تعقيباللاجئين

البحوث حول اللاجئين الفلسطينيين: مَن يحدد الأجندة؟

لمحة عامة

لم تُكتب سوى مقالات بحثية قليلة حول اللاجئين الفلسطينيين في سوريا حتى بضع سنوات خلت. فبعد اجتثاث جزء كبير منهم بعد قصف مخيم اليرموك وحصاره في أواخر 2012، انتشرت البحوث والمنشورات. وكثرت الأطروحات، والمقالات العلمية، والمشاريع البحثية التي تتناول اللاجئين الفلسطينيين في سوريا، ولا سيما باللغة الإنجليزية. ولم يقتصر هذا المد المفاجئ في البحوث والاهتمام بالفلسطينيين في سوريا على الأوساط الأكاديمية، بل طال أيضًا الأوساط الصحفية والسياساتية.

يُعزى هذا التحول في الاهتمام البحثي إلى القلق المتزايد حيال محنة هؤلاء الفلسطينيين، وإلى قدرة الباحثين على الوصول إليهم في مخيمات اللاجئين ومدن الدول المجاورة لسوريا، وكذلك في أوروبا. هناك أيضًا أسباب أساسية قادت إلى هذا التحول، تتعلق بهياكل إنتاج المعرفة على المستوى المادي والمستوى المعرفي أو النظري. فهذه الهياكل مادية لأن البحوث تُجرى على أرض الواقع كجزء من صناعة إنتاج المعرفة العالمية. وهي نظرية لأن أفكارًا معينة توجه هذه الصناعة وأساليبها البحثية.

يوجه الجانبان المادي والنظري لهياكل إنتاج المعرفة البحوثَ، وتتجلى طرق ذلك في الدراسات التي أجريت بالفعل. فعلى سبيل المثال، كان اللاجئون الفلسطينيون في المخيمات في لبنان الخيارَ الرئيسي للبحث قبل أن يغمرهم الآن اللاجئون الفلسطينيون القادمون من سوريا. وقد صدر عدد كبير من الدراسات والمقالات الأكاديمية منذ تسعينات القرن الماضي حول اللاجئين الفلسطينيين في لبنان مقارنةً بغياب شبه تام لتلك الموضوعة عن مجتمع اللاجئين الفلسطينيين في سوريا المجاورة.

يمكن تفسير ذلك بالقول إن سوريا لم تكن قط مفتوحةً أو متاحة للباحثين كما كانت لبنان. وعلاوة على ذلك، كان الفلسطينيون في سوريا أحسن حالاً نسبيًا من حيث إدماجهم في المجتمع وأوضاعهم الاجتماعية والاقتصادية وظروفهم المعيشية عمومًا، على النقيض من أوضاعهم في لبنان، حيث حرموا حقوقهم الأساسية كالحق في العمل وامتلاك العقارات. ونتيجةً لذلك، يشكِّل اللاجئون الفلسطينيون في لبنان، ولا سيما في المخيمات، مادةً خصبة لسياسة "البحث في الطبقات المحرومة". وقد بات الفلسطينيون من سوريا يشاطرونهم هذه المنزلة الآن.

البحث في الطبقات المحرومة، بدلا من الطبقات الثرية أو المتوسطة، هو سمةٌ للعلوم الاجتماعية، حيث عادةً ما يبرر الباحثون هذا الخيار كوسيلة "لإعطاء صوت لمَن لا صوت له". إن الافتراض بأن هذه المجتمعات تحتاج إلى متحدثٍ باسمها ينطوي على إشكاليات كذلك. وهذه الادعاءات تُخفي حقيقةَ أن الوصول إلى المجتمعات الفقيرة والمحرومة أسهل من الوصول، مثلًا، إلى الفلسطينيين المدمجين كمواطنين لبنانيين أو الفلسطينيين المهنيين من الطبقة الوسطى المقيمين خارج مخيمات اللاجئين في لبنان. ويمكن لهذه الاتجاهات البحثية أن تشوه المعرفة حيث قد يتشكل الانطباع لدى مَن يقرأ هذه الأدبيات بأن وجود اللاجئين الفلسطينيين ينحصر في المخيمات في لبنان.

يتناول هذا التعقيب الهياكل المادية والمعرفية لإنتاج المعرفة التي تجعل الظروف مواتية لاستغلال المجتمعات المبحوثة – مجتمع اللاجئين الفلسطينيين في هذه الحالة. ويتناول أيضًا نوع نظرية المعرفة والجامعة التي تجعل هذا النظام ممكنًا. ويختتم بالتطرق إلى التحديات التي تواجه المجتمعات الفلسطينية موضوع البحث، وكذلك الباحثين وحلفاء القضية الفلسطينية. يهدف هذا التعقيب إلى إطلاق حوار حول كيفية مواجهة هذه التحديات - وهي مهمة ملحة نظرًا للافتقار إلى مشروع سياسي فلسطيني متسق وتمثيلي للتحرير ومناهضة الاستعمار، وإلى مؤسسات أو هياكل يمكن ان يحشدها هذا المشروع لمواجهة تداعيات الممارسات البحثية الاستغلالية.

تقسيم استعماري عالمي للعمل الأكاديمي

تستند سياسة البحث في الطبقات المحرومة إلى علاقات قوة غير متكافئة بطبيعتها يمكن أن تقود إلى "سياحة البؤس" التي يذهب فيها الزائر إلى بعض الاحياء المحرومة اقتصاديًا الممكن الوصول إليها لإجراء البحوث وكتابة المقالات أو للبحث عن المغامرة أو التجول والنظر فقط. وقد وصف أحد سكان مخيم شاتيلا، وهو مقصد بحثي مشهور في بيروت، سياحة البؤس لأحد الباحثين، قائلًا إن الغرباء الذين يزورون المخيم يتجولون لبعض الوقت، ويلتقطون الصور، وبعضهم يبكي الخراب والأسى، ثم يغادرون ويظل كل شيء كما هو عليه. لقد صارت المخيمات، في رأيه، مثل "حديقة الحيوان" وصار اللاجئون مثل "الحيوانات التي يحدق المتجول بها". يأتي البعض لغرض إجراء البحوث وكتابة المقالات، ولكنه يتساءل، هل غيرت كل هذه الكتابات شيئًا في هذا الوضع؟ هل جلبت المساعدة أو على الأقل بعض المال إلى المخيمات؟ بل كلما جاء الباحثون للزيارة، تجددت جراح السكان.

غالبًا ما تكون سياحة البؤس ممكنة بفضل الوعود التي يقطعها الزائر بتعزيز القضية الفلسطينية أو العودة بالنفع على الفئة موضوع البحث. غير أنه في الواقع لا يوجد شيء اسمه صدقة في البحوث حين تكون تلك البحوث الأساسَ لسُبل العيش والمهن. وهذا لا يعني أن بعض الباحثين ليسوا مدفوعين بالتضامن السياسي. ومع ذلك، فإن مزاعم التضامن يمكن أن تستخدم لشرعنة البحث فقط. فضلًا على أن الادعاء بالقرب من الفئة موضوع البحث يمكن أن يُخفي قُرب الباحث من مراكز النفوذ العالمي أو موقعه فيها. والتضامن لا يمنع الباحثين من الانخراط في ممارسات البحث والبحوث الإشكالية. ويمكن أن تنشأ ممارسات البحث غير الأخلاقية أيضًا من حقيقة أن الباحثين هم المسؤولون عن التزامهم بمدونات قواعد سلوك الروابط المهنية (إذا كانوا ينتمون إليها).

تقوم سياحة البؤس في جوهرها على أخذ لقطات من حياة المحرومين اقتصاديًا وسياسيًا ومن محنتهم وآلامهم، ومن ثم وضع تلك اللقطات في منتج لغايات الاستهلاك الأكاديمي، وبيعها في الأسواق الدولية للأفكار. وما يناله الباحث هو التقدم المهني في الغرب. ولا شيء في الغالب يناله الفلسطيني، العامل الكادح في هذه العلاقة البحثية المتعددة الجنسيات، المشارك في هذا البحث كمبحوث.

يبرر الباحثون البحث في الطبقات الأدنى كوسيلة 'لإعطاء صوت لمَن لا صوت له' Click To Tweet

وبالنسبة للقلة من الفلسطينيين الذين يدخلهم عائدٌ من هذا البحث، فإن أفضل ما يعود عليهم هو أجر نقدي أو مكانة مكتسبة من الارتباط بباحثين أجانب - رغم أن ذلك يمكن أن يتسبب في مشاكل أيضًا. فهؤلاء الفلسطينيون يصبحون في الأساس "مخبرين محليين". ويعملون كمترجمين للباحثين، فيؤثرون في أسئلتهم البحثية، ويجرون مقابلاتهم ويدونونها ويحللونها؛ أي أن المترجم يغدو باختصار أكثر من مساعد بحثي، وربما يكون الباحث الحقيقي. قد تظهر أسماؤهم تحت التنويهات في الكتب أو المقالات، وقد لا تظهر. وعادة ما يتقاضى هؤلاء أجرًا زهيدًا مقارنةً بالمبالغ المخصصة في ميزانيات البحوث لقاء الخدمات نفسها في البلدان الغنية في الغرب.

إن سياسات البحث في الطبقات المحرومة وسياحة البؤس المتفرعة منه هي جزء لا يتجزأ من تقسيم استعماري عالمي للعمل الأكاديمي. فكما هي الحال في التقسيم الاستعماري العالمي للعمل عمومًا، حيث يتحدد سعر السلعة والعمل اللازم لإنتاجها في الغرب بمعدلات غير منصفة، ينبثق الإطار المؤسسي المتسبب في التقسيم الأكاديمي من الحواضر الاستعمارية المعاصرة في أوروبا وأمريكا الشمالية. وفيها يوجد الممولون والمصممون والمستهلكون الرئيسيون للبحوث الأكاديمية، الذين يعتبرون مواضيع معينة رائجة وتستحق الدراسة. وتوجد المادة الخام للبحث في العالَم المستعمَر سابقًا، أو حاليًا، كما هي الحال مع فلسطين. وغالبًا ما يتولى خط إنتاج البحث العمال الكادحون، أي الباحثون والمترجمون والمنسقون من المجتمعات موضوع البحث. أما عملية تلميع البحث وملكيته النهائية وتسويقه واستهلاكه لتأمين وظائف مربحة فتحدث في الغرب.

إنتاج معارف استعمارية

يُضفي النظام النظري - الجانب المعرفي لهياكل إنتاج المعرفة – الشرعية على هذا التقسيم الاستعماري العالمي للعمل الأكاديمي، وهو جزء أصيل في "الجامعة الغربية". وهذا نوع معين من الجامعات ينشأ من تجربة استعمارية وتاريخية وليس الجغرافيا. فيرى منهاج الجامعة الغربية أن المعرفة البشرية هي فلسفة حفنة من الرجال الأوروبيين البيض السالفين، المدونة في بضع لغات أوروبية حديثة على مدى القرون الثلاثة الماضية أو نحو ذلك. وهذه هي الحال بغض النظر عمّا إذا كانت الجامعة في بوينس آيرس أو لندن أو كمبالا أو بيروت أو نيودلهي. فلا تزال أوروبا مكمن الحقيقة العالمية في النسخة المهيمنة للمعرفة، وهذا يموه حقيقة أن الإمبريالي الأبيض ينطق بهذه الحقيقة بينما يتنصل من نفسه ككيان تشكَّل تاريخيًا وسياسيًا عبر خمسة قرون من الغزو (المستمر) والإبادة الجماعية والاسترقاق.

وفي المقابل، لا تقوى بقية العالم إلا على إنتاج الثقافة، التي ينبغي التعامل معها من منظور التاريخ والنظريات العالمية الأوروبية. ولهذا من غير المعقول أن يفكر المرء في دراسة المجتمعات الفرنسية أو الألمانية، مثلاً، دون معرفة لغات هذه المجتمعات والبحث جديًا في مفكريها كمواضيع تاريخية ونظرية. وعلى النقيض من ذلك، تعتبر اللغة العربية البدائية مقبولة في الغالب للبحث المتعلق باللاجئين الفلسطينيين. والأسوأ من ذلك، أن مجتمعات اللاجئين الفلسطينيين تكون دائمًا موضوعًا بحثيًا، ولا تكون أبدًا موضوعًا تاريخيًا ونظريًا يمكن فهمه من خلال المعرفة التي ينتجها الفلسطينيون عن أنفسهم.

لا يوجد شيء اسمه صدقة في البحوث حين تكون تلك البحوث الأساسَ لسُبل العيش والمهن Click To Tweet

وهكذا، تتسم الهياكل المعيارية لإنتاج المعرفة وطريقة توظيف تلك الهياكل بأنها استعمارية وإقصائية وعنصرية بشدة. فلا يمكن إعطاء "صوتٍ" لموضوع هذه المعرفة نظرًا لهذا الواقع الهيكلي. لذا فإن الفكرة القائلة بأن البحوث مفيدة بطبيعتها لمجتمعات اللاجئين الفلسطينيين هي موقف أيديولوجي يغرس من خلال نوع معين من التدريب الأكاديمي. وبالنظر خصوصًا إلى واقع الفلسطينيين المستعمَرين استيطانيًا وانعدام جنسيتهم، فإن البحث الناتج بشأنهم عمومًا هو جزء من هيكل استعماري عالمي لإنتاج المعرفة. وفي عملية إنتاج البحث تتضافر الجوانب المادية والنظرية لتخلق ظروفًا إشكالية للبحث على أرض الواقع وادعاءات معرفية لاحقة بشأن حياة الفلسطينيين لا تخدم دائمًا أغراض التحرير.

التحدي: تصفية استعمار البحوث

ثمة الكثير الذي يمكن أن يتعلمه الفلسطينيون من تجارب مجتمعات الشعوب الأصلية التي خضعت لبحوث مماثلة. تبيِّن ليندا توهيواي سميث طريقة ربط البحوث باستعمار الشعوب الأصلية وإبادتها، وتناقش السُبل التي حاولت بها جماعات الماوريين في نيوزيلندا استرداد زمام السيطرة على عملية البحث من خلال تدريب باحثين من مجتمعاتهم المحلية والحرص على إجراء عملية تمحيص مجتمعية. وتقول إن على القائمين على البحث أن يطرحوا أسئلة من قبيل: "لِمن البحث؟ من يملكه؟ مصالح مَن يخدم؟ مَن سيستفيد منه؟ مَن الذي وضع أسئلته وإطاره؟ مَن سينفذه؟ مَن سيكتبه؟ وكيف سوف تُنشَر نتائجه؟"

يتمثل التحدي في تصور الكيفية التي يتسنى للمجتمعات الفلسطينية من خلالها أن تكون فاعلًا في المعرفة المنتجة بشأنها. يجب علينا أولا أن نعرِّف الظروف الاستعمارية المحيطة بالمشكلة، وأن نطلق حوارًا جادًا حولها، بهدف تصفية استعمار البحوث. وبالنسبة إلى الباحثين وغيرهم ممن يزورون مجتمعات اللاجئين الفلسطينيين ويكتبون كمناصرين، فإن المهمة الملحة تبدأ بنبذ المعارف الاستعمارية وطريقة العمل المسلم بها المتبعة في إجراء البحوث في المجتمعات الفلسطينية.

كيف يتسنى للمجتمعات الفلسطينية أن تكون فاعلًا في المعرفة المنتجة بشأنها؟ Click To Tweet

وهذا يعني النظر بجدية إلى الفلسطينيين كفاعلين تاريخيين قادرين على إنتاج النظرية والمعرفة عن مجتمعاتهم. ولن تختفي المشاكل بالإقرار بالعلاقات العالمية غير المتكافئة في إنتاج المعرفة والتركيز عليها. غير أن إدراك الطرق التي تنبعث من خلالها الهياكل المادية غير المتكافئة لعملية إنتاج المعارف العالمية عبر ادعاءات الباحثين المعرفية، ومدى أهميتها في الحقائق التي يرسونها، يمكن أن يبدأ في تخفيف وطأة المعرفة المنتَجة في ظل قوة وقائع تاريخية وسياسية واجتماعية غير متكافئة.

سوف يظهر مع مرور الوقت كيف سيتعامل الفلسطينيون في سوريا الذين لم يحظوا بتغطية بحثية في السابق مع الباحثين الكثيرين الذين هبطوا عليهم، كما حدث مع نظرائهم في لبنان، وكيف سيؤثر ذلك في مجتمعاتهم. أما الأمر المؤكد فهو أن اللاجئين الفلسطينيين، القادمين من سوريا بأعداد متزايدة، لن يستطيعوا وضع جدول الأعمال البحثي لعدد المشاريع المتنامي المركز عليهم ما لم توجد مؤسسات فلسطينية قادرة على تأسيس هيئات بحثية أو هياكل مجتمعية تمثيلية للاجئين الفلسطينيين قادرة على الإشراف على الباحثين والمغامرين. وبخلاف ذلك، فإنهم سيظلون مادة بحثية ليس لهم قول في مخرجات البحث التي تمسهم وتمس مجتمعاتهم مباشرة.

Stay Informed

Join Al-Shabaka’s mailing list and find the latest Palestinian policy analysis in your inbox: