حلقة نقاشسياسة

مَن خسر العرب؟: العلاقات الإقليمية مع فلسطين

نظرة عامة: نادين النبر

ظل المحللون السياسيون التقدميون لعقود ينتقدون الدول العربية لتخليها عن النضال الفلسطيني من أجل التحرير. وفقاً لهذا النقد، تدّعي الحكومات العربية في الغالب تضامنها مع الفلسطينيين، بينما تتواطأ في أفعالها مع الاستعمار الاستيطاني الإسرائيلي سواء بالتعاون السياسي والاقتصادي مع إسرائيل أو بالتضحية بالفلسطينيين وقمع التضامن مع التحرر الفلسطيني داخل الدول العربية – وباستغلال القضية الفلسطينية في تعزيز شرعيتها. 1

تتناول هذه الحلقة النقاشية هذا النقد، وتطرح وجهات نظر مختلفة حول ما إذا تخلت الدول العربية عن القضية الفلسطينية أو أساءت إليها وإلى أي مدى. وقد صاغ المشاركون آراءهم في هذه الحلقة النقاشية ضمن سياق الإمبريالية الأمريكية وواقع التشرذم العربي والفلسطيني. وتثير وجهات نظرهم أسئلة جديدة حول العلاقة بين القومية العربية الرسمية وبين اليمين العالمي، والعلاقة الأمريكية الخليجية الإسرائيلية، وتطبيع المؤسسة السياسية الفلسطينية مع إسرائيل.

وفي حين باتت مواجهة الفُرقة المدعومة أمريكيًا وإسرائيليًا بين الدول العربية وداخل الدولة العربية الواحدة حاجةً أشدَّ إلحاحًا من أي وقت مضى، أفضت التغيرات الأخيرة في المنطقة إلى تطبيعٍ متزايد مع إسرائيل واستيعاب القيادات الفلسطينية بأعداد متزايدة. 

يدعو المشاركون في هذه الحلقة النقاشية القُراء للتفكير في إمكانيات وفرص جديدة للتضامن العربي الفلسطيني. تتناول شيرين صيقلي أهمية "العودة إلى فكرة فلسطين من أجل رص الصفوف في الجولات المقبلة من المعركة." ويستعرض إبراهيم فريحات في مشاركته هذه حلفاء الفلسطينيين في أوساط الشعوب الخليجية، بينما تُصرُّ لبنى قطامي على أن "الفُصام ليس بين الفلسطينيين وبين العرب وإنما بين التطلعات الثورية للشعوب وبين مصالح المتربعين على السلطة السياسية."

شيرين صيقلي

إذا أردنا أن نفهم الواقع الراهن المتمثل في انفراد الفلسطينيين في مواجهة الوحشية الجيوسياسية، فعلينا العودة إلى مغالطات القومية العربية الرسمية. ولا بد من وضع أحدث عيوب هذه المغالطة في سياق استحكام قبضة الحركات اليمينية عالميًا. أصبح استهداف الفلسطينيين وحرمانهم والنيل من مستقبلهم طقسًا من طقوس الانضمام إلى اليمين العالمي؛ فمَن فعلها لقي الترحيب كعضو في صفوف المظفَّرين معتنقي كراهية الأجانب والعنصرية والتحيز ضد المرأة والغباء.

تُعد العلاقة الحميمة بين دونالد ترامب ورئيس وزراء الهند ناريندرا مودي ورئيس البرازيل جايير بولسونارو مهمةً في هذا الصدد. والأهم منها مشاركة الدول العربية في هذه الاحتفاءات الذكورية بالتضييق على الفلسطينيين. فالرئيس المصري عبد الفتاح السياسي وولي العهد السعودي محمد بن سلمان يُثبتان أهليتهما بالتنمر والاستقواء على الإنسان الفلسطيني الذي بات يُنظَر إليه اليوم، أكثر من أي وقت مضى، كدخيلٍ ضعيف وبائس. وأي متابع عادي للمجريات التاريخية يعلم أن الدول العربية قلَّما اهتمت بفلسطين والفلسطينيين، هذا إنْ اهتمت أصلًا. ومع ذلك، ظلَّ ستار رقيق من الخطاب القومي العربي يحمي الفلسطينيين بالقول منذ العام 1948 من عدوان كامل مُطبِق يستهدف فكرة فلسطين بحد ذاتها. أمّا اليوم، فقد حرم اليمينُ العالمي وعمالُه العرب الفلسطينيين حتى من هذا الجزء اليسير المتبقي. وهم يسعون بشتى الطرق إلى وأد فلسطين فكرةً ومفهومًا.

فكرة فلسطين كانت أحد الوعود الزائفة للدولة العربية الحديثة. فالأداء العربي البائس والمتفاوت في حرب 1948 جيَّش تلك العُصبة المشؤومة من الضباط المصريين الشباب، الذين صاروا مع نظرائهم في دمشق وبغداد طلائع مستقبل ثوري لم يتحقق قط، مستقبلٍ من المساواة الاقتصادية والسياسية والاجتماعية تتقوى بمعاداة الرأسمالية وتبنّي فلسفة العالم الثالث والاشتراكية. ومن شواطئ المتوسط إلى النيل إلى دجلة إلى الغوطة، نكث هؤلاء الآباء المؤسسون الوعدَ الذي قطعوه بمحاربة الاستعمار.

فكرة فلسطين كانت أحد الوعود الزائفة للدولة العربية الحديثة Click To Tweet

وبدلًا منه، أقاموا نظامًا استبداديًا منيعًا سَجن ذاك الشعب الذي تعهدت القومية العربية بتحريره. وإذا توقف المرء ليبحث في بقايا هذا الوعد الثوري، فلربما يجد فكرة فلسطين هنا أو هناك. لقد جعل أخوةُ الاستبداد في العالم العربي فكرةَ فلسطين الشماعةَ التي يعلقون عليها كل عثراتهم وما عجزوا عن تنفيذه. واستخدم الآباء العسكريون المؤسسون فلسطين كدليل على أنهم ما زالوا يؤمنون بهذه الحتميات بينما كان رعاياهم يغتاظون من نفاقهم الصريح. فكانت فكرة فلسطين كنايةً عن الحرية ومعاداة الرأسمالية.

لقد وَأَدَت أُخُوَّة الاستبداد المعاصرة الجهودَ الباسلة والمنقوصة التي بذلها الثوريون العرب لاستعادة زمام المستقبل، وأخوة الاستبداد هذه مختلفة عن عساكر الأمس المؤسسين. فهذه الأخوة تبتهج بعصبة زعماء العالم الذين يسعون إلى قمع معارضيهم ويتوقعون الإفلات من العقاب الدولي. وهم غير معنيين البتة بالذود عن الحرية ولا حتى بالقول. فالحرية هي النقيض لرؤاهم للحاضر والمستقبل، وهم يسعون إلى قمعها أكثر فأكثر.

ولهذا لا تُذكر فكرة فلسطين الآن في الخطاب الرسمي العربي. ونحن نُنعي هذا الغياب، الذي له عواقب وخيمة على ترسيخ النكبة المستمرة كواقع فلسطيني. المستقبل مظلمٌ وقاتم دون أدنى شك. ولكن ربما نستطيع العودة، كما عاد راديكاليون كُثر في العالم العربي وخارجه، إلى النضال المستمر من أجل الحرية، إلى فكرة فلسطين من أجل رص الصفوف في الجولات المقبلة من المعركة. وبينما نفعل ذلك، يراودنا سؤال كارثي: هل خسرت فلسطين الشعوب العربية كما خسرت الدول العربية؟

إبراهيم فريحات

شهدت العلاقة بين إسرائيل والعديد من دول الخليج عددًا من المحطات التي توحي بتحسنها، ولا سيما بعد مجيء دونالد ترامب إلى السلطة. وكان أولها اجتماعات اللواء السعودي السابق أنور عشقي سنة 2015 مع مسؤولين إسرائيليين سابقين مثل دور غولد، وتلتها زيارة عشقي المعلنة إلى تل أبيب. ومؤخرًا، استقبلت عُمان رئيس الوزارء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في زيارة رسمية، واستقبلت الإمارات العربية المتحدة وزيرة الرياضة والثقافة الإسرائيلية ميري ريغيف، وشاركت البحرين في سباق دراجات في القدس في ذكرى يوم النكبة، واستقبلت قطر رياضيين إسرائيليين، وعزفت النشيد الوطني الإسرائيلي عندما فاز أحدهم في إحدى المنافسات. الكويت فقط هي التي ظلت على ما يبدو متمسكةً بموقفها الممتنع عن إقامة أي علاقة مع تل أبيب.

وفي حين يُتوقع أن يشهد المستقبل المنظور مزيدًا من هذه اللقاءات، إلا أن قيام علاقة مستدامة وطويلة الأجل بين إسرائيل ودول الخليج لا يزال أمرًا بعيدًا. فمن المرجح أن تعود الدول الخليجية إلى مواقفها الأصلية حالما تدرك أن كلَّ ما جنته من تلك العلاقة هو أنها شرعنت إسرائيل دوليًا بينما أضعفت شرعيتها أمام شعوبها. وهذا خبرٌ جيد للفلسطينيين، حيث سيتمكنون من الاستفادة من علاقاتهم بالدول الخليجية دون تدخل إسرائيلي.

السبب الأول الذي يفسر مصير العلاقة الخليجية الإسرائيلية المحكوم بالفشل يتمثل في أن الشعوب الخليجية لا تدعم هذه العلاقة، وبالتالي ستظل مقتصرةً على المسؤوليين الحكوميين من الجانبين. فليس هناك في أي دولة خليجية شعبٌ يدعم هذه العلاقة. بل على العكس، هناك بعض الشخصيات العامة المعروفة بقربها من حكوماتها قد عبَّرت صراحةً عن غضبها من إقامة علاقات بتل أبيب.

قد يقول قائل إن المصريين لم يطبعوا العلاقات قط مع إسرائيل، ومع ذلك فإن علاقة الحكومة المصرية بإسرائيل مستمرة. والجواب على ذلك يكمن في أن الحدود المشتركة بين مصر وإسرائيل تجعل الصراع أساسيًا بالنسبة للأمن القومي المصري. وهذه الحال لا تنطبق على دول الخليج التي ترى حكوماتها عمومًا بأن أمنها القومي يتأثر بالمستجدات على الصعيد الإيراني وليس الفلسطيني.

وعلاوةً على ذلك، لا يقوم التحالف الأمريكي الخليجي الإسرائيلي الوليد على شراكةٍ متساوية، من حيث الحقوق والالتزامات والمكاسب، وإنما على التلاعب والاستغلال. فمكاسب إسرائيل وإدارة ترامب هي مكاسبُ متحققةٌ، في حين أن مكاسبَ الدول الخليجية مكاسبُ موعودةٌ أو متصوَّرة. ولغاية الآن، استفادت الولايات المتحدة من صفقات الأسلحة الضخمة المبرمة مع الخليج، وتنصلت من التزاماتها بموجب خطة العمل الشاملة المشتركة بينما ظلت إيران ملتزمة بأحكام هذه الاتفاقية. كما أخذت إسرائيلُ أيضًا تحقق مكاسب غير مسبوقة مثل نقل السفارة الأمريكية إلى القدس، وقرار ترامب بتقليص المعونة المقدمة إلى وكالة الأونروا. فضلًا على أن إسرائيل أحدثت تصدعاتٍ في المقاطعة العربية التاريخية لإسرائيل، والتي لطالما نُظر إليها كذُخرٍ استراتيجي للفلسطينيين.

وفي المقابل، ينحصر المكسب الخليجي الوحيد في التصور بأن هذا التحالف سوف يزيل التهديد الإيراني في يومٍ ما. غير أن هذا الهدف مشكوكٌ فيه بالأساس. أولًا، الولايات المتحدة وإسرائيل ليستا مضطرتين للمخاطرة بالدخول في مناوشات أكثر مع إيران بعدما تحققت مكاسبهما. والأهم من ذلك أن إنهاء التهديد الإيراني كليًا لا يصب في مصلحتهما في المدى البعيد، لأنهما يستخدمانه للتلاعب بدول الخليج الغنية بالنفط. فهذا التهديد يسمح للولايات المتحدة، مثلًا، بأن تظل المزود الوحيد للأمن لمنطقة الخليج. وبالنسبة لإسرائيل فإن لاستدامة هذا التهديد أهميةً أكبر، فهي التي دأبت على جلب التكنولوجيا المتقدمة من الولايات المتحدة الملتزمة باستدامة التفوق العسكري الإسرائيلي في المنطقة. "التهديد الإيراني" هو وسيلةٌ تضمن استمرار إمدادات الأموال والتكنولوجيا العسكرية من واشنطن.

الفرصة لا تزال قائمةً أمام دول الخليج للعودة إلى دعم الحقوق الفلسطينية Click To Tweet

إن الدول الخليجية المهرولة لإقامة علاقة مع إسرائيل تظن واهمةً بأن الطريق إلى قلب ترامب وعقله يمر عبر تل أبيب. وهذه خرافة تروجها إسرائيل بمهارة ولا سيما لدول الخليج، والتي ينبغي لها أن تدرك أنها تقدم بالفعل خدمات لا غنى عنها لواشنطن في مجالات كثيرة مثل النفط ومحاربة الإرهاب والقواعد العسكرية، وبالتالي فإنها لا تحتاج لأي طرف آخر ليتوسط لها عند البيت الأبيض.

فضلًا على أن هذه العلاقة لن تنجح لسببٍ بسيط وهو أنها جُرِّبت من قبل وفشلت. ففي 1995، فتحت قطر مكتبًا تجاريًا لإسرائيل ولكنها اكتشفت أن تلك العلاقة ما كانت سوى مسؤوليةٍ جسيمة. وفي 2009، قامت بإغلاق المكتب وطلبت من العاملين فيه المغادرة.

وعلى نحو مماثل، فإن العلاقة الإسرائيلية الخليجية ستبوء بالفشل لأنها تعارض مصالح الدول الخليجية نفسها. فتطبيع العلاقات مع إسرائيل في منطقة الشرق الأوسط سوف يسمح لها بالتنافس اقتصاديًا مع مدنٍ مثل دبي. وبالنسبة للسعودية، سوف ينزع التطبيع مع إسرائيل شرعيتها في زعامة العالم الإسلامي، وسيدعو وسائل الإعلام الإيرانية لإبراز تعاملات الرياض مع إسرائيل ومنح إيران اليد العليا أيديولوجيًا.

لا بد من الإشارة في الختام إلى أن هذا التحالف ليس مؤسسيًا، والقوةُ الوحيدة التي تُبقيه قائمًا هي رئاسة ترامب. فإذا أسفرت انتخابات 2020 عن انتخاب رئيس ديمقراطي في البيت الأبيض، فإن مشروع "مواجهة إيران" سوف ينهار برمته، وستعود الأطراف المشاركة فيه إلى مواقفها الأصلية. وفي حين أن واشنطن وتل أبيب ستحتفظان بمكاسبهما المتحققة، فإن الدول الخليجية ستعود خالية الوفاض. وستكون قد خسرت الأوراق التي كانت في جعبتها ذات يوم والتي كانت ستكفل لها دورًا مؤثرًا في سياسة المنطقة.

ولكن بالرغم من هذا التحول في الأحداث، ينبغي للفلسطينيين ألا يتخلوا عن الدول الخليجية لأن ذلك سيصب في مصلحة الحكومة الإسرائيلية. فالفرصة لا تزال قائمةً أمام دول الخليج للعودة إلى دعم الحقوق الفلسطينية، ولعب دورٍ أنشط في السياسة الإقليمية. وعلاوةً على ذلك، يمتلك الفلسطينيون حلفاء في منطقة الخليج، وهم شعوب الدول الخليجية الذين لم يرضوا قط بالتطبيع مع إسرائيل. ويبدو كذلك أن مَن يقف وراء التعاون مع إسرائيل هم أشخاصٌ معينون داخل أنظمة الحكم الخليجية وليس الأنظمة برمتها. ولهذا فإن من مصلحة الفلسطينيين أن ينخرطوا في العمل الدبلوماسي مع دول الخليج ومجتمعاتها المدنية حرصًا على ألا يخسروا لاعبًا أساسيًا في كفاحهم ضد إسرائيل.

لبنى قطامي

لقد أثارت التحولات المُزلزلة في المنطقة العربية عقب اندلاع الثورات في 2011 تساؤلاتٍ مهمةً بخصوص العلاقة بين الكفاح الفلسطيني غير المكتمل ضد الاستعمار وبين تطلعات الشعوب العربية إلى الحرية والعدالة وإنهاء الحكم الاستبدادي. فحين تعكف الأنظمة العربية على إعادة تأسيس نسخة جديدة - وأكثر سفورًا ربما - من التحالفات التطبيعية السياسية والدبلوماسية والعسكرية والاقتصادية مع الدولة الإسرائيلية، فإنها تخون أحلام شعوبها بإحداث تغيير في النظام في بلدانهم أيضًا. وهكذا توجد تشابهات بين مظالم الفلسطينيين وبين مظالم الشعوب العربية التي عندها أنظمة سياسية راسخة تعمل في معظم الأحيان كحارس للنظام القائم.

إن الأنظمة الأُلعوبة ليست أمرًا جديدًا على الجنوب العالمي، ولا سيما المنطقة العربية. فهناك العديد من البلدان العربية التي ما انفكت منذ 40 سنة على الأقل تعمل لمصلحة القوى العالمية المهيمنة وليس لمصلحة شعوبها. وبالنسبة إلى الأردن ومصر، ترسخت هذه القرارات في اتفاقات سلام مع إسرائيل، وأنهت احتمالات اندلاع مواجهةٍ مباشرة بينها وبين الدولة الإسرائيلية. غير أن الخضوع للهيمنة الصهيونية الإقليمية قد تم بوسائل أخرى أيضًا، وشمل كذلك بلدانًا لم تربطها بإسرائيل من قبل علاقاتٌ دبلوماسيةٌ رسمية.

وللأسف، فإن المؤسسة السياسية الفلسطينية، التي ضمت في السابق أصواتًا تجهر بانتقاد الأنظمة العربية الأخرى، قد انضمت إلى ركب تلك الأنظمة رسميًا منذ توقيع اتفاقات أوسلو في 1993، وبالأخص منذ 2007 عندما ترسَّخ التعاون الأمني بين إسرائيل والفلسطينيين بطرقٍ غير مسبوقة. وبالرغم من أن العام 2011 قدَّم فرصةً ذهبيةً لإبراز التحرر الفلسطيني كجزء من مرحلة جديدة في التاريخ العربي، إلا أن الفلسطينيين كانوا للأسف غير مستعدين لاغتنام تلك الفرصة. ويُعزى بعض السبب في ذلك إلى االتشرذم الداخلي في الحياة السياسية الفلسطينية، والذي تفاقم في 2006 عندما فازت حماس بالانتخابات البرلمانية. فمنذ ذلك الحين والانقسام بين حركتي فتح وحماس يفاقم التجزؤ الذي تعانيه الجماهير الفلسطينية، ويُضعِف الفلسطينيين إقليميًا، ويُصعِّب التوافقَ على رؤيةٍ مترابطة وبرنامجٍ سياسي، ويضع المصالح الفصائلية والولاءات الجيوسياسية والعالمية فوق مشروع التحرر الوطني.

تكمن المفارقة اليوم في أن الجهود العالمية الرامية إلى مقاطعة إسرائيل وسحب الاستثمارات منها وفرض العقوبات قد بلغت أوجها بينما لا يزال الفلسطينيون مستغرقين في علاقات قسرية مع الإسرائيليين والأمريكيين، وعاجزين نسبيًا وجيوسياسيًا، وبينما تعكف الأنظمة العربية على تكثيف التطبيع مع إسرائيل. فلا بد من فهم البُعد العربي للنضال الوطني الفلسطيني في سياق هذه الفجوة بين أصحاب السلطة ومتحدي تلك السلطة.

أولا، لا بد للمرء أن يعي هشاشة الظرف الاستعماري الفلسطيني. فالشعب الفلسطيني يحيا نكبةً وجودية حيث تتعرض حياتهم وأرضهم ومؤسساتهم السياسية ورؤيتهم واستراتيجيتهم باستمرارٍ إلى الإفناء بفعل الحصار والنفي والإبادة عبر المراحل المتعددة من النضال ومواقع المقاومة.

وبالنسبة للثوار الفلسطينيين من عقدي الخمسينات والستينات الذين أسسوا الأحزاب السياسة ولاحقًا حركة الفدائيين، فإن تدشين عملياتهم السياسية في المنفى اقتضى منهم تكوين هويتهم واستراتيجياتهم الوطنية بالاعتماد المتبادل على الفاعلين الإقليميين والدوليين. إن الاعتماد المتبادل الذي قام عليه النضال الوطني الفلسطيني، والذي تصدرته منظمة التحرير الفلسطينية في أعقاب حرب 1967، عنى أن الفلسطينيين تمتعوا بدعم كبير من الفاعلين الإقليميين والدوليين من الدول وغير الدول ولكنهم كانوا في المقابل معرضين للتأثر بتقلبات القوة والسلطة إقليميًا وعالميًا. وفي كل تحولٍ إقليمي وعالمي، كان يُضطر الفلسطينيون إلى البدء من الصفر في كل مرة، وبذلك لم يتمكنوا من مراكمة المنجزات المادية والسياسية في سياق الهجرات المتعددة (من الأردن ولبنان وقبرص وتونس والكويت وآخرها من العراق وسوريا).

وفي محاولة للتغلب على هذه الهشاشة، حملت المدرسة الفكرية والقوة السياسية المهيمنة داخل منظمة التحرير الفلسطينية والتي أرستها قيادة فتح إلى حد كبير قضايا تقرير المصير الفلسطيني والاعتماد على الذات والهوية على معانيها الحرفية، بحيث اتخذت قرارات واقعية في مسعاها لإقامة الدولة دون مراعاة رونق الدولة وما تستتبعه من ترتيبات مؤسسية. فكانت القرارات واقعية بإفراط وغير مستندة إلى إطار أو أيديولوجية أو مبدأ أو استراتيجية مقصودة بهدف استدامة أو حتى بلوغ مواجهة مباشرة بين الأنظمة العربية وإسرائيل. وبعد 1974، أصبحت هذه الواقعية القومية المحرك الأول للاستراتيجية وليس المبادئ الثورية المتمثلة في التصدي للوجود والنفوذ الصهيوني الإسرائيلي في المنطقة عمومًا ومقاومة تطبيعه.

لا يكمن الفُصام بين الفلسطينيين وبين العرب وإنما بين التطلعات الثورية للشعوب وبين مصالح المتربعين على السلطة السياسية Click To Tweet

وبالرغم من أن منظمة التحرير الفلسطينية لم تتخل عن حرب العصابات والمقاومة المسلحة كوسيلتين لامتلاك القوة والنفوذ، فإنها وجدت نفسها مهددةً أكثر في المنطقة نتيجةً لتعمق العلاقات بين الأنظمة العربية وإسرائيل والولايات المتحدة. وأثناء الفترة التي قضتها المنظمة في لبنان عقب طردها من تونس في 1982، أخذت المنظمة تعتمد على الدبلوماسية الدولية كاستراتيجية رئيسية من أجل إقامة الدولة. وكان على الدول العربية أن تتعاون مع منظمة التحرير لجمع الضرائب من الفلسطينيين القاطنين ضمن حدودها، واحتفظت ببعض الازدواجية في التوسط في إبرام صفقات علنية مع إسرائيل حفاظًا على مصداقيتها أمام شعوبها. غير أن ذلك التعاون أصبح رمزيًا ويأخذ شكل التعاملات في الغالب وليس جزءًا من نموذج نضالٍ مشترك يهدف إلى مواجهة التوسع الصهيوني.

ومع مطلع التسعينات، كانت منظمة التحرير قد خرجت حيةً من هزائم وهجرات وخسارات متعددة شهدتها في مواطن مختلفة من المنطقة. وبسبب نجاح الانتفاضة الأولى نجاحًا تاريخيًا، اضطرت إسرائيل في نهاية المطاف إلى التفاوض مع منظمة التحرير. وبالنسبة إلى الفلسطينيين، فإن انهيار الاتحاد السوفييتي وعجز الدول العربية وحرب الخليج وما تلاها من طرد نحو 250,000 فلسطيني من الكويت بعد إعلان منظمة التحرير دعمها صدام حسين حال دون قدرة القيادة على استدامة نضالها المقاوم في المنفى.

وهكذا فإن المسير نحو اتفاقات أوسلو، التي كانت بمثابة الرضوخ والتطبيع الفلسطيني الرسمي مع إسرائيل، قد بدأ قبل 1993 بوقت طويل، وكانت تقوده هشاشة نكبة الفلسطينيين المستمرة والتحول اليائس إلى الواقعية القومية كمخرج لتراجع القيادة في السلطة وديمومتها في المنفى. وفي ظل هذه الظروف، اتخذ القادةُ السياسيون الفلسطينيون قرارات مضرة بشعبهم وتبنوا مواقف غير مبدأية - برغم واقعيتها - في سياق دعم حقوق أشقائهم العرب وصون كرامتهم.

إن من الأهمية بمكان، إذن، أن نتحرى الادعاء القديم المسلَّم به بأن العرب تخلوا عن فلسطين والفلسطينيين. بل يجب على الفلسطينيين أن يضطلعوا بمسؤولية الأمور التي كانت لهم عليها سلطة في سياق الاحتلال الاستعماري والتهجير، مع أنها لم تكن كثيرة. فقد عملت الأنظمة العربية بالتوزاي مع المؤسسة السياسية الفلسطينية على إضفاء الصفة القومية على القضية الفلسطينية وتحييد البلدان العربية في المواجهة مع إسرائيل. وفي النهاية، لا يكمن الفُصام بين الفلسطينيين وبين العرب وإنما بين التطلعات الثورية للشعوب وبين مصالح المتربعين على السلطة السياسية.

ملاحظات:

  1. لقراءةهذاالنص  باللغة الأسبانية، اضغط/ي هنا. تسعد الشبكة لتوفر هذه الترجمات وتشكر مدافعي حقوق الإنسان على هذا الجهد الدؤوب، وتؤكد على عدم مسؤوليتها عن أي اختلافات في المعنى في النص المترجم عن النص الأصلي.