تعقيبسياسة

الحديث عن فلسطين: أي إطار للتحليل؟ أي أهداف ورسائل؟

 

لمحة عامة

لقد بات من الواضح أن الشعب الفلسطيني لم يعد متوافقًا على الحل السياسي النهائي. فأولئك الذين يدَّعون قيادتهم السياسية للفلسطينيين يسعون إلى إقامة دولة ذات سيادة تعيش جنبًا إلى جنب مع إسرائيل. ومن الناحية الأخرى، تتزايد الأصوات الداعية إلى إقامة دولة ديمقراطية واحدة على أرض فلسطين التاريخية كاملةً، حيث أخذ محللون فلسطينيون وغير فلسطينيين يستغلون تصريح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بأنه لا يمانع أيَّا من هذين الحلِّين ليأخذوا النقاش إلى ما بعد حل الدولتين. 1

إن عجز الفلسطينيين عن الاتفاق على التسوية السياسية المنشودة مشكلةٌ كبرى. وثمة مشاكل أخرى، لعلَّ أبرزها عدم التوافق في الآراء حول إطار تحليلي مشترك للتعبير عن الظرف الفلسطيني. وهذا يحول دون اعتماد رسائل واضحة للتعبير عن مُصاب الفلسطينيين وما يتطلعون إليه. وهو يعوق أيضًا وضع استراتيجيات فعالة لتحقيق تلك التطلعات. وفي هذا التعقيب نشرح هذه المشاكل على حِدة، ونقترح سُبلًا للمضي قدمًا.

مخاطر تركيز النقاش على التسوية السياسية

لا توجد تسوية سياسية في الأفق من شأنها أن تُعمِل حقوق الشعب الفلسطيني، بينما تعكف إسرائيل على تنفيذ عدد من السيناريوهات للتوصل إلى تسوية سياسية للصراع تعود عليها بأكبر مساحة من الأرض الفلسطينية وأقل عدد من الفلسطينيين من خلال الضم أو ببساطة الإبقاء على الوضع الراهن كما هو إلى أن تتمكن من إنهاء الصراع لصالحها.

وبالإضافة إلى هذا الواقع، ثمة مشكلة في النقاش نفسه. فبالتركيز على التسوية النهائية وما إذا ينبغي أن تكون دولة أو دولتين، يتغاضى النقاش في كثير من الأحيان عن الحاجة إلى إنهاء الاستعمار وجبر الضرر الذي أصاب الفلسطينيين. فلا بد أن يكون إنهاء الاستعمار وجبر الضرر جزءًا من التسوية النهائية، سواء كانت دولةً فلسطينية على الأرض الفلسطينية المحتلة كما اعتمدها المجلس الوطني الفلسطيني في العام 1988 كتعبيرٍ عن حق الفلسطينيين في تقرير المصير، أو دولةً واحدة على أرض فلسطين التاريخية كاملةً يكون المواطنون فيها سواسية.

ينطوي حل الدولة الواحدة على خطر خاص إذا مَحا الخط الأخضر الذي يفصل بين إسرائيل وبين الأرض الفلسطينية المحتلة - وهو خطٌ تتوق إسرائيل نفسها إلى محوه. وكما نوقش في تحليل سابق، فإن محو الخط الأخضر يهدد بتبديد مصادر مهمة لقوة الفلسطينيين – وهي مصادر سيحتاجها الفلسطينيون كي يضمنوا أن التسوية النهائية سوف ترتكز على إنهاء الاستعمار وجبر الضرر. ومن مصادر القوة هذه الإجماعُ الدولي على حق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير، وانطباقُ القانون الدولي الإنساني في الأرض الفلسطينية المحتلة، وحقيقة أن سلطة الاحتلال لا تملك الحق في بسط سيادتها على تلك الأرض، وعضوية فلسطين في نظام الدول، التي تمكِّنها من مقاضاة إسرائيل في محكمة العدل الدولية والمحكمة الجنائية الدولية – بغض النظر عن عدم الكفاءة في استخدام هذه السُبل لغاية الآن.

ربما يصبح حل الدولة الواحدة في نهاية المطاف حقيقةً واقعة، وستنتفي الحاجة إلى الإصرار على وجود الخط الأخضر لضمان تطبيق القانون الدولي الإنساني على الأرض الفلسطينية المحتلة. ولكن، حتى ذلك الحين، يجب على الفلسطينيين ألا يتخلوا عما بحوزتهم اليوم من مصادر قوة ونفوذ، وإلا فإننا سنخاطر بخسارة الأدوات التي يوفرها القانون الدولي الإنساني وبإضفاء الشرعية على المستوطنات الإسرائيلية بدلًا من النهوض بقضيتنا.

من الواضح أن عملية إنهاء الاستعمار وجبر الضرر لا يمكن أن تنتج من التفاوض مع النظام الإسرائيلي الحالي (أو الأنظمة السالفة). فقد ظلت إسرائيل حريصةً على منع قيام الدولة الفلسطينية ذات السيادة التي يرتأيها حل الدولتين، ولن توافق بالتأكيد على تنفيذ التحول السياسي والقانوني المطلوب لتحقيق هدف الدولة الواحدة. بل يبدو أن إسرائيل عاكفةٌ على التآمر مع الرباعية العربية المتشكِّلة مؤخرًا (مصر والأردن والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة) من أجل فرض دولة بلا سيادة على الشعب الفلسطيني على أجزاء من الأرض الفلسطينية المحتلة لتكون بمثابة التسوية النهائية التي تُنهي جميع المطالبات.

وعليه فإن إنهاءَ الاستعمار وجبرَ الضرر هو مسألة كفاح تهدف إلى تغيير ميزان القوى لمصلحة الشعب الفلسطيني، على أن يليها التفاوض على الحل السياسي النهائي متى ما أُجبرت إسرائيل على القبول بتسويةٍ تقوم على إنهاء الاستعمار وجبر الضرر واحترام الحقوق الأساسية. ولا بد لهذا الكفاح أن يوظِّف مصادر القوة الفلسطينية المتاحة كافة، بما فيها تلك المذكورة أعلاه.

وإلى أن يتسنى التوصل إلى تسوية نهائية، ثمة أهداف انتقالية يمكن أن يسترشد بها الكفاح الساعي لإنهاء الاستعمار وجبر الضرر. غير أنه سيستحيل التوصل إلى توافق في الآراء بشأن هذه الأهداف الانتقالية - ناهيك عن الحل السياسي - دون وضوح وإجماع على الإطار التحليلي المناسب للظرف الفلسطيني.

تعدد الأطر يشوش الاستراتيجية والأهداف

هناك أطر تحليلية متعددة تتنافس على تطبيقها على مصيبة الوطن والشعب الفلسطيني الناجمة عن تنفيذ المشروع الصهيوني منذ إطلاقه في 1897، وإقامة دولة إسرائيل في 1948 على 78% من مساحة فلسطين، ثم احتلالها الجزء المتبقي من فلسطين سنة 1967.

لقد دأب عددٌ متزايد من الباحثين والمحللين في السنوات الأخيرة على الدعوة إلى تطبيق إطار الاستعمار الاستيطاني في فلسطين، مُبرزين أوجه الشبه بين سياسات القضاء على السكان الأصليين التي انتهجتها الحركات الاستعمارية الاستيطانية في أفريقيا والأمريكيتين وأستراليا، وبقاع أخرى، بما فيها فلسطين. وانبثقت من النقاش حول الاستعمار الاستيطاني الصهيوني أطرٌ أخرى ذات صلة، ولا سيما إطار التطهير العرقي والترحيل القسري للسكان. ودافع آخرون عن تطبيق إطار الشعوب الأصلية على الفلسطينيين باعتبارهم شعبًا يسبق قيام المجتمع الاستعماري الاستيطاني الإسرائيلي. ولهذا التأطير ميزةٌ إضافية تتمثل في القدرة على الاستناد إلى حقوق السكان الأصليين المعترف بها في الأمم المتحدة في موطنهم الأصلي وأرضهم ومواردهم الطبيعية.

اختار باحثون آخرون منظور التمييز العنصري، حيث سلطوا الضوء على النظام الإسرائيلي القانوني التمييزي، والسياسات العنصرية، وانتهاكات اتفاقية مكافحة العنصرية على جانبي الخط الأخضر. وقاد هذا الحديث إلى الدعوة إلى رؤية القضية الفلسطينية من زاوية الفصل العنصري، حيث أخذ الباحثون والمحللون يستندون إلى القانون الدولي ويعقدون المقارنات مع نظام الفصل العنصري السابق في جنوب أفريقيا. ثمة آخرون يتحدثون عن "قتل المجتمع" أو "الإبادة الثقافية"، وهؤلاء الذين يزعمون أن الإبادة الجماعية كما ورد تعريفها في اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية تنطبق على حالة الشعب الفلسطيني.

يمكن بالتأكيد تطبيق جميع أطر التحليل هذه على الحالة الفلسطينية. بل إن من المفيد في بعض السياقات – ولا سيما في الوسط الأكاديمي – أن تُستَكشف هذه الأطر وغيرها من الأطر التحليلية لأن ذلك يعزز الفهم والمعرفة بالطرق الجديدة المتاحة للتعبير عن الحقوق الفلسطينية. غير أن ما يحتاجه الفلسطينيون هو إطار تحليل استراتيجي لا يقتصر على إحداث المزيد من المعرفة.

اختيار إطار التحليل الأكثر استراتيجية

يكون إطار التحليل استراتيجيًا إذا سمح للفلسطينيين باستخدام مصادر القوة المتاحة لهم بفاعلية من أجل إنهاء الاستعمار وجبر الضرر، وهو مسعى نضالي ينشد تحقيق مجموعة من الأهداف الأساسية الواضحة. والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هو: ما هي أهداف الفلسطينيين الأساسية؟ "الهدف" المتعارف عليه حتى الآن هو إقامة دولة ذات سيادة على طول حدود 1967 مع إسرائيل. غير أن اعتبار ما هو فعليًا تسويةٌ سياسية كهدف يشوش القضية. فلطالما ظل النضال الفلسطيني يدور حول حقوق الفلسطينيين على أرض فلسطين وفيها. وكان الحل الأصلي الذي اعتمدته منظمة التحرير الفلسطينية في ستينيات القرن الماضي إقامةَ دولةٍ ديمقراطية علمانية على أرض فلسطين كاملةً. وتبعَه في العام 1974 قرارٌ بحلٍ انتقالي ينص على إقامة دولة على أي جزء يتحرر من فلسطين، ثم تلاه في 1988 قرارُ بإقامة دولة على حدود 1967. غير أن الغرض من كل هذه الحلول السياسية هو إعمال الحقوق الفلسطينية على أرض فلسطين وفي ملكيتها.

ما يحتاجه الفلسطينيون هو إطار تحليل استراتيجي لا يقتصر على إحداث المزيد من المعرفة Click To Tweet

لذلك، ونظرًا لعدم وضوح الحل السياسي النهائي، لا بد أن تكون الأهداف الأساسية هي الحقوق الأساسية التي تمثل العناصر الضرورية لإعمال حق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير، وأن تكون، بصفتها هذه، جزءًا من أي حل سياسي مستقبلي. وهذه الحقوق هي: التحرر من الاحتلال والاستعمار، وحق اللاجئين في العودة إلى ديارهم وممتلكاتهم، وعدم التمييز والمساواة التامة للمواطنين الفلسطينيين في إسرائيل. وهذه الأهداف الثلاثة، باعتبارها عناصر أساسية في تقرير المصير، مدرَجةٌ في دعوة المجتمع المدني الفلسطيني لمقاطعة إسرائيل وسحب الاستثمارات منها وفرض العقوبات عليها حتى تحقيق هذه الأهداف.

وإذا اتفقنا على أن هذه هي الأهداف الأساسية الثلاثة للشعب الفلسطيني، نستطيع حينها أن نحدد إطار التحليل الأمثل استراتيجيًا لإنهاء الاستعمار وجبر الضرر وضمان منزلة أساسية لهما في التسوية السياسية النهائية. إطارا التحليل الأكثر شمولا والأكثر ترويجًا هما إطار الاستعمار الاستيطاني وإطار الفصل العنصري. يُعد إطار الاستعمار الاستيطاني استراتيجيًا من نواح عديدة، فهو يجسد التجربة التاريخية للفلسطينيين باعتبارهم السكان الأصليين في البلد، ويؤكد أن قضيتنا هي قضية تحرر وتقرير مصير. ركَّز الإطار الدولي لإنهاء الاستعمار وتقرير المصير في القرن العشرين على تحرير الأرض وعودة اللاجئين والنازحين وإقامة دولة ذات سيادة. وهو على هذا النحو يحشد التضامن والدعم، ولا سيما من الدول المستعمَرة سابقًا في أفريقيا وأمريكا اللاتينية وأماكن أخرى الذين نحتاج إلى دعمهم السياسي بشدة، في الجمعية العامة للأمم المتحدة مثلًا أو لرفع قضية أمام المحكمة الجنائية الدولية.

للإطار الاستعماري الاستيطاني أيضًا قيمةٌ مضافة لأنه يُطلق حجة قانونية يمكن أن يستخدمها الفلسطينيون كمصدر قوة. يتعامل القانون الدولي مع الاستعمار الذي يشمل الاستعمار الاستيطاني. وبخلاف الاحتلال العسكري الذي يحظى بموجب القانون الدولي الإنساني بالتسامح الدولي إذا كان مؤقتًا وممتثلًا لاتفاقية جنيف الرابعة، فإن الاستعمار محظورٌ حظرًا مطلقا اليوم ويعامَل بوصفه انتهاكًا خطيرًا لقواعد القانون الدولي العرفي الملزمة عالميا. 2 وهكذا فإن جميع الدول والأمم المتحدة ملزمة قانونًا بعدم الاعتراف بالاستعمار الذي تمارسه أي دولة وبعدم تقديم المعونة له أو مساعدته، وهي ملزمةٌ أيضًا بالتعاون واتخاذ التدابير، بما فيها العقوبات، لإنهاء ذاك الاستعمار.

غير أن المشاكل الخطيرة التي تكمن في الإطار الاستعماري الاستيطاني ينبغي أن تحُول دون أن يختاره الفلسطينيون ليكون إطارهم الشامل للتحليل. فنظام الدول يعتبر الاستعمار قضيةً من قضايا الماضي، وتتعامل الأمم المتحدة مع مسألة إنهاء الاستعمار على أنها أُنجزت إلى حد كبير. والأهم من ذلك أن القانون الدولي نفسه يحدّ أيضًا من القيمة الاستراتيجية لهذا الإطار التحليلي. فلا توجد مسؤولية جنائية لأن الاستعمار لم يُجرَّم.

فضلًا على أن حظر الاستعمار والالتزامات القانونية المذكورة أعلاه الملزِمة لجميع الدول والأمم المتحدة لا تنطبق إلا على المشروع الاستعماري الاستيطاني الإسرائيلي في الأرض الفلسطينية المحتلة. وقد أوضحَ هذه الحقيقةَ خبراءُ مجتمعون في مؤتمر القانون الدولي المنعقد في جامعة بيرزيت في 2013، حيث بيَّنوا أن الاستعمار لم يكن محظورًا صراحةً بموجب القانون الدولي حين أقيمت دولة إسرائيل، وأن تحول المعايير لم يبدأ إلا في عقد الخمسينات نتيجة جهود حركات مقاومة الاستعمار، وأصبح الاستعمار محظورًا صراحةً في 1960، عندما أقرت الأمم المتحدة إعلان منح الاستقلال للبلدان والشعوب المستعمرة. وهكذا فإن الحركات الاستعمارية الاستيطانية الأولى، بما فيها الحركة الصهيونية، التي كانت بحلول ذلك الوقت قد أنشأت نفسها كدول قومية، غدت محصنةً بحكم الأمر الواقع ومطبَّعة في إطار عملية إنهاء الاستعمار التي تقودها الأمم المتحدة. وبحسب الرأي القانوني السائد فإن الاستعمار لا ينطبق قانونًا ضمن حدود الدول القائمة.

وهكذا، فإن هذا الإطار المناهض للاستعمار إشكالي بالنسبة للفلسطينيين الذين يواصلون النضال ضد الاستعمار الاستيطاني الإسرائيلي في القرن الحادي والعشرين، فهو يخاطر بإيجاد تناقضات بين الحقوق الأساسية وبين الأهداف التي نسعى إلى تحقيقها، وترويج حلولٍ سياسيةٍ تحرمُ فلسطينيين كثيرين الحقوقَ هذه كلها. فالإجماع القانوني والسياسي الدولي يقضي بأن حق الفلسطينيين في تحرير الأرض وإقامة دولة ذات سيادة يقتصر على الأرض الفلسطينية المحتلة. فلا يمكن لهذا الإطار أن يشتمل على حق اللاجئين في العودة إلى ديارهم وممتلكاتهم في إسرائيل أو حق المواطنين الفلسطينيين في إسرائيل في عدم التمييز والمساواة. وعلاوةً على ذلك، تسبب النهج المناهض للاستعمار، بالنسبة إلى الفلسطينيين وحلفائهم في الحركة الساعية لإعمال الحقوق الفلسطينية، على أرض الواقع في الخلاف والشقاق وهمَّش حقَّ عودة اللاجئين وحقَّ المواطنين الفلسطينيين في إسرائيل في المساواة بسبب تركيزه على إقامة دولتين على حدود 1967. وهذه إحدى الدروس التي تعلمناها، ولا سيما منذ عقد التسعينات، من دبلوماسية السلام القائمة على اتفاقات أوسلو.

وعلى النقيض، لا ينطوي إطار مناهضة الفصل العنصري على أيِّ من المشكلات المذكورة أعلاه. وتجدر الإشارة إلى أن الفصل العنصري لا يَستمد تعريفه من تشابهاته مع نظام الفصل العنصري السابق في جنوب أفريقيا، بل له تعريف قانوني عالمي نصّت عليه الاتفاقية الدولية لمناهضة الفصل العنصري لعام 1973، وحدَّثه نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية (2002) بأنه "أية أفعال لا إنسانية... تُرتكب في سياق نظام مؤسسي قوامه الاضطهاد المنهجي والسيطرة المنهجية من جانب جماعة عرقية واحدة إزاء أية جماعة أو جماعات عرقية أخرى، وتُرتكب بنيَّة الإبقاء على ذلك النظام." تشمل أفعال الفصل العنصري اللاإنسانية النقلَ القسري للسكان والاضطهاد والقتلَ والسجن والحرمان الشديد من الحرية البدنية وحقوق الإنسان الأساسية.

لا أساس للادعاء بأن وصف أفعال دولة إسرائيل بالفصل العنصري هو معاداة للسامية Click To Tweet

نحن نرى أن إطار التحليل الأمثل استراتيجيًا الذي ينبغي تطبيقه على الحالة الفلسطينية هو إطار مناهضة الفصل العنصري. أولًا، هو يشتمل على تحليل الاستعمار الاستيطاني وينطلق منه: وفي حالة فلسطين، بدأ الفصل العنصري عندما تحول المجتمع الاستعماري الاستيطاني الصهيوني إلى دولة إسرائيل وأدرج أيديولوجية التفوق اليهودي وسياسة التطهير العرقي في قوانين الدولة ومؤسساتها. وبالتالي فإن أفضل تعريف للفصل العنصري الإسرائيلي المعاصر هو نظامٌ تمييز عنصري ممأسس تقوم بموجبه إسرائيل، كدولةٍ وسلطة احتلال، بتفضيل اليهود وتقمع الشعب الفلسطيني بأسره وتجزؤه وتهيمن عليه وتستعمر الأرض الفلسطينية المحتلة بنيَّة الإبقاء على هذا النظام وترسيخه على أرض فلسطين التاريخية كاملة. ويُعد نقلُ السكان والتطهير العرقي للفلسطينيين، بما فيه حرمانهم العودة إلى ديارهم، فعلًا قمعيًا لاإنسانيًا وأحد دعائم الفصل العنصري الإسرائيلي.

ثانيًا، يستند إطار الفصل العنصري إلى القانون الدولي كذلك باعتباره أصلًا من الأصول الاستراتيجية. فالقانون العرفي يحظر الفصل العنصري، باعتباره شكلًا وخيمًا من أشكال التمييز العنصري، ويعامله كانتهاك خطير على الأقل منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. وهو مجرَّم أيضًا بموجب الاتفاقية الدولية لمناهضة الفصل العنصري ونظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، ويمثل على الأرجح ثاني أخطر الجرائم ضد الإنسانية بعد جريمة الإبادة الجماعية.

ولهذه الأسباب، يمكن تطبيق هذا الإطار على أدنى تقدير منذ العام 1948 حين بدأ الفصل العنصري الإسرائيلي رسميًا مع قيام الدولة، وعلى أرض فلسطين التاريخية كاملة منذ العام 1967. وفي الأرض الفلسطينية المحتلة ينطبق إطار الفصل العنصري كما القانون الدولي الإنساني. وتتحمل إسرائيل، باعتبارها نظامَ فصل عنصري، المسؤوليةَ القانونية عن أفعال الفصل العنصري اللاإنسانية الممَارسة ضد الفلسطينيين كافة، بمن فيهم اللاجئون ومواطنو إسرائيل والرازحون تحت الاحتلال. وهي مسؤولةٌ عن إعادة حقوقهم من خلال جبر الضرر، بينما تقع المسؤولية الجنائية الفردية على عاتق الذين ينفذون جريمة الفصل العنصري أو يعينون عليها أو يحرضون عليها. وتتمثل مسؤولية الدول الأخرى والأمم المتحدة في ضمان مقاضاة مرتكبي جريمة الفصل العنصري. ويجب على الدول والأمم المتحدة ألا تعترف بالفصل العنصري الإسرائيلي أو تُعين عليه أو تساعده، وهي ملزمةٌ قانونًا بالتعاون واتخاذ التدابير، بما فيها العقوبات، لإنهائه وضمان جبر الضرر.

ثالثًا، يحشد إطار الفصل العنصري التضامن والدعم من الناس حول العالم. وبفضل إرث الحملة الدولية التي أسقطت نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا، يدرك الكثيرون أنه لا بد من مقاطعة أنظمة الفصل العنصري وعزلها. وقد اكتسب هذا الإطار شعبيةً ضمن النضال الفلسطيني بفضل فعاليات من قبيل أسبوع مقاومة الاستعمار والأبارتهايد الإسرائيلي، المنعقد منذ العام 2005 في كل ربيع في عدد متزايد من المدن في مختلف أنحاء العالم.

وعلاوةً على ذلك، ثمة تأييدٌ دولي متنامٍ لتحليل الفصل العنصري. فقد دأب باحثون قانونيون مستقلون وخبراء في الأمم المتحدة في مجال حقوق الإنسان منذ العام 2006 على الأقل يُحمِّلون إسرائيلَ مسؤوليةَ الفصل العنصري ضد الفلسطينيين، ويدعون إلى اتخاذ تدابير دولية، بما فيها عقوبات. ولا يزال تقريرُ الممارسات الإسرائيلية تجاه الشعب الفلسطيني ومسألة الفصل العنصري الذي أعدته مؤخرًا لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا (الإسكوا) يُعدّ في الوسط العام دراسةً قانونية موثوقة بالرغم من أن الأمين العام للأمم المتحدة قد أمر بسحبه، مما حدا بالسيدة ريما خلف، الأمينة التنفيذية للإسكوا، إلى الاستقالة في رسالةٍ قوية جرى تداولها على نطاق واسع. وقد أرسل مجلس منظمات حقوق الإنسان الفلسطينية رسالةً إلى الأمين العام للأمم المتحدة يدين فيها سحب تقرير الإسكوا، مؤكدًا إنه سيعتمد إطارَ الفصل العنصري على النحو المبين في هذا التقرير.

أوضح مؤتمر القانون الدولي المنعقد في 2013 في بيرزيت والمشار إليه آنفًا بأن الفصل العنصري لا ينتهي بالضرورة "بحل الدولة الواحدة" المقامة على كامل الأرض التي يسيطر عليها نظام الفصل العنصري. ويمكن لنظام ما بعد الفصل العنصري أن ينطوي على حل الدولتين. ويتضح ذلك من مثال ناميبيا حيث أعملَ الشعب الناميبي حقه في تقرير المصير ونال الاستقلال نتيجة كفاحه ضد نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا الذي سيطر على بلده واستعمره. واستنادًا إلى القانون الدولي، يكمن حل الفصل العنصري في إنهاء التمييز العنصري الممؤسس لتمكين الجماعات المقهورة من ممارسة حقوقها الإنسانية الكاملة، بما فيها حق الشعوب المضطهدة في تقرير مصيرها. وهو لا يحظر الحل السياسي.

يؤكد تقرير الإسكوا أيضًا إنه لا أساس للادعاء بأن وصف أفعال دولة إسرائيل بالفصل العنصري هو معاداة للسامية. فتدحض مقدمة التقرير هذا الادعاء، وتشير إلى أن النتائج التي توصل إليها التقرير بشأن الفصل العنصري الإسرائيلي تستند إلى القانون الدولي ذاته الذي يحظر معاداة السامية أيضًا.

إطار مشترك لأهدافنا ورسائلنا

لقد سعينا إلى توضيح كيف أن التحديات التي تواجه الشعب الفلسطيني تتفاقم بسبب الخلط بين الإطار التحليلي المشترك وبين مجموعة الأهداف المتفق عليها. وأوضحنا كيف أن الاستخدام الشائع لكلمة "هدف" لوصف التسوية السياسية النهائية يزيد من التشويش واللبس. فمهما كانت التسوية السياسية النهائية، ينبغي أن تمكِّن الفلسطينيين في نهاية المطاف من التحرر من الاستعمار، والتمتع بحقوق متساوية، وممارسة حقوقهم في وطنهم، بما فيها حقهم في العودة إلى ديارهم وأراضيهم والتعويض عما فقدوه.

يوفر مفهوم الفصل العنصري إطارًا تحليليًا واضحًا لنضالٍ يسعى لإنهاء الاستعمار وتقرير المصير Click To Tweet

نحن نؤمن أن تعدد أطر التحليل المطبقة - والقابلة للتطبيق بالفعل - على القضية الفلسطينية تشوِّش أهدافنا ورسائلنا على السواء. لذا فإن الحاجةَ ماسةٌ إلى اعتماد إطار تحليلي واحد يتسم بالاستراتيجية يُمكِّننا من بلورة مطالبنا حول أهدافنا وإيصالها من خلال رسائل واضحة ومقنعة. ونرى بأن إطار التحليل المناهض للفصل العنصري هو الإطار الأكثر استراتيجية.

سوف يمكِّن إطار الفصل العنصري الفلسطينيين من صياغة رسائل توضح ما حلَّ بالشعب الفلسطيني وأهداف النضال الفلسطيني. وهو يساعد في توضيح أن هذا النضال يهدف إلى إنهاء الاستعمار وجبر الضرر، وليس إلى إقامة دولة وحسب. ولا بد أن تفيد الرسالة القوية بأن النضال الفلسطيني هو نضالٌ من أجل الحرية والعدالة والمساواة في الوطن، سواءً في دولةٍ ديمقراطية علمانية واحدة يتمتع فيها المواطنون كافة بحقوقهم الإنسانية كاملةً أو في دولتين سيادتين تعيشان جنبًا إلى جنب.

وعند التوصل إلى اتفاق على هذا الإطار، يمكن تنقيح الاستراتيجيات القائمة واستحداث استراتيجيات جديدة. ولا بد أثناء مواءمة الرسائل من مقاومة إغراء استخدام أطر تحليلية أخرى خارج الوسط الأكاديمي. ولا بد من أن يعود مصطلح الفصل العنصري أو الأبرتهايد شائعًا كما كان عليه إبان فترة الكفاح في جنوب أفريقيا من أجل الحرية. وعلاوةً على ذلك، ثمة حاجة ماسة إلى حملة تثقيفية وتوعوية لإرساء توافق في الآراء حول إطار التحليل هذا، وإلى الاستثمار في معارف ومهارات الناشطين الفلسطينيين والمتضامنين العاملين على النهوض بهذا الإطار.

وينبغي للعاكفين على بث الرسائل حول حقوق الفلسطينيين عبر وسائل الإعلام أن يتجاوزوا عبارات "آن أوان إقامة الدولة الواحدة" أو "موت حل الدولتين". فإذا أرادوا حقًا النهوض بالحرية والحقوق الفلسطينية، عليهم التركيز على عملية إنهاء الاستعمار وجبر الضرر الواجبة أيًّا كانت التسوية السياسية، وإلا فإنهم يخاطرون بإلحاق الضرر أكثر من النفع من خلال القفز عن هذه العملية والعمل المضني الذي لا يزال يتعين القيام به. وهذا لا يعني أن على الرسالة أن تركز فقط على الأهوال على الأرض، بل أن تكون استشرافيةً أيضًا وأن تركز على مستقبلٍ يستطيع الجميعُ فيه أن يعيشوا بحرية وعدالة ومساواة.

وفي هذه المرحلة من الكفاح الفلسطيني من أجل تقرير المصير، والتي لا يتسنى فيها تحديد الحل السياسي النهائي، يوفر مفهوم الفصل العنصري إطارًا تحليليًا واضحًا لنضالٍ يسعى لإنهاء الاستعمار وتقرير المصير، نضالٍ قادرٍ على أن يعزل الممارسات القمعية التي تمارسها دولة إسرائيل ويُضعفها، وأن يحافظَ - في الوقت نفسه - على الحقوق الفلسطينية الأساسية غير القابلة للتفاوض ويعززها، وهي الحق في التحرر من الاحتلال والاستعمار، وحق المواطنين الفلسطينيين في إسرائيل في المساواة الكاملة، وحق اللاجئين في العودة إلى ديارهم وممتلكاتهم.

ملاحظات:

  1. تتوفر كافة إصدارات الشبكة باللغتين العربية والانجليزية (اضغط/ي هنا لمطالعة النص بالإنجليزية). لقراءة هذا النص باللغة الفرنسية، اضغط/ي هنا. تسعد الشبكة لتوفر هذه الترجمات وتشكر مدافعي حقوق الإنسان على هذا الجهد الدؤوب، وتؤكد على عدم مسؤوليتها عن أي اختلافات في المعنى في النص المترجم عن النص الأصلي.
  2. انظر/ي مشروع المواد المتعلقة بمسؤولية الدول عن الأفعال غير المشروعة دوليا، المادة 40، التعليق رقم 8 والحاشية رقم 651 مع الإشارة إلى اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات لعام 1969، المادة 53. انظر أيضا المادة (41) التي تشرح التزامات الدول الثالثة: http://legal.un.org/ilc/texts/instruments/english/commentaries/9_6_2001.pdf