تعقيبسياسة

فرض السلام: ترامب والفلسطينيون

يُمثل اعتراف الرئيس دونالد ترامب بالقدس عاصمةً لإسرائيل ذروة السياسة الخارجية الأمريكية التي شهدتها العقود السبعة الماضية والتي هدفت من خلال عملية السلام إلى فرض حلٍ على الفلسطينيين. في الوقت نفسه انتهجت القيادة الفلسطينية منذ نحو ثلاثة عقود استراتيجيةً تولي الأولوية للمفاوضات والسياسة النخبوية. ركزت تلك الاستراتيجية على ضمان ولاء الفلسطينيين لبرنامجها السياسي من خلال المحسوبية والقمع. تحرَّجت القيادة من التنظيمات والحركات الشعبية المجتمعية أو قوَّضتها، وأوهنت المؤسسات الوطنية الفلسطينية على أمل أن تكافئ الولايات المتحدة وإسرائيل جهودَها، غير أن أملها كان عقيمًا ويزداد يأسًا. وفي الوقت نفسه حرصت سياسات هذه القيادة على استمرار الزمرة المنتفعة من عملية السلام والاحتلال الإسرائيلي. ومع إعلان ترامب، تكشفت نتائج هذه الاستراتيجية الفاشلة بالكامل رغم أنها كانت واضحة منذ زمن.

تعتمد السلطة الفلسطينية على الدعم المالي الخارجي، ولا سيما من الولايات المتحدة. لذا من غير المرجح أن تلجأ في المدى القصير إلى ما هو أكثر من الخطابات، والإجراءات الرمزية، والتهديدات الفارغة. وسوف تستمر في التركيز على النخب الدولية، ولربما تحاول إيجاد وسيطٍ جديد في المفاوضات مع إسرائيل. غير أنه لا يوجد سبب يدعو إسرائيل إلى استئناف المفاوضات في هذا الوقت أو السماح بدخول وسيطٍ جديد. إذا كانت القيادة الفلسطينية جادة في التحول عن حل الدولتين، كما ادعى أحد ممثليها مؤخرًا، فإن الإجراء الأهم الذي يمكن أن تتخذَه هو حلُّ السلطةِ الفلسطينية. وكما أن هذا الإجراء الجذري سيضطر إسرائيل والولايات المتحدة والدول العربية والمجتمع الدولي الأوسع إلى الرد، فإنه سيتطلب من القيادة أن تتخلى عن امتيازاتها ومواقفها. ولكن يبدو ان عدم أرجحية حدوث هذا الأمر أكبر بكثير من دخول وسيطٍ جديد لمفاوضات السلام لتحدي الولايات المتحدة.

إعلان ترامب: حصيلة سبعة عقود

يمكن تقسيم عملية السلام فعليًا إلى فترتين. تمتد الأولى من نهاية حرب فلسطين 1948 والنكبة إلى منتصف عقد السبعينات، وفيها سعت الولايات المتحدة إلى تجاهل القضية الفلسطينية بالتركيز على الدول العربية. وعومل الفلسطينيون كمشكلة إنسانية ينبغي حلها دون مشاركتهم، وليس كقضية سياسية تشملهم كطرفٍ في المفاوضات.

وعلى الرغم من أن الدول العربية قبلت عمومًا بإبرام اتفاق سلام مع إسرائيل طالما أمكن حل مشكلة اللاجئين الفلسطينيين، فإن إسرائيل لا تزال العقبة الرئيسية الحائلة دون ذلك. ازداد التعنت الإسرائيلي بعد حرب 1967 واحتلال الضفة الغربية والقدس الشرقية وقطاع غزة وشبه جزيرة سيناء وهضبة الجولان. وفي أعقاب حرب حزيران/يونيو 1967، شددت الولايات المتحدة على مفاوضات "الأرض مقابل السلام"، ولا سيما مع مصر والأردن. واستمرت في تجاهل المنظمات السياسية الفلسطينية الناشئة، بما فيها حركة فتح التي هيمنت في نهاية المطاف على منظمة التحرير الفلسطينية.

فكرة أن الولايات المتحدة 'وسيط نزيه' ليس لها أساس من الصحة في الواقع التاريخي Click To Tweet

بعد الحرب العربية الإسرائيلية في تشرين الأول/أكتوبر 1973، بَدَت واشنطن أكثرَ استعدادًا لتصويب المظالم الفلسطينية. ولكنها في الفترة الثانية من عملية السلام، سَعَت إلى الحد من مشاركة الفلسطينيين أو تقويضها في المفاوضات. في العلن، تحقق ذلك من خلال فرض متطلبات على منظمة التحرير الفلسطينية لإثبات ملاءمتها كشريك في المفاوضات، حيث أصرَّت واشنطن على أن تقبل المنظمة قراري مجلس الأمن 242 و338 وتعترف بإسرائيل. وفي السر، نسَّقت الولايات المتحدة وإسرائيل المفاوضات، ووافقت واشنطن على تأييد موقف إسرائيل إزاء القضايا الرئيسية، أو رضخت له. وهكذا، طلبت واشنطن من منظمة التحرير الفلسطينية أن تقدِّم تنازلات كبيرة فقط كي تشارك في المفاوضات دون أي ضمانات لنجاحها. وضمنت الاتفاقات السرية والتنسيق بين الولايات المتحدة وإسرائيل أن يتم أي اتفاق على حساب الفلسطينيين.

خرافة الوسيط الصادق

دأب الدبلوماسيون وصناعو السياسات والإعلاميون الأمريكيون على الترويج للولايات المتحدة "كوسيط نزيه" خدمةً لمصالحهم. ولكن هذه الفكرة ليس لها أساس من الصحة في الواقع التاريخي للصراع العربي الإسرائيلي وعملية السلام. إن دور واشنطن الخارج عن حجمه هو انعكاس لمكانتها باعتبارها القوة العظمى الوحيدة التي رسمت ملامح النظام العالمي والمؤسسات الدولية في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية. غالبًا ما يُساء فهمُ حقبةِ الحرب الباردة ومقدارِ تأثير الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي في الساحة العالمية. فعلى الرغم من أن الدولتين كانتا متنافستين، كانت واشنطن، وما تزال، أكثر قوةً وتأثيرًا من موسكو سياسيًا واقتصاديًا وعسكريًا.

على الرغم من تراجع موقف أمريكا الدولي في أوائل السبعينات بسبب حرب فيتنام، إلا أن الحرب العربية الإسرائيلية في تشرين الأول/أكتوبر 1973 منحت واشنطن فرصةً لتأكيد نفوذها في الشرق الأوسط من خلال عملية السلام. لم تكن الولايات المتحدة وسيطًا نزيها في نظر الدول العربية والفلسطينيين، بل كانت القوة الوحيدة القادرة في نظرهم على حمل إسرائيل على تقديم تنازلات. وكان الرئيس ريتشارد نيكسون ووزير الخارجية ومستشار الأمن القومي هنري كيسنجر هما مَن روَّج فكرة أن الولايات المتحدة تستطيع المساعدة في إحلال السلام بمعية إسرائيل، حيث سَعَيا إلى احتواء نفوذ الاتحاد السوفييتي في المنطقة ودوليًا. وقد تجلى ذلك في سياسات كيسنجر المدروسة تجاه عملية السلام والتي هدفت إلى إقصاء موسكو عن المفاوضات وكسر الموقف التفاوضي العربي الموحد.

أيدت اتفاقات كامب ديفيد المبرمة عام 1978 ومعاهدة السلام الموقعة بين مصر وإسرائيل استراتيجيةَ كيسنجر التي اعتمدتها الإدارات الأمريكية اللاحقة وتأثرت بها. وعلى الرغم من أن واشنطن استطاعت المساعدة في إحلال السلام بين مصر وإسرائيل، فإن ما يُغفل غالبًا هو أن التنازلات الإسرائيلية جاءت على حساب الفلسطينيين الرازحين تحت الاحتلال. ولم يُفضِ اتفاق كامب ديفيد إلى محادثات سلام لاحقة، كما كان يأمل الرئيس جيمي كارتر، ولا إلى تنازلات إسرائيلية إضافية عن الأرض.

رسَّخت اتفاقات أوسلو هذه السياسات. ولم تشارك واشنطن في المفاوضات الأصلية ولا في إعلان المبادئ الصادر عام 1993. بل حين احتكر الرئيس بيل كلينتون العملية، تأجلت مفاوضات الوضع النهائي قبل أن تنهار في نهاية المطاف. وكما الإدارات الأمريكية السابقة، قامت إدارة كلينتون بالتنسيق علنًا وسرًا مع إسرائيل، حيث اتفقت إدارة كلينتون سرًا مع رئيس الوزراء آنذاك والحالي، بينيامين نتنياهو، على مناقشة أي مقترحات أمريكية مع إسرائيل قبل عَرضها على الفريق الفلسطيني المفاوض.

وعلى الرغم من أن الفلسطينيين حصلوا أخيرًا على مقعد في المفاوضات على قدم المساوة تقريبًا مع الإسرائيليين، دُعي رئيس منظمة التحرير الفلسطينية ياسر عرفات لزيارة البيت الأبيض في عهد كلينتون مرات عديدة، وسَعَت واشنطن مجددًا إلى فرض اتفاق سلام. وكان من المتوقع أن ينصاع عرفات والسلطة الفلسطينية حديثة العهد إلى سلامٍ غيرِ مُرضٍ واحتلالٍ مستمر لأجل إقامة دولةٍ ذات بُهرج ولكن دون سيادة حقيقية. ورغم المبالغة في وصف "العرض السخي" المطروح في كامب ديفيد سنة 2000، أَبَت إسرائيلُ ورئيسُ وزرائها آنذاك، إيهود باراك، القبولَ حتى بدولةٍ فلسطينية شكلية وقدسٍ مقسمة. وأُلقي اللوم في فشل مفاوضات الوضع النهائي على الفلسطينيين وعرفات، وكان ذلك مواتيا، بيد أن جذور ذلك الفشل ترجع إلى نهج واشنطن الثابت تجاه عملية السلام منذ انطلاقها.

دور السياسة الأمريكية

مع أن الولايات المتحدة تتبوأ مكانةً متفوقةً على الساحة العالمية، فإن سياستها الداخلية ضيقة ومحكومة بدورتين انتخابيتين تُجرى كل سنتين وأربع سنوات. أما مقتضيات جمع التبرعات للحملات الانتخابية لمنصب الرئاسة ومقاعد الكونغرس فتُتَرجم إلى نفوذٍ كبير يمارسه المانحون البارزون في قضايا السياسة العامة، بما فيها العلاقات الخارجية. وقد تجلى ذلك في رغبة المرشحين الرئاسيين، مثل باراك أوباما في 2008، في الإعلان بأن القدس ينبغي أن "تبقى عاصمة إسرائيل، وأن تظل غير مقسمة" أثناء الانتخابات ولكن مع تأجيل اتخاذ إجراء إلى حين التوصل إلى اتفاق نهائي.

ساهمت نتائجُ استطلاعات الرأي الكئيبة حول أداء ترامب وشحُّ إنجازاته في اتخاذه القرار بشأن القدس Click To Tweet

ساهمت نتائجُ استطلاعات الرأي الكئيبة بخصوص أداء ترامب وشحُّ إنجازاته بعد مِضي عام تقريبًا على رئاسته في أن يتخذَ القرار بشأن القدس. فقراره قد يدعم حظوظ الحزب الجمهوري في الاحتفاظ بأغلبية المقاعد في انتخابات التجديد النصفي المقررة في 2018 ويحيي آمالَ ترامب في انتخابه مرةً أخرى في 2020، إذ إن من المرجح أن يتحسن موقفُ ترامب بفضل هذا الإعلان لدى قاعدة الحزب الجمهوري من المسيحيين الإيفانجليّين، وبعض الشخصيات البارزة التي سرعان ما أشادت بالإعلان حال صدوره. سيرضي هذا الاعلان أيضا المانحين الرئيسيين مثل شيلدون أديلسون، أحد كبار داعمي المستوطنات الإسرائيلية. وبما أن القرار حظي بدعم الحزبين، حتى من شخصيات قيادية في الحزب الديمقراطي، فإنه قد يجعل ترامب والحزب الجمهوري أكثر جاذبية للناخبين المناصرين لإسرائيل في الولايات الرئيسية التي تشهد تنافسًا متزايدًا في الانتخابات بسبب تغير ديمغرافيتها.

مناورات إقليمية

ظل الفلسطينيون، باعتبارهم فاعلًا ضعيفًا ليسَ بدولة، عرضةً للتأثر بالديناميات الإقليمية وسياسات القوى العظمى. وشملَ ذلك أنظمةً معادية للقومية الفلسطينية، كما في الأردن، وأنظمةً سعت للتلاعب بالأحزاب السياسية الفلسطينية المتنافسة خدمةً لتطلعاتها وجداول أعمالها الإقليمية مثل مصر وسوريا والعراق. وكثيرًا ما سعت واشنطن للضغط على القيادة الفلسطينية من خلال الدول العربية، وكان لذلك نتائج متباينة.

قد تحاول المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة، سعيًا لتعزيز التحالف ضد إيران والذي يضم إسرائيل، إلى إجبار محمود عباس والقيادة الفلسطينية على القبول باتفاق سلام. لكنهما سيدركان، كما أدرك متأخرًا زعماء عرب آخرون، أن العائق ليس رام الله، بل إسرائيل التي تنتزع كل التنازلات ثم تطالب بالمزيد وتُحبط المفاوضات التي من شأنها أن تُفضي إلى قيام دولة فلسطينية. إن إعلان ترامب بشأن القدس، الذي يحظى على ما يبدو بموافقة ضمنية من الرياض وعواصم عربية أخرى، هو بمثابة مكافأة لإسرائيل على تعنتها وذلك على حساب الفلسطينيين الرازحين تحت الاحتلال وفي الشتات.