مقال - حملة التضامن مع فلسطين: التحديات في الولايات المتحدة وأوروبا

أثارت الإبادة الجماعية التي ترتكبها إسرائيل بحق الفلسطينيين في غزة فزَعَ الكثيرين حول العالم، وأثارت غضبًا شعبيًا عارمًا، وبلغت فعاليات التضامن مستويات غير مسبوقة حول العالم، حيث نزلَ الملايين إلى الشوارع، وأصدروا بيانات عامة، واحتشدوا من أجل منع الدعم الذي تقدمه الشركات والحكومات ليس للعدوان الإسرائيلي الأخير وحسب وإنما للاحتلال الإسرائيلي الاستعماري القابع على صدور الفلسطينيين منذ عقود. ولكن هذا التضامن الوثيق غير المسبوق جاء أيضًا مقرونًا بقمعٍ استثنائي في المستويات كافة.
تحدثت الشبكة إلى ليلى كاترمان من مركز الدعم القانوني الأوروبي، وديالا شماس من مركز الحقوق الدستورية لمعرفة المزيد حول هذا القمع الذي يستهدف التعبئة. وتفصلان في هذا الحوار بعض أساليب الترهيب والإجراءات العقابية التي تطبقها الحكومات في شمال أمريكا وأوروبا، وتقدمان نصائح عملية حول كيفية مقاومة هذه الجهود الرامية إلى كبت أنشطة التضامن مع فلسطين. 

هذه المقابلة مأخوذة بتصرف من محادثة منشورة في سلسلة بودكاست الشبكة، فلسطين بفكر جديد، والتي استضافتها المحللة الرئيسية في الشبكة يارا هواري في تشرين الأول/أكتوبر 2023. يمكن الاستماع إلى الحوار الكامل بالنقر هنا.1

منذ بداية الهجوم على غزة، ما هي مظاهر قمع النشاط المتضامن مع فلسطين في أوروبا؟

ليلى كاترمان

القمع الذي نشهده حاليًا في أوروبا يمثل ذروة عقود من السعي لربط الهوية والتجربة الفلسطينية بالإرهاب ومعاداة السامية. ويجري استغلال هذا الربط الزائف تحديدًا لقمع الاحتجاجات والمظاهرات. ومع أن الحق في الاحتجاج من الحقوق الأساسية في أوروبا – وأن المظاهرات تُعد مؤشرًا على صحة النظام الديمقراطي – إلا أن بلدانًا عديدة مثل ألمانيا وفرنسا والنمسا أخذت تنتهك هذا الحق بمنعها المظاهرات المتضامنة مع الشعب الفلسطيني.

اللغة المستخدمة في وسائل الإعلام الأوروبية ومن الساسة وأوامر الشرطة لتبرير القمع ضد التضامن مع فلسطين تهدف إلى إحباط أي زيغٍ عن الروايات الاستعمارية السائدة Click To Tweet

لم تكتف ألمانيا، مثلًا، بحظر الاحتجاجات، بل أخذت تمارس العنف الشرطي، والاعتقالات، والمضايقات إزاء مظاهر التضامن مع فلسطين. ففي برلين وحدها، اعتقلت الشرطة قرابة 600 شخص بين 11 و20 تشرين الأول/أكتوبر 2023 لهذا السبب. وطالت حملةُ التضييق المدارسَ أيضًا، حيث بعثت، على سبيل المثال، إدارةُ التعليم والشباب والأسرة بمجلس الشيوخ في برلين خطابًا إلى جميع سلطات المدارس والمشرفين في برلين تطلب منهم منع الطلاب من ارتداء الكوفية وغيرها من الرموز والشعارات الفلسطينية، مثل “فلسطين حرة.” كما طُلب من الإدارات المدرسية إخطارُ الشرطة بأي خروقات لهذا الحظر، وفي حالة واحدة على الأقل أُوقِفَ مدير إحدى المدارس عن العمل لرفضه الانصياعَ للتعليمات.

إنّ حالات الإيقاف عن العمل وإنهاء الخدمة مثل هذه آخذةٌ في الازدياد بسبب التعبير عن التضامن مع فلسطين. ومن أشكال القمع الأخرى التي بتنا نشهدها بمعدلات متزايدة حملاتُ التشهير التي تستهدف الأفراد والجماعات، وحذف التعليقات والحسابات على وسائل التواصل الاجتماعي، وسحب تراخيص استخدام الأماكن، وإلغاء الفعاليات، وسحب الدعوات. وتُبرَّرُ العديدُ من هذه الإجراءات العقابية بحجج عنصرية، ويعززها صعود الأحزاب اليمينية المتطرفة في جميع أنحاء أوروبا، والتي دأبت على نزع الصفة الإنسانية عن المهاجرين واللاجئين ولا سيما ذوو الخلفيات الإسلامية.

ماذا عن أشكال القمع في الولايات المتحدة؟

ديالا شماس

شهدت الولايات المتحدة طائفةً من حالات القمع الحكومي والخاص. مؤسسيًا، استدعت مؤسسات إنفاذ القانون، بما فيها مكتب التحقيقات الفيدرالي، فلسطينيين للاستجواب ضمن “مقابلات طوعية”، مستغلةً في كثير من الأحيان أوضاعهم أو مخاوفهم المتعلقة بالهجرة لإجبارهم على التحدث. بالإضافة إلى ذلك، عمَّمت أقسام الشرطة المحلية إشعارات بأنها عازمة على مراقبة الاحتجاجات التضامنية مع فلسطين. وذلك بناء على توجيهات من أعلى المستويات الحكومية، حيث ذكر الرئيس بايدن نفسه بأنه أصدر تعليمات إلى سلطات إنفاذ القانون بمراقبة الوضع عن كثب. وفي مدينة نيويورك، ذهب عمدة المدينة، إريك آدامز، إلى أبعد من ذلك حيث ساوى بين المتظاهرين في المسيرات المجاهرين بدعم الحقوق الفلسطينية وبين داعمي الإرهاب. وقد استشرى هذا الخطاب في أوساط المسؤولين المنتخبين على مستوى المدن والولايات والمستوى الفيدرالي. وما يثير القلق حقًا هو استغلال الفرق الهائل في ميزان السلطة والقوة، ولا سيما حين يُسمي هؤلاء المسؤولون مجموعات ناشطة بعينها، بل وأفرادًا بعينهم.

أمّا القمع الذي تمارسه جهات القطاع الخاص، فهو مخيفٌ أكثر. فقد أُلغي، على سبيل المثال، مؤتمر الحملة الأمريكية من أجل حقوق الفلسطينيين لأن المكان المقرر لعقده – فندق هيلتون – تلقى تهديدات واعتذر عن استضافة الفعالية. وطرأت كذلك زيادة كبيرة في جرائم الكراهية بدأت بالجريمة البشعة التي ذهب ضحيتها الطفل الأمريكي من أصل فلسطيني، وديع الفيومي، ذي الست سنوات في شيكاغو، ومؤخرًا الشروع في قتل ثلاثة طلاب جامعيين فلسطينيين في ولاية فيرمونت.

وبالمثل، بلغت تداعيات التعبير عن دعم الشعب الفلسطيني في هذا الوقت أعلى مستوياتها على الإطلاق في الساحة المهنية. ففي المؤسسات الأكاديمية، على سبيل المثال، أخذ أساتذةٌ يتعرضون للضغوط بسبب تصريحات أدلوا بها حول السابع من تشرين الأول/أكتوبر والإبادة الجماعية الجارية في غزة. وفي مختلف المجالات المهنية، نسمع عن أفراد يطالبون بإلحاق عواقب وخيمة بموظفين أو فصلهم من مناصبهم بسبب تصريحات أدلوا بها بصفتهم الشخصية. ونشهد هذه الممارسة في جميع أنحاء الولايات المتحدة، وما نزال نجهل المدى الحقيقي لانتشارها.

تتزايد أيضًا وتيرة نشر المعلومات الشخصية الخاصة بالأفراد المجاهرين ضد الإبادة الجماعية في غزة، كما حصل في جامعة هارفارد، حيث رعت الجماعات المؤيدة لإسرائيل حملة شاحنات الإعلانات الرقمية كي تتجول وتعرض صورًا للقادة الطلابيين الناشطين ومكتوب عليها “معادون للسامية”. وكان الطلاب الظاهرون في الصور قد وقعوا على بيانات تدين الجرائم الإسرائيلية في غزة. ومن الواضح أن مثل هذه الأفعال تهدف إلى تخويف داعمي الحقوق الفلسطينية وأذيتهم نفسيًا ومهنيًا. وتجدر الإشارة إلى أن العديد من الأشخاص الذين يتعرضون للتشهير هم من الفلسطينيين أو العرب أو المجتمعات الملونة الأخرى. 

هل هذا المستوى من القمع غير مسبوق؟

ليلى كاترمان

ليس بالضرورة. بل ينبغي النظر إليه كاستمرار وتسارع مُقلق. فقمع حركة التضامن مع فلسطين والدفاع عن الحقوق الفلسطينية لم يبدأ بالقصف الأخير على غزة. وبالطبع بدأ قبل وقت طويل من تأسيس مركز الدعم القانوني الأوروبي لمراقبة القمع الأوروبي لأنشطة التضامن مع فلسطين في عام 2019. ولطالما بُرِّرَ هذا القمع من خلال وسم الفلسطينيين بصورة عنصرية باعتبارهم تهديدات إرهابية و/أو معاديين للسامية بطبيعتهم.

هناك بنية تحتية كامنة وراء قمع التضامن مع فلسطين تشمل تشريعات وخطابًا يساوي بين معاداة الصهيونية ومعاداة السامية. وفي لحظات كهذه، يمكن الضغط على الكبسة وتفعيل جميع الأساليب دفعةً واحدة Click To Tweet

هناك في أوروبا مَن يطبق الإستراتيجية الأورويلية لتصوير الآخر كتهديد همجي والذات كمقياس للأمن الأخلاقي. وفي إطار هذه الاستراتيجية، نشهد اختراع كلمات جديدة، وتجريد كلمات غير مرغوبة من معانيها. وبالتالي، فإن اللغة المستخدمة في وسائل الإعلام الأوروبية ومن الساسة وأوامر الشرطة لتبرير القمع ضد التضامن مع فلسطين تهدف إلى إحباط أي زيغٍ عن الروايات الاستعمارية السائدة. وكجزء من هذه الاستراتيجية، نرى جهدًا هائلاً يبذله الساسة الأوروبيون ووسائل الإعلام الرئيسية لبث روح ثنائية “إمّا معنا وإمّا علينا” و”المتحضر في مواجهة غير المتحضر” التي سادت عقب أحداث الحادي عشر من أيلول/سبتمبر.

وفي حين أن الأساليب المستخدمة لإسكات الانتقادات الموجهة اليوم للنظام الإسرائيلي ليست جلية كما الحال في حبس المعارضين أو اغتيالهم، إلا أننا نشهد محاولات للنيل من معنويات الناشطين وقوتهم التنظيمية. فممارسة الرقابة على منظمات المجتمع المدني وشيطنة مجموعات التضامن هي جهود تهدف إلى تقليص القدرات السياسية لحركة التضامن مع فلسطين. فضلًا على أن محاولات تجريم بعض الشعارات مثل “من النهر إلى البحر ستتحرر فلسطين”، هي محاولات واضحة لتخويف الناشطين. وما هذا القمع إلا استمرارٌ لتوجهٍ بدأ منذ عدة سنوات بتبني تعريف معاداة السامية التي أصدره التحالف الدولي لإحياء ذكرى الهولوكوست داخل مؤسسات عديدة وسنّ تشريعات مناهضة المقاطعة

ديالا شماس

إنّ القمعَ في حد ذاته ليس غير مسبوق، ولكنه يبدو من حيث المستوى والنطاق وكأننا لم نشهد له مثيلًا من قبل. وقد لاحظ العاملون في الاستجابة القانونية لهذه الحملة القمعية أن عدد حالات القمع المبلغ عنها بلغت أعلى مستوياتها على الإطلاق. لكنني أعتقد أنّ من المفيد لو ننظر إلى كل هذا كجزء من بنية القمع التي شُيِّدت على مدى العقد الماضي. فهناك بالفعل بنية تحتية كامنة وراء قمع التضامن مع فلسطين تشمل تشريعات وخطابًا يساوي بين معاداة الصهيونية ومعاداة السامية. وفي لحظات كهذه، يمكن الضغط على الكبسة وتفعيل جميع الأساليب دفعةً واحدة. وهذه آلياتٌ للقمع أصبحت محمية جيدًا من نواحٍ عديدة على مدى فترة طويلة من الزمن.

ومن ناحية أخرى، ولأن هذه الأساليب سارية منذ سنوات، بات لدينا الآن مؤسسات ومهنيون على أهبة الاستعداد لتحدي هذه الاستراتيجيات القمعية والطعن فيها. وبوسعهم، في لحظةٍ كهذه، أن يقدموا الدعم وخط دفاع. وعلى سبيل المثال، تمتلك منظمة الدعم القانوني من أجل فلسطين (Palestine Legal) شبكةً من المحامين لدعم الأشخاص الذين يتعرضون لهجمات بسبب دفاعهم عن الحقوق الفلسطينية. وفي الوقت نفسه، يضطلع مركز الحقوق الدستورية أيضًا بعملٍ مماثل ولكن على طائفة أوسع من القضايا المدنية وقضايا حقوق الإنسان. ومع ذلك، هناك حاجة ماسة إلى توسيع القدرات الدفاعية لحركتنا كي نتمكن من التعامل مع العدد غير المسبوق من القضايا القانونية.

كيف استجاب مركز الدعم القانوني الأوروبي ومركز الحقوق الدستورية لهذا القمع؟

ليلى كاترمان

يضم مركز الدعم القانوني الأوروبي محامين حراكيين يعتبرون أنفسهم مسؤولين أمام المجتمع المدني الفلسطيني. ونحن ننظر إلى القانون نظرةً واقعية، وندرك تمامًا أنه يمكن استخدامه كأداة استغلالية وحتى قمعية. لكننا نرى في القانون أيضًا أداةً للتصدي للقمع وتعبئة الشارع. يقوم المركز على ثلاث ركائز تحكم عملنا: الدفاع والمراقبة والتمكين. تنطوي ركيزة الدفاع على العمل بين الموكِّلين والمحامين الذين يشاركون في تقديم الاستشارة القانونية وتسخير خبراتهم للدفاع عن المتعرضين للقمع. وتنطوي المراقبة على تدوين وتوثيق الآليات والأساليب المستخدمة لإسكات المدافعين وتجريم العمل التضامني مع فلسطين، ليس للأغراض الأرشيفية فحسب، بل أيضًا لتتبع اتجاهات القمع. أمّا ركيزة التمكين فتنطوي على حملات التقاضي الاستراتيجي، مثل محاسبة الشركات على انتهاكاتها لحقوق الإنسان، وتعزيز حركة التضامن مع فلسطين.

ديالا شماس

منذ بداية الهجوم على غزة، دخلنا في وضع الاستجابة السريعة. وتجدر الإشارة إلى أنه من الصعوبة بمكان تحقيق التوازن بين التركيز على القمع والحرص على حماية الناس حين يتحدثون علنًا، وبين عدم فقدان التركيز على ما يحدث في غزة وسائر أرجاء فلسطين. وفي هذا الصدد، كنا حريصين حقًا على تقديم التحليل الخطابي والقانوني حول ما يفعله النظام الإسرائيلي بالشعب الفلسطيني في غزة. ولم نكتف بإعادة التأكيد على أن الهجوم الحالي الذي يشنه النظام الإسرائيلي يشكل إبادة جماعية، بل بيَّنا أيضًا تواطؤ الولايات المتحدة في تلك الإبادة الجماعية.

وفي الوقت نفسه، كثَّفنا عملنا في دعم القائمين بأعمال المناصرة المهمة في الولايات المتحدة. ومن ذلك، على سبيل المثال، أننا نمثل الأفراد الذين يستدعيهم مكتب التحقيقات الفيدرالي للاستجواب، ونستقبل المكالمات من الأشخاص داخل الولايات المتحدة الذين يتعرضون لتداعيات في أماكن عملهم بسبب المجاهرة ضد الإبادة الجماعية في غزة.

من الأهمية بمكان ألا نسمح بتخويف الأفراد والحركة قاطبةً لإكراههم على السكوت أو التوقف عن العمل Click To Tweet

وفي سياق متصل، تعكف منظمة الدعم القانوني من أجل فلسطين على بناء شبكة من المحامين، ولا سيما المتخصصين في قانون العمل، للمساعدة في الاستجابة لهذه النداءات. ونعكف أيضًا على زيادة قدرتنا على تقديم المشورة للأفراد الذين يتعرضون لهجمات التشهير ونشر معلوماتهم الخاصة التي تستهدف سلامتهم الشخصية وسمعتهم على الإنترنت.

الأمر المُبهج هو أن الكثير من العاملين في المجتمع القانوني أخذوا يتواصلون معنا ويستفسرون عن طُرق تقديم الدعم.

ما هي النصيحة التي تقدمينها للمنظمين في الوقت الحالي، وبخاصة مَن قد يشعر بالقلق أو الخوف في ضوء هذا القمع؟

ليلى كاترمان

من الأهمية بمكان ألا نسمح بتخويف الأفراد والحركة قاطبةً لإكراههم على السكوت أو التوقف عن العمل. إنَّ الادعاءات والاتهامات التي يكيلها الساسة ووسائل الإعلام الرئيسية ضد حركة التضامن مع فلسطين ليست بالأمر الجديد. وأعتقد أن علينا أن نكون واثقين بما فيه الكفاية في التصدي لها والطعن فيها. ومن الأهمية بمكانٍ أيضًا أن نتذكر أننا أقوى عددًا، كما تجلَّى في برلين، حيث تحدت الجماهير الحظر الذي فرضته الشرطة على الاحتجاجات. بالطبع، كان باستطاعة السلطات أن تُصرَّ على استخدام العنف، لكن من المهم في هذه المواقف أن يتعاضدَ الناس.

فالحاجة اليوم أمسُّ ما تكون للمجاهرة ضد ما يحدث. فليس الواجب الأخلاقي وحده هو ما يدفعك لذلك، بل لأن المجاهرة ستربطكَ أيضًا بمَن هم مثلك تفكيرًا وتنظيمًا. فحملات التشهير ونشر المعلومات الخاصة عادةً ما تهدف إلى عزل الشخص المستَهدف عن شبكات الدعم والمجتمع الأوسع. بل إنه من الأسهل دائمًا مهاجمة شخص واحد بدلاً من مهاجمة مجموعة. لذا لا يمكن الاستهانة بالقوة العددية عند الحديث عن تحدي القمع الحالي.

ديالا شماس

يجب أن نُذكِّرَ أنفسنا بأن حجم القمع غير المسبوق يقابله أيضًا قدرٌ غير مسبوق من التضامن والمجاهرة الشعبية ضد ما يحدث للفلسطينيين في غزة. بل إن تنامي القمع يرتبط ارتباطًا مباشرًا بحركة التضامن المتنامية مع فلسطين. وفي هذه اللحظة، لا يمكننا التوقف عن المجاهرة بمعارضتنا الإبادة الجماعية. 

غير أنه من الأهمية بمكان أن نتوخى الحذر. فنحن جميعًا غاضبون حقًا ومغتاظون مما نراه ونعيشه. ولقد رأينا فظاعة الصور ومقاطع الفيديو القادمة من غزة، وطغى علينا الإحساس بالخذلان المقترن بمشاعر الغضب والحزن. وفي هذا الجو، يغدو من الصعوبة بمكانٍ أن نظل فطنين وعقلانيين. وحينها قد تصدر منا هفوات وزلَّات يستغلها الطرف الآخر أحيانًا. غير أننا، كفلسطينيين ومدافعين عن الحقوق الفلسطينية، لا نملك ترفَ الوقوع في الهفوات والزلات لأنها ستتسبب في تشتيت طاقاتنا وانتباهنا.

إذا تعرَّض المرء للقمع، فمن الضرورة بمكان أن يكون على درايةٍ بحقوقه. ففي الولايات المتحدة، إذا اتصلتْ بك أي سلطة لإجراء مقابلة، يحق لك أن ترفض وتطلبَ من تلك السلطة أن تتواصل مع محاميك. ويمكنك أيضًا أن تأخذ رقم المتصل بك وأن تطلب من محاميك التواصل معه. للحصول على التمثيل القانوني، يمكنك الاتصال بمنظمة الدعم القانوني من أجل فلسطين، أو مركز الحقوق الدستورية، أو فرع نقابة المحامين الوطنية في منطقتك، أو فرع مجلس العلاقات الأمريكية الإسلامية (كير) في منطقتك. أو فرع الاتحاد الأمريكي للحريات المدنية في منطقتك.

يجب أن نُذكِّرَ أنفسنا بأن حجم القمع غير المسبوق يقابله أيضًا قدرٌ غير مسبوق من التضامن والمجاهرة الشعبية ضد ما يحدث للفلسطينيين في غزة Click To Tweet

إذا استدعيتَ لاجتماع مع رب عملك أو إدارتك الجامعية، فحاول الحصول على استشارة قانونية قبل حضور الاجتماع، أو لا تذهب بمفردك. ولا بد من توثيق كل شيء من خلال تدوين الملاحظات أو رسائل البريد الإلكتروني، مع تسجيل زمن وقوع الأحداث فور حدوثها. ولربما من المنطقي أيضًا أن تحاول اتخاذ إجراء استباقي بالتواصل مع رب عملك أو إدارتك الجامعية لإعلامهم بما يحدث، والحرص على أنهم يسمعون منك أولاً وليس من أولئك الذين يحاولون تشويه سمعتك والتشهير بك. والأهم أن تتذكر أنك لستَ وحدك، فإذا كنت قادرًا وواثقًا، تحدث علنًا عن القمع حتى تجد التضامن من الآخرين وبالعكس.

لقد ظللنا لسنوات مترددين بشأن مسألة التحدث صراحةً عن مدى صعوبة التحدث عن الحقوق الفلسطينية، لأننا لا نريد تثبيط الهِمم وثني الناس عن ذلك. غير أننا تجاوزنا هذه النقطة – فالجميع يعلم أن هذا النوع من القمع قائم بالفعل – وبِتنا نشعر الآن أن التحدث علنًا يستقطب الدعمَ والتضامن، وبوسعه أيضًا أن يبني على ما تحقق من التنظيم السياسي. ولقد رأينا مواقف ملهمة فعلًا لناشطين يتداعون لمؤازرة بعضهم، ومهنيين يقدمون الدعم لزملائهم لإيجاد فرص عملٍ بديلة بعدما أُنهيت خدماتهم. وهذا النوع من التضامن لهو وسيلةٌ مهمة حقًا في بناء القدرة على الصمود في لحظات القمع المتزايدة هذه.

ما هي الموارد القانونية التي تقترحينها لِمن يتعرض لهذا القمع؟

ليلى كاترمان

لدينا العديد من الموارد الخاصة بكل بلد على الموقع الإلكتروني لمركز الدعم القانوني الأوروبي، وهي تهدف إلى تثقيف الناس حول حقوقهم، لأن الكثير من القمع الحالي غير دستوري وغير قانوني. من المؤكد أن الشرطة في العديد من البلدان في أوروبا تتصرف تصرفات غير قانونية. ومن المفيد في مثل تلك الحالات تسجيل ما يفعله الشرطة، وتسجيل اسم الشرطي ورقم وحدته، وفضح سوء معاملته أو سلوكه. وكما قالت ديالا، لا ينبغي للمرء أن يتعامل مع هذا القمع بمفرده. فقد وجدنا من تجربتنا أن الناس في العادة، متى ما ظهر الأمر إلى العلن، يُسارعون في التواصل وتقديم دعمهم ومساندتهم. بل إننا نشهدُ في الوقت الحالي أناسًا يتساعدون ويتضامنون مع بعضهم في مواجهة هذا الضغط.

إذا كنت في أوروبا، يمكنك مراجعة مركز الدعم القانوني الأوروبي. هناك أيضًا الكثير من مجموعات المحامين التي تعكف حاليًا على مد يد العون لحركة التضامن مع فلسطين.

ديالا شماس

ينبغي للمنخرطين في حركة التضامن في الولايات المتحدة زيارة الموقع الإلكتروني لمنظمة الدعم القانوني من أجل فلسطين، حيث يجدون فيه مجموعة من الموارد، بما فيها سُبل التعامل مع البيئات المعادية داخل الجامعات. إذا كان هناك مَن يُكابد قمعَ الدولة، سواء من خلال سلطات إنفاذ القانون الفيدرالية أو المحلية، فثمة مجموعة من المنظمات قادرة على دعمكم. وربما تكون المنظمات التي ذكرتها سابقًا قادرة أيضًا على توجيهكم لجهات أخرى قادرة على مساعدتكم.

وتجدر الإشارة إلى أهمية الحرص على بأنفسكم – وأن تتذكروا أن وراءكم مجتمعٌ يساندكم، لأن هذه الاعتبارات الصغيرة تُعيننا على مواصلة عملنا. هذه الأوقات صعبة حقًا. وجميعنا يشعر بذلك. ولكن ما مِن خيار لنا سوى الاستمرار في المجاهرة ضد الظلم. ومع أن العواقب قد تكون صعبة علينا هنا في الولايات المتحدة أو أوروبا، إلا أن الوضع أسوأ بكثير على الناس في غزة، والقاطنين في سائر فلسطين المستعمرة.

  1. هذه المقابلة لا تُغني عن المشورة القانونية. الرجاء أخذ المشورة من مستشار قانوني إذا كانت لديكم أسئلة خاصة بقضية أو حالة معينة.
ليلى كاترمان هي مديرة فريق المراقبة في مركز الدعم القانوني الأوروبي (ELSC). دَرَست الدراسات الدولية في جامعة ليدن وتخصصت في منطقة الشرق الأوسط، وانصب تركيزها...
ديالا شماس محامية أولى في مركز الحقوق الدستورية، حيث تعمل على تحدي الانتهاكات التي ترتكبها الحكومة وسلطات إنفاذ القانون بذريعة الأمن القومي داخل الولايات المتحدة...
في هذه المقالة

أحدث المنشورات

 السياسة
تكشفُ تغطيةُ وسائل الإعلام الرئيسية في الغرب لمجريات الإبادة الجماعية في غزة تحيزَها الشديد للنظام الإسرائيلي، وتُبرزُ أيضًا سهولةَ نزع الصفة الإنسانية عن الفلسطينيين. تتناول يارا هواري في هذا التعقيب استراتيجيةَ إسرائيل في نزع الصفة الإنسانية عن الفلسطينيين في المجال العام، ودور وسائل الإعلام الغربية في تحقيق أهداف إسرائيل. وتبين أنماطَ التقصير الصحفي المستمرة منذ 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023، وتخلُص إلى أنّ وسائل الإعلام الغربية متواطئة حتمًا في الإبادة الجماعية التي يرتكبها النظام الإسرائيلي ضد الشعب الفلسطيني في غزة.
Al-Shabaka Yara Hawari
يارا هواري· 03 أبريل 2024
لعبت كل من مصر والأردن عبر التاريخ أدواراً جيوسياسية مهمة في القضية الفلسطينية، حيث شكلت حدودهم مع قطاع غزة والضفة الغربية على التوالي المنفس الوحيد للعمق العربي وخاصة بعد حرب 1967. تزايدت وتضاءلت نفاذية هذه الحدود مع اختلاف الحكومات والظروف في المنطقة، لكن يمككنا الجزم أن مع مرور الزمن أصبحت هذه الحدود بشكل تدريجي جزءاً من الحصار على الشعب الفلسطيني وأداة ضغط على الفلسطينيين.
تعكف المصادر الإسرائيلية الرسمية على تضليل العالم إعلاميًا على نطاق واسع لتبرير الإبادة الجماعية التي ترتكبها في غزة. وقد أجَّجَ الصحفيون ومحللو استخبارات المصادر المفتوحة الحملةَ المسعورة لشيطنة الفلسطينيين بنشرهم الأنباء الكاذبة دون تدقيقها كما ينبغي. يتناول طارق كيني الشوا، في هذا الموجز السياساتي، أساليبَ الحرب الإعلامية الإسرائيلية، ويبيِّن كيف أسهمت هذه الجهود في تآكل الحقيقة وإعاقة الجهود الرامية إلى تنظيم استجابة عالمية. ويقدم توصيات للصحفيين والمحللين وعامة الجمهور للاستفادة من الأدوات مفتوحة المصدر لدحض الدعاية الإسرائيلية والمعلومات المضللة السائدة.
Skip to content