تعقيبسياسة

فلسطين من الرؤية إلى الواقع

هل يمكننا أن نتصور فلسطين وهي محررة من نظام الفصل العنصري الإسرائيلي والاحتلال العسكري والهيمنة الاقتصادية وهدم المنازل والاعتقالات التعسفية - ومن التهديد بالمنع من دخولها أو التعرض للمضايقة عند العودة إليها؟ أنا يمكنني، ولعل الأهم هو أن جيل بناتي يمكنه ذلك. غير أن التحدي يكمن في كيفية الانتقال من الواقع الراهن إلى تحقيق هذه الرؤية.

فيما يلي نبذةٌ عن بعض العِلل التي تشوب الحالة الفلسطينية، كما تُرى من رام الله ولكن بعين الفلسطينيين قاطبة:

اقتصادٌ مُجبَر هيكليًا على الاعتماد على الاقتصاد الإسرائيلي والمساعدات الدولية والانضواء تحتهما، وهو غير قادرٍ على استغلال موارده كالغاز الطبيعي في البحر قبالة قطاع غزة، والطيف الكهرومغناطيسي، والمحاجر.

موظفو الوكالات المانحة حبيسو السوق الفلسطينية القائمة بالأساس على المعونة والعاجزة عن بناء نظم رعاية صحية فاعلة، أو تحديث النظام التعليمي كي لا تُضطر المدارس للعمل على نوبتين في اليوم، أو التخطيط للقطاعات الاقتصادية التنافسية التي بوسعها أن تنافس في الأسواق العالمية.

المنظمات غير الحكومية المحلية والدولية غارقةٌ في عالم طلبات مقترحات المشاريع، والأطر المنطقية، والتقارير المرحلية، وتقارير المراجعة، وتقارير الرصد والتقييم. ومعظمها لا يعرف عالمًا آخر، وموظفوها يعملون من أجل تسديد قروضهم العقارية ناهيك عن قروض سياراتهم، ومدارس أبنائهم، وهواتفهم المحمولة، وأجهزتهم المنزلية.

وما هذه سوى غيضٍ من فيض المشاكل المتراكمة بعد 65 عامًا من التهجير القسري و46 عامًا من الاحتلال العسكري و20 عامًا من فشل معاهدات أوسلو للسلام.

دأبت الإدارات الأمريكية المتعاقبة منذ عام 1948 على منح إسرائيل المعونة الاقتصادية والعسكرية والمساعدة السياسية دون شروطٍ تُذكَر على الرغم من بعض المعارضة داخل أروقة السلطة.

وعلى سبيل المثال، عارض ممثل الولايات المتحدة في مجلس الأمن، وارن أوستن، في 19 آذار/مارس 1948 خطة التقسيم داعيًا إلى "وصاية مؤقتة على فلسطين... للحفاظ على السِلم ومنح يهود فلسطين وعربِها، الذين يجب أن يعيشوا معًا، فرصةً أخرى للتوصل إلى اتفاق بشأن الحكومة المستقبلية لهذا البلد." بل إن الوفد الأمريكي بأسره كان مستعدًا للاستقالة بعدما اعترف البيت الأبيض، الذي باع نفسه فعليًا للحركة الصهيونية، بإسرائيل بحكم الأمر الواقع في 14 أيار/مايو 1948 بعد دقائق على إعلان إسرائيل استقلالَها.

لكنَّ مَن يكتب التاريخ في الغالب ليس المعارضون، للأسف. ومنذ ذلك اليوم الأسود في عام 1948، اصطفت الولايات المتحدة مع الجانب الخطأ في التاريخ. ولكن من الأهمية بمكان أن نتذكر أن المعارضين بوسعهم بناء القدرة على تغيير مجرى التاريخ الذي يفرضه الأقوياء.

إن الخطوة الأولى في تحقيق رؤية المستقبل لا بد أن تُفنِّد الخرافات المعاصرة المتعلقة بالسلام والعدالة والتنمية في فلسطين.

الخرافة رقم 1: الاعتقاد بأن العالم يستطيع تجاهل غالبية الشعب الفلسطيني التي لا ترزح تحت الاحتلال العسكري والتظاهر بإحراز تقدم. فسواءً كان الفلسطينيون في القدس أم الجليل أم لبنان أم الولايات المتحدة الأمريكية، فهم لن يتلاشوا أبدًا ولن يقبلوا بمصيبتهم كلاجئين ومنفيين، أو مواطنين من الدرجة الثانية في إسرائيل، أو مشردين داخليًا في إسرائيل والأراضي المحتلة، أو محاصرين في ظل حكمٍ عسكري، أو مُجبَرين على العيش في الشتات.

الخرافة رقم 2: الاعتقاد بأن إغداق المال على المشكلة السياسية يمكن أن يحلها. لأن المال لن يستطيع حلها. ففي مراحلها الأولى، كان المسألة مسألة بضع مئات الآلاف من الدولارات، ثم بضعة ملايين، ثم عشرات الملايين. والآن أصبحت الملايين مليارات بعد أن تسببت انتهاكات إسرائيل لحقوق الإنسان على مدار عقود بأضرارٍ هيكلية في المجتمع الفلسطيني وذلك باعتراف البنك الدولي نفسه في الآونة الأخيرة.

فلو حوسِبت إسرائيل وفقًا للقوانين والقواعد الدولية، لاستطاعَ الفلسطينيون كسب قوتِهم بأيديهم بما في ذلك داخل السجن الكبير، غزة، المُكرَهةِ على العيش تحت وطأة كارثةٍ إنسانية قسرية. ومع ذلك، لا تزال المعونة تُضَخَّ في هذه القِربة المخروقة دون طائل.

الخرافة رقم 3: الاعتقاد بأن نموذج الدولتين الفاشل يمكن أن ينجح بينما ترفضه إسرائيل وتُحدِثُ الوقائع على الأرض في كل يوم لتحرصَ على ألا يرى هذا النموذج النور أبدًا. وفي الجانب الآخر، لا يقف الفلسطينيون مكتوفي الأيدي وهم يشاهدون حقوقهم تتلاشى شيئًا فشيئًا بسبب التطهير العرقي.

الخرافة رقم 4: الاعتقاد بأن الفلسطينيين يستمدون تعريفهم حصرًا من نضالهم. فذلك ليس صحيحًا على الإطلاق، فالشعب الفلسطيني يواجه التشتيت القسري ولكنه يبقى واحدًا بثقافةٍ مزدهرة وإنجازات علمية وإبداعات في مجال الأعمال أينما كان وحلّ.

تقتضي مواجهة هذه الخرافات العملَ على جبهات عديدة. وهناك فلسطينيون كثيرون يعملون على الصعيد السياسي. وفي داخل فلسطين وحول العالم، ما فتئوا يُشكِّكون في الشرعية الشعبية لقيادتهم التي انتهت صلاحيتها وانهارت برامجها السياسية منذ أمدٍ بعيد. ويبحث هؤلاء عن طُرقٍ للتنظيم بطريقة مختلفة ويسعون لتحدي قيادتهم.

وفي الوقت نفسه، يواصل الفلسطينيون وأنصارهم مقاومةَ الاحتلال والتمييز بتصميم وتطوير أدوات أكثر فاعلية لتحدي جوهر الاحتلال والتمييز لا الاقتصار على التركيز على الانتهاكات المنفصلة. وفي هذا الصدد، وضعت الحركة الشعبية لمقاطعة إسرائيل وسحب الاستثمارات منها وفرض العقوبات عليها وسيلةً فعالة، ولكن لا يزال هناك الكثير ينبغي عمله.

ثمة حاجةٌ لتوسيع دائرة التصدي لهذه الانتهاكات الحقوقية في الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي، كالانتقال من سحب الجامعات والكنائس لاستثماراتها في إسرائيل إلى إخراج السندات الحكومية الإسرائيلية من المحافظ الاستثمارية المملوكة لخزائن البلديات والولايات الأمريكية وتسريع وتيرة الخطوات الأوروبية الحذرة المتمثلة في وضع علامات على منتجات المستوطنات من أجل تعليق اتفاقية التجارة بين الاتحاد الأوروبي وإسرائيل.

وثمة حاجةٌ مماثلة للتوقف عن النظر إلى السياسة والاقتصاد من منظورين منفصلين. فالعاكفون على التخطيط للمستقبل الفلسطيني كثيرون، وكل واحدٍ منهم لديه خطة للفلسطينيين: إسرائيل، والبنك الدولي، وتوني بلير واللجنة الرباعية، ومعهد راند، على سبيل المثال لا الحصر. وبالطبع هناك وزير الخارجية الأمريكي جون كيري الذي ينبري في الوقت الراهن لرعاية المفاوضات بخطته المموَّلة بأربع مليارات دولار والتي تُصرُّ على خطة التقسيم المشؤومة رغم أن تصرفات إسرائيل على أرض الواقع جعلت من حل الدولتين أمرًا شبه مستحيل.

لقد حان الوقت لكي ينبري الفلسطينيون حول العالم والمتضامنون معهم للملف الاقتصادي. فالاستثمار الاقتصادي بوجهه الصحيح هو شكلٌ من أشكال المقاومة اللاعنفية - وليس "الاستثمار الإيجابي" الذي تروِّج له إسرائيل ومؤيدوها من أجل تعكير المياه ومواجهة حركة المقاطعة، بل الاستثمار الذي يُمكِّن الفلسطينيين من البقاء في أرضهم والعمل من أجل الحرية والعدالة والمساواة.

كلُّ فرصة عمل تُستَحدَث في فلسطين اليوم لا ينبغي أن تكون لأجلِ "النمو" بل لأجل الصمود، أي لا بد لها من أن تُبقي العائلات في أرضها وتُشرِكها على نحو بنَّاء. فجوهر هذا الصراع يتمثل في الشعب كما في الأرض. فالأرض ضمَّتها إسرائيل واحتلتها واستوطنتها واستنزفتها وحاصرتها وجزأتها – وهي حكايةٌ لا تنفك تُروى. ولكن الصعوبة أكبر في وصف فقدان الأمل، والبطالة، والفقر، وسوء التغذية، والكثير من المصاعب الأخرى التي يعانيها المهجَّرون والمجرَّدون من أملاكهم.

ولهذا السبب يجب على الناشطين الفلسطينيين وحركة التضامن الدولية أن ينكبوا على العمل على تطوير الاقتصاد الفلسطيني من خلال الاستثمار في الأعمال التجارية في فلسطين، الصغيرة منها والكبيرة، ودعمها وربطها بالأعمال التجارية حول العالم. ويجب القيام بالشيء ذاته مع نظام الرعاية الصحية والنظام التعليمي.

عندما ينظر الجيل الأصغر سنًا إلى عقودٍ خلت من النضال الفلسطيني لنيل الحرية والعدالة، فإنه لا يرى سوى بضعة محاور عريضة تتمثل في الكفاح المسلح الذي فشل في انتزاع الحقوق الفلسطينية من قوةٍ عسكريةٍ مسلحة من الطراز العالمي؛ والقانون الدولي الذي يُردِّد قرارات الأمم المتحدة؛ والانتفاضة الأولى التي بددتها القيادة الفلسطينية والقوى العالمية؛ والمفاوضات الثنائية التي انطلقت عند 100,000 مستوطن وانتهت عند زُهاء 600,000 وتجزئة ما تبقى من أرض فلسطين.

الكثيرُ من الشباب الفلسطيني ينظر إلى الواقع ويقول: ربما نحن ضِعاف ولا نقوى على إقامة دولة؛ وكل ما نحتاجه فعلًا هو حقوقنا. ولعلهم قريبًا جدًا سينظرون إلى إسرائيل ويقولون: لقد انتصرتِ، وستأخذين كل شيء: الضفة الغربية والقدس وغور الأردن والمستوطنات والمياه والطيف الكهرومغناطيسي والمجال الجوي. ولكن ستأخذينا نحن كذلك، وكل ما نريده هو المساواة أو لا شيء، كما قال الراحل إدوارد سعيد بكل بلاغة.

وبغض النظر عن الترتيبات السياسية في نهاية المطاف، فإن مَن يظن أن الفلسطينيين، كلَّ الفلسطينيين، سوف يقبلون بأقل من الحرية والمساواة في وطنهم، فإن عليه أن يقرأ تاريخ العالم من جديد.

Wait!

Before you go, sign up to receive the latest Palestinian policy analysis straight in your inbox: