تعقيبسياسة

لا تتخلوا عن الخط الأخضر: نقطة ضعف إسرائيل

حثَّ الشاعر ديلان توماس أبيه – وكلَّ مَن دنت منه المَنية - "لا تدخلن مسالمًا في ذاك الليل الوادع" بل "ثُر، ثُر على تلاشي الضوء." ما يزال الناس يتنبأون بموت حل الدولتين منذ 20 عامًا تقريبًا، بعدما تبيَّن أن إسرائيل وقعت على عملية أوسلو للسلام في 1993 وليس في نيتها أن تسمح بقيام دولة فلسطينية ذات سيادة.

ومع ذلك ظل الضوء عصيًا على الموت. فكان من مصلحة الدول كافة، بما فيها إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية/فلسطين، أن تحافظ على حل الدولتين نابضًا رغم الاستعمار الإسرائيلي المستمر للأرض الفلسطينية المحتلة، حيث شيدت إسرائيل فيها إلى الآن نحو 200 مستوطنة وأسكنت 600،000 مستوطن، وهذه جرائم حرب بموجب القانون الدولي.

يعاني الفلسطينيون الرازحون تحت الاحتلال انتهاكاتٍ يوميةً لحقوقهم الأساسية في الحياة والحرية والحركة والصحة والحصول على المياه وغيرها. أمّا اللاجئون والمنفيون الفلسطينيون فمتروكون في الغالب ليواجهوا مصيرهم، بينما يُتوقَع من الفلسطينيين المواطنين في إسرائيل أن يتعاملوا مع التمييز والطرد الذي تمارسه الدولة الإسرائيلية. وعمومًا، يحُول الركود في الجسم السياسي الفلسطيني دون تبلور عمل فلسطيني جماعي فعال.

وإذا كان الفلسطينيون عاجزين حتى الآن عن الخروج من هذه المنطقة الرمادية، فإن اليمين الإسرائيلي والحركة الاستيطانية ليسوا كذلك، فقد عززوا نفوذهم على مدى عقود، واخترقوا الجيش والنظام السياسي والسلطة القضائية، وباتت قوتهم المعتبرة مدعومةً ومدفوعة الثمن بالكامل من الدولة الإسرائيلية. ولم تضطرها الولايات المتحدة ولا الاتحاد الأوروبي إلى دفع أي ثمن لقاء استعمارها الضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية، بل إن الولايات المتحدة، والاتحادَ الأوروبي ودولَه الأعضاء، ودولًا في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية، ترغب في إدامة علاقاتها العسكرية والتجارية بإسرائيل.

ما عادت حركة الاستيطان ترغب في بقائها في ضبابية سيناريو حل الدولتين، بل تنشد الوضوحَ المتحقق بالضم الرسمي لِما تبقى من الأرض الفلسطينية المحتلة (بعد أن ضمت إسرائيل بالفعل القدسَ دون وجه قانوني) أو على الأقل المنطقة (ج)، التي تشكل نحو 60% من مساحة الضفة الغربية. وهذا، حتى الآن، هدفُ الزعيم اليميني الإسرائيلي ووزير التعليم، نفتالي بينيت، الذي أعلن مبتهجًا بأن "عصر الدولة الفلسطينية انتهى" بعد فوز دونالد ترامب في الانتخابات الرئاسية الأمريكية.

يسعى مشروع القانون الذي قدمه حزب البيت اليهودي الذي ينتمي إليه بينيت في الكنيست بتاريخ 6 شباط/فبراير إلى "تسوية وضع" البؤر الاستيطانية غير القانونية مثل مستوطنة عمونا المبنية على أراضٍ فلسطينية مملوكة ملكيةً خاصة. والقصد من مشروع القانون هو إرسال رسالة واضحة بشأن مَن يملك أرض فلسطين ومَن لديه السلطة الحقيقية في إسرائيل. وقد واجه مشروع القانون انتقادات باعتباره تشريعًا لسلب الأراضي في خضم تحذيرات من أن هذه الخطوة سوف تأخذ إسرائيل إلى المحكمة الجنائية الدولية.

وكان الرد الفظيع من المجتمع الدولي على مشروع قانون "تسوية الوضع" هزليًا تقريبًا، حيث قالت وزارة الخارجية الألمانية إن ثقتها في التزام الحكومة الإسرائيلية بحل الدولتين قد "اهتزت من أساسها"، بينما دعت فرنسا إسرائيلَ إلى سحب مشروع القانون واحترام التزاماتها. فأين كانت تلك الدول طوال الخمسين عامًا الماضية وإسرائيل ترتكب جرائم الحرب هذه؟ المستوطنات كلها التي أقامتها إسرائيل، سواء على أرض خالية أم على أنقاض المنازل والأراضي الفلسطينية، ليست قانونية بموجب القانون الدولي، كما هو استغلالها المتواصل للموارد الطبيعية الفلسطينية. فضلاً على أن استمرارها في استخدام القوة لإدامة الاحتلال يحُول دون تمتع الشعب الفلسطيني بحقه المعترف به دوليًا في تقرير المصير. ومع ذلك، تُعلِّق القوى العالمية آمالها على قرار المحكمة العليا الإسرائيلية ضد مشروع القانون لينقذها من الاضطرار إلى اتخاذ إجراء ما لثني إسرائيل عن ممارساتها الاستعمارية الجديدة.

إسرائيل لا تستطيع شرعنة الاحتلال لأنها ستهدد النظام العالمي

لم تستطع إسرائيل إلى الآن، رغم كل مناوراتها، أن تمحو الخط الأخضر وتشرعن حيازتها الدائمة للأرض الفلسطينية المحتلة، وهذا أبرز ما أثبتته هذه الواقعة. فحتى هذا التاريخ، لا يعترف المجتمع الدولي بالضم الإسرائيلي الرسمي للقدس الشرقية ولا بمطالبة إسرائيل أحادية الجانب في القدس الغربية. ويُجمِع العالم على أن للقدس كيانٌ منفصل في إطار خطة التقسيم لعام 1947، ولا يمكن الاتفاق على وضعها إلا من خلال المفاوضات.

بالرغم من أن المجتمع الدولي لم يحاسب إسرائيل بجدية – على سبيل المثال، خطوة الاتحاد الأوروبي التي صاحبتها دعاية صاخبة والتي تشترط وضع علامات على منتجات المستوطنات الداخلة إلى سوقه لم يكن لها سوى تأثير ضئيل – فإنه لن يصادق على مشروع إسرائيل الاستعماري ولن يشرعنه أمام العالم.

باختصار، لا تستطيع إسرائيل أن تكرر انتصارها الأصلي الذي حققته الحركة الصهيونية في إقامة دولة على أرض فلسطين، وتوسيع حدود تلك الدولة إلى ما وراء تلك المنصوص عليها في خطة التقسيم لعام 1947 التي وُجدت إسرائيل على أساسها. فهذا القرن الخطأ لهذا المشروع الاستعماري.

وضع الأرض الفلسطينية المحتلة لا يخص فلسطين وحدها، بل هو شأن كل دولة معرَّضة لفقدان أراضيها Click To Tweet

الخط الأخضر - خط الهدنة عند انتهاء القتال بين الجيشين العربي والإسرائيلي في عام 1949 – هو الأساس في امتناع المجتمع الدولي عن إضفاء الشرعية على الاحتلال الإسرائيلي لأن هذا الخط يفصل ما يعتبره العالم دولة إسرائيل عن الأراضي التي احتلتها في عام 1967 وأفعالها غير المشروعة فيها.

الأهم من ذلك هو أن وضع الأرض الفلسطينية المحتلة لا يخص فلسطين وحدها، بل هو شأن كل دولة معرَّضة لفقدان أراضيها. والتهديد الذي تفرضه التغييرات الإسرائيلية الأحادية على استقرار النظام العالمي يخص أوروبا بالذات، التي عانت حربين عالميتين.

ولهذا فإن قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2334 الصادر في 23 كانون الأول/ديسمبر 2016 ليس مهمًا للفلسطينيين وحسب، بل مهم لنظام ما بعد الحرب برمته لأنه يؤكد عدم شرعية المستوطنات ووجوب تطبيق القانون الدولي – بما في ذلك القوانين التي تحكم الاحتلال العسكري – على الأراضي المحتلة. ولهذا كان رد إسرائيل على القرار 2334 غاضبًا جدًا، فقد تلقت ضربةً كبرى في قدرتها على محو الخط الأخضر.

بالرغم من أن نفاق المجتمع الدولي جليّ في تباينه الصارخ في معاملته الاحتلالَ الإسرائيلي في فلسطين والاحتلالَ الروسي لشبه جزيرة القرم، فإن المرجع في كلا الاحتلالين هو القانون الدولي ذاته. ولعل أبرز تصريح أدلت به الإدارة الأمريكية الجديدة هو الذي جاء على لسان سفيرة الولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة، نيكي هايلي، أمام مجلس الأمن بشأن تصاعد العنف في أوكرانيا في وقت سابق من هذا الشهر. وقد دعت فيه إلى وضع حدٍ فوري للاحتلال الروسي لشبه جزيرة القرم، وأعلنت أن الولايات المتحدة لن ترفع عقوباتها عن روسيا حتى تُعيد شبه جزيرة القرم إلى أوكرانيا. وبالنظر إلى عبارات ترامب الدافئة إزاء روسيا، جاء التصريح مفاجئًا وموضعَ ترحيب لدى الأوروبيين دون شك.

إن التخلي عن الخط الأخضر في هذا الوقت سيكون خطأ خطيرًا، وربما قاتلاً. فالطابع غير القانوني لأنشطة إسرائيل في الأرض الفلسطينية المحتلة يستديم قدرة الفلسطينيين على ملاحقة إسرائيل والمسؤولين الإسرائيليين في المحاكم الدولية والوطنية. وهو عنصرٌ مهمٌ أيضًا في تعزيز جهود حركة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات (BDS) التي أسَّسها ويقودها المجتمع المدني الفلسطيني.

حققت الجهود المبذولة على مستوى الدول، حتى تاريخه، نجاحًا متواضعًا لأن إسرائيل جعلت نفسها مهمة وقيِّمة للمجتمع الدولي في التجارة، وتطوير الأسلحة، والجغرافيا السياسية. إن الكشف عن نوايا القادة الإسرائيليين الحقيقية بشأن الاستيلاء الدائم على الأرض بالقوة، هو وقت مناسب لشن حملة منسقة من جانب منظمة التحرير الفلسطينية/فلسطين تهدف، كحد أدنى، إلى فرض حظرٍ تام على منتجات المستوطنات ووقف التعاملات مع الدولة الإسرائيلية وهيئات قطاعها الخاص التي تموِّل المستوطنات، مثل البنوك.

الخط الأخضر لا يتعلق بحل الدولة مقابل حل الدولتين

يعتبر الخط الأخضر الحدَّ الذي سوف يستند إليه حل الدولتين. غير أن حثَّ الفلسطينيين على عدم التخلي عن الخط الأخضر لا يعني دعمَ المُخرَج السياسي المتمثل في حل الدولتين، بل هو حُجة من أجل استخدام جميع مصادر القوة والنفوذ المتاحة دون التخلي عن الحقوق الفلسطينية غير القابلة للتصرف.

إن من الأهمية بمكان أن نطرح هذه الحجة في الوقت الحاضر لأن أصواتًا متزايدة في أوساط الفلسطينيين وفي حركة التضامن مع فلسطين تدعو إلى تحويل الهدف السياسي الفلسطيني من حل الدولتين إلى حل الدولة الواحدة أو النضال من أجل الحقوق المدنية. ومن المرجح أن تزداد هذه الأصوات قوةً مع اقتراب الذكرى الخمسين للاحتلال في حزيران/يونيو المقبل، ولأن الفلسطينيين في إسرائيل والأرض الفلسطينية المحتلة يواجهون اليوم أشرس التهديدات الإسرائيلية لوجودهم على أرضهم منذ بدء الاحتلال.

التخلي عن الخط الأخضر في هذا الوقت سيكون خطأ خطيرًا، وربما قاتلاً Click To Tweet

إن من الطبيعي لشعبٍ يسعى لإدراك حقوقه الإنسانية والقومية ولحلفائه أن ينشدوا الوضوح والتوافق على الهدف السياسي النهائي. فضلًا على أن الانقسام المتنامي بين المدافعين عن الدولة الواحدة أو النضال من أجل الحقوق المدنية، ومنهم كثيرون من الناشطين الفلسطينيين ومؤيديهم من القاعدة الشعبية، وبين المدافعين عن حل الدولتين، ومنهم كثيرون من المسؤولين الفلسطينيين ورجال الأعمال (والصهاينة الليبراليين)، يضر القدرة الفلسطينية على الالتفاف حول تحرك جماعي.

غير أن الاتفاق في الجسم السياسي الفلسطيني على الهدف النهائي غير ممكن في هذه المرحلة للأسف. لقد كان الاتفاق ممكنًا على الدولة الواحدة في الفترة 1969-1974 حين كان برنامج منظمة التحرير الفلسطينية يستند إلى إقامة دولة ديمقراطية علمانية. وكان ممكنًا أيضًا على حل الدولتين في الفترة التي أعقبت إعلان الاستقلال الفلسطيني في 1988 والاعتراف اللاحق بإسرائيل ولغاية أواخر عقد التسعينات وفشل عملية أوسلو.

لا يملك الفلسطينيون في الوقت الحاضر القدرةَ على تحقيق هدفٍ سياسي نهائي في المستقبل المنظور. ولا ينبغي لهذا الواقع أن يثنينا عن العمل من أجل تحقيق مكاسب مؤقتة، دون المساس بالحقوق الأساسية. وهذا هو موقف حركة المقاطعة، فهي حركة مبنية على الحقوق لا "على الحل". فحين لا تتبنى الحركة هدفًا سياسيًا نهائيًا، تستطيع أن تستقطبَ أكبر عدد من الفلسطينيين والمتضامنين، وتُمكِّن كلَّ واحدٍ منهم من العمل في مجاله وبطريقته من أجل تحدي الانتهاكات الإسرائيلية للحقوق. ويستطيعون، بالفعل، أن يركزوا على الاحتلال و/أو حقوق المواطنين الفلسطينيين في إسرائيل و/أو حقوق اللاجئين الفلسطينيين.

تستنفد مسألةُ الهدف النهائي جهودًا وطاقات كبيرة من الأجدر بذلها في وضع استراتيجيات محددة لتحميل إسرائيل تكلفة الاحتلال الإسرائيلي وانتهاكات الحقوق. ويمكن لهذه الاستراتيجيات أن تتبنى النهجَ القائم على الحقوق في التواصل مع المجتمع المدني، أو النهجَ القائم على الحل في التواصل مع الحكومات والشركات. وهذان النهجان لا ينفيان حلَّ الدولتين، إسرائيل وفلسطين، كمُخرَج سياسي نهائي، يتمتع فيهما المواطنون كافة بحقوقهم الإنسانية، ولا ينفيان حلَّ الدولة الفلسطينية-الإسرائيلية الواحدة التي يتمتع فيها الجميع بحقوقهم كاملةً.

المطلوب وضع استراتيجيات محددة لتحميل إسرائيل تكلفة الاحتلال الإسرائيلي وانتهاكات الحقوق Click To Tweet

وبالتالي، لا يوجد منطق في التخلي عن أي مصدرٍ من مصادر القوة والنفوذ المتاحة، كالخط الأخضر، لوقف الأفعال الإسرائيلية غير القانونية وتعزيز الحقوق الفلسطينية. أمّا المسائل الأكثر إلحاحًا فتتمحور حول سُبل تجنب المزالق القادمة في المفاوضات تحت إدارة ترامب، بموازاة استغلال هدف إسرائيل ضدها بعد أن تكشفت نواياها الحقيقية بخصوص الأرض الفلسطينية المحتلة بما لا يسمح لأحد بغض الطرف.

التعامل مع مهندسي الاتفاق

إن تحرك اليمين الإسرائيلي من أجل شرعنة البؤر الاستيطانية يؤكد أنه ما من سبيل أحادي الجانب لتأمين الاعتراف الدولي بوضع المستوطنات في الأرض الفلسطينية المحتلة، بالرغم من نفوذ اليمين الطاغي. وحدها منظمة التحرير الفلسطينية/فلسطين كممثل للشعب الفلسطيني تستطيع الموافقة على إحداث تغيير في وضع المستوطنات يسمح لإسرائيل بالاحتفاظ ببعض "غنائمها" – وغني عن القول إنه من الواجب ألا تفعل المنظمة/فلسطين ذلك؛ ويجب على المجتمع المدني الفلسطيني أن يبذل كل ما بوسعه ليضمن ألا تفعل. الفترة القادمة حُبلى بالمخاطر والتحديات التي ستتطلب استراتيجيات وإجراءات فلسطينية واضحة وتعاونية.

تتمثل إحدى المخاطر الرئيسية في رغبة ترامب في إبرام "اتفاق" بشأن فلسطين وإسرائيل. سوف تكثِّف إسرائيل على الأرجح الضغطَ الاقتصادي والعسكري الذي تمارسه على الفلسطينيين القابعين تحت الاحتلال، المنهكين أصلًا بسبب القبضة الإسرائيلية المُحكمة. فضلًا على أن نهج الإدارة الأمريكية منحازٌ بشدة ضد الفلسطينيين نظرًا لترشيح ديفيد فريدمان سفيرًا للولايات المتحدة في إسرائيل، وهو مناصر الاستيطان بامتياز. يكمن التحدي في التفكير في السُبل التي تستطيع بها منظمة التحرير الفلسطينية/فلسطين أن تصمدَ أمام هذا الضغط، بدعم (وضغط) من المواطنين الفلسطينيين في إسرائيل ودوليًا، وماهية الاستراتيجيات التي يمكن أن تتبناها بحيث لا تظهر بمظهر "الرافض"، ولا تنهار تحت الضغط (بما فيه الضغط الذي تمارسه دولٌ عربية)، وتتمكن من ممارسة ضغوطٍ مضادة. وعلى الصعيد الداخلي، لا بد لمنظمة التحرير الفلسطينية/فلسطين أن تحدد سُبل التخلص التدريجي من التنسيق الأمني مع إسرائيل، والذي عجز المرء عن تبريره في أحسن الأوقات، وما عاد اليوم يستطيع أن يلتمس له عذرًا على الإطلاق.

يتعلق التحدي الآخر بالتوترات التي يمكن أن تنشأ بين المجتمع المدني الفلسطيني وبين حركة التضامن مع فلسطين في الولايات المتحدة، وهي أبرز مصادر القوة للشعب الفلسطيني، إذا شاركت منظمة التحرير الفلسطينية/فلسطين في مفاوضات ترعاها إدارة ترامب. إن حركة التضامن مع فلسطين وحلفاءها الطبيعيين - بمن فيهم السود واللاتينيون والأمريكيون الأصليون - لا يمكنهم تصور وضعٍ "يطبِّع" التعاملَ مع إدارة ترامب وخصالها القومية البيضاء والعنصرية. فضلًا على أنه سيكون من الصعب الحفاظ على فلسطين في جدول الأعمال في ظل القضايا العديدة المتنافسة التي تواجه المواطنين الأمريكيين - بما فيها الرعاية الصحية، والبيئة، والتعليم، وحقوق العمال.

تسرُّع اليمين الإسرائيلي في الاستيلاء على السلطة في إسرائيل واستكمال ضم فلسطين سيفتح آفاقًا أكثر للعمل Click To Tweet

ومع ذلك، يمكن أن يتغير الوضع في غضون عامين. فتعبئة قطاعات واسعة من المجتمع المدني الأمريكي بشأن حقوق المهاجرين، والرعاية الصحية، والتعليم، ومكافحة العنصرية والتمييز يمكن أن يحدثَ تغييرًا جذريًا في تركيبة الكونغرس في الانتخابات النصفية المقبلة بحيث تنتقل الأغلبية من الحزب الجمهوري إلى الحزب الديمقراطي، الذي يشهد بداخله نموًا للقوى التقدمية والدعم للقضية الفلسطينية – بما فيه تأييد فرض عقوبات على إسرائيل.

أوروبا، الساحة الرئيسية الأخرى، منشغلةٌ أيضًا. فالاتحاد الأوروبي مُنكبٌ على التعامل مع انسحاب بريطانيا، والتهديد الناشئ من احتمال انتخاب قادة يمينيين متطرفين في بلدان رئيسية، وعدم القدرة على التنبؤ بما ستفعله الإدارة الأمريكية الجديدة. غير أن الأوروبيين أيضا يخشون إضعافَ النظام العالمي. ويمكن أن توفر الإجراءات الإسرائيلية فرصةً للمجتمعات المدنية لكي تضغط على حكوماتها حتى تضطلع بمسؤولياتها وتوقف تعاملاتها مع الكيانات الإسرائيلية العاملة خلف الخط الأخضر، أو تنظرَ في إمكانية فرض عقوبات كالتي طُبِّقت على روسيا بعد احتلالها شبه جزيرة القرم.

دخلت منظمة التحرير الفلسطينية/فلسطين في جبهات يجري التوسع فيها حاليًا بفاعلية أكبر، مثل عضوية فلسطين في المحكمة الجنائية الدولية ومشاركتها في مجلس حقوق الإنسان، بما في ذلك في استصدار قرار من المجلس بإنشاء قاعدة بيانات تضم جميع الشركات المنخرطة في أنشطة غير قانونية في الأرض الفلسطينية المحتلة. وتستطيع منظماتُ حقوق الإنسان الفلسطينية التي تعمل مباشرةً مع المحكمة الجنائية الدولية ومجلس حقوق الإنسان وغيرهما من المؤسسات الدولية الأخرى أن تستخدم هذه المداخلَ أيضًا بالتنسيق مع منظمة التحرير الفلسطينية/فلسطين أو من خلال الضغط عليها.

هذا هو القرن الخطأ لمشروع إسرائيل الاستعماري Click To Tweet

إن قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2334، رغم مساوئه، مثل تأييده التنسيق الأمني مع إسرائيل، يمكن تصنيفه كنصرٍ لمنظمة التحرير الفلسطينية/فلسطين. ومع أن هناك قرارات مشابهة أخرى، فإن تأكيده في الوقت الحاضر جاء كإنذار لإسرائيل من أنها ستواجه معركةً شرسة إذا حاولت إضفاء الطابع الرسمي على استحواذها غير القانوني على الأرض بالقوة. فضلًا على أن قرار مجلس الأمن رقم 2334 تفوَّق على النصوص الأممية السابقة حين دعا "جميع الدول" إلى "التمييز في تعاملاتها" بين الأرض الإسرائيلية والأراضي التي احتلتها في 1967.

ولهذا السبب تعكف إسرائيل على محاربة قرار مجلس الأمن رقم 2334، بما في ذلك على مستوى الولايات منفردة داخل في الولايات المتحدة. فهناك ولايات أمريكية كانت تسعى أصلًا لصدّ النجاحات التي أحرزتها حركة المقاطعة من خلال مقاطعة الشركات التي ترفض القيام بأعمال تجارية في المستوطنات، حيث سنَّت نحو 20 ولاية تشريعات لتحقيق هذا الغرض. وقد أخذت ولايات في الوقت الحاضر تستعمل قرار مجلس الأمن رقم 2334 في هجومها المضاد، كولاية إلينوي التي حذرت الاتحاد الأوروبي من تشجيع الشركات على المضي في مسار المقاطعة، قائلةً إن "تبني عقوبات عملاً" بقرار مجلس الأمن رقم 2334 (الذي لا يذكر في الواقع أي تهديدٍ بفرض عقوبات) قد "يُعرِّض الشركات في الاتحاد الأوروبي لخطر انتهاك قانون ولاية إلينوي."

إن انعدام التقدم الحاسم على صعيد إعمال الحقوق في المستقبل المنظور يجعل الفلسطينيين الرازحين تحت الاحتلال والحصار الإسرائيلي والفلسطينيين المواطنين في إسرائيل واللاجئين الفلسطينيين في مواجهة أوقات قاتمة. ومع ذلك، ثمة أسباب تدعو للأمل، بما فيها قدرة المجتمع المدني الفلسطيني على الصمود والأبواب التي فتحتها منظمة التحرير الفلسطينية/فلسطين في المحكمة الجنائية الدولية وفي مجالات أخرى. إن تسرُّع اليمين الإسرائيلي في الاستيلاء على السلطة في إسرائيل واستكمال ضم فلسطين سوف يفتح آفاقًا أكثر للعمل. وهذا الوقت الذي يحشد فيه المجتمع المدني الأمريكي ضد ترامب هو وقت الصمود، والدفاع عن المكاسب، واستغلال الفرص، والحذر من التنازلات. وهذا هو وقت التمسك بذاك الخط الأخضر.