ورقة سياساتيةسياسة

أبرتهايد من الداخل؟ الفلسطينيون المواطنون في إسرائيل

نظرة عامة

تصفُ شخصياتٌ مرموقة في الساحة الدولية ما يجري في الضفة الغربية بأنه فصل عنصري، مستشهدين بمميزات من قبيل شبكات الطرق المخصصة للمستوطنين فقط، والمستوطنات المحصَّنة، والجدار العازل. فاستخدم الرئيس الأمريكي الأسبق جيمي كارتر في كتابه الصادر في 2006 بعنوان "السلام لا الأبرتهايد" هذا المصطلح تحديدًا لوصف الوضع في الأرض الفلسطينية المحتلة، بينما حذَّر جون كيري في 2014 بأن إسرائيل "يمكن" أن تصبح دولة فصل عنصري إذا فشل حل الدولتين.

غير أن أصواتًا بارزةً أخذت تستخدم هذا المصطلح في الآونة الأخيرة لوصف وضع الفلسطينيين المواطنين في إسرائيل. ومنها جودي رودورين، المديرة السابقة لمكتب صحيفة نيويورك تايمز في القدس، حيث قالت: "...أعتقد أن مسألة الفصل العنصري أنسب [لوصف] طريقة معاملة العرب الإسرائيليين [المواطنين الفلسطينيين في إسرائيل] داخل [إسرائيل]." وقد نشرت اللجنة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا التابعة للأمم المتحدة (الإسكوا) تقريرًا في وقت سابق من هذا العام جاء فيه أن إسرائيل منذ البداية "أنشأت نظامَ فصلٍ عنصري يهيمن على الشعب الفلسطيني بمجمله" - أي الفلسطينيين في الأرض الفلسطينية المحتلة، وفي الشتات، وداخل إسرائيل. 1

تتناول هذه الورقة السياساتية تحليل الفصل العنصري ومدى انطباقه على الفلسطينيين المواطنين في إسرائيل، مع التركيز على الجنسية، والأرض، والتعليم، والسياسة. وتختم باستراتيجيات حول كيفية توظيف هذا التحليل لتعزيز حقوق المواطنين الفلسطينيين والمساهمة في مواجهة تشتت الشعب الفلسطيني ككل.

الفصل العنصري وبداياته

القانون الدولي العرفي ونظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية يُعرِّفان الفصلَ العنصري بأنه "أية أفعال لا إنسانية... تُرتكب في سياق نظام مؤسسي قوامه الاضطهاد المنهجي والسيطرة المنهجية من جانب جماعة عرقية واحدة إزاء أية جماعة أو جماعات عرقية أخرى، وترتكب بنية الإبقاء على ذلك النظام."

على الرغم من أن الكثيرين يربطون الأبرتهايد أو الفصل العنصري بجنوب أفريقيا، فإن التعريف عالمي، ويتحدى الاعتقاد الخاطئ بأن الأبرتهايد كان حالةً استثنائية وانتهت. يتيح التعريف أيضًا فهمًا للفصل العنصري كنظامٍ يمكن أن يتسم بخصائص متعددة ويتجلى بطرق مختلفة، بما فيها الاقتصادية (انظر المقال مراجعة تعريفات الفصل العنصري، الذي يرى كاتباه أن الفصل العنصري لم ينته بعد في جنوب أفريقيا).

في الوقت الذي طُرِد فيه 750،000 فلسطيني إلى خارج حدود الدولة اليهودية الناشئة للتو في 1948، أُخضع 150,000 فلسطيني للأحكام العرفية لِما يقرب من 20 عامًا، وهي فترة عُرفت باسم فترة الحكم العسكري واستندت إلى نظام الطوارئ لسنة 1945 الذي سنّته سلطات الانتداب البريطاني لمراقبة عرب فلسطين. وقد كبَّل هذا النظام جوانبَ الحياة الفلسطينية كافة داخل الدولة الجديدة، بما في ذلك حرية التنقل والتعبير السياسي.

شهدت تلك الفترة مصادرات جماعية للأراضي من خلال قانون أملاك الغائبين الذي أقره الكنيست في 1950. ولا يزال هذا القانون الوسيلةَ الرئيسية لدى إسرائيل لمصادرة الأراضي، بما فيها أراضي القدس الشرقية، 2 حيث يسمح هذا القانون للدولة بالاستيلاء على ممتلكات مَن ترك مقر إقامته بين 29 تشرين الثاني/نوفمبر 1947 و19 أيار/مايو 1948. لقد رسَّخ هذا القانون وغير من القوانين كتلك المكونة بمجملها القانون الأساسي – بمثابة دستور إسرائيل إلى يومنا هذا - الفصلَ العنصري في النظام القانوني. ورسخت هذه القوانين أيضًا عقيدةَ الهيمنةِ اليهودية في دولةٍ يهوديةٍ دون مساواة للآخرين، وهي العقيدة التي تقوم عليها إسرائيل.

الجنسية والمواطنة في إسرائيل، خلافًا للحال في معظم البلدان، لهما معنى مختلف Click To Tweet

انتهى الحكم العسكري في 1966، ولا يزال المجتمع الفلسطيني يمثل تهديدًا ديموغرافيًا وسياسيًا كامنًا لطبيعة الدولة. ولذلك أبقت إسرائيل على الفلسطينيين معزولين ومهمَّشين. يبلغ عدد الفلسطينيين في إسرائيل اليوم 1.5 مليون، أي ما يعادل خُمس عدد السكان. ولم تبذل محاولات لاستيعابهم في هيكل المستوطنين، كما في حالات أخرى من نُظم الاستعمار الاستيطاني. وتسبب التركيز على الحفاظ على يهودية الدولة في تهميش الفلسطينيين المواطنين، وهم مع ذلك يكافحون من أجل البقاء.

الجنسية باعتبارها آليةً للفصل العنصري

كثيرًا ما يقال إن الفلسطينيين في إسرائيل مواطنون "من الدرجة الثانية"، ولكن هذا الوصف لا يعكس الواقع. على الرغم من أن الجنسيةَ الإسرائيلية أُعطيت للفلسطينيين الذين بقوا داخل حدود الدولة الوليدة، فإنها لم تُستخدم من البداية كآلية لإدماجهم، وذلك لأن الجنسية والمواطنة في إسرائيل، خلافًا للحال في معظم البلدان، لهما معنى مختلف. فبينما ثمة جنسية إسرائيلية، لا توجد مواطنة إسرائيلية؛ وإنما مواطنة تحددها الانتماءات الدينية/العرقية. تحدد إسرائيل 137 مواطنية ممكنة، تشمل اليهود والعرب والدروز، وهي مسجلة في بطاقات الهوية وفي السجلات. ولكن لأن الدولة تعرِّف نفسها دستوريًا كدولة يهودية، فإن المواطنية اليهودية تتفوق على مواطنية السكان غير اليهود (ومعظمهم من الفلسطينيين).

إن اعتبار الأمة اليهودية والدولة الإسرائيلية سيان يُفضي إلى إقصاء المواطنين غير اليهود. يوضح تقرير الإسكوا بأن التفريق بين الجنسية والمواطنة يتيح قيام نظام عنصري معقد ومخفي لا يراه بالضرورة المراقب غير العارف. يُقسِّم هذا النظامُ الناسَ إلى فئتين (اليهود وغير اليهود)، وهذا يُجسِّد تعريف الأبرتهايد أو الفصل العنصري بحد ذاته. وهكذا يُسمى المواطنون الفلسطينيون "عربَ إسرائيل"، وهو مصطلح بات شائعًا في وسائل الإعلام الرئيسية. وبالإضافة إلى كون هذا المصطلح جزءًا من آلية الإقصاء، يحاول هذا المصطلح نفي الهوية الفلسطينية عن هؤلاء المواطنين بينما يسمح لإسرائيل بتصوير نفسها كدولة متنوعة ومتعددة الثقافات. ويتجلى ذلك في فرص الحصول على الأراضي والإسكان والتعليم، كما سيأتي أدناه.

يطعن الفلسطينيون واليهود المواطنون في إسرائيل على السواء في قضية الجنسية والمواطنة في المحاكم الإسرائيلية. وبينما يسعى الفلسطينيون من وراء ذلك إلى نيل الحقوق الكاملة داخل الدولة، يسعى اليهود الإسرائيليون في العادة إلى التخلي عن هويتهم العرقية والدينية. وقد رفضت المحكمة العليا الإسرائيلية حتى الآن جميعَ الالتماسات لتغيير القانون على أساس أن المواطنة الإسرائيلية سوف تفتح فعليًا الباب لإدماج المواطنين من غير اليهود، وسوف تتحدى الأساس الصهيوني لإسرائيل باعتبارها دولة للشعب اليهودي.

الفصل والحرمان من الأرض

يتجلى الفصل العنصري داخل إسرائيل في التنظيم المكاني أيضًا. فمعظم الفلسطينيين المواطنين في إسرائيل يعيشون في قرى وبلدات عربية خالصة، وقلةٌ فقط يعيشون في "مدن مختلطة." وهذا الفصل ليس نمطًا سكنيًا عَرَضيًا ولا "طبيعيًا"، حيث إن نظرةً سريعة تُبيِّن هدفَ إسرائيل المتمثل في حشر أكبر عدد من العرب الفلسطينيين في أصغر بقعة ممكنة من الأرض.

صودرت مساحات واسعة من القرى التي نجت من التطهير العرقي سنة 1948، ولم يعد توسيع تلك القرى مسموحًا منذ ذلك الحين. لذا باتت تعاني تلك القرى والبلدات العربية اكتظاظًا شديدًا دون فرصةٍ لإغاثتها من خلال التنمية أو النمو. فضلًا على أنه لم تُبنَ أي بلدة أو قرية عربية جديدة منذ العام 1948.

إذا ترك الفلسطينيون بلداتهم وقراهم الأصلية، فإنهم مقيدون من حيث شراء الأراضي أو استئجارها من خلال آليتين رئيسيتين هما لجان القبول والصندوق القومي اليهودي، وسياسات السلطات الرسمية التمييزية. يُسمَح للمجتمعات الريفية أن تنشئ لجانَ قبول لتقييم "مدى الملاءمة الاجتماعية" للسكان المحتملين، وهذا يمهد لرفض المتقدمين الفلسطينيين "بالقانون" لأنهم ليسوا يهودا. وقد أيدت المحكمة العليا هذه الممارسة رغم الطعون فيها.

لم تُبنَ أي بلدة أو قرية عربية جديدة منذ العام 1948 Click To Tweet

اتُهمت سلطة أراضي إسرائيل (التي كانت تُعرف باسم دائرة أراضي إسرائيل حتى عام 2009) منذ نشأتها باستدامة ولاية الصندوق القومي اليهودي كوصي على أرض فلسطين للشعب اليهودي والعمل وفقًا لقانون الأحوال الشخصية الذي وضعته المنظمة الصهيونية العالمية – الوكالة اليهودية في العام 1952، والذي يسعى في المقام الأول إلى تجميع يهود العالم وتوطينهم في إسرائيل.

وهكذا يستديم التخطيطُ والتنظيم المكاني الحضري والريفي هيمنةَ الطابع اليهودي للدولة ويدعم الرواية الصهيونية. والهدف من المخطط القومي الشمولي لإسرائيل، الموضوع وفقًا لقانون التخطيط والبناء لسنة 1965، يؤكد هذه السياسة: "تطوير مساحات في إسرائيل بطريقةٍ تسمح بتحقيق أهداف المجتمع الإسرائيلي ومكوناته المختلفة، وتحقيق طابعها اليهودي، واستيعاب المهاجرين اليهود، والحفاظ على طابعها الديمقراطي."

لقد كان لهذه الأيديولوجية والسياسات التي تسندها عواقبَ وخيمةً على المساحات الفلسطينية داخل حدود 1948. ففي الجليل، حيث الأغلبية الفلسطينية، بذلت الحكومة الإسرائيلية محاولات جادة لتهويد المنطقة، مثل تطويق القرى الفلسطينية بالمستوطنات اليهودية للحيلولة دون تواصلها الجغرافي – وهذا يكشف انشغال الدولة بالتركيبة السكانية، ولاسيما خشيتها من زيادة عدد السكان الفلسطينيين. ويتجلى هذا الانشغال الإسرائيلي أيضًا في الاستمرار في تهجير عشرات الآلاف من البدو الفلسطينيين في النقب وترحيلهم قسرًا.

يعيش نحو 90,000 بدوي في "قرى غير معتَرف بها،" أي أن إسرائيل تعتبر هذه القرى غير قانونية وسكانها "متعدين" على أراضي الدولة. ينشأ تصنيف "القرى غير القانونية" من أن العديد من القرى سَبقت وجود دولة إسرائيل، وأن ملكية الأرض يحددها العرف البدوي. أمّا القرى الباقية، فقد أنشأها البدو عقب طردهم من أراضي أجدادهم في 1948، وهي ليست "مرخَّصة" من الدولة. وهكذا تتذرع إسرائيل بغياب الصفة القانونية من أجل حرمان العديد من بدو النقب من الخدمات الأساسية كالماء والكهرباء، وهدم القرى في كثير من الحالات.

إن عيش الفلسطينيين واليهود في أماكن منفصلة يُسهِّل على إسرائيل حرمانَ الفلسطينيين من الخدمات في أماكن أخرى داخل حدود 1948. وتتواطأ المنظمات شبه الحكومية العاملة في مجال تخصيص الموارد في حرمان الفلسطينيين من تلك الموارد. وهذه المنظمات عبارة عن هيئات يهودية أو صهيونية، مثل الوكالة اليهودية والمنظمة الصهيونية العالمي، تسعى إلى خدمة الشعب اليهودي واستدامة الطابع الصهيوني للدولة. ولذلك يحرمون الفلسطينيين من الموارد كما يحرمونهم الحيزَ المكاني على أساس أنهم من غير اليهود. وعلى الرغم من أن العديد من البلدان تمارس التوزيع غير المتساوي والعادل للأرض والموارد، فإن تلك السياسات قلما تكون مذكورةً بنص القانون صراحةً كما الحال في إسرائيل.

استدامة النظام

تستديم إسرائيلُ نظامَ الفصل العنصري هذا بأساليب متنوعة من السيطرة الخارجية والداخلية. فهي تحاول إخضاع الفلسطينيين ضمن حدود 1948 منذ ولادتهم مرورًا بمراحلهم التعليمية. يُفرِّق النظام المدرسي الرسمي الذي أُنشئ إبان فترة الحكم العسكري بين الأطفال الفلسطينيين وبين الأطفال اليهود في مدارس منفصلة. يقول أستاذ التربية في جامعة بن غوريون في النقب، إسماعيل أبو سعد، إنه بالرغم من تغير الهياكل الرسمية للنظام العسكري منذ ذلك الحين، فإن استراتيجية استخدام "التعليم كأداة لتحقيق مآرب سياسية لا تزال تصوغ التجربةَ التعليمية للطلاب الفلسطينيين العرب الأصليين في إسرائيل اليوم."

تنطوي الاستراتيجية السياسية على التحكم بالمناهج الدراسية لطمس الهوية الفلسطينية ومنع التعبئة ضد الدولة. تعاني المدارس الفلسطينية أيضًا قلةَ الموارد، فينفَق على الطالب الفلسطيني أقل من ثلث ما يُنفق على نظيره اليهودي. تبيِّن قلةُ الموارد التفاوتَ الصارخَ بين هاتين الفئتين من المواطنين، وتعوق فرص الأطفال الفلسطينيين في المستقبل لاحقًا.

التجزئة هي الأسلوب الأبرز الذي تنتهجه إسرائيلُ لفرض الفصل العنصري على الشعب الفلسطيني Click To Tweet

تحظى المدارس الإسرائيلية اليهودية بمستوى عال من الاستقلالية من حيث مناهجها الدراسية، بينما تضع وزارة التربية والتعليم مناهج المدارس الفلسطينية. فليس من المستغرب إذن أن تركِّزَ المناهجُ الدراسية في المدارس الفلسطينية بشكل شبه كامل على التاريخ اليهودي وعلى "القيم" والثقافة اليهودية دون الإشارة إلى التاريخ الفلسطيني/العربي. أمّا رواية النكبة الفلسطينية فهي أصلًا محظورة بموجب القانون. يخوِّل قانون أسس الميزانية الإسرائيلي، المعروف بين العامة باسم "قانون النكبة"، وزير المالية بتقليص التمويل الرسمي أو وقفه عن أي مؤسسة تُحيي ذكرى النكبة أو تعلن الحداد في يوم استقلال إسرائيل. وهذا يشمل المدارس، والمنظمات غير الحكومية، والمجالس البلدية القروية. ويُراد من إنكار هذا الحدث المفصلي في التاريخ الفلسطيني قطعُ الفلسطينيين عن الهوية الجماعية التي تضطلع النكبة بدورٍ رئيسي في تكوينها.

وفي حين يستطيع الفلسطينيون تحقيقَ مكاسب محدودة في إطار النظام القانوني الإسرائيلي من خلال الدعاوى القضائية أو الاستئنافات، فهم عاجزون عن تحدي النظام العنصري بجدية. وبالرغم من أن المشاركة الفلسطينية في الكنيست تُساقُ كثيرًا كدليلٍ على تعددية الدولة وديمقراطيتها، فإن أي حزبٍ عربي منذ العام 1948 لم يكن جزءًا في أي ائتلاف حاكم، ولم يصل سوى حفنة من المواطنين الفلسطينيين إلى مناصب وزارية. قد يواجه المرشحون لعضوية الكنيست الرفضَ إذا أنكروا وجود إسرائيل كدولة يهودية وديمقراطية، وهذا يشرط المشاركةَ السياسية في إسرائيل بقبول أن الدولة للشعب اليهودي وأن الوجود الفلسطيني داخل الدولة لن يتساوى أبدًا والوجود اليهودي.

ولذلك تجري التعبئة السياسية ضد النظام خارج دوائر السياسة المؤسسية، إمّا داخل المجتمع المدني أو في أوساط الناشطين، وكلاهما تحت المراقبة والمضايقة المستمرة. يوثق المركز القانوني لحقوق الأقلية العربية في إسرائيل - عدالة – الاعتقالات والمضايقات المنهجية التي تمارسها الدولة بحق الجهات الفاعلة الرئيسية في المجتمع المدني والناشطين السياسيين. وكثيرًا ما تقمع الدولةُ المظاهرات باستخدام العنف، كما في تشرين الأول/أكتوبر 2000 حين قُتل 13 فلسطينيًا أعزل من فلسطينيي الداخل بالرصاص لاحتجاجهم التضامني مع الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة.

تُصرُّ إسرائيل، بالرغم من هذه الممارسات القاسية والعنيفة، على صورتها كدولةٍ ديمقراطية ليبرالية متعددة الثقافات، وحليفٍ للغرب في منطقة معادية له. وتصورُ الصهيونيةَ كأيديولوجيةٍ قومية يهودية وليس كأساس لنظام الاستعمار الاستيطاني الذي يمارس الفصل العنصري. وقد نجحت إسرائيلُ أيضًا في صياغة النقاش حول ماهية فلسطين والهوية الفلسطينية.

لقد قسَّمت النكبةُ الشعبَ الفلسطيني بالفعل إلى ثلاثة أجزاء: الفلسطينيون المواطنون في إسرائيل، والفلسطينيون في الضفة الغربية وقطاع غزة، والفلسطينيون في الشتات (اللاجئون). ولا تزال إسرائيل وعمليات السلام الدولية المختلفة، بما فيها اتفاقات أوسلو، مستمرةً في ترسيخ هذه التجزئة من خلال الفهم القاصر المقصود الذي يحمل فلسطين على أنها "الأرض الفلسطينية المحتلة" - والشعب الفلسطيني على أنه الشعب المتواجد على تلك الأرض فقط. وهذا الوضع لا يعترف بالنكبة كجزء من الحكاية الفلسطينية، ويستثني بالتالي الفلسطينيين المواطنين في إسرائيل واللاجئين الفلسطينيين في الشتات من النضال الفلسطيني للتحرير. يؤكد تقرير الإسكوا أن هذه التجزئة هي الأسلوب الأبرز الذي تنتهجه إسرائيلُ لفرض الفصل العنصري على الشعب الفلسطيني. لذا فإن من الأهمية بمكان أن توضعَ استراتيجيات لتوظيف تحليل الفصل العنصري وتحدي هذه التجزئة.

تحليل الأبرتهايد كاستراتيجية لتأمين حقوق الفلسطينيين كافة

لم يدخل مصطلح الأبرتهايد أو الفصل العنصري وسائل الإعلام الرئيسية أو الدوائر السياساتية فيما يتعلق بقضية فلسطين وإسرائيل لجسامة تبعاته السياسية والقانونية. ويُستَخدم أحيانًا لوصف الوضع في الضفة الغربية فقط. وقد سُحب تقرير الإسكوا بُعيد صدوره عقب ضغوط أمريكية وإسرائيلية هائلة، حيث خَلصَ التقرير إلى أن إسرائيل تمارس الفصل العنصري على الشعب الفلسطيني بأكمله.

ومع ذلك، يمكن توظيف تحليل الفصل العنصري على نحو استراتيجي لمواجهة تجزئة الشعب الفلسطيني وتدعيم الحقوق الفلسطينية، بما فيها حقوق الفلسطينيين المواطنين في إسرائيل. وثمة أسباب عدة تبيِّن أهمية تحليل الفصل العنصري في هذا الصدد.

المشكلة تكمن في الأساس الدستوري للدولة نفسها Click To Tweet

أولاً، يوفر القانون الدولي قالبًا وتعريفًا عالميًا لهذا المصطلح يُقر بأن الفصل العنصري يمكن أن يتخذ أشكالاً مختلفة. لذا لا ينبغي أن ينحصر فهم الفصل العنصري في تجربة جنوب أفريقيا. الفصل العنصري هو أيضًا آلية مقننة تُمارَس وتُستَدام من خلال الدولة. وهكذا فإن المشكلة لا تكمن في حزبٍ سياسي أو سياسيين يشكلون حكومة، وإنما في الأساس الدستوري للدولة نفسها. وأخيرًا، يرى تحليل الفصل العنصري بأن نظامَ إسرائيل القمعي والتمييزي لا ينال من أجزاء المجتمع الفلسطيني كافة وحسب، بل ويقوم على تلك التجزئة. لذا لا بد للحلول طويلة الأجل لانتهاكات حقوق الفلسطينيين أن تراعي كل فئة من فئات الشعب الفلسطيني، وألا تقتصر على الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة.

تتيح نقاط القوة هذه فرصةً لوضع استراتيجيات ممكنة. فينبغي للعاملين في مجال القانون الدولي وتحليل السياسات أن يواصلوا السعي لإعمال الحقوق الفلسطينية في إطار الاحتلال العسكري، ولا سيما الاعتراف بالخط الأخضر. ولا بد لصانعي السياسة الفلسطينية والجهات الفاعلة في المجتمع المدني أن يؤكدوا أن الفلسطينيين المواطنين في إسرائيل وإخوانهم اللاجئين ليسوا مفصولين عن النضال الفلسطيني العام. إن جمع هذه الأجزاء معًا سوف يُعيِن على تحدي قيود الخطاب الدولي الذي يحدد هوية الفلسطيني.

ينبغي أن يسعى الفلسطينيون، وبخاصة القيادات السياسية والمدنية، للتصدي للتجزئة التي يفرضها النظام الإسرائيلي. ويجب على القيادات أن تتأمل في حقبة ما قبل أوسلو التي شهدت تعاونًا أكبر عبر الخط الأخضر، وأن تبني على الجهود التي تبذلها في الوقت الحاضر منظمات غير حكومية مختلفة، وإنْ كانت على نطاق ضيق، من أجل توحيد الشباب الفلسطيني، ومنها جمعية بلدنا - جمعية الشباب العرب في حيفا. المطلوب هو جهدٌ جماعي من الفلسطينيين في جانبي الخط الأخضر وفي المنفى يدفع باتجاه صياغة رؤيةٍ سياسية ومستقبلٍ قابل للحياة.

ولهذه الرؤية سابقة لدى الفلسطينيين المواطنين في إسرائيل تتمثل في وثائق الرؤية المستقبلية المنشورة في 2006-2007 بجهدٍ جماعي من سياسيين ومفكرين وقادة مدنيين فلسطينيين. حددت تلك الوثائقُ المطالبَ الاجتماعية والسياسية للمجتمع الفلسطيني في إسرائيل، وطرحت كذلك رواية فلسطينية موجزة. وكانت النتيجة إطارًا نظريًا ومنظمًا للحقوق الفلسطينية داخل دولة إسرائيل، يضع تصورًا للمستقبل بغض النظر عن القيود السياسية المفروضة من أعلى إلى أسفل، ويقدِّم مقترحات لسياسات واقعية.

غير أن تركيز الوثائق على الداخل الإسرائيلي يُبرز محدوديتها، ولا سيما فيما يتعلق بتشتت الشعب الفلسطيني. لذا فإن توسيعَ هذه الرؤية لتشمل ما وراء الخط الأخضر وتحويلها إلى مطلب لإنهاء الفصل العنصري والتجزئة القسرية يجب أن يحتل دورًا محوريًا في النضال التحرري الفلسطيني. فلن تتسنى مساءلة أوجه الأبرتهايد الإسرائيلي كافة إلا من خلال هذا الجهد.

ملاحظات:

  1. يقول تقرير الإسكوا: " أنشأت إسرائيل نظام فصل عنصري يهيمن على الشعب الفلسطيني بمجمله... وتمارس إسرائيل سياسات وممارسات تمثِّل جريمة الفصل العنصري كما ورد تعريفها في صكوك القانون الدولي".
  2. من آخر الحالات محاولة طرد عائلة غيث صب لبن سنة 2014 من منزلهم في مدينة القدس القديمة الذي عاشوا فيه لمدة 60 عامًا.