
ملخص تنفيذي
في شباط/فبراير 2021، أفادت الحركة العالمية للدفاع عن الأطفال في فلسطين بأن محققين إسرائيليين اغتصبوا صبيًا فلسطينيًا يبلغ من العمر 15 عامًا أثناء احتجازه. وبدلًا من التحقيق في هذا الادعاء، داهمت القوات الإسرائيلية مكاتب المنظمة، ثم صنّفتها لاحقًا - إلى جانب خمس منظمات فلسطينية حقوقية أخرى- «منظمة إرهابية». ورغم أن هذه الانتهاكات وحملات القمع ليست جديدة، فإن هذه اللحظة شكّلت تصعيدًا حاسمًا، تمثّل في الانتقال من مضايقة المجتمع المدني الفلسطيني إلى تجريمه الكامل بدعم ومشاركة كاملين من الولايات المتحدة.
في عام 2025، أدرجت إدارة ترامب ست منظمات فلسطينية ضمن أطر مكافحة الإرهاب، قبل أن تمضي أبعد من ذلك بفرض عقوبات على منظمات حقوقية بارزة بسبب تفاعلها مع المحكمة الجنائية الدولية. ولا تقتصر هذه الإجراءات على استهداف فاعلين بعينهم، بل تتجاوز ذلك لتقويض البنية التحتية ذاتها للمساءلة الدولية. ويجادل هذا الموجز السياساتي بأن الحملة التي تقودها الولايات المتحدة والنظام الإسرائيلي ضد المجتمع المدني الفلسطيني والقانون الدولي تحمل تداعيات عالمية، إذ تهدد الآليات المصممة لكبح عنف الدول ومساءلتها. ويقدّم الموجز التوصيات التالية حول كيفية تمكّن المنظمات الفلسطينية وحلفائها من التكيّف، والدفاع عن أنفسهم، ومواصلة السعي نحو العدالة في بيئة تزداد عدائية.
التوصيات
استراتيجيات دفاعية
- تنسيق الطعون القانونية لمواجهة العقوبات والتصنيفات: ينبغي لمنظمات المجتمع المدني الفلسطيني وحلفائها تنسيق طعون قانونية جماعية بهدف تأخير تنفيذ العقوبات، وكشف تجاوزات السلطة التنفيذية، وبناء سجل علني للانتهاكات. كما ينبغي أن تقترن المسارات القضائية بحملات عامة تؤطّر هذه الإجراءات باعتبارها هجمات على المجتمع المدني والفضاء الديمقراطي.
- تنويع مصادر التمويل وتحصينها ضد المخاطر: في ظل هيمنة الولايات المتحدة على الأنظمة المالية العالمية، يتعين على المنظمات تقليل اعتمادها على المانحين والوسطاء الماليين في الولايات المتحدة من خلال تطوير آليات تمويل بديلة وتوسيع نماذج التمويل التضامني، حيث أصبح تنويع المصادر مسألة بقاء.
- تعزيز التنسيق الجماعي وتقاسم المخاطر: ينبغي للمنظمات تعميق التنسيق في مجالات الدفاع القانوني، والأمن، والتواصل، وآليات الاستجابة السريعة. وتُعدّ الموارد المشتركة، والمشاورات المنتظمة، والتضامن الدولي العلني عناصر أساسية لمواجهة العزلة والترهيب.
استراتيجيات هجومية
- استحداث مسارات للمساءلة بقيادة دول الجنوب العالمي: ينبغي لمنظمات المجتمع المدني الفلسطيني وحلفائها تعميق التواصل مع دول الجنوب العالمي والمنتديات البديلة المستعدة للتصدي للإفلات من العقاب. ويجب الحفاظ على هذه التحالفات وتعزيزها وحمايتها من الضغوط الخارجية.
- الضغط على أوروبا لسد الفجوة بين الخطاب والمسؤولية: أقرت الحكومات الأوروبية بعدم قانونية العقوبات الأمريكية، لكنها أخفقت إلى حد كبير في اتخاذ إجراءات فعلية. لذلك ينبغي تكثيف الضغوط عبر المسارات القضائية، والعمل البرلماني، والحملات العامة لجعل استمرار التقاعس مكلفًا سياسيًا.
- إعادة تأطير المساءلة باعتبارها نضالًا سياسيًا: في ظل تقييد آليات القانون الدولي، يجب السعي إلى المساءلة من خلال استراتيجيات سياسية أوسع تشمل تعبئة الرأي العام، وإشراك صناع القرار، وتعزيز التضامن العابر للحدود. ولا ينبغي النظر إلى المساءلة بوصفها مسارًا قانونيًا محضًا، بل باعتبارها نضالًا سياسيًا مستمرًا.
مقدمة
في شباط/ فبراير 2021، أفادت الحركة العالمية للدفاع عن الأطفال (فرع فلسطين) أن المحققين الإسرائيليين اغتصبوا صبيًّا فلسطينيًّا يبلغ من العمر 15 عامًا أثناء احتجازه في سجن المسكوبية في القدس الشرقية. وأطلعت الحركة على ادعائها هذا مسؤولي وزارة الخارجية الأمريكية الذين ناقشوه، بحسب التقارير، مع السلطات الإسرائيلية. ولكن بدلًا من التحقيق في هذا الادعاء، داهمت القوات الإسرائيلية مكاتب الحركة في رام الله، ثم صنفتها -إلى جانب خمس منظمات فلسطينية حقوقية أخرى- على أنها «منظمات إرهابية».
إن ادعاءات التعذيب والعنف الجنسي في مراكز الاحتجاز الإسرائيلية وكذلك استهداف إسرائيل للمنظمات الحقوقية الفلسطينية ليست بالأمر الجديد. ولكن ما ميَّز هذا الحادث هو كونه تصعيدًا إسرائيليًّا منسقًا يتجاوز المضايقات والعرقلة المعتادة للمنظمات التي توثق الانتهاكات الإسرائيلية، بهدف تحييدها وتجريمها. وقد اشتد هذا الهجوم على المجتمع المدني الفلسطيني بدعم ومشاركة كاملين من الولايات المتحدة.
في حزيران/ يونيو 2025، دخلت إدارة الرئيس دونالد ترامب على خط المواجهة عبر إدراج ست مؤسسات فلسطينية على قائمة «الإرهابيين العالميين المصنفين بشكل خاص»، بموجب إطار مكافحة الإرهاب المعهود، وكان من بين هذه المؤسسات «الضمير»، وهي إحدى أبرز المنظمات الفلسطينية المعنية بحقوق الأسرى. وبعد ثلاثة أشهر، تجاوزت واشنطن أطر مكافحة الإرهاب التقليدية وانتهجت أساليب جديدة بفرضها عقوبات على منظمات «الحق» و«المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان» و«الميزان» استنادًا إلى الأمر التنفيذي رقم 14203، الذي وقّعه ترامب في 6 شباط/فبراير 2025، والمصمم خصيصًا لمعاقبة الهيئات والأفراد على تعاونهم مع المحكمة الجنائية الدولية.
وبينما سعت قرارات إدارة ترامب بإدراج المنظمات الحقوقية على قوائم الإرهاب إلى نزع شرعيتها وتصويرها كتهديدات أمنية، فإن العقوبات المرتبطة بالتعاون مع المحكمة الجنائية الدولية تتجاوز ذلك، لتحوِّل مجرد الانخراط في مسارات العدالة الدولية إلى جريمة. وتُمثّل هذه الإجراءات، في مجملها، تحوّلًا من الهجوم الممنهج على النشاط الحقوقي الفلسطيني إلى تقويض ركائز منظومة المساءلة الدولية ذاتها.
يرى هذا الموجز السياساتي أن للحملة الأمريكية الإسرائيلية على المجتمع المدني الفلسطيني والقانون الدولي تبعاتٍ عالمية، إذ تهدد الآليات المصممة لكبح جماح عنف الدولة. ويخلص إلى توصيات تُمكّن المنظمات الفلسطينية وحلفاءها من التكيّف، والدفاع عن أنفسهم، ومواصلة السعي نحو العدالة في بيئة تزداد عدائية.
تقويض ركائز منظومة المساءلة
لا ينبع تصعيد واشنطن ضد منظمات المجتمع المدني الفلسطيني من رغبتها في حماية إسرائيل من المساءلة فحسب، بل أيضًا من إدراكها أن محاسبة المسؤولين الإسرائيليين على جرائم الحرب والإبادة الجماعية قد تمهّد الطريق لسابقة قانونية تُعرِّض المسؤولين الأمريكيين لتدقيق قانوني مماثل. فمن شأن إدانة المسؤولين الإسرائيليين -لا سيما بتهم الإبادة الجماعية وجرائم الحرب في غزة- أن تثير بالضرورة تساؤلات حول ضلوع الولايات المتحدة عبر إمدادات الأسلحة، ومشاركة المعلومات الاستخباراتية، وتوفير الحماية الدبلوماسية. وقد يهدد ذلك أيضًا بتطبيع مسارات قانونية قد تُطبَّق مستقبلًا على مسؤولين أمريكيين عن جرائم عالقة ارتُكبت في العراق وأفغانستان وغيرها. وبعبارة أخرى، تهدف الحملة المتصاعدة ضد المحكمة الجنائية الدولية إلى تحصين الولايات المتحدة وإسرائيل من العقاب والمساءلة.
تهدف الحملة المتصاعدة ضد المحكمة الجنائية الدولية إلى تحصين الولايات المتحدة وإسرائيل من العقاب والمساءلة Share on Xفي الوقت نفسه، لا يسعنا تفسير استجابة واشنطن من منظور تجنّب السوابق القانونية فحسب. فإسرائيل تتبوأ مكانة محورية في استراتيجية واشنطن الإقليمية، بوصفها شريكًا عسكريًا رئيسًا، وشريكًا استخباراتيًا، ومركزًا لشركات الدفاع الأمريكية. وهكذا، تتماشى حماية إسرائيل من العقاب والمساءلة الدولية مع التزام استراتيجي أشمل، يتمثل في إبقائها نقطة ارتكاز محورية للهيمنة والقوة الأمريكية. وعليه، فإن الحملة ضد مؤسسات المجتمع المدني الفلسطيني جزء لا يتجزأ من مخطط أشمل يتمثل في التخلي حتى عن الواجهة العالمية التي كانت ذات يوم أساس “النظام الدولي القائم على القواعد“، في محاولة حثيثة للحفاظ على الهيمنة الأمريكية.
إلى جانب «الضمير»، كان الدور المحوري لمنظمات «الحق» و«المركز الفلسطيني» و«الميزان» في النهوض بجهود المساءلة بموجب القانون الدولي السبب المباشر وراء الاستهداف الاستراتيجي لها ضمن منظومة العقوبات الأمريكية. فعلى مدى سنوات، شكّلت هذه المنظمات الركيزة الأساسية للبنية التحتية الجنائية والقانونية والتوثيقية التي استندت إليها تحقيقات المحكمة الجنائية الدولية ومحكمة العدل الدولية في جرائم الحرب والإبادة الجماعية الإسرائيلية. فمن خلال التوثيق المنظم، والتحليل القانوني، والبحث الميداني، أدّت هذه المنظمات دورًا أساسيًا في جمع الأدلة والبراهين التي ارتكزت إليها الدعاوى القضائية.
وقد بدأت تلك الجهود بالفعل تأتي بنتائج ملموسة. ففي تشرين الثاني/نوفمبر 2024، أصدرت المحكمة الجنائية الدولية أوامر اعتقال بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع السابق يوآف غالانت، بتهم تشمل استخدام التجويع وسيلةً للحرب، وجرائم حرب أخرى، وجرائم ضد الإنسانية. ومع تنامي التعاطف الشعبي مع الفلسطينيين واحتداد الانتقادات الموجّهة لإسرائيل، لم تعد فكرة المساءلة مجرد طرح نظري، بل بات من الصعب تجاهل المطالبات بإنفاذها. ولكن بدلًا من أن تستجيب واشنطن لهذه التحولات أو تفي بالتزاماتها بموجب القوانين الدولية والأمريكية عبر إعادة تقييم دورها التاريخي في تمكين إسرائيل من الإفلات من العقاب، آثرت تصعيد جهودها لقمع المعارضة الداخلية وعرقلة آليات المساءلة الدولية.
الأمر التنفيذي رقم 14203: استخدام النظام المالي كسلاح
بخلاف العقوبات السابقة التي استندت إلى مزاعم الإرهاب، فُرضت الإجراءات المتخذة ضد منظمات «الحق» و«المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان» و«الميزان» بموجب الأمر التنفيذي رقم 14203، الذي يضع التعاون مع المحكمة الجنائية الدولية في مرمى الاستهداف المباشر. وقد أتاح الأمر التنفيذي، الموقَّع في شباط/فبراير 2025، استخدام الهيمنة الأمريكية على النظام المالي العالمي كسلاح؛ إذ يمنح وزارة الخزانة الأمريكية صلاحيات تصنيف ومعاقبة وتجميد الموارد المالية لأي فرد أو منظمة ترى وزارة الخارجية أنها «تساعد» المحكمة الجنائية الدولية بطرق قد تُعرِّض المسؤولين الأمريكيين أو الحلفاء للملاحقة القضائية بتهم جرائم الحرب وغيرها من الجرائم ضد الإنسانية. ويتجاوز نطاق الأمر التنفيذي 14203 حدود مسؤولي المحكمة ليشمل الخبراء القانونيين، والباحثين، والجهات المانحة، ومنظمات حقوق الإنسان التي توثّق الانتهاكات أو تقدّم خبراتها للمحكمة الجنائية الدولية.
بموجب هذا الإطار، صنَّفت إدارة ترامب منظمات «الحق» و«المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان» و«الميزان» جهاتٍ خاضعة للعقوبات بسبب دورها في دعم تحقيقات المحكمة الجنائية الدولية في الجرائم الإسرائيلية في غزة، وتداعيات هذا الأمر التنفيذي بالغة الخطورة، إذ يمنح الصلاحيات التالية:
- حظر شامل على الحصول على تمويل من المواطنين الأمريكيين أو المؤسسات المالية أو المنظمات الأمريكية.
- حظر تقديم السلع أو الخدمات أو أي شكل من أشكال «الدعم المادي»، بما في ذلك تبادل المعلومات، أو التحليلات القانونية، أو تنسيق استراتيجيات المناصرة.
- فرض قيود مشددة على التعاون مع الأفراد والجامعات والجمعيات الأهلية ومراكز البحوث في الولايات المتحدة.
- تجميد الأصول وحظر المعاملات المالية، وهو ما يؤدي فعليًا إلى عزل الجهات المستهدفة عن النظام المصرفي الدولي.
يمتلك هذا النظام الرقابي نفوذًا واسعًا بفضل هيمنة واشنطن على النظام المالي العالمي. فنتيجةً لمرور أغلب التحويلات العالمية عبر بنوك ومؤسسات مالية مرتبطة بالولايات المتحدة، تمتد آثار العقوبات التي تفرضها وزارة الخزانة لتشمل العالم أجمع. ولتجنّب الرقابة التنظيمية، تبالغ البنوك والجهات المانحة والجامعات والمنصات التكنولوجية والمنظمات غير الحكومية في الامتثال لما تفرضه العقوبات الأمريكية؛ إذ لا تقطع صلاتها مع المنظمات المصنّفة فحسب، بل ومع الأفراد والمؤسسات التي تربطها بها أدنى علاقة. والنتيجة هي حالة من الشلل تمتد إلى ما هو أبعد بكثير من نص القانون، وتُفضي إلى تضييق الخناق على جهود البحث والتوثيق والمناصرة والتعاون القانوني في جميع أنحاء العالم.
صنفت إدارة ترامب منظمات «الحق» و«المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان» و«الميزان» جهاتٍ خاضعةً للعقوبات بسبب دورها في دعم تحقيقات المحكمة الجنائية الدولية في الجرائم الإسرائيلية في غزة Share on Xكان تأثير العقوبات الأمريكية على منظمات «الحق» و«المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان» و«الميزان» -كما كان الحال مع تصنيف «الضمير» قبل ذلك بثلاثة أشهر- شديدًا وفوريًا؛ إذ أُجبر موظفوها في الولايات المتحدة على الاستقالة، في حين استمرّ الآخرون في العمل دون أجر بعد أن أغلقت البنوك حساباتها. كذلك أوقف الممولون والمانحون مساهماتهم خشية أن يطالهم التصنيف ضمن قوائم العقوبات.
وقد تجاوزت التداعيات الأوجه المالية لتشمل جوانب أخرى. فمثلًا، أقدمت منصة يوتيوب على حذف مئات المقاطع المصوّرة التي نشرتها المنظمات الخاضعة للعقوبات، والتي كانت توثّق جرائم الحرب الإسرائيلية وانتهاكات حقوق الإنسان، مما أدى فعليًا إلى محو أدلة دامغة من الحيّز العام. وفي الوقت نفسه، اضطرت منظمات المجتمع المدني في الولايات المتحدة التي انخرطت في شراكات طويلة مع المنظمات الخاضعة للعقوبات إلى إنهاء التعاون معها، خشية أن يفتح مجرد التواصل معها بابًا للملاحقة من قِبل إدارة ألمحت أن حملتها ضد المجتمع المدني الفلسطيني ما زالت في بدايتها.
الاستثناء الفلسطيني
إن الحملة المتصاعدة لإعاقة المجتمع المدني الفلسطيني -سواء من خلال تصنيفات «الإرهاب» أو فرض عقوبات وزارة الخزانة الأمريكية- لم تأتِ من فراغ. فبدءًا من بعثة الأمم المتحدة لتقصّي الحقائق في غزة عام 2009، وصولًا إلى انضمام فلسطين لنظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية وفتح تحقيقات في جرائم الإبادة الجماعية وجرائم الحرب أمام المحكمة الجنائية الدولية ومحكمة العدل الدولية، ظلت المنظمات الحقوقية الفلسطينية والدولية تعتمد على الأدوات نفسها التي كفلت المساءلة بموجب القانون الدولي، والتي استعانت بها حركات أخرى عبر العالم: وهي الجمع المنهجي للأدلة، والتحليل القانوني، والاحتكام إلى المعايير العالمية. ولم تكن هذه الاستراتيجية نابعة من جهل بالقيود السياسية المحيطة بالقانون الدولي، بل من إدراك أن التوثيق المستمر والمرافعة القانونية قد نجحا في بعض الحالات في لفت الانتباه واستقطاب التدقيق وتحقيق العدالة في أماكن أخرى من العالم.
ففي البوسنة مثلًا، قدّمت منظمات مثل اللجنة الدولية لشؤون المفقودين أدلة حاسمة في الإجراءات المنظورة أمام محكمة العدل الدولية، وذلك عبر استخدام تحليلات الحمض النووي المتقدمة لتحديد هويات الضحايا الذين انتُشلت جثامينهم من المقابر الجماعية المرتبطة بمذبحة سربرنيتسا عام 1995. وقد أسهم هذا العمل الجنائي في صدور قرار محكمة العدل الدولية لعام 2007، الذي خلص إلى أن المذبحة إبادة جماعية، كما أسهم في إدانة عشرات المسؤولين الصرب لاحقًا بارتكاب جرائم حرب. لكن هذه النتيجة لم تكن تعكس حيادية القانون الدولي، بل كشفت أن القانون الدولي لا يسري إلا عندما يكون المسؤولون عن العنف الجماعي مستغنى عنهم سياسيًا بالنسبة للأطراف المهيمنة على آليات إنفاذه، وعلى رأسها الولايات المتحدة وحلفاؤها الغربيون.
لقد جوبهت جميع المساعي الرامية لإنفاذ القانون الدولي من أجل إنصاف الفلسطينيين بإجراءات قمعية غايتها الحيلولة دون استخدام الأدوات القضائية التي نجحت في سياقات دولية مغايرة، وهو ما يعزّز حالة «الاستثناء الفلسطيني» التي تُعطّل مفعول القوانين الدولية. فمثلًا، واجهت السلطة الفلسطينية مرارًا وتكرارًا إجراءات انتقامية سياسية واقتصادية بسبب سعيها للحصول على اعتراف دولي أوسع، ومحاولتها نيل عضوية المؤسسات المتعددة الأطراف -بما في ذلك انضمامها إلى نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية- في محاولة لتوظيف أطر القانون الدولي لمحاسبة إسرائيل. وبالتوازي مع ذلك، أمضت السلطات الإسرائيلية عقودًا في استخدام الأوامر العسكرية والمزاعم الاستخباراتية الغامضة لتقييد التمويل، واقتحام المقار، واعتقال موظفي المنظمات الحقوقية التي تحقق في جرائم الحرب والانتهاكات الإسرائيلية لحقوق الإنسان.
الفارق في هذه اللحظة هو أن الأساليب القمعية لإسرائيل وحلفائها في واشنطن لم تعد تقتصر على المنظمات الفلسطينية الساعية لممارسة حقوقها بموجب القانون الدولي، بل باتت، وبوتيرة متزايدة، تستهدف الركائز التي تقوم عليها آليات المساءلة القانونية الدولية. والهدف لا يقتصر على إسكات المجتمع المدني الفلسطيني، بل يمتد لتشكيل مستقبل لا يمثّل فيه القانون الدولي أي عائق محتمل أمام سطوة الأقوياء. وبعبارة أخرى، عندما أدركت واشنطن أن المنظومة الدولية التي دافعت عنها ذات يوم لم تعد تخدم مصالحها، تحوّلت استراتيجيتها من التلاعب الانتقائي بهذه المنظومة إلى الهدم الممنهج لأساساتها.
الرفض الأمريكي لمبدأ العالمية في القانون الدولي
منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، سعت الولايات المتحدة إلى صياغة النظام الدولي بما يتوافق مع مصالحها بوصفها القوة المهيمنة على الساحة العالمية. وحدّدت هذه الضرورة موقف واشنطن تجاه المحكمة الجنائية الدولية منذ تأسيسها في 2002. وبذل المسؤولون الأمريكيون عبر الإدارات المتعاقبة جهدهم للتوفيق بين ادعاءاتهم بقيادة ما يسمى بالنظام الدولي القائم على القواعد وبين رفضهم المستمر لإخضاع الولايات المتحدة -أو حلفائها المقربين- للقيود القانونية المفروضة على الآخرين. فمنذ البداية، كان تعاطي الولايات المتحدة مع المحكمة الجنائية الدولية محكومًا بإصرارها على التحكم في هوية الأطراف التي يجوز تطبيق القانون الدولي بحقها، وتوقيت ذلك ومكانه.
نتيجةً لمرور أغلب التحويلات العالمية عبر بنوك ومؤسسات مالية مرتبطة بالولايات المتحدة، تمتد آثار العقوبات التي تفرضها وزارة الخزانة الأمريكية لتشمل العالم أجمع Share on Xتأرجح موقف الإدارات الأمريكية المتعاقبة تجاه المحكمة الجنائية الدولية بين التعامل التكتيكي والعداء السافر. فقد وقّع الرئيس بيل كلينتون على نظام روما الأساسي لعام 1998 في عام 2000، لكنه أحجم عن تقديمه للمصادقة، مما عكس قبولًا مؤقتًا بشرعية المحكمة مع النأي عن أي التزام قانوني ملزم. ودعمت الإدارات الديمقراطية اللاحقة المحكمة الجنائية الدولية عندما كانت تحركاتها تتفق مع المصالح الجيوسياسية الأمريكية، مثلما حدث في التحقيقات التي استهدفت خصوم واشنطن، مثل الزعيم الليبي الراحل معمر القذافي أو الرئيس الروسي فلاديمير بوتين. وبعبارة أعم، مال هؤلاء إلى الإشادة بالمحكمة باعتبارها أداة لإنفاذ المعايير الدولية في الخارج، بينما رفضوها ووصفوها بالتجاوز أو عدم الشرعية حين دنت ولايتها القضائية منهم.
وعلى خلاف ذلك، تبنّت الإدارات الجمهورية نهجًا صداميًا صريحًا في التعاطي مع المحكمة الجنائية الدولية. ففي عام 2002، وقّع الرئيس جورج بوش الابن على قانون حماية أفراد المؤسسة العسكرية الأمريكية، المعروف باسم «قانون غزو لاهاي»، والذي أجاز اتخاذ «تدابير استثنائية»، بما فيها استخدام القوة العسكرية، لمنع ضبط أو احتجاز أي مواطن أمريكي أو مواطن من دولة حليفة لدى المحكمة.
وفي الوقت نفسه، سعت الإدارات من كلا الحزبين إلى إبرام اتفاقات حصانة ثنائية تهدف إلى الضغط على الدول الأعضاء في المحكمة الجنائية الدولية لاستثناء الموظفين الأمريكيين من ولاية المحكمة، وحثّها على الامتناع عن التعاون في التحقيقات التي لا تحظى بتأييد واشنطن. وعند النظر إليها مجتمعة، نجد أن هذه الإجراءات تجاوزت التعبير عن عدم مشاركة الولايات المتحدة لأسباب تتعلق بالاختصاص القضائي، بل تعكس رغبة في تقويض قدرة المحكمة على العمل كمؤسسة عالمية كلما هددت صلاحياتها المصالح الأمريكية أو مواطني الولايات المتحدة أو حلفاءها.
ومع ذلك، لم ترقَ هذه الإجراءات، حتى وقت قريب، إلى حدّ شنّ هجوم مباشر على المحكمة أو موظفيها أو المنظمات والأفراد الذين يدعمون تحقيقاتها. فقد دأبت واشنطن على رفض الامتثال للقرارات التي تهدد مصالحها، وعملت على حماية حلفائها بالوسائل الدبلوماسية والسياسية، لكنها أحجمت عمومًا عن تجريم التعامل مع المحكمة نفسها إلى أن تجاوز ترامب هذه الحدود إبان رئاسته الأولى، حيث أتاح الأمر التنفيذي رقم 13928، الصادر في 2020، فرض عقوبات على مجموعة محدودة من مسؤولي المحكمة الجنائية الدولية الذين شاركوا في تحقيقات تتعلق بسلوك الولايات المتحدة وحلفائها. إلا أن إدارة بايدن تراجعت عن هذا المسار في نهاية المطاف، مؤكدة الاعتقاد السائد بأن الاستهداف المباشر للهيئات القضائية العالمية خط أحمر، وبإمكانية حماية المصالح الأمريكية عبر سياسة التفاعل الانتقائي وليس عبر التقويض الكلي للنظام القانوني الدولي.
ومن هذا المنظور، تُمثّل العقوبات الأخيرة التي طالت منظمات المجتمع المدني الفلسطيني بموجب الأمر التنفيذي رقم 14203 تحولًا جذريًا في سياسة واشنطن المعهودة في التعامل مع ملفات القضاء الدولي. ورغم أن هذه الإجراءات تستند إلى منطق الاستثناء نفسه الذي حكم السياسة الأمريكية تجاه المحكمة الجنائية الدولية والقانون الدولي عمومًا لفترة طويلة، إلا أنها تمثل تصعيدًا كبيرًا في نطاقها. ولم تكتف واشنطن برفض المشاركة في آليات المساءلة الدولية، بل عمدت إلى تقويضها مباشرةً عبر توظيف نفوذها المالي والإداري العالمي للتنكيل بمسؤولي المحكمة الجنائية الدولية وكوادر المجتمع المدني والخبراء القانونيين الذين يتعاونون معها. ويمثّل هذا التحول إعادة ضبط أعمق للاستراتيجية الأمريكية؛ إذ لم تعد إدارة ترامب تتعامل مع القانون الدولي كوسيلة للمناورة الانتقائية بما يخدم أهداف سياستها الخارجية، بل تخلّت حتى عن التظاهر باحتضان النظام العالمي لصالح القمع المباشر.
القمع العالمي وحراك التضامن
تتجاوز تداعيات الهجمات التي تشنها إدارة ترامب على المجتمع المدني الفلسطيني حدود المنظمات المستهدفة مباشرةً، لتشمل الحراك الأوسع للتضامن مع فلسطين. فبينما كانت الولايات المتحدة تركز في السابق على التوفيق بين متناقضات «النظام القائم على القواعد» -عبر الاستشهاد بالقانون الدولي عندما تقتضي المصلحة وتجاهله عندما لا يتناسب معها- فإنها اليوم تمضي قدمًا نحو تقويض الآليات التي جعلت حتى المساءلة الانتقائية أمرًا ممكنًا. والنتيجة هي ولادة نظام عالمي لا تكون فيه المساءلة ممكنة دون موافقة الولايات المتحدة، وتُعد فيه المحاولات المستقلة للسعي نحو تحقيق العدالة أعمالًا عدائية.
على مدى عقود، تذرّعت دول أخرى بالنفاق الأمريكي لتبرير انتهاكاتها للقانون الدولي. أما اليوم، فالولايات المتحدة تقدم لهذه الدول سابقة أخطر بكثير: وهي إمكانية تعرّض المحاكم الدولية والمحققين والفاعلين في المجتمع المدني للعقوبات أو التفكيك أو التجريم المباشر كلما هددوا سلطة الدولة الراسخة. لم يعد السؤال الجوهري يدور حول قدرة القانون الدولي على تحقيق العدالة بمفرده، بل يتمثل في كيفية عمل المجتمع المدني ضمن نظام مُحيت ملامحه العالمية والشرعية عمدًا، ليحل محله آخر يعمل أساسًا من خلال الإكراه واستعراض القوة.
هذا هو المشهد الذي يعمل فيه المجتمع المدني الفلسطيني الآن، وهو ذاته المشهد الذي يُرجّح أن يرثه أي حراك مستقبلي يسعى إلى تحقيق العدالة وتفعيل المساءلة. ولا تقتصر أهمية فهم هذا التحوّل على الدفاع عن المنظمات الفلسطينية التي تتعرض للهجوم، بل تمتد لتشمل صياغة رؤية جديدة لكيفية تحقيق العدالة في عالم أصبحت فيه الدولة الأقوى ترى مبدأ المساءلة تهديدًا في حد ذاته.
التوصيات
إن إعادة ضبط الاستراتيجية ضروري لتعزيز آليات المساءلة، بحيث تكون الأولوية فيها للدفاع، والقدرة على الصمود، وإيجاد مسارات بديلة للسعي نحو العدالة في ظل ظروف من العداء الصريح. تستند التوصيات التالية إلى قناعة مفادها أن الحملة ضد المجتمع المدني الفلسطيني هيكلية، وليست أحداثًا عارضة فحسب. وعليه، يجب أن تتكيّف استراتيجيات المساءلة مع هذه الحقيقة.
استراتيجيات دفاعية
- تنسيق الطعون القانونية لمواجهة قرارات العقوبات والتصنيف. يجب على منظمات المجتمع المدني الفلسطيني وحلفائها تنسيق طعونها القانونية ضد العقوبات وتصنيفات «الإرهاب» وما يتصل بها من إجراءات قمعية؛ بهدف عرقلة تنفيذها، وكشف تجاوزاتها التنفيذية، وتوثيق السياسات القمعية علنًا. ويجب أن تقترن المسارات القضائية بحملات عامة تصوغ هذه القضايا كسبيل مقاومة ضد الهجمات الموجهة إلى المجتمع المدني والفضاء الديمقراطي، لا بوصفها مجرد منازعات قانونية متخصصة ومحدودة النطاق.
- تنويع مصادر التمويل وتحصينها ضد المخاطر. في ظل هيمنة الولايات المتحدة على الأنظمة المالية العالمية، يتعين على المجتمع المدني الفلسطيني وداعميه السعي إلى تقليل اعتمادهم على المانحين والوسطاء الماليين في الولايات المتحدة. ويشمل ذلك تطوير آليات تمويل مشتركة، والعمل من خلال وسطاء ماليين خارج الولايات المتحدة، وإيجاد صيغ بديلة للتسجيل القانوني، وتوسيع هياكل التمويل التضامني التي تسهم في توزيع المخاطر. وبينما لا يوجد مسار تمويلي محصن تمامًا من النفوذ الأمريكي أو سيطرته على البنية التحتية المالية، يغدو تنويع المصادر مسألة حتمية للبقاء.
- تعزيز التنسيق الجماعي وتقاسم المخاطر. يتغذى القمع على التفتيت والاستفراد؛ لذلك يجب على المنظمات تعزيز التنسيق فيما يتعلق بالدفاع القانوني، والبروتوكولات الأمنية، واستراتيجيات التواصل، وآليات الاستجابة السريعة لمواجهة أي عقوبات أو تصنيفات جديدة. وتُعدّ البيانات المشتركة، والموارد القانونية الموحدة، والمشاورات الاستراتيجية المنتظمة، والتضامن الدولي العلني عناصر أساسية لمواجهة الترهيب والاستفراد، وإن كانت مكلفة.
استراتيجيات هجومية
- استحداث مسارات للمساءلة بقيادة دول الجنوب العالمي. في ظل تراجع المؤسسات الغربية حتى عن التزاماتها الصورية بمبدأ عالمية حقوق الإنسان، يتعين على المجتمع المدني الفلسطيني وحلفائه تعميق التواصل مع دول الجنوب العالمي، والهيئات الإقليمية، والمنتديات البديلة، والتكتلات السياسية الراغبة في التصدي للإفلات من العقاب، مثل «مجموعة لاهاي». فينبغي العمل على رعاية هذه التحالفات، والحفاظ على استمراريتها، وحمايتها من الضغوط الخارجية وفق رؤية مدروسة.
- الضغط على أوروبا لسد الفجوة بين القول والفعل. رغم إقرار الحكومات الأوروبية مرارًا وتكرارًا بعدم قانونية العقوبات الأمريكية التي تستهدف المحاكم الدولية والمجتمع المدني، فإنها فشلت إلى حد كبير في اتخاذ إجراءات فعلية. فهناك أدوات قانونية -مثل قانون التعطيل الأوروبي (لائحة المجلس رقم 2271/96)- تهدف تحديدًا إلى مواجهة العقوبات العابرة للحدود مثل تلك التي تفرضها إدارة ترامب، لكنها لا تزال غير مفعّلة إلى حد كبير. يجب على المجتمع المدني الفلسطيني والدولي تكثيف الضغوط عبر المسارات القضائية، والعمل البرلماني، وكشف الحقائق للرأي العام؛ وذلك لتعظيم الكلفة السياسية لاستمرار التقاعس الأوروبي، بدلًا من اعتبار معارضة أوروبا الخطابية مقاومة حقيقية ومؤثرة.
- إعادة تأطير المساءلة باعتبارها نضالًا سياسيًا. إن محاكم القانون الدولي ليست بديلًا عن النضال السياسي، ولا سيما في ظل النظام العالمي الرجعي الناشئ. فبينما يجري تفكيك النظام القانوني الدولي منهجيًا، لا بد من تحويل المحاكم الوطنية والدول ذاتها إلى ساحات للمساءلة. كذلك يتحتم دمج جهود التوثيق والتقاضي أمام المحاكم الوطنية وإعداد التقارير ضمن استراتيجيات سياسية أوسع تعمل على تعبئة الرأي العام، وإشراك صناع القرار، وتعزيز التضامن العابر للحدود. ويجب ألا يُنظر إلى المساءلة باعتبارها إجراء قانونيًا محضًا، بل بوصفها نضالًا سياسيًا مستمرًا يتمحور حول القوة والشرعية ومستقبل النظام الدولي.
طارق كيني-الشوَّا هو زميل السياسات في الشبكة المقيم في الولايات المتحدة، ومضيف مشارك لسلسلة مختبر الشبكة للسياسات. حاصل على درجة الماجستير في الشؤون الدولية من جامعة كولومبيا. تتناول أبحاث طارق وكتاباته مجموعة من المواضيع، بدءًا من دور استخبارات المصادر المفتوحة في فضح جرائم الحرب الإسرائيلية وحتى تحليل تكتيكات التحرر الفلسطينية. وقد ظهرت كتاباته في لوس أنجلوس تايمز، وفورين بوليسي، وذا نيشن، وغيرها. بالإمكان متابعة طارق على موقع تويتر @tksshawa وزيارة موقعه الإلكتروني عبر الرابط https://www.tkshawa.com/ للاطلاع على المزيد من كتاباته وصوره الفوتوغرافية.








