية.
- إخضاع العنف التاريخي للمساءلة القانونية
يتعين على المحاكم وهيئات التحقيق تقييمَ الانتهاكات الإسرائيلية من منظورٍ زمني ممتد، يشمل عقودَ الحصار، وتعطيلَ التنمية، والتدهورَ البنيوي لقطاع الصحة في فلسطين. فينبغي التعامل مع الانهيار طويل الأمد للنظام بوصفه شكلًا من أشكال العنف البنيوي، مع ضرورة مساءلة جميع الأطراف المتواطئة، بما في ذلك الدول التي تقدِّم دعمًا سياسيًّا أو عسكريًّا.
- السعي إلى تعافٍ بنيوي قائم على التحرر
يجب أن تتم جهود إعادة الإعمار والتعافي بقيادة فلسطينية، وأن تستند إلى مبدأ السيادة. ويتطلب ذلك إنهاءَ سيطرة إسرائيل على الحدود والمجال الجوي وإمدادات الوقود وسلاسل توريد المستلزمات الطبية، وإلغاءَ نظام التصاريح الطبية، وضمانَ حرية التنقل للمرضى ومقدِّمي الرعاية الصحية، وإدماجَ ضمانات قانونية تحول دون تكرار تكتيكات الحصار مستقبلًا.
- إرساء بنية تحتية معرفية لطبٍّ قائم على التحرر
ينبغي للمؤسسات الأكاديمية وشبكات الصحة العالمية إنشاء منصة للطبِّ القائم على التحرر بقيادة فلسطينية، على أن تُعنى بدراسة الصحة في ظل الاحتلال، وإنتاج معرفة خاضعة للمساءلة أمام المجتمعات المتأثرة. فلا بد أن تُعلي الأبحاث من شأن العدالة، لا العمل الخيري.
- إرساء حماية مطلقة للوحدات الطبية
ينبغي أن تغلق عمليات إصلاح القانون الدولي الإنساني الثغرات التي تبرِّر الاعتداءات على المرافق الطبية. وينبغي للدول اعتماد ضمانات قانونية مطلقة لحماية البنية التحتية للقطاع الصحي والعاملين فيه، مع الإقرار بأن حماية الوحدات الطبية تمثّل “قاعدة آمرة” لا يمكن تجاوزها.
شكر وتقدير
يودّ الكاتب أن يتقدّم بالشكر لكلٍّ من لورا البسط، وحريم قريشي، وليث حنبلي، ومحرّري ومراجعي الشبكة، على ملاحظاتهم المتأنّية واقتراحاتهم القيّمة، التي أسهمت في تعزيز وضوح هذا الموجز وإطاره العام. كما يُعرب عن بالغ امتنانه للعاملين في القطاع الصحي الفلسطيني، السابقين والحاليين، وللمرضى، وللأطباء الدوليين الذين يواصلون تحمّل مسؤولية الشهادة على الإبادة الجماعية الجارية.



