تعقيباللاجئين

مقايضة فلسطين بالبحوث

Photo of refugee camp

"تحدَّث بلساني لغاية الآن 30 باحثًا وباحثة. أوصلوا صوتي إلى العالم بالإنجليزية والهولندية والفرنسية والسويدية والعربية والإسبانية. ولكني لم أسمع صدى لصوتي قَط، ولا أعتقد أني سأسمعه أبدًا." يقول ربيع، البقّال ذو السبعة والعشرين عامًا في مخيم شاتيلا للاجئين. 1

إن الوعد بإعطاء صوتٍ لِمن لا يملكه، وبتغيير المفاهيم عن المجتمعات المهمشة هو من الأدوات الرائجة التي يستخدمها الباحثون حول العالم لإقناع الناس بإجراء مقابلات معهم وتشجيعهم على المشاركة في مشاريعهم البحثية. ومخيم شاتيلا في بيروت بلبنان ليس استثناءً. ربيع هو أحد الفلسطينيين الكُثُر الذين يقطنون المخيم، وكثيرًا ما يطرق بابه الغرباء الراغبون في دراسة حالته والحديث عن كل مأساة تصيب مجتمعه المحلي.

غير أن القضية المطروحة لا تقتصر على أساليب الباحثين وغيرهم من طالبي المعلومات في إقناع هؤلاء الناس، بل هي أكبر بكثير تتمثل في كَم البحوث الذي وصل حدَّ الإشباع أو الإفراط. فبحثٌ بسيط في قاعدة بيانات مكتبة مؤسسة الدراسات الفلسطينية في بيروت يُظهِر 240 مقالًا أكاديميًا و128 كتابًا ومخطوطةً أكاديمية مكتوبة حول شاتيلا، بالإضافة إلى آلاف المقالات الصحفية والتقارير والأفلام. أما البحث عن برج البراجنة، وهو مخيم فلسطيني آخر يبعد عن شاتيلا 15 دقيقةً فقط، فلا يُظهر سوى 17 مقالًا أكاديميًا.

على الرغم من الآثار السلبية التي يتركها هذا التركيز الخارجي المكثف على مخيم شاتيلا وغيره من المجتمعات المحلية المبالَغ في بحثها حول العالم، فإن علماء الاجتماع لم يولوا الأولويةَ حتى الآن لهذه المشكلة باعتبارها شاغلًا مُلحًا وجوهريًا في مجال البحوث. لم أذهبْ إلى مخيم شاتيلا لدراسة ظاهرة الإفراط في البحوث والآثار المترتبة عليها، بل ذهبت لمقابلة مجموعة من أبناء المخيم ووجهائه والحديث عن الفعاليات السياسية الرامية لإحراز الحقوق المدنية للإنسان الفلسطيني في لبنان. وما بدأ كمشروعٍ بحثي للدعوة إلى منح الفلسطينيين حقوقَهم المدنية تحوَّل إلى ورقةٍ تتناول السياحة البحثية.

وفي سياق هذه الدراسة، أثار أبناء مخيم شاتيلا عددًا من القضايا الأخلاقية بما فيها أساليب الباحثين في الحصول على البيانات والمعلومات، والهوة الواسعة بين احتياجات المجتمع المحلي موضوع البحث وأهداف الباحثين ومموليهم، وأثر البحوث على الديناميات الاجتماعية في المخيم.

مقايضة القضية الفلسطينية

تعرَّض مخيم شاتيلا، منذ إنشائه في العام 1949 كملاذٍ آمن للفلسطينيين الفارين من القوات الصهيونية، لحروبٍ وهجمات متكررة أدت إلى تدميره وإعادة تعميره مرتين. ففي 1982، أسفرَ الحصار الإسرائيلي لبيروت عن تدمير مخيم شاتيلا وارتكاب مجزرة بحق ما يزيد على 3,000 من سكانه في غضون 48 ساعة. وتعرَّض المخيم للدمار ثانيةً إبان حرب المخيمات في لبنان في الفترة 1986-1990 وأُعيد بناؤه لاحقًا. وفي السنوات التالية، صار المخيم ملاذًا للأفراد والأسر الفارة من الصراع في المناطق المجاورة، وآخرها سوريا. ولهذه الأسباب يخضع المخيم لدراسة مفرطة، ويعاني في كثير من الأحيان من أجندة بحثية غير مستنيرة مفروضة من جهات عليا.

بالرغم من أن العلاقة بين الباحث والأشخاص موضوع البحث هي علاقة توافقية، يُقدم بعض الراغبين في استقاء المعلومات من قاطني شاتيلا وعودًا بتحسين أحوال مجتمعهم المحلي. وهم يستخدمونها كوسيلة لإغراء الأشخاص موضوع البحث بالمشاركة في النشاط البحثي، لأنهم يدركون أن سكان المخيم يعتبرون البحوث قيِّمةً إلى درجة أنها ترتبط بالتغيير الاجتماعي الملموس. غير أن حدوث التغيير الاجتماعي يقتضي أن تكون البحوث متصلةً بحركةٍ اجتماعيةٍ ونضالٍ سياسي أوسع، وهي ليست الحال في العادة. لذا فإن الوعود التي يقدمها الباحثون تخيب في الغالب.

ومع ذلك لا يتردد الباحثون في عرض المساعدة على الأشخاص موضوع البحث لقاءَ الحصول على المعلومات. فوفقًا لسكان شاتيلا الذين أُجريت معهم مقابلات لكتابة هذا التعقيب، من الشائع أن يعِدَ الباحثون "بإعطائهم صوتًا،" و"تغيير التصورات والانطباعات عن اللاجئين،" و"مساعدة القضية الفلسطينية" ولا سيما حين يتعلق البحث بالنكبة والتهجير القسري لنحو 750,000 فلسطيني من ديارهم عند قيام إسرائيل في 1948. وهذا يدفع الفلسطينيين موضوع البحث إلى الاعتقاد بأن مشاركتهم في تلك البحوث سوف تحسِّن أوضاع مجتمعهم المحلي. ومع ذلك فإن استحضار فلسطين المرةَ تلو المرة قد أضجر اللاجئين الذين بات معظمهم يعتقدون أنها ذريعة لحَملهم على المشاركة:

"آخر باحثٍ جاءني أرادني أن أترك متجري وأعمل معه طوال اليوم. وحين سألته لماذا، قال من أجل القضية الفلسطينية. ولكنني رفضت. فقد سئمت المقايضةَ من أجل القضية الفلسطينية،" يقول أسامة ذو السبعة والعشرين عامًا الذي يقطن في مخيم شاتيلا ويدير محل اتصالات فيه.

ليس كل سكان شاتيلا مرتابين أو لهم خبرة كأسامة. فالباحثون يَنشدون الأطفال أيضًا، فالكثيرون منهم يثقون أكثر بالآخرين وهم أسهل إقناعًا بفضل المال والاهتمام الخاص الذي تنطوي عليه مشاركتهم أحيانًا. وبالنتيجة، يوضَع الأطفال، عن غير قصد، في مرتبةٍ أعلى من الآخرين في المجتمع المحلي، ممّا يصنع منهم أبطالًا. يصف أسامة وغيره من أبناء مخيم شاتيلا هذه العمليةَ بأنها دورةٌ غالبًا ما تنتهي نهايةً سيئة:

"يدعم الباحثون هؤلاء الأطفال ويعطونهم النقود [أثناء العملية البحثية]. ولكن، كما المعلبات، يأتي وقتٌ تنتهي فيه صلاحية هؤلاء الأبطال ويُترَكون مرةً أخرى إلى أزقة المخيم. الناس في المخيم يشعرون بالشفقة ازاء هؤلاء الأطفال، إذ تنشأ عندهم عقدٌ نفسية. وإذا لم يكن هذا استغلالًا، فكيف يكون الاستغلال إذن؟"

البحث بأي ثمن

يمتلك الفاعلون المتنوعون المشاركون في أي مشروع بحثي - الممولون والباحثون والمنظمات المحلية الشريكة والميسرون المحليون (المنسق، الزميل الأكاديمي، المترجم، الكاتب أو مفرِّغ المحتوى)، وكذلك الشخص(الأشخاص) موضوع البحث – أجندات وأهداف معلنة مختلفة وأحيانًا متداخلة. وفي حين أن كل واحدٍ من هؤلاء الفاعلين يعتمد على الآخر في تلبية متطلبات العلاقة البحثية، ثمة تسلسل هرمي ضمني يضع أهداف المؤسسة الممولة في الأعلى، وأهداف الأشخاص موضوع البحث و/أو احتياجاتهم في الأسفل.

وبالتالي، بدلًا من معاملتهم كشركاء محترمين، بات يُنظَرُ إلى سكان شاتيلا كمواضيع بحث سلبية لا يعرفون ما هو الأفضل بالنسبة لهم أو لمجتمعهم المحلي. وهذا عَرَضٌ من أعراض الشروط غير المتكافئة التي يعمل بموجبها الأكاديميون والمؤسسات مع الأشخاص موضوع أبحاثهم. فقد أفاد عددٌ من أهالي المخيم بأنهم لا يملكون قولًا فيما تجري دراسته؛ فذاك تحدده قراراتٌ تُتَخذ خارج المخيمات دون استشارة المجتمع المحلي الذي سيكون الأكثر تأثرًا. وهذا يُشعِرُ السكان بالبعد عن الموضوعات التي يختارها الباحثون، وبالإحباط بسبب تجاهل احتياجات مجتمعهم المحلي في معظم الأحيان.

ومن الأمثلة لذلك، زارَ أحد المرشحين لنيل درجة الدكتوراه من جامعة عريقة في الولايات المتحدة مخيمَ شاتيلا أملًا في إجراء بحثٍ حول فيروس نقص المناعة المكتسبة. ولكنه سرعان ما اكتشف أنها مهمة مستحيلة، إذ لم تكن هناك حالات مصابة بفيروس نقص المناعة المكتسبة، ولم يكن الشباب الذين قابلهم مرتاحين في الحديث عن المسائل المتعلقة بانتقال الفيروس عبر الاتصال الجنسي. وهكذا، غادر طالب الدكتوراه وعاد بعد شهرٍ واحد ليجري بحثًا عن النساء والإياس (سن اليأس). وقامت منظمةٌ غير حكومية محلية كانت قد تشاركت مع الباحث بجمع النساء اللاتي ينطبق عليهن الوصف، وهن أيضًا اعتقدن أن الموضوع كان غير ذي صلة. ولكن لأنهن كُنَّ من المستفيدات من تلك المنظمة، اضطررن للمشاركة في البحث على أية حال.

ورغم أن هذه القصة لا تُعبِّر، بالتأكيد، عن جميع المشاريع البحثية في مخيم شاتيلا، فإنها تثير العديد من التساؤلات حول عملية صنع القرار التي ترافقها. ففي الحالات المشابهة لهذه القصة، تزيد فرصة أن تساهم هذه العملية و/أو النتائج في وصف المجتمع المحلي وصفًا كاذبًا. وفي هذا الصدد، كتبَ سكوت وينر، المرشح لنيل درجة الدكتوراه في العلوم السياسية بجامعة جورج واشنطن، قائلًا: "يجب على قصصنا أن تُعلي، لا أن تطغى على، الروايات المهمة بالنسبة لهوية هؤلاء الذين نعتمد على مساعدتهم."

يمكن أن تتحدد المشاريع البحثية أيضًا في بعض الأحيان بفعل شعبية موضوعٍ ما في وسائل الإعلام الرئيسية، أو اتجاه ما يشهده حقلٌ بحثي معين، وفي كلتا الحالتين قد يكون المشروع البحثي على حساب جهودٍ بحثية أخرى أكثر أهمية. ظلَّ الباحثون والمنظمات، لفترة طويلة، مهتمين في النكبة. وفي هذا الصدد، يقول سكان مخيم شاتيلا إنهم، كلاجئين، شعروا أن المشاريع البحثية اختزلتهم في كونهم شهودًا على النكبة، وأن الفائدة منهم اقتصرت على كونهم حملةً للهوية الفلسطينية. وبحلول أواخر العام 1999، تحوَّل الاهتمام من النكبة إلى موضوعات تخص اللاجئين أنفسهم:

"هناك توجهٌ الآن للتركيز على الفلسطينيين، ليس كموضوعات سياسية آتية من فلسطين، بل كلاجئين وبشر. أنا لا أعارض، ولكن أشك في وجود دوافع خفية لتحويل الانتباه عن مشاكلنا السياسية إلى المستوى الشخصي والفردي،" يقول محمود، وهو ناشطٌ في مجال حقوق الإنسان يعمل مع وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا).

شملت التوجهات الأخرى التركيزَ على مجزرة شاتيلا وحرب المخيمات. وفي معظم الحالات، كانت مآسي أهل المخيم ومصائبهم هي مَا رغَّبَ الباحثين فيهم. وهكذا لا يغيب أبدًا عن بال سكان المخيم - "الضحايا" – أنهم في وضع بائس بلا حول ولا قوة.

استغلال المستغلِّين

سكان المخيم ليسوا مجرد ضحايا لممارسات الباحثين الأجانب ومصالحهم. فالاهتمام المفرط الذي يبديه الأجانب بهم قد شوه ديناميات السلطة داخل المخيم، حيث دفع أبناء المخيم العاملين كمنسقين، وكتبة أو مفرغي محتوى، ومترجمين، والمنظمات غير الحكومية لإيجاد سُبل للاستفادة من ضيوفهم الباحثين.

ينظر الميسِّرون أو "بوّابو" المخيم، على سبيل المثال، إلى هذا العمل البحثي باعتباره فرصةً مدرةً للدخل. ولكن، وفي الوقت نفسه، جرت العادة على أن يصطحبوا الباحثين إلى الأسر ذاتها، بل ويقولون للأسر ماذا تقول للباحث بحسب ما يظنون أنه يريد أن يسمع. وهذا لا يهدد نزاهة البحوث التي يساعدون في إجرائها وحسب، وإنما ينشئ حِلفًا محسوسًا بين الأفراد الذين تتقاطع مصالحهم مع مصالح الباحثين، وهؤلاء يُسميهم سكان المخيم "الطفيليات."

يُعرِبُ أبناء المخيم عن مخاوف مماثلة بشأن دور منظماتهم غير الحكومية المحلية، التي تتقاطع مصالحها أيضًا في بعض الأحيان مع الأجندات البحثية الأجنبية. ففي مقابل الدعاية والتمويل، تساعد هذه المنظمات الباحثين في تحقيق أهدافهم. ووفقًا لبعض سكان المخيم، فإن تلك الأهداف تبدو في معظم الأحيان بأنها تسلط الضوء على الجوانب السلبية في حياتهم كلاجئين – وهي حقيقة يعتبرها السكان إهانةً لكرامتهم، ووصفًا كاذبًا للحياة في المخيمات، وإضرارًا بالقضية الفلسطينية.

"لماذا لا يكتب الناس عن المواهب في المخيمات؟" يتساءل خليل، وهو شابٌ يحمل شهادة البكالوريوس في إدارة الأعمال من جامعة بيروت العربية. "إذا ظلوا يتحدثون عن المشاكل، سيقول الغرب إننا عاجزون عن رعاية أنفسنا، وسيخلصُ إلى أننا لا نستحق أن تكون لنا دولة. أعتقد أنهم يضرون قضيتنا؛ هم لا يساعدوننا."

نهجٌ أكثر توازنًا

قد يسوق المرء حُججًا عديدة بناءً على ما تقدم من الحديث عن الإفراط في إجراء البحوث في مخيم شاتيلا للاجئين في مجال بحوث العلوم الاجتماعية بصفة عامة. ورغم أن فرط البحوث يُعدُّ مشكلةً في مجتمعاتٍ محلية وبقاعٍ معينة، فإن الحلَّ لشكاية المجتمع المحلي من الإفراط في البحث لا ينبغي أن يقتصر على إيجاد مجتمعات محلية أخرى أقل خضوعًا للبحث.

ولا ينبغي أيضًا التعامل مع الشواغل حيال فرط البحوث باعتبارها تحديًا أو عائقًا يستطيع الباحثون التغلبَ عليه بتبني ممارسات أو أسئلة أو منهجيات بحثية بديلة. وينبغي أن يدرك المهتمون بأن التوقف التام عن إجراء البحوث الجديدة هو أحيانًا الاستجابة الأنسب لشواغل المجتمع المحلي بشأن الإفراط في إجراء البحوث.

وختامًا، لا ينبغي النظر إلى مشكلة فرط البحوث باعتبارها مشكلة أساليب أو أخلاقيات بحثية وحسب في إطار بحوث العلوم الاجتماعية. بل إنها تختص كذلك بعلاقة البحث العلمي الاجتماعي والباحثين بالمجتمع الأوسع والاقتصاد ككل. ولن يتسنى فهم مشاكل الإفراط في إجراء البحوث والتصدي لها إلا من خلال تحديد مواقع الفاعلين المعنيين في هياكل السلطة المحلية والإقليمية والعالمية ومن حيث الهوية والمصالح. 2

ملاحظات:

  1. جميع الاقتباسات مأخوذة من مقابلات أجرتها الكاتبة، ما لم يرد خلاف ذلك، ولم تُذكَر فيها أسماء عائلات أصحاب الأقوال المقتبسة حفاظًا على هوياتهم.
  2. نشرت ميسون سكرية أولى كتاباتها حول هذا الموضوع مع ستوارت تانوك في مجلة "سوسيوليجي" (Sociology). وحملت الورقة عنوان "مشكلة المجتمعات التي تعاني من فرط البحوث: حالة مخيم شاتيلا للاجئين الفلسطينيين في لبنان." ويمكن الاطلاع عليها من خلال الرابط التالي: [http://soc.sagepub.com/content/47/3/494.short](http://soc.sagepub.com/content/47/3/494.short)