uk crime bill roundtable image feb2026

مقدمة

في 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2025، طرحت الحكومة البريطانية تعديلًا على قانون مكافحة الجريمة وتنظيم العمل الشرطي بهدف تقييد الحق في الاحتجاج والتظاهر تحت ذريعة «التعطيل التراكمي». وقد أصبح مشروع القانون المعدَّل الآن أمام لجنة مجلس اللوردات، حيث يخضع للمراجعة تمهيدًا لإقراره بصورة نهائية. ويعكس هذا التعديل تحوّلًا جذريًّا في نهج الدولة في إدارة الاحتجاجات العامة. ورغم تقديم مشروع القانون بوصفه إجراءً محايدًا لحفظ الأمن العام، فإنه يأتي في سياق موجة الاحتجاجات والتظاهرات المحلية دعمًا لحقوق الفلسطينيين، ويتضمن تعديلات قانونية جديدة تهدد الحريات الديمقراطية الراسخة.

تتناول هذه الحلقة النقاشية الدوافعَ السياسية وراء مشروع القانون، وتُحلّل بنيته القانونية، وانعكاساته الأوسع على الحركات الاجتماعية والحريات المدنية في المملكة المتحدة. وتُظهر أن هذه التعديلات تعكس توجّهًا سياسيًا-قانونيًا قد يفضي إلى تقليص حيّز المعارضة في المملكة المتحدة. وفي حين يستهدف هذا التقييدُ بصورة مباشرة التضامنَ مع فلسطين ضمن حملة أوسع للتضييق على حرية التجمّع، ترى المشارِكات في هذه الحلقة النقاشية أن تداعياته المحتملة لن تقتصر على ذلك، بل ستمتد لتطال التنظيمات العمالية، وقضايا العدالة العِرقية، والحراك المناخي، ومجالات المشاركة الديمقراطية الأوسع.

التعطيل التراكمي: تحوّل قانوني يُقيّد الحق في التظاهر

سلمى كرمي أيوب

يُدرِج مشروع القانون مفهوم «التعطيل التراكمي» في سياق تنظيم التظاهر، ويقترح تعديل المادتين 12 و14 من قانون حفظ النظام العام لسنة 1986، بما يوسّع الحالات التي يجوز فيها للشرطة فرض شروط على التجمّعات والمسيرات العامة، بما في ذلك تعديل مساراتها وأماكن انعقادها.

ففي الوقت الراهن، يحقّ للشرطة فرضُ شروطٍ عندما تتسبّب التظاهرات في «تعطيل جسيم لسير حياة المجتمع». أمّا التعديل المقترح، فيُلزم أيَّ ضابط شرطة رفيع الرتبة، عند تقييمه لاحتمالات تسبّب الاعتصام العام (التظاهرة الساكنة) أو المسيرة (التظاهرة المتحرّكة) في «تعطيل جسيم لسير حياة المجتمع»، بأن يأخذ في اعتباره أيَّ «تعطيل تراكمي ذي صلة» قد يترتّب على ذلك الاعتصام أو تلك المسيرة.

تُعدّ قدرة التظاهرات على إعادة التعبئة والتكرار ركيزةً أساسية لتأثيرها السياسي…ويستهدف التعديل المقترح تقويضَ هذه الركيزة التي تستمد منها التظاهرات قوّتها وتأثيرها، من خلال تمكين الشرطة من كبح آثارها التراكمية Share on X

ويُعرَّف «التعطيل التراكمي ذو الصلة» بأنه التعطيل الناجم عن المسيرة أو الاعتصام المعنيَّين، فضلًا عن أي فعالية أخرى «أُقيمت، أو تُقام، أو يُعتزم إقامتها في المنطقة نفسها»، بصرف النظر عن اختلاف المنظِّمين أو المشاركين في تلك الاحتجاجات. ويتيح هذا التعريف الأوسع للشرطة، عند تقييمها لأثر مظاهرةٍ ما، أن تربط أثرها بأثر احتجاجات ماضية أو مستقبلية منفصلة عنها تمامًا من حيث هوية منظِّميها أو المشاركين فيها.

وفي حين تزعم الحكومة أن التعديل يوازن بين حماية المجتمع وصون حقوق التظاهر، فإن هذا الزعم يُغفل إمكانية استغلال التعديل لتقويض تلك الحقوق. تُعدّ قدرة التظاهرات على إعادة التعبئة والتكرار ركيزةً أساسية لتأثيرها السياسي، نظرًا لما يُحدثه تراكم الزخم من ضغطٍ مستمر على صنّاع القرار لإحداث التغيير المنشود. ويستهدف التعديل المقترح تقويضَ هذه الركيزة التي تستمد منها التظاهرات قوّتها وتأثيرها، من خلال تمكين الشرطة من كبح آثارها التراكمية. ومن المفارقة أن ذلك التقييد يفضي إلى تشديد القيود على الاحتجاجات المرتبطة بالقضايا السياسية البارزة، نظرًا لكونها الأقدر على توليد حشدٍ وتعبئةٍ مستدامين عبر تظاهراتٍ متكررة.

يمثّل اقتراح الحكومة لهذا التعديل امتدادًا لنهج حكومة المحافظين السابقة، التي سعت إلى تقييد حق التظاهر على نحوٍ ملحوظ. واللافت أن سويلا برافرمان  -وزيرة الداخلية السابقة، والمنشقة حديثًا إلى حزب الإصلاح البريطاني اليميني- حاولت تمرير تعديلٍ مماثل عبر تشريعٍ ثانوي عام 2023، غير أن المحكمة العليا قضت بعدم قانونيته.

لا يمكن فهم هذا التعديل بمعزلٍ عن حزمة التشريعات الأخيرة، وعلى رأسها قانون الشرطة والجريمة والأحكام والمحاكم لسنة 2022، وقانون حفظ النظام العام لسنة 2023؛ إذ أسهما معًا في تقييد حق التظاهر على نحوٍ ملحوظ. فقد منح قانون 2022 الشرطةَ صلاحيةَ فرض شروط على المظاهرات استنادًا إلى معيارٍ غير موضوعي بطبيعته، وهو «الضجيج» الذي قد يسبب «تعطيلٍ جسيم». أمّا قانون 2023، فقد وسّع صلاحيات الشرطة بصورة إضافية، من خلال توسيع سلطات الإيقاف والتفتيش، وتجريم بعض أساليب الاحتجاج، مثل «التثبيت الذاتي» (الالتحام)، حيث يعمد المحتجّون إلى تثبيت أنفسهم ببعضهم أو بأشخاصٍ آخرين أو بأجسامٍ ثابتة أو بالأرض.

أثارت هذه التطورات القانونية المقيِّدة للحق في التظاهر بالفعل مخاوفَ جدّية بشأن سجلّ المملكة المتحدة في مجال حقوق الإنسان. فقد وصف فولكر تورك، مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، قانونَ حفظ النظام العام لسنة 2023 بأنه «غير متوافق مع التزامات المملكة المتحدة الدولية في مجال حقوق الإنسان، ولا سيما ما يتصل بحرية التعبير والتجمّع السلمي والتنظيم».

ويبدو أن مفهوم «التعطيل التراكمي» ينحرف عن الفقه القضائي للمحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، الذي يؤكد أن استقلالية المنظِّمين في تحديد مكان الاحتجاج وتوقيته وأسلوبه تُعدّ جزءًا لا يتجزأ من الممارسة الفعلية لحرية التجمّع. و يُرجَّح أن يحفز هذا التعديل الشرطة على تقييد التجمّعات في المواقع البارزة أو ذات الأهمية الاستراتيجية، نظرًا لأن كثافة الاحتجاجات فيها ترفع احتمال بلوغ معيار «التعطيل التراكمي» على نحوٍ أسرع.

علاوةً على ذلك، تقضي السوابق القضائية للمحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان بأن مشروعية تدخّل الدولة تعتمد على ما إذا كانت طريقة تنظيم التظاهر قد أفضت إلى تعطيل الحياة اليومية «بدرجة تتجاوز ما هو حتمي في مثل تلك الظروف». ويستدعي هذا المعيار بالضرورة تقييمًا فرديًّا لكل تظاهرة من حيث ممارساتها ونتائجها، بدلًا من الاعتماد على تقديرٍ يستند إلى الآثار التراكمية لاحتجاجاتٍ غير مرتبطة بها. بصيغته الحالية، قد يتيح التعديل للشرطة فرضَ قيودٍ على تظاهراتٍ ليس لأنها تُسبّب تعطيلًا بحدّ ذاتها، بل بسبب الأثر الإجمالي لاحتجاجاتٍ أخرى في محيطها. ويصعب تصوّر كيف يتوافق هذا مع الحق في حرية التجمّع.

التضامن مع فلسطين: حدود المقبول في التعبير السياسي

سيلي هانسون

تمثل بنود مشروع التعديلات المرتبطة بالتظاهر حلقةً جديدة في مساعي تقويض الحقوق المدنية، ضمن مشروع أشمل لنزع شرعية الحراك المنظََّم للتضامن مع فلسطين. فقد نجحت حملة التضامن مع فلسطين وشركاؤها في الائتلاف في بناء واحدة من أكبر الحركات الاحتجاجية وأطولها في تاريخ السياسة البريطانية، حيث تحشد ضد الإبادة الجماعية المستمرة ونظام الفصل العنصري الإسرائيلي، وضد التواطؤ البريطاني. لذلك، ينبغي فهمُ الإجراءات المقترحة ضمن استراتيجيةٍ إسرائيليةٍ لتقييد حركةِ التضامن المتنامية مع فلسطين، وهي الاستراتيجيةُ ذاتُها التي تتبنّاها الحكومةُ البريطانية.

يخلق (التشريع) مأزقًا بيروقراطيًّا عبثيًّا للمنظّمين…إذ يتيح للشرطة حصر التظاهرات ضمن نطاقٍ جغرافي محدود، ثم فرض مزيدٍ من القيود عليها تحت ذريعة 'التعطيل التراكمي'، بما يؤدي إلى تقلّصها أكثر فأكثر Share on X

وبالتزامن مع تبني مفهوم «التعطيل التراكمي»، يسعى مشروع القانون إلى تعزيز صلاحيات الشرطة بموجب قانون حفظ النظام العام لسنة 1986، من خلال استحداث أساس قانوني جديد يتيح فرض قيود على التظاهرات القريبة من أماكن العبادة بذريعة الترهيب المتصوَّر. وقد طرحت إيفيت كوبر، وزيرة الداخلية، هذا الإجراء باعتباره وسيلة لحماية المصلّين من التظاهرات ذات الطابع الترهيبي، مشيرةً إلى أن المظاهرات الوطنية الداعمة لفلسطين تُعدّ الهدف الرئيسي له. كما عمدت بعضُ التغطيات الإعلامية إلى تصوير الدعم لفلسطين تهديدًا للحرية الدينية لليهود، في طرحٍ لا يعدو كونه تضليلًا محضًا.

وعلى خلاف الاتهام الفج بأن المشاركين مدفوعون بمعاداة السامية -وهي استراتيجية تُستخدم لتبرير حملات التضييق على التظاهرات التضامنية مع فلسطين في الغرب- فإن اليهود يشكّلون جزءًا لا يتجزأ من تكوين هذه المسيرات. فقد شهدت كلُّ مسيرةٍ مشاركةَ آلاف اليهود، يسير كثيرون منهم ضمن كتلةٍ يهودية منظَّمة. وتشير تقارير منظمات المجتمع المدني وإحاطات برلمانية إلى أن الشرطة استندت إلى هذا المنطق المضلل مرارًا لتبرير تقييد التظاهرات الداعمة للحقوق الفلسطينية في وسط لندن، بذريعة التسبّب في تعطيلٍ قرب المعابد اليهودية. غير أنه، في المقابل، لم تُسجَّل تهديدات للمعابد اليهودية مرتبطة بأيٍّ من هذه المسيرات.

من الجليّ أن تقييد مسيرات التضامن مع فلسطين إجراءٌ سياسي أكثر من كونه مسألة تتعلق بحفظ النظام العام. فمنذ عام 2023، استخدمت الشرطة المادتين 12 و14 من قانون حفظ النظام العام لسنة 1986 لتقييد مدة انعقاد كل مسيرة وطنية داعمة لفلسطين في لندن وفرض القيود على مسارها ومكان انعقادها. وقد تكون هذه الإجراءات موضع شبهة قانونية في ضوء حكم صادر عن المحكمة العليا في أيار/مايو 2024، نجحت فيه منظمة «ليبرتي» البريطانية المعنية بالحريات المدنية في الطعن في لوائح حكومية وسّعت، على نحو غير مشروع، صلاحيات الشرطة بموجب القانون، وهو حكم يرتبط ارتباطًا مباشرً بالقيود الواسعة المفروضة على المسيرات الوطنية الداعمة لفلسطين.

ومؤخرًا، فرضت السلطات قيودًا تُجرّم أشكالًا من الضجيج المرتبط بالاحتجاج، بما في ذلك الطرق على الأواني، واستخدام الطبول ومكبّرات الصوت، والهتاف في المسيرات الوطنية الداعمة لفلسطين. وكما وثّق معهد العلاقات العِرقية، فإن هذه الإجراءات تعكس توسّعًا في ممارساتٍ شرطية ذات طابعٍ عنصري، مدفوعة بمؤيدي إسرائيل المعارضين لأهداف التظاهرات والمتبنيين لمواقف عدائية ضد حركة التضامن مع فلسطين. وقد عكست هذه الممارسات الشرطية نزعاتٍ  عنصرية وأحكامًا مُسبقة معادية للفلسطينيين والعرب والمسلمين والجماعات المهمَّشة، كما أسهمت في تكريسها.

ورغم أن الشرطة مُلزمة قانونًا بالعمل وفق المعايير الأوروبية لحقوق الإنسان، وبواجب تيسير الاحتجاجات السلمية، فإن القيود الحالية جعلت من تنظيم المسيرات الكبرى المؤيّدة لفلسطين في وسط لندن أمرًا بالغ الصعوبة. ومن شأن التعديل المقترح أن يُشدّد هذه القيود أكثر، بما يخلق مأزقًا بيروقراطيًّا عبثيًّا للمنظّمين، إذ يتيح للشرطة حصر التظاهرات ضمن نطاقٍ جغرافي محدود، ثم فرض مزيدٍ من القيود عليها تحت ذريعة «التعطيل التراكمي»، بما يؤدي إلى تقلّصها أكثر فأكثر.

وعلى النقيض، سمحت الشرطة بتنظيم مسيرات احتجاجية لتيارات اليمين المتطرف ومناهضي الهجرة أمام فنادق إقامة طالبي اللجوء، رغم وجود أطرٍ قانونية قائمة تهدف إلى حماية الأفراد من هذا النوع من العنف القائم على التهديد والترهيب والمضايقة.

 من الفجاجة أن تحاول الحكومة البريطانية تصوير الإجراءات الواردة في مشروع القانون -والتي تُعدّ أحدث مساعيها لحماية نفسها وإسرائيل من المساءلة التي يطالب بها الحراك الداعم لفلسطين- على أنها تدابير تهدف إلى حماية الفئات المستضعفة. لن تُسهم هذه الإجراءات في تعزيز أمان أيّ طرف، بل قد تتحوّل إلى أداةٍ بيد هذه الحكومة أو أيّ حكومةٍ مستقبلية لإخماد الاحتجاجات. وهكذا بات التضامن مع فلسطين معيارًا فاصلًا لما تسمح به بريطانيا من تعبيرٍ سياسي علني، وهو ما يكشف إلى أيّ مدى قد تمضي السلطات في إعادة رسم حدود المعارضة المقبولة.

تراجع الديمقراطية: قمعٌ يجرّ قمعًا حتى يشمل الجميع

زينة الآغا

رغم أن قمع التظاهرات الداعمة لفلسطين يُعدّ الهدف السياسي الحالي، فإن تداعيات التعديلات المقترحة على قانون الاحتجاج تمتد إلى ما هو أبعد منها. فآثار بند «التعطيل التراكمي» المزعوم -إلى جانب القيود المفروضة على التظاهرات المقامة «بالقرب» من دور العبادة دون تحديدٍ واضحٍ لمدى هذا القرب- تُثير قلقًا واسعًا عبر قطاعاتٍ متعددة. وفي بيانٍ نُشر في 12 كانون الثاني/يناير 2026، أعلنت أكثر من 45 منظمة -من بينها منظمة العفو الدولية في المملكة المتحدة، ومنظمة السلام الأخضر، و«ليبرتي»، وحملة التضامن مع فلسطين، وكويكرز في بريطانيا، ومؤتمر نقابات العمال، ولجنة فلسطين البريطانية- معارضتها لما وصفته بالحملة الحكومية المشدَّدة ضد حرية التعبير والتجمّع. وتشمل الجهات الموقِّعة اتحاداتٍ نقابية، وجمعياتٍ خيرية، ومنظماتِ مجتمعٍ مدني، ومجموعاتٍ دينية، وهيئاتٍ ناشطة في قضايا العدالة المناخية وحقوق الإنسان والثقافة والعمل التضامني.

ينبغي فهمُ التشريع المقترح بوصفه تشريعًا مناهضًا للاحتجاج، قد يُسفر عن انتكاس الحركات التقدّمية وارتدادها إلى أوضاعٍ سابقةٍ تعود إلى عقودٍ خلت Share on X

تعكس هذه المعارضة الواسعة النطاق ما ينطوي عليه التشريع المقترح من تداعياتٍ بعيدة المدى تمسّ طيفًا واسعًا من القضايا داخل المجتمع البريطاني. ومن أبرز المخاوف احتمال أن يفضي تعديل القانون إلى تقويض حقوق العمال. فخلال الإضرابات، يُعدّ الاعتصام النقابي أمام مواقع العمل استراتيجيةً تنظيميةً أساسية؛ إذ يتجمّع العمال خارج أماكن عملهم لشرح مبرّرات التحرّك العمالي، وتعزيز التضامن، وتشجيع المشاركة، وحشد الدعم العام. وبموجب الأحكام المقترحة، ستكتسب الشرطة صلاحياتٍ جديدة لتقييد خطوط الاعتصام استنادًا إلى مزاعم «التعطيل التراكمي». وقد يهدّد هذا المسار التحركاتِ العمالية المقبلة في بريطانيا، بدءًا من إضرابات السكك الحديدية، وصولًا إلى إضرابات الأطباء والجامعات، وهو ما يفسّر حدّةَ معارضة الاتحادات العمالية، بما في ذلك تلك البعيدة عن حراك التضامن مع فلسطين.

يهدّد مشروع القانون أعرافَ التظاهر الراسخة منذ زمنٍ طويل. فوفقًا لصياغة التعديل، قد تُمنح الشرطة صلاحية حظر تظاهرات طلاب الدراسات العليا المضربين داخل الحرم الجامعي تحت ذريعة احتمال حدوث «تعطيل تراكمي»، استنادًا إلى احتجاجاتٍ سابقة أُقيمت في الموقع نفسه، ولو لم تكن ذات صلةٍ بالتظاهرة المعنيّة. وبالمثل، قد تواجه فعالياتٌ مثل مسيرات الفخر قيودًا إذا كانت تظاهرة لليمين المتطرف قد أُقيمت مؤخرًا في البلدة أو المدينة نفسها. وتُظهر هذه الأحكام كيف يمكن للحكومة استخدام هذا التشريع لتقييد طيفٍ واسع من التجمّعات العامة السلمية والمشروعة.

تتجلّى خطورة مشروع القانون أيضًا في تداعياته المحتملة على حركة المناخ. فقد ظلّ الفعل المباشر -أي التدخّل الميداني السلمي لوقف الممارسات الضارّة أو عرقلتها- الذي تعتمد عليه منظمات مثل «منظمة السلام الأخضر»، عنصرًا محوريًّا في النشاط البيئي منذ زمنٍ طويل. وقد اعتمدت الاحتجاجات المناخية على أساليب التعطيل، والتعبئة، والعصيان المدني لجذب الانتباه إلى تسارع الأزمة البيئية، رغم خضوعها لمستوياتٍ مكثّفة من الضبط الشرطي والمراقبة. كما يواجه ناشطون من مجموعات مثل «أوقفوا النفط» و«تمرّد ضدّ الانقراض» معدّلاتٍ مرتفعة من الإدانات القضائية والاعتقالات الاستباقية. ومن شأن التعديل المقترح أن يُصعّد حملة القمع ضدّ هذا الحراك.

يفرض مشروعُ القانون قيودًا على قدرةِ المجتمعات المتنوّعة في بريطانيا على التعبئة واسترداد الحيّز العام، الأمر الذي قد يُفضي إلى تهميش أبناءِ الطبقة العاملة، ومجتمعاتِ الميم، والسودِ والسمر المتضرّرين/ات من العنصرية البنيوية، وحرمانِهم جميعًا من مواصلة العمل العام المنظَّم، ولا سيّما إذا طُبِّق في ظلّ حكومةٍ يمينيّةٍ متطرفة.

ومن هذا المنظور، ينبغي فهمُ التشريع المقترح بوصفه تشريعًا مناهضًا للاحتجاج، قد يُسفر عن انتكاس الحركات التقدّمية وارتدادها إلى أوضاعٍ سابقةٍ تعود إلى عقودٍ خلت. وهو، في جوهره، تشريعٌ قاسٍ ينطوي على تهديدٍ خطيرٍ للحياة الديمقراطية، إذ يُسهم في تطبيع قمع الدولة وإضفاء الشرعية القانونية عليه، ويُقوِّض الحقوقَ والحريّاتِ المدنيّة.

نُشِرَت هذه الحلقة النقاشية بالتعاون مع اللجنة البريطانية-الفلسطينية.

سيلي هانسون هي مسؤولة الحملات في حملة التضامن مع فلسطين في المملكة المتحدة، والتي تُعدّ من أكبر منظمات التضامن في أوروبا المكرّسة للعمل على تأمين...
العضوة السياساتية للشبكة سلمى كرمي أيوب محامية متخصصة في القانون الجنائي، تقدِّم خدمات استشارية ومشورات قانونية للأفراد والمنظمات غير الحكومية ومكاتب المحاماة بشأن القضايا المتعلقة...
شغلت زينة الآغا موقع الزمالة السياساتية للشبكة في الولايات المتحدة الأمريكية في الفترة الممتدة بين 2017-2019. تغطي خبراتها بناء المستوطنات الإسرائيلية في الأرض الفلسطينية المحتلة...

أحدث المنشورات

 السياسة
"سينتهي بنا المطاف جميعًا في الأردن"، قالها شابٌ من قرية الجفتلك الفلسطينية الواقعة في غور الأردن، عاكسًا حالةَ اليأس المتزايدة في أوساط الفلسطينيين في الضفة الغربية وريفها، حيث تتسارع وتيرة التوسع الاستيطاني الإسرائيلي. ويتجلى ذلك تحديدًا في غور الأردن، السلة الزراعية الواقعة على الحدود الشرقية للضفة الغربية مع الأردن. كانت قرية الجفتلك تُلقَّب عند الفلسطينيين في السابق بعروس الأغوار، ولكنها باتت اليوم مثالًا على التوسع الاستيطاني الإسرائيلي المتسارع تحت رعاية دولة الاحتلال الإسرائيلية، وتحولت من مجتمع زراعي مزدهر إلى منطقة محاصرة تخضع لضغوط تهجير مستمرة. منذ بدء العدوان الإسرائيلي الإبادي على غزة في تشرين الأول/أكتوبر 2023، تحوّلت مصادرة الأراضي في الضفة الغربية من زحفٍ استيطاني بطيء إلى حملة نهبٍ متسارعة، مدعومة عسكريًا. يُظهر هذا التعقيب كيف تحولت سياسة مصادرة الأراضي التي ينتهجها النظام الإسرائيلي في الضفة الغربية، والتي كانت تُبرَّر سابقَا بأوامر مصادرة بيروقراطية قانونية، إلى سيطرةً مباشرة على الأرض من جانب المستوطنين. لا يشير هذا التحول إلى تغيرٍ في الأهداف بقدر ما يعكس تصعيدًا في آليات التوسع الاستيطاني القائمة، بما يدل على تنامي قوة حركة المستوطنين وتأثيرها في السياسة الإسرائيلية.
Al-Shabaka Fathi Nimer
فتحي نمر· 03 فبراير 2026
 السياسة
في مختبر السياسات هذا، ينضم إلينا الدكتور حيدر عيد والأستاذ زيد الشعيبي مع الميسّر فتحي نمر لمناقشة دور "مجلس السلام" الأميركي والسلطات واللجان المنبثقة عنه.
يشير الإعلان عن اللجنة الوطنية لإدارة غزة، وهي هيئة تكنوقراطية مؤلفة من خمسة عشر عضوًا برئاسة علي شعث، إلى تحوّل نحو نموذج حكم غير مُسيّس في القطاع، في ظل استمرار الإبادة الجماعية. يقود شعث، وهو مهندس مدني فلسطيني ونائب سابق لوزير التخطيط والتعاون الدولي، لجنة انتقالية ذات طابع تكنوقراطي مكلّفة بإعادة الإعمار وتقديم الخدمات، تحت إشراف خارجي. وبينما تُقدَّم اللجنة بوصفها هيكلًا إداريًا محايدًا، يُرجَّح أن تؤدي عمليًا دور جهاز إداري يُسهم في ترسيخ واقع الإبادة بدلًا من التصدي له. تجادل هذه المذكرة بأن الحوكمة التكنوقراطية في غزة، ولا سيما في ظل إشراف الولايات المتحدة التي اضطلعت بدور الشريك في الإبادة، لا ينبغي فهمها باعتبارها مسارًا نحو التعافي أو السيادة الفلسطينية، بل بوصفها جزءًا من استراتيجية أوسع تهدف إلى إنشاء آلية مؤسسية لإدارة الإبادة الجماعية.
Al-Shabaka Yara Hawari
يارا هواري· 26 يناير 2026