المقال - كيف يمكن لجهود المصالحة الفلسطينية إنقاذ المشروع الوطني؟

لمحة عامة

خرج اجتماع المصالحة الوطنية الذي انعقد بمشاركة كافة الفصائل السياسية الفلسطينية في القاهرة يومي 21 و22 تشرين الثاني/نوفمبر 2017 ببيان يشير إلى اتفاقات المصالحة السابقة ويدعو إلى تفعيل اللجان العديدة التي لم تحرز إلى الآن نتائج جادة ومجدية. ومن المعلوم أن حكومة السلطة الفلسطينية عادت إلى ممارسة أعمالها في وزارات غزة ومؤسساتها بناءً على اتفاق تشرين الأول/أكتوبر الموقع بين فتح وحماس في القاهرة برعاية الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، وقد أبدت حماس نوايا حسنة وإيجابية.

غير أن اجتماع القاهرة ليس سوى دلالة على ضعف الحركة الفلسطينية وعجزها عن التعامل مع الضغوط الداخلية والدولية على حد سواء. فباستثناء الفتح المحدود حتى الآن لمعبر رفح من الجانب المصري، لم يطرأ أي تحسن ملموس على حياة الفلسطينيين في قطاع غزة من حيث حصولهم على الخدمات الأساسية كالكهرباء، والمياه النظيفة والصرف الصحي، والرعاية الصحية، وإعادة الإعمار. ولكي ندرك مدى صعوبة تحقيق الوحدة الوطنية، يجدر بنا أن نبحث في تعقيدات القضايا التي يتوجب على فتح وحماس حلها، وأن نتحرى كذلك الأهداف الإسرائيلية في هذا الصدد.

ماذا تريد إسرائيل؟

تعتقد إسرائيل أن محاولة المصالحة الحالية سوف تفشل كسابقاتها الإحدى عشر (التي ساهمت إسرائيل في إفشالها). ولكن لو نجحت هذه المحاولة، فإن إسرائيل تنتظر لترى كيف ستسير الأمور وكيف سيطبق مفهوم المصالحة على الأرض وكيف ستوظفه لخدمة مصلحتها الأمنية في المقام الأول. تريد إسرائيل أن ترى السلطة الفلسطينية تسيطر سيطرةً مطلقة على القطاع، وتطبق فيها السياسات ذاتها التي تطبقها في الضفة الغربية ولا سيما فيما يتعلق بالتنسيق الأمني ومنع النشاط المعادي لإسرائيل.

سوف تستعيد إسرائيل في هذا السيناريو السيطرةَ الأمنية المطلقة على قطاع غزة ولن تضطر إلى تقديم تنازلات (وإنْ كانت لفترة قصيرة) مقابل هدنة مع حماس والجهاد الإسلامي وحلفائهما في الميدان. ومن شأن سيطرة القوى الأمنية التابعة للسلطة الفلسطينية على المعابر الحدودية أن تكفلَ الاستقرار في المستوطنات الإسرائيلية المتاخمة لغزة، وتحول دون تهريب الأسلحة إلى القطاع، وتدفع باتجاه التخلص من سلاح المقاومة بأيدي فلسطينية داخلية.

يدرك الجانب الإسرائيلي أن رئيس السلطة الفلسطينية، محمود عباس، لن يقبل بوجود أسرى إسرائيليين في المنطقة التي يسيطر عليها، وهذا قد يؤدي لإحداث اختراق في ملف مفاوضات تبادل الأسرى بين حماس وإسرائيل تحت الرعاية المصرية، وهذا سيكون نصرًا لنتنياهو في هذا الملف الذي لطالما أرَّق حكومته المتهمة بالاستهتار وعدم المبالاة بمصير الإسرائيليين الأسرى المحتجزين لدى حماس وباستعادة رفات جنديين إسرائيليين قُتلا إبان العدوان الإسرائيلي على غزة في 2014.

أي اتفاق مصالحة لا يلبي الشروط الإسرائيلية سوف يواجه مصاعب جدية Share on X

لقد عززت إسرائيل موقفها في مفاوضات الأسرى في الآونة الأخيرة بعد أن احتجزت جثامين خمسة فلسطينيين من أصل اثني عشر قتلتهم في أواخر تشرين الأول/أكتوبر في تفجير نفق شرق خان يونس ضمن “المنطقة العازلة” العريضة التي أنشأتها بمحاذة حدودها مع غزة. وكانت تلك الضربة أيضًا رسالةً من إسرائيل إلى الفلسطينيين بأن أي اتفاق مصالحة لا بد وأن يتعامل مع قضية الأنفاق.

إذا فشلت السلطة الفلسطينية في نزع سلاح حماس، تستطيع إسرائيل أن تجمد علاقتها بالسلطة الفلسطينية في أي وقت متذرعةً بغياب الشريك الفلسطيني الساعي للسلام. بل إنها قد تزعم أن السلطةَ الفلسطينية متواطئةٌ مع حماس. وباختصار، أي اتفاق مصالحة لا يلبي الشروط الإسرائيلية سوف يواجه مصاعب جدية وسوف يفشل على الأرجح ويظل يبدأ من الصفر.

تعقيدات ملفات المصالحة

بعيدًا عن العوائق الإسرائيلية، تزداد تعقيدات القضايا التي يجب أن تحلها فتح وحماس من أجل تحقيق المصالحة. تتمحور هذه القضايا حول المحاور الأربعة التالية:

المحور الأول هو تشكيل حكومة وحدة وطنية. فمن المستبعد أن تمتثلَ حماسُ لشروط الرباعية الدولية (الولايات المتحدة وروسيا والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة) وتعترفَ بإسرائيل، وتتعهد بنبذ العنف، وتقرَّ اتفاقات السلام السابقة. ويخشى بعض الفلسطينيين من أن الشعب الفلسطيني بأسره، وليس فقط الفلسطينيون في غزة، سوف يخضع لعقوبات وحصار جديد إذا أصرت حماس على رفض شروط الرباعية.

حتى إذا افترضنا في أفضل السيناريوهات أن المجتمع الدولي وإسرائيل مستعدان لغض الطرف عن مشاركة حماس في حكومة وحدة وطنية، وخصوصًا إذا ضمت تلك الحكومة شخصيات مقربة لحماس ولكن ليست من أعضائها، فإن الخطورة ستكمن في إمكانية نشوء نظام ثنائي لإدارة المؤسسات الحكومية تتقاسمه فتح وحماس، وتُستبعد منه النخب والكفاءات الفلسطينية المستقلة والفصائل الأخرى. وفي مذكرة سياسية صدرت مؤخراً عن الشبكة، حذر المحلل السياساتي خليل شاهين من مزالق إقامة مثل هذا النظام ومخاطر إعادة تأجيج قضايا خلافية على كيفية إدارة المؤسسات الحكومية.

الإصلاح الحقيقي لمنظمة التحرير الفلسطينية يكون بإصلاح بُنيتها وضمان مشاركة كاملة للفلسطينيين كافة Share on X

تجدر الإشارة إلى أن البيان الصادر من اجتماع القاهرة الذي اختتم للتو ينص على أن كل شيء سوف يُنفذ بموجب الاحترام التام للقانون. غير أن العديد من القوانين التي سنتها حماس والنظم التي وضعتها إبان سنوات الانقسام العشر تنتهك القانون. وسوف يكون من الصعب التوافق على هذه النقطة.

المحور والعائق الثاني الأبرز أمام المصالحة هو الانتخابات الرئاسية والتشريعية بالرغم من تصدرها جدول أعمال الاتفاق. فلم تنسَ حماس تجربتها السابقة في 2006 حين فازت في الانتخابات التشريعية ثم حُرمت حقَّها في ممارسة صلاحياتها. وما زال عدد من برلمانيها الذين اعتقلوا عقب الانتخابات مباشرة أسرى في سجون الاحتلال. وبالتالي فان مشاركة حماس في أي انتخابات قد يتطلب ضمانات داخلية من السلطة وخارجية من المجتمع الدولي للاعتراف بنتائج الانتخابات بغض النظر عن الفائز فيها. غير أن الوثوق بهذه الضمانات سيشكل تحديًا لأن السلطة الفلسطينية التي تسيطر عليها فتح سوف تراهن على خسارة حماس في الانتخابات.

المحور والعائق الثالث هو إصلاح منظمة التحرير الفلسطينية. عبَّرت وثيقة المبادئ والسياسات العامة التي أعلنها الرئيس السابق للمكتب السياسي لحركة حماس خالد مشعل في الدوحة في شهر أيار/مايو المنصرم عن موقف إيجابي لحماس تجاه منظمة التحرير، بيد أن حماس ما زالت على مواقفها السابقة من أوسلو وحقها في مقاومة الاحتلال بكل الوسائل ورفضها التنسيق الأمني مع إسرائيل. وتؤمن حماس أيضًا بأن حركة فتح استفردت بصنع القرار داخل منظمة التحرير منذ تأسيسها. ولكن الإصلاح الحقيقي للمنظمة لا يكون بانضمام حماس أو الجهاد الإسلامي إليها، وإنما بإصلاح بنية المنظمة وضمان مشاركة كل الفلسطينيين في فلسطين وخارجها في عملية صنع القرار. يقتضي الإصلاح الحقيقي كذلك برنامجًا سياسيًا تشاركيًا يحول دون التفرد في اتخاذ القرارات المصيرية، وتأسيس قيادة جامعة للشعب الفلسطيني بكل مكوناته عوضًا عن القيادة التقليدية التي تعرقل مبادرات الإصلاح.

لا يجب على الفلسطينيين إنهاء الانقسام وحسب، بل عليهم أيضًا حماية المشروع الوطني الفلسطيني Share on X

المحور الرابع هو قضية المقاومة وسلاحها. ترفض السلطة الفلسطينية وجود سلاح غير سلاحها الرسمي، وترفض تطبيق نموذج حزب الله في لبنان، أي وجود حركة مقاومة داخل الدولة. وفي المقابل، ترى حماس في سلاحها أداةً للتحرير، وترفض نزعه قبل تحقيق التحرير وإقامة الدولة الفلسطينية. وهذا الملف سوف يشكل عقبةً أساسيةً أمام إتمام المصالحة إذا لم يتم التفاهم على إيجاد صيغة مناسبة.

سُبل حماية المشروع الوطني

تمر القضية الفلسطينية بمنعطفٍ خطير نتيجة المتغيرات الإقليمية والدولية. يُعزى السبب الرئيس في الخلاف على الساحة الفلسطينية إلى الخلاف على ماهية البرنامج السياسي الواجب اتباعه قبل أن يكون خلافًا على تقاسم الحكم والحكومة، وقد أثبتت التجربة فشلَ البرنامجين في تحقيق الحقوق الفلسطينية. وإن من الأهمية بمكان أن تتوصل الأطراف إلى توافق في الآراء إزاء برنامج سياسي مشترك يُبنى عليه اتفاقٌ وطني شامل للكافة. وفيما يلي بعض المقترحات في هذا الصدد:

  • إعادة تنظيم العلاقة بين مؤسسات ومكونات النظام السياسي الفلسطيني عموماً من أجل تحديد نطاق الصلاحيات والوظائف السياسية لمنظمة التحرير الفلسطينية من جهة والسلطة الوطنية الفلسطينية من جهة أخرى. وهذا يتطلب إعادة النظر في تمثيل الفصائل والمنظمات الفلسطينية داخل النظام لضمان تمثيل حقيقي ومشاركة أكبر في صناعة السياسات.
  • صياغة آليات للمشاركة السياسية عبر الاحتكام للانتخابات. فعقد انتخابات دورية حرة ونزيهة هو ضمان للمساءلة والمراجعة، وأيضا مانع لتكرار نموذج السيطرة والتفرد والإقصاء الذي استمر لعقود طويلة.
  • تفعيل المشاركة المجتمعية في صناعة القرار الوطني الفلسطيني عبر الاستعانة بآراء وخبرات مراكز البحث والتفكير، ومؤسسات المجتمع المدني وهيئات الحكم المحلي والنقابات والهيئات الشعبية، وتأسيس هيئات رقابة على الحكم والحكومة.
  • التواصل مع الشعب الفلسطيني حيثما وجد، في مخيمات الشتات وخارجها، لضمان تمثيلهم بما يتناسب وثقلهم السياسي والاقتصادي، وتفعيل العلاقة معهم وإشراكهم في البرامج الوطنية.

ينتفع الاحتلال الإسرائيلي من الانقسام الفلسطيني، ويستغله للتفرد بالشعب الفلسطيني والتهرب من أي استحقاق للسلام. ولمواجهة الاحتلال واستعادة قوة الفعل الفلسطيني في كفاحه من أجل تقرير المصير والتحرر والاستقلال وإقامة دولته المستقلة ذات السيادة وعاصمتها القدس، فإنه لا يجب إنهاء الانقسام وحسب، بل تجب حماية المشروع الوطني الفلسطيني الذي يتعرض الآن لمحاولات جادة من إسرائيل والولايات المتحدة وبعض الدول العربية لفرض حلولٍ إقليمية أو “سلام اقتصادي”.

إن الجهود الراهنة المبذولة لتوحيد النظام السياسي ومؤسسات الحكومة الفلسطينية هي خطوات أولى مهمة على طريق إنهاء الانقسام. وهذا يتطلب قناعة الطرفين بأن الانقسام لم يعد يحتمل الاستمرار، وأن المخاطر المحدقة بالقضية الوطنية هي مخاطر حقيقية، وأن الشعب الفلسطيني يرفض الهيمنة والتفرد، ويجب على الطرفين أيضًا أن يدفعا باتجاه حل القضايا الباقية مهما بلغت صعوبتها وتعقيداتها.

وجيه ابو ظريفة صحفي وباحث وأستاذ للعلوم السياسية في غزة وزميل معهد السياسة في جامعة شيكاغو. حاصل على درجة الدكتوراة من معهد البحوث والدراسات العربية بالقاهرة...
في هذه المقالة

أحدث المنشورات

 السياسة, المجتمع المدني
في ظل حرب الإبادة على غزة، والمخاوف الصهيونية من تكرار سيناريو هبة أيار في الداخل الفلسطيني المحتل، صعدت حكومة الاحتلال من قمعها للفلسطينيين في الداخل حيث اعتقلت المئات تحت ذرائع مختلفة. صاحب ذلك كله ازدياد ملحوظ في الرقابة وتجريم المحتوى الفلسطيني على المنصات الرقمية وإطلاق حملات تحريض وشيطنة ممنهجة ضد الفلسطينيين سواء على المستوى الصهيوني الرسمي أو الاجتماعي. ما الذي يفسر ضعف التحرك السياسي والاجتماعي في الداخل منذ السابع من أكتوبر مقارنة بهبة أيار؟ وكيف يمكننا كفلسطينيين في الداخل والضفة الغربية من تعميق التعاون مع بعض لمساندة غزة؟
In this policy lab, Nour Joudah and Kylie Broderick join host Tariq Kenney-Shawa to discuss some of the key lessons to be gleaned from the encampments and how we can best build on them to strengthen the Palestine solidarity movement moving forward.
 السياسة
باشرت القيادة المركزية الأمريكية يوم الجمعة 17 أيار/مايو 2024 تشغيلَ الرصيف المؤقت قبالة سواحل قطاع غزة. ومنذ الإعلان عن المشروع، أعربَ الكثيرون عن شكوكهم حول مدى فاعلية الرصيف وعن تخوفهم إزاء الخطط الأمريكية بعيدة الأجل ودور الرصيف في خدمة الأهداف الإسرائيلية. يتناول هذا التعقيب العمليات الجارية عبر الرصيف ويحلل دوافع الفاعلين الجيوسياسيين الرئيسيين من وراء بنائه. ويضعُ الرصيفَ في سياق استراتيجية إسرائيل بعيدة الأجل بشأن فلسطين، حيث يتخذ من الرصيف مدخلًا لفهم أهداف النظام الإسرائيلي الإقليمية الأشمل. وبغض عمّا إذا كان الرصيف مؤقتًا أم دائمًا، يرى الكاتب أنه لا ينبغي النظر إلى الرصيف باعتباره جهدًا إنسانيًا محضًا وقصير الأجل، وإنما كدلالة لاستمرار المساعي الإمبريالية والاستعمارية الأمريكية والإسرائيلية.
Skip to content