Article - Prisoner Exchange Levels Hamas, Fatah Playing Field

انتزعت الأنباء عن توصل إسرائيل وحركة المقاومة الإسلامية (حماس) إلى اتفاق بشأن تبادل الأسرى فور صدورها في منتصف تشرين الأول/أكتوبر العناوين الرئيسية بعد أن كانت تلك العناوين تزخر بالحديث عن مسعى منظمة التحرير الفلسطينية لنيل عضويةٍ كاملةٍ في الأمم المتحدة. ويمكن القول إن لحماس وإسرائيل مصلحةً مشتركةً في هذا الصدد. والأهم من ذلك هو أن الإسلاميين الفلسطينيين، الذين ما عادوا مركونين على هامش مبادرة العضوية الفلسطينية بتدبيرٍ من منافِسَتِهم حركة فتح في رام الله، قد أصبح باستطاعتهم استئناف محادثات المصالحة من موقع مساوٍ نسبيًا. أمّا ما إذا كانت المصالحة والتدويل الوشيك للقضية الفلسطينية سيمتزجان ليُشكِّلا أساسًا جديدًا لاستراتيجيةٍ وطنيةٍ جديدةٍ فيظل تساؤلًا مفتوحًا.

لا يزال مسعى منظمة التحرير الفلسطينية، الذي يود رئيسها محمود عباس أن يحتفظ بسيطرته التامة عليه، مطروحًا على جدول أعمال مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، وقد يبقى كذلك لردهةٍ من الزمن. غير أن النتيجة حتمية وهي أن الطلب سوف يُرفض إمّا بالفيتو الأمريكي وإمّا بنجاح الولايات المتحدة في تخويف ما يكفي من أعضاء مجلس الأمن لرفض الطلب عند التصويت عليه.

وبما أن رفض الطلب بأغلبية الأصوات سوف يُعتبر هزيمةً سياسيةً مدويةً لعباس، ولا سيما على خلفية تبادل الأسرى، فإن الفيتو الأمريكي هو أهون الشرين بالنسبة له إنْ لم يكن ضرورةً سياسية. وإذا ما كان عباس، كما أشار البعض، يعتزم إبقاء الطلب في أدراج اللجنة لأجل غير مسمى، فتلك استراتيجية لن تدوم على الأرجح، إذ إن التوقعات الشعبية والضغوط المنبثقة من صفوف حركة فتح والتحديات الخارجية لا تبشر بالجمود. أضف إلى ذلك أن واشنطن وشركاءها في اللجنة الرباعية (الاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة وروسيا) يرفضون تقديم عرض يمكن لعباس الادعاء بأنه يستحق التفكير.

وثمة مسألة أخرى ذات صلة تتمثل في ما إذا كان الفلسطينيون سيتجهون إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة وماهية سبيلهم إلى ذلك. فلقد عارض البعض فكرة اللجوء إلى الجمعية العامة للحصول على صفة أرفع لا ترقى إلى صفة العضوية الكاملة، بدعوى أن ذلك قد ينال من دور منظمة التحرير الفلسطينية باعتبارها الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، وقد يؤدي إلى زيادة التهميش الذي يعيشه فلسطينيو الشتات. وفي المقابل، يرى آخرون أنه يمكن تحقيق الكثير بواسطة الجمعية العامة، مثل الانضمام إلى مختلف الوكالات التابعة للأمم المتحدة وإلى المحكمة الجنائية الدولية. إلا أن هناك آخرين يعتقدون بوجود خيارات يمكن الأخذ بها في إطار الجمعية العامة للطعن في رفض مجلس الأمن لطلب العضوية – غير أنها ستكون المرة الأولى التي يجري فيها الطعن. وثمة مقاربةٌ أخرى تتمثل في السعي لتحقيق مكتسبات عدةٍ عبر الجمعية العامة دون تقديم طلب العضوية. وهناك أيضًا قرارات أخرى يمكن عرضها على مجلس الأمن، ولكن يبدو أن في رام الله القليلَ من العزم لمواصلة المواجهة.

وفي الوقت نفسه، يرزح عباس تحت ضغوطٍ هائلةٍ للموافقة على المبادرة الأخيرة التي طرحتها الرباعية لإحياء المفاوضات كما عهدناها منذ انطلاقها قبل عقدين من الزمن. وفي الواقع، يُعتبر بيان الرباعية الأخير أسوأ بكثير من العديد من البيانات السابقة – وهو ما يُعد إنجازًا بحق. فالبيان يتمحور كليًا حول العملية ولا يذكر شيئًا البتة – على الأقل صراحةً – بشأن ما يمكن أن تتمخض عنه هذه العملية. ولربما أكثر ما يثير الاهتمام بشأن اللجنة الرباعية، التي أنشأتها إدارة الرئيس السابق جورج بوش كبديلٍ للمجتمع الدولي، هو عجزها عن الاتفاق على شروط مرجعية لعملية سلام أخرى. فقد رفضت واشنطن تضمين بيان الرباعية أي شيء يتعلق بتجميد الاستيطان – أي أنها فرضت بالأساس التوسع في بناء المستوطنات كجزءٍ من أي عمليةٍ دبلوماسيةٍ. وفي الوقت ذاته، أصرّت واشنطن على إدراج الاعتراف بإسرائيل كدولةٍ يهوديةٍ في مقابل الإشارة إلى حدود الرابع من تموز/يوليو 1967. وبعبارةٍ أخرى، أصبح للإشارة إلى حدود عام 1967 ثمنٌ جديدٌ بعد أن كانت في الماضي تنازلًا فُرض على الفلسطينيين. وبفعل ذلك، واجهت الولايات المتحدة مقاومةً من الأوروبيين ورفضًا تامًا، على ما يبدو، من جانب الروس. وعندما فشل ذلك، لم يسعِ الرباعية سوى الخروج بحجةٍ واهيةٍ من أجل عقد جولة أخرى من مفاوضات عقيمة.

وثمة ملاحظةٌ مثيرة للاهتمام وهي أن الأوروبيين قد فقدوا، على ما يبدو، قدرتهم على توفير الغطاء السياسي لعباس. ففي الأشهر التي سبقت أيلول/سبتمبر، كان الموقف الأوروبي غير مؤمنٍ بالمبادرة الفلسطينية الرامية لنيل عضويةٍ كاملةٍ في الأمم المتحدة ولكنه كان مُصرًّا على عدم عودة عباس خالي الوفاض. غير أن ذلك هو تحديدًا ما صنعه الاتحاد الأوروبي وبلدانه الأعضاء السبعة والعشرين بعباس. وقد تجلى أحد أسباب ذلك في الاجتماع الأخير لمجلس الأمم المتحدة لحقوق الإنسان في جنيف، حيث بذل مبعوثو الاتحاد الأوروبي جهودًا كبيرةً للخروج بموقف مشترك، غير أن المبعوث الهولندي تلقى تعليمات من رؤسائه في لاهاي في اللحظة الأخيرة بحذف أي لغة تعتبرها هولندا غير مقبولة – وهو ما أثار حنق زملائه. ومن تلك اللغة غير المقبولة الإشارةُ إلى حل الدولتين والمضايقات الإسرائيلية للمدافعين عن حقوق الإنسان وغيرها من الانتهاكات الإسرائيلية. فإذا كان الاتحاد الأوروبي عاجزًا حتى عن التوافق بشأن الإشارة إلى حل الدولتين، فمن الواضح بأن الاتحاد الأوروبي هو جزء من المشكلة.

ومن المفارقات أن هذا الوضع، إلى جانب تهديدات الكونغرس بفرض عقوبات مالية وغير مالية وكذلك تبادل الأسرى بين حماس وإسرائيل في الآونة الأخيرة، قد يدفع الفلسطينيين أكثر باتجاه التدويل. وبعبارة أخرى، قد يكون للتطرف الذي استفحل في واشنطن أثرٌ إيجابي على وضع استراتيجيةٍ فلسطينيةٍ بديلةٍ. أضف إلى ذلك أن الرواية الحقيقية وراء مبادرة العضوية في الأمم المتحدة تتعلق بالاستياء الفتحاوي من الوضع الراهن وبالتنافس القائم مع حركة حماس. فقد كان عباس يتعرض لضغوط متنامية من داخل حركة فتح باتجاه اتخاذ خطوة كُبرى من شأنها أن تساعد في عكس ما تواجهه الحركة من تفككٍ وتلاشي التأييد الشعبي لها.

لقد عززت مبادرة العضوية في الأمم المتحدة موقف عباس وفتح مؤقتًا على حساب حماس. ومن الجدير بالذكر أن حماس كانت تقريبًا رافضةً لهذا المسعى. فشعرت بالتهميش وحاولت استغلال الشكوك والظنون المتولدة حيال هذه المبادرة لدى قطاعات بارزة من المجتمع الفلسطيني. وآمنت بأن عباس تجاهل متعمدًا بندًا رئيسيًا في اتفاقية المصالحة المبرمة في شهر أيار/مايو ينص على عدم اتخاذ خطوات جوهرية إلا على أساس توافق فلسطيني – أي بالتشاور مع حماس. ولمّا بدت مبادرة العضوية في الأمم المتحدة بأنها تكسب تأييدًا شعبيًا حقيقيًا، وجدت حماس نفسها مضطرةً للدعوة على لسان رئيس وزرائها في غزة، إسماعيل هنية، إلى حوارٍ استراتيجيٍّ مع القيادة الفلسطينية.

أما تبادل الأسرى فيبدو أنه قد ساوى بين القطبين. فعباس هو من يبدو حريصًا الآن على مقاسمة الأضواء مع حماس. وسواءً تولّى ذاك الطرف أم ذاك زمام القيادة، فإن وضع استراتيجيةٍ فلسطينيةٍ بديلةٍ لتجاوز تركة اتفاقات أوسلو لا يعتمد على تدويل القضية الفلسطينية فحسب وإنما على إحياء الحركة الوطنية الفلسطينية أيضًا. ومن دون إبرام مصالحةٍ جادةٍ بين حماس وفتح تقوم على أساس برنامجٍ سياسيٍّ مشتركٍ ويتبعها إشراكٌ للقطاعات المستبعدة من الشعب الفلسطيني على أسسٍ ديمقراطيةٍ، يظل من المستبعد أن يتحقق تقدمٌ كبير على صعيد إحياء الحركة الوطنية.

معين رباني كاتب مستقل ومحلل متخصص في الشؤون الفلسطينية والصراع العربي الإسرائيلي. هو من كبار الباحثين في مؤسسة الدراسات الفلسطينية ، يساهم في تحرير مجلة(Middle East Report)  نُشرت مقالاته في(The National) وهو معلق لدى صحيفة (The New York Times)

في هذه المقالة

أحدث المنشورات

 المجتمع المدني
في شباط/ فبراير 2021، أفادت الحركة العالمية للدفاع عن الأطفال (فرع فلسطين) أن المحققين الإسرائيليين اغتصبوا صبيًّا فلسطينيًّا يبلغ من العمر 15 عامًا أثناء احتجازه. وبدلًا من التحقيق في هذا الادعاء، داهمت القوات الإسرائيلية مكاتب الحركة، ثم صنفتها -إلى جانب خمس منظمات فلسطينية حقوقية أخرى- على أنها «منظمات إرهابية». وعلى الرغم من أن مثل هذه الانتهاكات والحملات القمعية ليست بالأمر الجديد، إلا أنها شكلت نقطةَ تحوُّل تصعيدية فارقة؛ إذ انتقل المشهد من مجرد التضييق على المجتمع المدني الفلسطيني إلى تجريمه صراحةً بدعمٍ ومشاركة كاملين من الولايات المتحدة الأمريكية. في عام 2025، صنّفت إدارة الرئيس دونالذ ترامب ست منظمات فلسطينية بموجب أطر مكافحة الإرهاب، ثم أعقبها تصعيدٌ إضافي تمثل في فرض عقوبات على جماعات حقوقية بارزة على خلفية تعاونها مع المحكمة الجنائية الدولية. ولم تكتفِ هذه الإجراءات باستهداف فاعلين أفراد، بل تجاوزتها لتقوِّض ركائز منظومة المساءلة الدولية نفسها. يرى هذا الموجز السياساتي أن للحملة الأمريكية الإسرائيلية على المجتمع المدني الفلسطيني والقانون الدولي تبعاتٍ عالمية، إذ تهدد الآليات المصممة لكبح جماح عنف الدولة. ويخلص إلى توصيات تُمكّن المنظمات الفلسطينية وحلفاءها من التكيّف، والدفاع عن أنفسهم، ومواصلة السعي نحو العدالة في بيئة تزداد عدائية.
مع تصاعد عدوان الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران، يعمل النظام الإسرائيلي على بناء اقتصاد حرب قادر على دعم حملات عسكرية مستمرة وطويلة مع تقليل احتمالات المساءلة الدولية. في أيلول/سبتمبر 2025، فحثَّ رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الإسرائيليين على التهيؤ لمقاومة العزلة الدولية المتزايدة عبر تحويل البلاد إلى «سوبر إسبرطة»، أي إلى دولة تتبنى النموذج الإسبرطي القائم على خلق مجتمع شديد العسكرة قائم على التعبئة الدائمة، ليكون أكثر تسلّحًا واعتمادًا على الذات، وأقدر على تحمّل الصراعات طويلة الأمد رغم تصاعد الضغوط الخارجية. بالفعل، منذ تشرين الأول/أكتوبر 2023، صاغت القيادة الإسرائيلية توجهًا نحو مزيدٍ من الاستقلالية الاستراتيجية، وشرعت في تنفيذه بشكل انتقائي. وقد طُرح هذا التوجه بوصفه بناءً لاقتصاد حربي أقدر على التصدي لخطر العقوبات، يهدف إلى تخفيف التأثر بالقيود القانونية الدولية، والضغوط الدبلوماسية، وحظر توريد الأسلحة. لكن بدلًا من تحقيق الاكتفاء الذاتي الاقتصادي الوطني الكامل، يتشكل اقتصاد الحرب الإسرائيلي في صورة نظام هجين يجمع بين مسارين متوازيين: تعزيز الإنتاج المحلي في القطاعات الدفاعية الأساسية من جهة، وتعميق الاندماج الانتقائي في شبكات الإمداد العالمية من جهة أخرى. ويهدف هذا الترتيب إلى تقليل قابلية الاقتصاد العسكري للتعرّض للعقوبات عبر توزيع المخاطر ضمن شبكات إنتاج وإمداد عابرة للحدود بدلًا من تركيزها في قناة واحدة يسهل استهدافها بالعقوبات. فبينما تسعى الركيزة الأولى إلى تقوية القاعدة الصناعية الدفاعية محليًا، تعمل الركيزة الثانية على توسيع الروابط الإنتاجية والتكنولوجية عبر الحدود، بما يوزّع نقاط الضعف عبر منظومات إمداد متعددة يصعب تعطيلها بآليات العقوبات التقليدية. وفي هذا السياق، يرى الكاتب أن أدوات المعاقبة الدولية التقليدية -ولا سيما الحظر المجزأ أو غير المنسَّق- أصبحت أقل فاعلية، ما يستدعي تبنّي استراتيجيات تستهدف البنية التحتية المادية ونقاط الاعتماد الأساسية التي يقوم عليها اقتصاد الحرب الإسرائيلي.
أحمد القاروط· 11 مارس 2026
 المجتمع المدني
في 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2025، طرحت الحكومة البريطانية تعديلًا على قانون مكافحة الجريمة وتنظيم العمل الشرطي بهدف تقييد الحق في الاحتجاج والتظاهر تحت ذريعة «التعطيل التراكمي». وقد أصبح مشروع القانون المعدَّل الآن أمام لجنة مجلس اللوردات، حيث يخضع للمراجعة تمهيدًا لإقراره بصورة نهائية. ويعكس هذا التعديل تحوّلًا جذريًّا في نهج الدولة في إدارة الاحتجاجات العامة. ورغم تقديم مشروع القانون بوصفه إجراءً محايدًا لحفظ الأمن العام، فإنه يأتي في سياق موجة الاحتجاجات والتظاهرات المحلية دعمًا لحقوق الفلسطينيين، ويتضمن تعديلات قانونية جديدة تهدد الحريات الديمقراطية الراسخة. تتناول هذه الحلقة النقاشية الدوافعَ السياسية وراء مشروع القانون، وتُحلّل بنيته القانونية، وانعكاساته الأوسع على الحركات الاجتماعية والحريات المدنية في المملكة المتحدة. وتُظهر أن هذه التعديلات تعكس توجّهًا سياسيًا-قانونيًا قد يفضي إلى تقليص حيّز المعارضة في المملكة المتحدة. وفي حين يستهدف هذا التقييدُ بصورة مباشرة التضامنَ مع فلسطين ضمن حملة أوسع للتضييق على حرية التجمّع، ترى المشارِكات في هذه الحلقة النقاشية أن تداعياته المحتملة لن تقتصر على ذلك، بل ستمتد لتطال التنظيمات العمالية، وقضايا العدالة العِرقية، والحراك المناخي، ومجالات المشاركة الديمقراطية الأوسع.