تعقيبسياسة

غزة: الحصار المستمر

لمحة عامة

أولى العالم الكثير من الاهتمام لما قامت به إسرائيل من "تخفيف" لحصارها المفروض على قطاع غزة في مطلع تموز/يوليو عام 2010، فقد غدا الغزيون الآن قادرين على الحصول على بنود كانت محظورة في السابق كالمعكرونة والشوكولاته. ولكنهم يفتقرون إلى الحرية في حركتهم وحركة بضائعهم. وبعبارة أخرى، لا تزال غزة تحت الحصار تماماً كما هي الحال منذ عام 2006، أي في عزلة شبه كاملة عن بقية العالم. يتناول مستشار الشبكة لشؤون السياسات حيدر عيد مدى التشابه بين نظام الفصل العنصري، الأبارتهيد، وبين الوضع في غزة. ويضع مقارنات بين الوضع القائم والكفاح ضد الفصل العنصري في جنوب إفريقيا، ويرى بأن الحركة الوطنية الفلسطينية قد تجاهلت هذه الدروس وأضرّت بنفسها بذلك.

هل معاملة إسرائيل لغزة فصلٌ عنصري؟

أغفلت الحركة الوطنية الفلسطينية هذا السؤال: فهل قطاع غزة شبيه ببانتوستانات نظام الفصل العنصري في جنوب إفريقيا؟ لقد وُضع سكان جنوب إفريقيا السود إبان حقبة الفصل العنصري في معازل ولم يُمنحوا حقوقاً سياسية أو مدنية. فهل الوضع مشابه في غزة؟ الجواب هو نعم، ولا.

ما هو الأبارتهيد؟ الأبارتهيد كما عرفته اتفاقية الأمم المتحدة لعام 1973 هو سياسة الفصل على أساس العنصر أو الإثنية وهو قائم على مجموعة من التطبيقات التمييزية لصالح فئات محددة تضمن تفوقها العنصري على حساب فئة أخرى. في إسرائيل، تقوم التفرقة العنصرية الممأسسة على أساس ضمان تفوق مجموعة من اليهود المستوطنين على السكان العرب الفلسطينيين وبشكل لا لبس فيه. وبنظرة مقارنة حول التطبيقات العملية لهذه السياسة، فإن من الصعب إيجاد فوارق بين الحكم الأبيض في جنوب إفريقيا وأخيه الإسرائيلي في فلسطين من حيث الفصل بين السكان، فثمة مناطق لليهود الإسرائيليين ومناطق للعرب، وقوانين وامتيازات معينة لليهود وقوانين تمييزية لا تنطبق إلا على الفلسطينيين. 1

يوجد حالياً في كل من إسرائيل والأراضي الفلسطينية المحتلة نظاما طرق، ونظاما سكن، ونظامان تعليميان، وأنظمة قانونية وإدارية مختلفة لليهود وغير اليهود. وكل قانون تم سنّه في نظام الأبارتهيد له قانون مشابه في إسرئيل: قوانين الملكية، وقانون منع الزواج المختلط، وقانون الحركة والتصاريح، وقانون الاعتقال الاداري، وقانون تسجيل السكان، وقانون حظر العلاقات الجنسية بين البيض وغيرهم، وقانون الأراضي، وطبعاً نظام البانتوستانات. أما القوانين الإسرائيلية المرادفة فهي قانون العودة، والقوانين "المؤقتة" الصادرة في عام 2003 والتي تحظر الزواج المختلط، وقانون سجل السكان، وقانون المواطنة والدخول إلى إسرائيل، وقانون الجنسية الإسرائيلية، وقوانين الأراضي والممتلكات.

وكما كانت الحال في جنوب إفريقيا، فإن طراز الأبارتهيد الإسرائيلي ممزوج باستعمار استيطاني. وكما كانت الحال في الولايات المتحدة وأستراليا، فقد انطوى الاستعمار الاستيطاني في إسرائيل وجنوب إفريقيا على أعمال التطهير العرقي أو الإبادة الجماعية للسكان الأصليين متأثراً بأيديولوجية عنصرية و/أو دينية قائمة على التفوق.

إن تقييم مصطلح الأبارتهيد على أساس هذه الاعتبارات يُظهر بجلاء بأنه ينطبق على السياسات الإسرائيلية في قطاع غزة. فالفلسطينيون في القطاع معزولون عن باقي سكان فلسطين التاريخية، ولا يتمتعون بالحد الأدنى من الحقوق السياسية ولا الظروف المعيشية الأساسية المتوفرة للسكان اليهود وذلك لأنهم ولدوا لأمهات لا ينتمين للدين "الصحيح". و في هذا السياق، لابد من الإشارة إلى أن 80 في المئة من أهل القطاع تم تطهيرهم عرقياً عام 1948 وهم الآن ممنوعون من العودة للقرى والمدن التي شردوا منها.

لقد تم تأسيس نظام المعازل العرقية، أو نظام البانتوستانات، كجزء من معادلة نظام الأبارتهيد العنصرية لفصل السكان السود للحفاظ على "تفوق العنصر الأبيض" (white supremacy). وعلى الرغم من تسمية هذه المعازل "بالأوطان المستقلة،" فإن قاطنيها لم يُمنحوا حقوقاً متساوية ولا حتى سلطة مستقلة لصنع القرار السياسي، وهذا ينذر بسوء ما هو مخطط له من قيام ما يُسمى بالدولة الفلسطينية المستقلة على حدود 1967. وهكذا، تم الحديث عن 11 دولة في جنوب إفريقيا تعيش بسلام جنبا إلى جنب. وعلى الرغم من الجهود الحثيثة التي بذلتها جنوب إفريقيا، لم تحظ المعازل العرقية بأي اعتراف دولي سوى من إسرائيل.

إن غزة محرومة حتى من هذه المعادلة العنصرية. ويبدو أن إسرائيل قد تعلمت من درس جنوب إفريقيا، فهي لم تعين، على سبيل المثال، قادة محليين لممارسة "الحكم الإداري الذاتي المحدود" على أراضي الضفة الغربية وقطاع غزة، بل على العكس من ذلك، قامت إسرائيل وبالتنسيق مع الولايات المتحدة وبغطاء من المجتمع الدولي بالسماح بإجراء انتخابات "حرة" حتى تكسب عملية العزل العنصري (Bantustanization) "شرعية" وموافقة دولية ورضا السكان الأصليين. ورغم أن الانتخابات حظيت بإشادة دولية، إلا إنها قد جرت تحت حراب الاحتلال وتعبر عن مأساة تراجيدية فلسطينية. لقد نجحت إسرائيل في إغراء السكان الأصليين في فلسطين لبيع وهم "الاستقلال" الممكن لأجزاء تشكل 22 في المئة من أرض فلسطين التاريخية. فقطع الأرض هذه عديمة السيادة سوف تُروَّج للعالم على أنها الدولة الفلسطينية المستقلة.

غزة تحت الحصار

وفي الوقت ذاته، فإن "الأبارتهيد" لا ينطبق على غزة، وبذلك تكون الإجابة على السؤال أعلاه بالنفي. فقد تحول القطاع من بانتوستان في أعوام اتفاقية أوسلو (1993–2002) إلى معسكر اعتقال كبير. فلقد قال العديد من الناشطين الجنوب إفريقيين المعادين للأبارتهيد، ومنهم الأسقف ديزموند توتو الحائز على جائزة نوبل للسلام، حين زاروا الأراضي الفلسطينية المحتلة إن ما شاهدوه كان أسوأ بمراحل مما شهده أهل جنوب إفريقيا إبان نظام الأبارتهيد. إن الفارق بين النظامين الشقيقين، نظام إسرائيل ونظام الأبارتهيد في جنوب إفريقيا، هو كالفارق بين تقليل قيمة الانسان (inferiority) ونزع إنسانية الإنسان (dehumanization)، وهو الفرق بين الاستغلال والإبادة كما يوضحه ساري مقدسي. 2

إن قوات التفرقة العنصرية لم تلجأ قط طوال تاريخ الفصل العنصري في جنوب إفريقيا إلى استخدام كامل قوتها العسكرية ضد السكان المدنيين في البلدات. وفي المقابل، تعرضت غزة منذ اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الثانية في أيلول/سبتمبر2000 وحينما بلغت ذروتها في اجتياح شتاء 2008-2009 إلى قصف طائرات إف 16 ومروحيات الأباتشي والسفن الحربية ودبابات الميركافا وقنابل الفوسفور المحرمة دولياً.

فرضت إسرائيل حصارها على قطاع غزة بعد أن انتخب الفلسطينيون حركة حماس في انتخابات عام 2006 التي حظيت بإقرار المجتمع الدولي ومراقبته. وجرى تشديد الحصار بعد أن هزمت حركة حماس القوات الموالية لحركة فتح التي يتزعمها رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس في حزيران/يونيو 2007. ومنذ ذلك الحين، أصبحت قائمة المواد المحظورة من دخول غزة تشمل أكثر من 200 مادة بما فيها الاسمنت والورق وأدوية السرطان وحتى المعكرونة والشوكولاته! وحسب منظمة جيشا الإسرائيلية لحرية الحركة، فإن إسرائيل تسمح الآن بدخول 97 مادة فقط مقارنة بـ 4,000 قبل فرض الحصار. ويعيش 80 في المئة من سكان القطاع على المعونات الإنسانية. كما تم إغلاق أكثر من 90 في المئة من مصانع غزة.

وعندما لم يتمكن الحصار على مدى 18 شهراً من كسر إرادة الشعب الفلسطيني في غزة، شنت إسرائيل حربها الضروس في أواخر عام 2008. ووفقاً لمنظمات حقوق الإنسان وتقرير غولدستون الذي أقرته الأمم المتحدة، فقد قُتل أكثر من 1,400 فلسطيني كان من ضمنهم ما ينوف عن 300 طفل، وجُرح الآلاف. كما دمرت إسرائيل ما لا يقل عن 11,000 بيت، و105 مصانع، و20 مستشفى وعيادة، و159 مدرسة وجامعة ومعهداً تقنياً. وقد أسفرت الحرب كذلك عن تشريد 51,800 شخص لا زال أكثر من 20,000 منهم بلا مأوى.

و تعليقاً على هذا الوضع، تقول كارن أبو زيد، المفوضة العامة السابقة لوكالة إغاثة
وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا)، إن "غزة هي أول منطقة في العالم على وشك أن تكون منكوبة بشكل كامل ولكن بعلم وتواطؤ، والبعض يقول بتشجيع، المجتمع الدولي."

التعلم من تجربة جنوب إفريقيا

ثمة ضرورة ملحة، في هذه اللحظة التاريخية بعد الاجتياح الإسرائيلي لغزة في شتاء 2008-2009، لإعادة تشكيل الوعي الأممي المساند للقضية الفلسطينية بطريقة تركز على أوجه الشبه المتعددة بين الصهيونية ونظام الأبارتهيد في جنوب إفريقيا. ويمكن تحقيق ذلك بالتركيز على المعاناة المشتركة بين السكان الأصليين السود والفلسطينيين اليوم، ليس في الضفة والقطاع وحسب وإنما في الشتات وداخل إسرائيل كذلك.

إنه لمن المؤسف أن القيادة الفلسطينية "الرسمية" لم تعكف على دراسة التجربة الجنوب إفريقية واستلهام العبر منها. بل على العكس، تكاد تلك القيادة أن تُجمع على قبول بناء نظام بانتوستاني وهو المشروع الذي رفضته حركة مقاومة الأبارتهيد في جنوب إفريقيا. ويتساءل المرء عن السبب الحقيقي وراء هذا التجاهل المتعمد لتجربة غاية في الثراء. فهل له علاقة بمصالح تشبه تلك التي كانت لدى قيادات المعازل الذين ادعوا الوطنية العنصرية الإفريقية؟ وهل للشوفينية المغلقة وعدم الانفتاح على تجارب الشعوب دور في ذلك؟ وهل قضيتنا فعلاً غاية في الاستثنائية تاريخياً، و بالتالي علينا أن نجد حلاً استثنائياً يقبل بحلول عنصرية يروَّج لها على أنها حل "استقلالي"؟

وللأسف، أصبح الهدف التحرري ينحصر في النضال من أجل إقامة معزل عرقي (بانتوستان). وبعبارة أخرى، لقد حدث شرخ في الوعي النضالي الفلسطيني جراء عملية تصنيم فكرة الدولة على حساب التحرير، وإسقاط حق العودة دون الاعتراف بذلك، والتكرار الممل عن "المشروع الوطني الفلسطيني." وهذا يتصادم مع تطلعات الغالبية العظمى من أبناء الشعب الفلسطيني من حيث كونهم لاجئين كفل القانون الدولي حقهم في العودة.

إن خيارالدولة المستقلة أصبح مستحيلاً لأسباب عدة منها اتخاذ اسرائيل خطوات عملية على الأرض لتحويل المستوطنات، بعد توسيعها، إلى مدن وزيادة عدد المستوطنيين إلى أكثر من نصف مليون، وبناء جدار الفصل العنصري على أراضي الضفة الغربية المحتلة، وتوسيع القدس الكبرى، وعملية التطهير العرقي الممنهجة ضد سكانها الفلسطينيين، وتحويل قطاع غزة إلى أكبر مركز اعتقال على سطح الكرة الأرضية. إن من الواضح أن الحركة الوطنية الفلسطينية برمتها قد أصابها فيروس أوسلو بما يتميز به هذا الفيروس من خلق وعي زائف يحول النضال التحرري من أجل الحرية وعودة اللاجئيين وحقوق الإنسان والمساواة الكاملة إلى قضية "استقلال" محدود السيادة وعلم يُرفع، ونشيد وطني، وقطعة أرض صغيرة نمارس عليها سيادة بلدية ونفتح وزارات، وكل ذلك بإذن من المحتل. 3‏ ليس من الغريب، إذن، أن رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق أرئيل شارون ورئيس الوزراء الحالي بنيامين نتنياهو ووزير خارجيته إفيغدور ليبرمان باتوا لا يعارضون إقامة دولة للفلسطينييين.

أما الطرف الآخر من القيادة الفلسطينية فيطرح هدنة أحياناً لمدة 10 أعوام وأحياناً أخرى لمدة 20 عاماً، ويجادل بأن الهدنة هي "البديل" لسقوط حل الدولتين. وعلى الرغم من عدم وجود فوارق جوهرية من حيث مبدأ القبول بحل وطني وبامتياز للقضية الفلسطينية بين هذين الطرفين، إلا أن هذا التناقض الثانوي أصبح بارزاً وبشكل أساسي وتم توظيفه في خدمة الحل العنصري. أما ما يسمى "البديل" المتمثل في هدنة لمدة 20 عاماً، فإنه يراهن على أن براجماتية هذا الطرح سوف "تقنع" المجتمع الدولي، ولكنه في الحقيقة يفتقر لرؤية إستراتيجية واضحة لحل الصراع بطريقة تضمن عودة اللاجئيين. ما معنى 20 عاماً من الهدنة؟ أليست هذه رسالة للاجئين بأن يصبروا 20 سنة أخرى حتى تتغير موازين القوى؟ وماذا لو لم تتغير موازين القوى؟

لقد أصبح الحديث عن حل الدولتين للأسف الخطاب السياسي السائد منذ عقدين من الزمن. إن بعض المثقفين المحسوبين على اليسار تاريخياً وبعد أن تحولوا اجتماعياً وسياسياً للصف اليميني أو "اليسار النيوليبرالي" قد انخرطوا في الدفاع عن هذا الحل على أنه الحل الوحيد المتاح في ظل موازين القوى السائدة، وأنه مشروع انتقالي. وهم أحياناً يهددون بطرح حل الدولة الواحدة كفزاعة ليس لإسرائيل وحسب بل أيضاً لنا سكان الأرض الأصليين. إن هذه المحاولات تدل على سقوط أيديولوجي مدوي، وعدم الإيمان بقوة الشعب الفلسطيني والتضامن الدولي الجماهيري في إحداث تغييرات ثورية على نمط ما حصل ضد نظام التفرقة العنصرية.

في إحدى القصص القصيرة المعنونة "The Music of the Violin" للكاتب الجنوب إفريقي جابولو إندبيلي (Jabulo Ndebele)، تعلق إحدى الشخصيات على "التنازلات" التي قدمها النظام العنصري للسكان الأصليين: "هذا بالضبط ما هو مخطط له، أن يرمى لنا القليل القليل من كل شئ لدرجة أن نفتخر ونلتهي بهذا القليل وننسى الحرية."

وفي موضع آخر من القصة نفسها، يقول مثقف ثوري أسود إنه "يفضل أن يكون كلبا جائعا يجري بحرية في الشوارع على أن يكون كلبا سمينا مكبلا بثقله وثقل السلسال الذي يربطه." 4 إن هذين المثالين من جنوب إفريقيا يلخصان الدروس التي نتعلمها من غزة 2009. فلم تكن هناك أي إمكانية للتعايش مع الأبارتهيد في جنوب إفريقيا، ونحن علينا أن لا نقبل بأقل من ذلك.

ملاحظات:

  1. http://untreaty.un.org/cod/avl/ha/cspca/cspca.html
  2. ساري مقدسي "عنصرية خارج اللغة: الأبارتهيد الإسرائيلي،" بامبازوكا نيوز. 11 آذار/مارس 2010. http://www.pambazuka.org/en/category/features/62928
  3. انظر كميل منصور، موقف في قضية "كيف يصبح للدولة سيادة؟"
    http://al-shabaka.org/ar/node/127 انظر أيضاً، معين رباني، موقف في قضية "فلسطين 2010: آن أوان الخطة البديلة" http://al-shabaka.org/ar/node/160
  4. Njabulo Ndebele, Fools and Other Stories (1983)