ورقة سياساتيةالمجتمع المدني

مراقبة الفلسطينيين والنضال من أجل الحقوق الرقمية

israel palestinian surveillance facebook

لمحة عامة

لطالما كانت مراقبة الفلسطينيين جزءًا لا يتجزأ من مشروع إسرائيل الاستعماري، حيث كانت فرق الهاجاناه الصهيونية تجوب القرى والمدن الفلسطينية قبل إنشاء دولة إسرائيل لجمع المعلومات عن السكان الفلسطينيين. واستمرت هذه المراقبة لحياة الفلسطينيين بعد احتلال مرتفعات الجولان وقطاع غزة والضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية، عام 1967. ومن الأدوات التي استخدمتها إسرائيل لممارسة المراقبة سجلات السكان، وبطاقات الهوية، ومسوح الأراضي، وأبراج المراقبة، والسجون، والتعذيب. 1

وفي حين لا تزال هذه الأساليب البدائية تكنولوجيًا مستخدمةً في المراقبة حتى يومنا هذا، ثمة مجموعةٌ كبيرة من الأساليب الجديدة، كالهاتف والإنترنت والتنصت وكاميرات المراقبة وجمع البيانات البيومترية، التي مكَّنت إسرائيل من مراقبة السكان المحتلين عن كثب وعلى نطاق هائل. تستخدم إسرائيل وسائل التواصل الاجتماعي على وجه الخصوص لمراقبة ما يقوله الفلسطينيون ويفعلونه كأفراد، ولجمع المعلومات وتحليلها بشأن مواقف عموم الفلسطينيين وتوجهاتهم.

يناقش المحلل السياسياتي للشبكة نديم الناشف في هذه الورقة السياساتية وسائل التواصل الاجتماعي كأداة إسرائيلية لمراقبة الفلسطينيين. 2 ويتناول الأساليب الإسرائيلية وغيرها من العوائق الرقمية التي تحول دون تحقيق وممارسة الشعب الفلسطيني لحقوقه، بما فيها تحيز موقع فيسبوك لإسرائيل من خلال فرض الرقابة وانعدام الشفافية، وقانون الجرائم الإلكترونية الجديد الذي أصدرته السلطة الفلسطينية. ويختتم الكاتب بتوصيات حول السُبل التي تمكِّن الفلسطينيين من التصدي للمراقبة عبر وسائل التواصل الاجتماعي وتحمي حقوقهم على شبكة الإنترنت.

وسائل التواصل الاجتماعي حيزٌ مفتوح للمراقبة

فرضت هبة الغضب الفلسطيني، التي انطلقت في تشرين الأول/أكتوبر 2015 ردًا على التوغلات الإسرائيلية في المسجد الأقصى المبارك، تحديًا جديدًا لأجهزة الأمن الإسرائيلية. ففي السابق كان الأفراد المنتسبون إلى الأجنحة العسكرية للفصائل الفلسطينية، كفتح وحماس والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، هم مَن يشنون الهجمات، وكانت إسرائيل ترد عليها بالعنف والتدمير والعقوبات الجماعية، كما في حروبها الثلاثة الأخيرة على قطاع غزة في الأعوام 2009 و2012 و2014 بذريعة وقف هجمات حماس الصاروخية.

غير أن مَن شنَّ هذه الهجمات في هذه المرة هم المراهقون الفلسطينيون الذين لا ينتمون في معظمهم إلى فصيل سياسي أو جناح عسكري. وقد حملَّت الحكومة الإسرائيلية وسائل التواصل الاجتماعي المسؤولية عن هذا التوجه الجديد، وكثَّفت المخابرات العسكرية الإسرائيلية مراقبَتها لحسابات الفلسطينيين على وسائل التواصل الاجتماعي. ونتيجة لذلك، اعتقلت إسرائيل نحو 800 فلسطيني بسبب تعليقاتهم على وسائل التواصل الاجتماعي، ولا سيما الفيسبوك، المنصة المفضلة لدى الفلسطينيين.

كشفت صحيفة هآرتز في وقت سابق هذا العام بأن هذه الاعتقالات كانت نتيجة نظام بوليسي يستخدم خوارزميات لبناء شخصيات تعتبرها إسرائيل شخصيات لمهاجمين فلسطينيين محتَملين. يراقب البرنامج عشرات الآلاف من حسابات الشباب الفلسطينيين على الفيسبوك، فيبحث عن كلمات مثل الشهيد أو الدولة الصهيونية أو القدس أو المسجد الأقصى. ويبحث عن الحسابات التي تنشر صورًا لفلسطينيين قتلتهم إسرائيل أو سجنتهم مؤخرًا. وهكذا يحدد النظام "المشتبه بهم" على أساس التنبؤ بارتكاب العنف وليس على أساس شن هجمة فعلية أو حتى التخطيط لشن هجمة.

أي صفحةٍ على موقع فيسبوك يعتبرها النظام مشبوهة تجعل صاحبها هدفًا محتملًا للاعتقال Click To Tweet

أي صفحةٍ على موقع فيسبوك يعتبرها النظام مشبوهة تجعل صاحبها هدفًا محتملًا للاعتقال، وتكون التهمة الرئيسية التي تكيلها إسرائيل لهؤلاء المعتقلين "التحريض على العنف." ولأن مصطلح التحريض فضفاض، فإنه يطال كل أشكال المقاومة ضد السياسات والممارسات الإسرائيلية. وتُعد "شعبية" الشخص المستهدف أو مدى تأثيره عبر وسائل التواصل الاجتماعي عاملًا فيما إذا كانت إسرائيل ستوجه تهمة التحريض له. وكلما زاد عدد الإعجابات والتعليقات والمشاركات التي يحظى بها محتوى الشخص المستهدف، زادت فرص توجيه التهمة له، وقست عقوبته.

تفتح المخابرات الإسرائيلية أيضًا حسابات وهمية على الفيسبوك لدخول صفحات أخرى على الموقع من أجل التحدث مع الفلسطينيين وانتزاع معلومات خاصة منهم ما كانوا ليشاركوها مع الغير. وعلى سبيل المثال، أفاد عددٌ من الناشطين الفلسطينيين في تشرين الأول/أكتوبر 2015 بأنهم تلقوا رسائل من حسابات على الفيسبوك بأسماء عربية وصور أعلام فلسطينية تستفسر عن أسماء فلسطينيين يشاركون في الاحتجاجات.

وعلاوةً على ذلك، تخترق إسرائيل حسابات الفيسبوك للوصول إلى معلومات خاصة مثل التوجه الجنسي والحالة الطبية والنفسية والزوجية والمالية. وقد شَهِد متقاعدٌ من الوحدة 8200، التي تضم النخبة في استخبارات الجيش الإسرائيلي وكثيرًا ما تُقارن بوكالة الأمن القومي الأمريكية، أن هذه المعلومات تُجمَع لتكون وسيلة ضغط: "أية معلومات يمكن استخدامها لابتزاز شخص ما هي معلومات مهمة. فإذا كان لديه توجه جنسي معين، أو يخون زوجته، أو يحتاج إلى علاج في إسرائيل أو الضفة الغربية – فهو هدفٌ للابتزاز." وتستهدف المخابرات الإسرائيلية المثليين الفلسطينيين على وجه التحديد، حيث تهددهم بفضح صورهم الحميمية لإقناعهم بالتعاون مع إسرائيل.

إنّ اقتحام الحياة الخاصة للفلسطينيين على هذا النحو أمرٌ متيسر لأن البنية التحتية للاتصالات التي تستخدمها شركات الاتصالات والإنترنت الفلسطينية تحتلها إسرائيل وتسيطر عليها بالكامل. تتمادى إسرائيل أيضًا في مراقبة الفلسطينيين بسبب غياب القيود القانونية والأخلاقية ما حدا بثلاثةٍ وأربعين متقاعدًا من الوحدة 8200 لإرسال رسالة إلى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في 2014 احتجاجًا على "استمرار السيطرة على ملايين الناس والتفتيش المتعمق الذي يقتحم معظم جوانب الحياة."

المجمع الصناعي العسكري الإسرائيلي هو عاملٌ آخر يتيح مراقبة الفلسطينيين رقميًا. فإسرائيل تُصنِّع وتُصدِّر كَمَّا مهولًا من التكنولوجيا العسكرية والأمنية الإلكترونية. ووفقًا لتقرير أصدرته منظمة الخصوصية الدولية في عام 2016، وهي منظمة غير حكومية تحقق في حالات المراقبة الحكومية وفي الشركات التي تجعلها ممكنة، تنشط في إسرائيل 27 شركة متخصصة في المراقبة - وهو أعلى عدد من الشركات على مستوى العالم بالنسبة إلى عدد السكان. وفي عام 2014، تجاوزت صادرات إسرائيل من تكنولوجيا المراقبة والأمن الإلكتروني، مثل المراقبة الهاتفية والمراقبة على الإنترنت، صادراتها من المعدات العسكرية. وقد بيعت هذه التكنولوجيات إلى الأنظمة الاستبدادية والقمعية في كولومبيا وكازاخستان والمكسيك وجنوب السودان والإمارات العربية المتحدة وأوزبكستان ودول أخرى.

تعزز العلاقات المريبة بين قطاع تكنولوجيا والجيش في إسرائيل مكانةَ الدولة في صناعة أنظمة المراقبة. فقد أسس متقاعدون من الوحدة 8200 شركاتٍ رائدةً في الأمن الإلكتروني في إسرائيل مثل مجموعة مير (Mer Group) ومجموعة أن أس أو (NSO Group). ينقل المتقاعدون خبراتهم العسكرية والاستخباراتية التي اكتسبوها في هذه الوحدة النخبوية إلى القطاع الخاص، حيث لا توجد عوائق قانونية بشأن التداخل بين الجيش وصناعة أنظمة المراقبة.

موقع فيسبوك: محايد أم منحاز؟

يفتخر موقع فيسبوك بأنه منصة مفتوحة مُسخَّرة لخدمة الجميع. وقد قال مؤسس فيسبوك ورئيسه التنفيذي، مارك زوكربيرج، مؤخرًا: "أعمل كل يوم لأوالِفَ بين الناس، وأبني مجتمعًا للجميع. نحن نأمل أن نمنح صوتًا لكل شخص وأن ننشئ منصةً لجميع الأفكار."

غير أن تعاملات عملاق التواصل الاجتماعي مع إسرائيل تشكك في هذا التصريح. فبالرغم من أن موقع فيسبوك يتبنى بروتوكولات وآليات واضحة لإدارة الطلبات الحكومية لإزالة المحتوى، ويُصدرُ تقريرًا نصف سنوي بهذه الطلبات، فإنه يتعرض للنقد في كثير من الأحيان لافتقاره إلى الشفافية ولقرارته التعسفية. وقد كشف تحقيقٌ أجرته صحيفةُ الجارديان القواعدَ السرية المتبعة في فيسبوك لإدارة المحتوى المتعلق بالعنف وخطاب الكراهية والإرهاب والعنصرية، وهي قواعد تفضح انحيازه لإسرائيل.

وعلى سبيل المثال، يصنف موقع فيسبوك الصهاينة "كمجموعة محمية عالميًا،" ما يقتضي إزالة كل محتوى يهاجمهم. تنص قاعدة أخرى على أنه: "لا ينبغي للناس أن يؤيدوا أو يمثلوا أو يُثنوا على شخص... ينتمي لمنظمة إرهابية أو أي منظمة مكرسة في المقام الأول لترويع السكان أو الحكومة أو تستخدم العنف في مقاومة الاحتلال المفروض من دولةٍ معترفٍ بها دوليًا." وعلى هذا الأساس فرضَ موقع فيسبوك رقابة على ناشطين وصحفيين في مناطق متنازع عليها مثل فلسطين وكشمير وشبه جزيرة القرم والصحراء الغربية. ووفقًا لتقارير إعلامية، قام موقع فيسبوك بمراجعة تعريف الإرهاب وأدخل فيه استخدام العنف المتعمد بواسطة المنظمات غير الحكومية "لتحقيق هدفٍ سياسي أو ديني أو أيديولوجي." ومع ذلك لا يزال التعريف يسمح بمعاقبة مقاومة الاحتلال والاضطهاد، ولا يشمل إرهاب الدولة وعنف الدولة الذي تمارسه إسرائيل على الفلسطينيين.

البنية التحتية للاتصالات والإنترنت الفلسطينية تحتلها إسرائيل وتسيطر عليها بالكامل Click To Tweet

وعلاوة على ذلك، أعلنت وزيرة العدل الإسرائيلية ووزير الأمن العام جلعاد إردان في 2016 إبرام اتفاق بين إسرائيل وفيسبوك ينص على تشكيل فرقٍ لرصد المحتوى "التحريضي" وإزالته.

ينفي مدير السياسات في فيسبوك، سايمون ميلنر، وجودَ أي اتفاقٍ خاص بين الموقع وإسرائيل، مؤكدًا أن جميع مستخدمي فيسبوك يخضعون للسياسات نفسها. غير أن تقريرًا صدر مؤخرًا من مركز عدالة يكشف أن مكتب النائب العام الإسرائيلي يدير وحدةً إلكترونية منذ النصف الثاني من العام 2015 بالتعاون مع فيسبوك وتويتر لإزالة المحتوى المنشور على الإنترنت. وتفتخر الوحدة في تقريرها لنهاية العام 2016 بأنها تعاملت مع 2241 حالة، وأزالت المحتوى في 1554 منها.

يُعزى التعاون بين إسرائيل وفيسبوك إلى عدة أسباب على الأرجح. أولاً، تشهد إسرائيلُ ازدهارًا في صناعة التكنولوجيا المتقدمة وهي سوق مربحة بالنسبة إلى فيسبوك. ثانيًا، وجود مكتب فيسبوك في تل أبيب يضع الشركة على مقربة من تأثيرات صناع القرار الإسرائيلي. وكمثال لذلك، عُيِّنت كبيرةُ مستشاري نتنياهو، جوردانا كاتلر، رئيسةً لمكتب السياسات والتواصل التابع لفيسبوك في إسرائيل.

ثالثًا، خشيةُ فيسبوك من الدعوى القضائية. ففي العام 2015، رفعَ مركز شورات حادين القانوني الإسرائيلي، وهو منظمة مؤيدة لإسرائيل، دعوى قضائية ضد فيسبوك في الولايات المتحدة بالنيابة عن 20000 مدعٍ إسرائيلي اتهموا الشركة "بالتحريض والتشجيع على العنف ضد الإسرائيليين." وتتجلى خشية فيسبوك من الدعاوى القضائية في وثيقة داخلية مسرَّبة بشأن المحتوى الذي ينكر المحرقة، حيث تبين الوثيقة أن فيسبوك سوف يُخفي هذا المحتوى أو يزيله في أربعة بلدان فقط هي النمسا وفرنسا وألمانيا وإسرائيل لتفادي الدعاوى القضائية.

بالرغم من أن فيسبوك ينفي تمييزه بين الإسرائيليين والفلسطينيين، إلا أن مستخدمي الفيسبوك الفلسطينيين يروون قصةً مختلفة. فبُعيد اجتماع بين وفد من فيسبوك وممثلين من الحكومة الإسرائيلية في أيلول/سبتمبر 2016، مثلًا، وثَّق الناشطون الفلسطينيون حالات عُلِّقت فيها حسابات شخصية على فيسبوك تعود لصحفيين فلسطينيين ومؤسسات إعلامية فلسطينية. وقد أُغلقت حسابات أربعة محررين من وكالة شهاب الفلسطينية للأنباء وثلاثة صحفيين من شبكة قدس الإخبارية. وبعد احتجاجات وحملات على الإنترنت مثل FBCensorsPalestine# و#FacebookCensorsPalestine، اعتذرت إدارة فيسبوك عن تعليق الحسابات، مدعيةً أنها كانت بالخطأ.

قانون السلطة الفلسطينية الجديد بشأن الجرائم الإلكترونية

ليست إسرائيلُ الوحيدة التي تضطهد الفلسطينيين مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي، حيث إن السلطة الفلسطينية أيضًا تقمع الآراء السياسية أو الانتقادات المعارِضة للقيادة السياسية الفلسطينية. ولكن ثمة فرقًا أساسيًا بين نطاق المراقبة الرقمية الإسرائيلية وانتهاكات السلطة الفلسطينية لحرية التعبير عبر الإنترنت، ففي حين أن المراقبةَ الرقمية الإسرائيلية المتفوقة تعتبِر كلَّ فلسطيني مشتبهًا به وهدفًا، تستخدم السلطة الفلسطينية المعلومات المنشورة علنًا لاستهداف المعارضين السياسيين.

أقرَّت السلطة الفلسطينية مؤخرًا قانون الجرائم الإلكترونية الذي يفرض قيودًا جديدة على حرية الفلسطينيين في التعبير عن أنفسهم على صفحات الإنترنت. وقَّع الرئيس الفلسطيني محمود عباس في 24 حزيران/يونيو 2017 على هذا القانون المثير للجدل دون مشاورات عامة مع المجتمع المدني الفلسطيني أو مزودي خدمة الإنترنت. ونُشِر بعد توقيعه بأسبوعين في الجريدة الرسمية بمرسوم رئاسي ودخل حيز التنفيذ فورًا.

يتذرع واضعو القانون الجديد بالحاجة إليه لمحاربة جرائم الإنترنت مثل الابتزاز الجنسي والاحتيال المالي وانتحال الشخصية. غير أن استخدام عبارات مبهمة من قبيل "السلم الأهلي" و"الآداب العامة" و"الأمن القومي" و"النظام العام" توحي بأن للقانون مأربًا آخر، ألا وهو قمع حرية التعبير على الإنترنت ولجم النقد السياسي. فهو يُعرِّض الفلسطينيين مستخدمي الإنترنت، ولا سيما الناشطين والصحفيين، إلى الملاحقة القضائية من السلطة الفلسطينية التي يمكن أن تفسِّر المصطلحات كما يحلو لها.

في إسرائيل 27 شركة متخصصة في المراقبة وهو أعلى عدد من الشركات على مستوى العالم بالنسبة إلى عدد السكان Click To Tweet

تتجلى غاية القانون الجديد في أول قضيتين حوكمتا بموجبه، وتحديدًا المادة 20 التي تنص على أن "كل مَن أنشأ موقعًا إلكترونيًا أو أداره... بقصد نشر أخبار من شأنها تعريض سلامة الدولة، أو نظامها العام، أو أمنها الداخلي أو الخارجي للخطر" يعاقَب بالحبس مدةً لا تقل عن سنة أو غرامةً قدرها 1400 دولار أمريكي تقريبًا. اعتُقِل في القضية الأولى ستة صحفيين فلسطينيين يعملون في وسائل إعلامية في الضفة الغربية تنتمي لحركة حماس. وفي القضية الثانية، اعتقلَ جهازُ الأمن الوقائي التابع للسلطة الفلسطينية عيسى عمرو، وهو مدافع بارز عن حقوق الإنسان الفلسطيني، وناشطين سياسيين سلميين من الخليل على خلفية تعليقهم على موقع فيسبوك احتجاجًا على اعتقال السلطة الفلسطينية لأحد الصحفيين.

يخالف هذا القانون قوانين حماية الخصوصية وحرية التعبير. فهو يمنح صلاحيات واسعة لمؤسسات الدولة لمراقبة البيانات الخاصة بأنشطة الفلسطينيين على الإنترنت في الأرض الفلسطينية المحتلة ولجمع المعلومات وتخزينها وتحويلها لجهات إنفاذ القانون بناء على طلبها. ويُلزِمُ القانون مزودي خدمة الإنترنت في القطاع الخاص بالتعاون مع الأجهزة الأمنية من خلال جمع بيانات المستخدمين ومعلوماتهم الخاصة لمدة ثلاث سنوات على الأقل وتخزينها وإطلاع الأجهزة الأمنية عليها، بالإضافة إلى حجب أي موقع بموجب أمر قضائي.

يتجاوز إنفاذ القانون الحدود القضائية للمناطق الخاضعة لسيطرة السلطة الفلسطينية، ويسمح بمحاكمة الفلسطينيين القاطنين في الخارج. وهذا يشكل خطرًا حقيقيًا على الناشطين السياسيين الفلسطينيين المقيمين في الخارج ويمتلكون تأثيرًا واسعًا عبر وسائل التواصل الاجتماعي في فلسطين. غير أن القانون لا يحدد ما إذا كانت السلطات ستسعى إلى طلب تسليم الفلسطينيين الموجودين في الخارج لارتكابهم جرائم إلكترونية.

التصدي للمراقبة الرقمية

يُشكل انتهاك حقوق الفلسطينيين الرقمية حالةً فريدة نظرًا للاحتلال العسكري الإسرائيلي، ويُعدُّ النضالُ من أجل هذه الحقوق معركةً عالمية. فثمة دورٌ مهم على عاتق الحكومات ومنظمات المجتمع المدني وشركات وسائل التواصل الاجتماعي ومستخدمي الإنترنت في حماية حرية التعبير والخصوصية على الانترنت من مراقبة الدولة ورقابتها.

وفي فلسطين، لا بد للسلطة الفلسطينية أن تلغي قانون الجرائم الإلكترونية في الحال. ولكي تؤتي القوانين الخاصة بالفضاء الإلكتروني أُكُلها وتحققَ الغايةَ التي وضعت حقًا لأجلها - مكافحة الجريمة الإلكترونية - ينبغي للسلطة الفلسطينية أن تتشاور مع منظمات المجتمع المدني وأصحاب المصلحة الآخرين لتضمن أن تلك القوانين تحُد فعلًا من الجريمة الإلكترونية دون التعدي على حقوق الفلسطينيين السياسية والحريات العامة. وبدلا من قمع الفلسطينيين بسبب تعبيرهم عن آرائهم السياسية، يجدر بالسلطة الفلسطينية أن تحمي شعبها من إسرائيل التي تعتقلهم وتحاكمهم بتهم التحريض والإرهاب التي لا أساس لها.

أقرَّت السلطة الفلسطينية قانون الجرائم الإلكترونية الذي يفرض قيودًا جديدة على حرية الفلسطينيين Click To Tweet

الحقوق الرقمية هي جزءٌ من مصفوفة حقوق الإنسان، وهي مفهوم جديدٌ نسبيًا في الأرض الفلسطينية المحتلة. وتقع على كاهل منظمات المجتمع المدني الفلسطينية مسؤوليةُ التوعيةِ بهذه الحقوق، ولا سيما فيما يتعلق بالأمن الرقمي. فحماية حسابات الأفراد، ولا سيما الصحفيين والناشطين، والحفاظ على خصوصية معلوماتهم يجب أن تكون من الأولويات. وينطبق هذا بوجه خاص في سياقات الاحتلال التي يسيطر فيها المحتل على البنية التحتية للاتصالات ويملك إمكانيات هائلة لممارسة المراقبة.

يجب على المجتمع المدني والإعلام الفلسطيني أن يفضحَ ممارساتِ إسرائيل غير الأخلاقية في مراقبة الفلسطينيين وحجب حريتهم في التعبير وقمعها، وأن يحشدَ الدعمَ والمؤازرة لمناهضة تلك الممارسات. فقد أثبتت الحملات الشعبية على شبكة الإنترنت، مثل #FBCensorsPalestine و#FacebookCensorsPalestine، فاعليتها في التصدي لانتهاكات الحقوق الرقمية التي ترتكبها شركات وسائل التواصل الاجتماعي بسبب مواقفها المنحازة بالرغم من ادعائها الحياد. ويحتاج الفلسطينيون أيضًا إلى إقامة تحالفات مع المنظمات الدولية المعنية بحماية الحقوق الرقمية التي يمكن أن تساهمَ في الضغط على شركات وسائل التواصل الاجتماعي والحكومة الإسرائيلية لوقف انتهاكاتها.

ملاحظات:

  1. تتوفر كافة إصدارات الشبكة باللغتين العربية والانجليزية (اضغط/ي هنا لمطالعة النص بالإنجليزية). لقراءة هذا النص باللغة الفرنسية، اضغط/ي هنا. تسعد الشبكة لتوفر هذه الترجمات وتشكر مدافعي حقوق الإنسان على هذا الجهد الدؤوب، وتؤكد على عدم مسؤوليتها عن أي اختلافات في المعنى في النص المترجم عن النص الأصلي.
  2. تستند هذه الورقة السياساتية إلى حلقة نقاشية نظمتها الشبكة ومؤسسة هاينريش بول في أيار/مايو 2017 في رام الله بالشراكة مع حملة: المركز العربي لتطوير الإعلام الاجتماعي. الآراء المتضمنة في هذه الورقة السياساتية إنما هي آراء الكاتب ولا تعكس بالضرورة وجهة نظر مؤسسة هاينريش بول.