صور الأقمار الصناعية واستثناء فلسطين-إسرائيل

Palestine Satellite Image

مقدمة

تُستثنى فلسطين-إسرائيل في الولايات المتحدة وخارجها من القواعد المطبقة في سائر دول العالم. يتجلى هذا الاستثناء في الولايات المتحدة غالبًا في الرقابة المفروضة على وجهات النظر الفلسطينية.  تُمارَس هذه الرقابة على مستويات عديدة مختلفة مثل الجامعات، حيث تُستثنى فلسطين من الحق في حرية التعبير، اما في اطار الحكومات المحلية، تُستثنى إسرائيل من الحق في المقاطعة. بل ويمتد هذا الاستثناء حتى يطال جودة الصور الجوية وصور الأقمار الصناعية الملتقطة لفلسطين-إسرائيل.

سنَّ مجلس النواب الأمريكي باتفاق الحزبين تشريعًا في 1997 يحدُّ من جودة الصور الجوية الملتقطة لفلسطين-إسرائيل المتاحة للعامة عبر منصات مثل غوغل إيرث (Google Earth) و بينغ مابس (Bing Maps). يحظر قانون كايل-بينجامان (Kyl-Bingaman) المعدِّل لقانون تفويض الدفاع القومي الأمريكي توفير صور الأقمار الصناعية عالية الدقة من خلال منع مشغلي الأقمار الصناعية وتجار التجزئة في هذا المجال داخل الولايات المتحدة من بيع أو نشر صور لفلسطين-إسرائيل بدرجة وضوح أعلى من تلك الصور المتوفرة في الأسواق خارج الولايات المتحدة. وقد تسبب هذا القانون في محدودية الحصول على صور جوية واضحة لفلسطين-إسرائيل.

يغطي التصوير عالي الدقة مساحات شاسعة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، حيث يبلغ متوسط درجة الدقة نحو 0.5 متر (للبيكسل)، بالإضافة الى ذلك فان أي جسم أكبر من هذا الحجم يكون مرئيًا بشكلٍ أو بآخر في صور الأقمار الصناعية، بما في ذلك معظم المواقع الأثرية في العالم العربي. اما الصور التي تفوق درجة دقتها القصوى المترين للبيكسل، فإنها لا تكون واضحة. ومن منظور آثاري، فإن هذا لا يعطي صورةً دقيقة للتضاريس المتغيرة.

وعلى النقيض مما هو سائد في سائر المنطقة، فإن الصور المنشورة لفلسطين-إسرائيل هي الأقل وضوحًا وبشكل متعمد، ويُعزى ذلك لقانون كايل-بينجامان، الذي يتذرع بشواغل الأمن القومي الإسرائيلي ليقلل دقة الصور الملتقطة لفلسطين-إسرائيل المتاحة للعامة. وبالتالي، فإن معيار دقة المترين للبيكسل أصبح "الأساس المتصوَّر" لِما يمكن بيعه في سوق الصور التجارية، بما في ذلك ما توفره منصات مثل غوغل إيرث.

على الرغم من أن قانون كايل-بينجامان جاء بذريعة حماية أمن إسرائيل القومي، فإن من الأدق وصفه كقانون رقابة، إذ إنه يتعمد إبهام الصور الجوية لفلسطين-إسرائيل، ويعوق بذلك عمل علماء الآثار والبيئيين والجغرافيين والعاملين في المجال الإنساني. كما يضع عراقيل حقيقية ليس فقط في طريق الحفاظ على التراث الثقافي، بل أيضًا في طريق محاسبة إسرائيل على استيلائها على الأراضي وهدمها البيوت ونشاطها الاستيطاني.

وفي حين أن هذا القانون ينطبق على الشركات الأمريكية فقط، إلا أن هيمنة هذه الشركات على سوق صور الأقمار الصناعية التجارية قد مأسست القانون فعليًا على نطاق عالمي، مما يؤثر في قدرة الباحثين حول العالم على الحصول على الصور. غير أنه ومنذ العام 2012 شهدَ العالم زيادةً ثابتة في شركات الأقمار الصناعية العاملة خارج الولايات المتحدة والتي تستخدم تكنولوجيا أقمار صناعية متقدمة لإنتاج صور عالية الدقة لفلسطين-إسرائيل. وهذه التطورات تدعو لإعادة النظر في قانون كايل-بينجامان واللوائح التنظيمية المنبثقة عنه.

وعلى غرار البحوث المنفذة في إطار مشروع الآثار المُعرضة للخطر في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا (EAMENA) الذي يستند إلى صور الأقمار الصناعية (والصور الجوية التاريخية) لدراسة تغير التضاريس، وتسجيل حالة المواقع الأثرية بالاعتماد غالبًا على غوغل إيرث وبينغ مابس - ولا سيما ما توصل إليه الدكتوران أندريا زيربيني ومايكل فرادلي من كلية الآثار بجامعة أوكسفورد - يدعو هذا التعقيب إلى إبطال قانون كايل-بينجامان ولوائحه التنظيمية. ويدعو بالحُجة إلى تبنّي سياسة السماء المفتوحة في فلسطين-إسرائيل لضمان حرية الوصول التام للعلماء والباحثين والعاملين في المجال الإنساني المتطلعين لاستخدام التطورات التكنولوجية في عملهم. وبالإضافة إلى ذلك، تعود سياسة السماء المفتوحة على الفلسطينيين بالنفع حيث إن من شأن الصور الواضحة لفلسطين-إسرائيل أن تعزِّزَ النقاشات حول الممارسات الاستعمارية المكانية والسُبل الممكنة لإنهاء الاستعمار.

قانون كايل-بينجامان

سنَّ مجلس النواب الأمريكي قانون كايل-بينجامان في حقبة التسعينات بعد الحرب الباردة، وأشار صحفي حينها من صحيفة وول ستريت جورنال إلى أن القانون هو "خطوة أولى في طريق الابتعاد عن سياسة السماء المفتوحة التي اتفقت عليها الولايات المتحدة ودول أخرى لأكثر من ثلاثة عقود." وكان الرئيس الأمريكي حينها بيل كلينتون مؤيدًا لسياسة السماء المفتوحة، وسعى قبلها إلى توسيع قطاع "الاستشعار عن بُعد" التجاري النامي. وأسفرَ ذلك عن توترٍ بين الولايات المتحدة وإسرائيل ما انفك يغلي منذ العام 1992 حين ألغت وزارة الخارجية الأمريكية، تحت ضغطٍ إسرائيلي، طلبًا من الإمارات العربية المتحدة لشراء قمر صناعي للتصوير من شركة أمريكية.

وفي 1994، حاولت شركة أقمار صناعية أمريكية بناءَ محطةٍ أرضية في الرياض تمكِّن السلطات السعودية من الحصول على صور عالية الدقة للمنطقة بما فيها فلسطين-إسرائيل. ولكن هذا الطلب أُلغي أيضًا جراء الضغط الإسرائيلي المستمر على أعضاء الكونغرس. وفي 1995، اضطرت شركة الأقمار الصناعية تلك إلى التعهد بألا تغطي أقمارها الصناعية إسرائيل.

وصلت الأمور إلى ذروتها في العام نفسه عندما أصدر كلينتون الأمرَ التنفيذي رقم 12951 الذي رفع به السريةَ عن أكثر من 860,000 صورة التقطتها أقمار التجسس الصناعية في الفترة بين 1960 و1972. فقد أثارت تلك الخطوة ذعرَ الحليف الإسرائيلي واستنكاره، حيث استهجن إتاحة تلك البيانات الجغرافية المستفيضة باعتبارها تهديدًا لأمنه القومي.

اقترحَ عضو مجلس الشيوخ الجمهوري عن ولاية أريزونا، جون كايل، قانون كايل-بينجامان في 1996 كَردٍ على رفع صفة السرية عن صور الأقمار الصناعية التجسسية التي قال إنها "يمكن أن تضر بغير قصد بالأمن القومي لدولة إسرائيل." وفي الوقت نفسه، كان المسؤولون الإسرائيليون يضغطون، بحسب التقارير، على إدارة كلينتون لفرض حدِّ على دقة الصور مقداره ثلاثة أمتار للبيكسل الواحد على جميع مزودي الصور التجارية التي تغطي إسرائيل. ويدل إدخال هذا التعديل في القانون على قوة جماعات الضغط الموالية لإسرائيل ونفوذها الذي تخلَّل في هذه الحالة حتى وصل إلى صميم عمل الحكومة الأمريكية تحقيقًا للمصالح الإسرائيلية.

يتسم نص قانون كايل-بينجامان بعدم الوضوح، ولا سيما فيما يتعلق بنطاقه الجغرافي. صدرَ هذا القانون بعد توقيع اتفاقات أوسلو في 1995 وبعد استحداث السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة. وبما أن القانون يذكر إسرائيل بالاسم فقط، فإنه نظريًا يحتوي على ثغرة يمكن أن تستغلها شركات الأقمار الصناعية التجارية لالتقاط صور للأرض الفلسطينية المحتلة ونشرها. غير أن القيود التي يفرضها القانون تنطبق في الممارسة العملية على كامل فلسطين-إسرائيل.

ثمة لَبسٌ كبير أيضًا يحيط بأقصى درجات الدقة المسموحة بموجب قانون كايل-بينجامان، وهذا يتسبب في تفسيرات متضاربة لدى الهيئات التنظيمية الأمريكية. تقع مسؤولية تنفيذ اللوائح التنظيمية المتعلقة بالاستشعار عن بعد على عاتق وزارة التجارة الأمريكية والإدارة الوطنية للمحيطات والغلاف الجوي.

تُعد الإدارة الوطنية للمحيطات والغلاف الجوي هيئةً تفتقر إلى التمويل، ما برحت تعاني على مر السنين حتى تواكب الزيادة الكبيرة في أعداد الأقمار الصناعية وقدراتها، ولا يبدو أن لديها نظامًا مطبقًا لمراقبة نوعية الصور المتاحة دوليًا. ينص الموقع الإلكتروني للإدارة الوطنية للمحيطات والغلاف الجوي صراحةً على أن الامتثال لقانون كايل-بينجامان هو متطلبٌ من متطلبات الحصول على ترخيص تجاري. وتطلب من المتقدمين للحصول على رخصة أن يقدموا وثائق تبين كيف أن الأنظمة المستخدمة لديهم سوف تقيد التقاط الصور للأراضي الإسرائيلية ونشرها.

على الرغم من أن قانون كايل-بينجامان جاء بذريعة حماية أمن إسرائيل، إلا أن من الأدق وصفه كقانون رقابي Click To Tweet

لقد تقدم التصوير بالأقمار الصناعية كثيرًا من حيث حجم هذه الصناعة وتنوعها في السنوات الاثنتين والعشرين الماضية منذ صدور قانون كايل-بينجامان، وبالرغم من أنه كان يُفترض بالقانون أن يخضعَ لمراجعة دورية، إلا أن ذلك لم يحصل.

إن خدمة غوغل إيرث التي أُطلقت في 2005، وما أعقبها من نُظم أخرى مفتوحة للمستخدمين مثل بينغ مابس التابعة لشركة مايكروسوفت (Microsoft) وأبل مابس (Apple Maps) وغيرها، تتيح لأي شخصٍ متصلٍ بالإنترنت أن يحصل على صور الأقمار الصناعية في أي مكان في العالم. وقد كان للنمو الهائل في سوق صور الأقمار الصناعية تداعيات رقابية كُبرى للهيئات التنظيمية مثل الإدارة الوطنية للمحيطات والغلاف الجوي، ومع ذلك ظلت المتحجرات مثل قانون كايل-بينجامان كما هي.

لا ينبغي الاستهانة باستخدامات الصور الجوية. فمن المنظور الآثاري والجغرافي والجيولوجي والنباتي، تُمكِّن الصور الجوية الباحثين من فهم التغيرات التضاريسية وتحديدها وتوثيقها. وفي معظم العالم العربي، حيث تبلغ دقة الصور الملتقطة في متوسطها نحو 0.5 متر للبيكسل الواحد، دأب الباحثون على الاعتماد على الصور المتوفرة مجانًا من خلال غوغل إيرث وبينغ مابس.

الصور الملتقطة لفلسطين-إسرائيل مقيدة بدقة تبلغ مترين للبيكسل الواحد (أي تفاصيل أقل بست عشر مرة)، ولهذا أثرٌ بالغ في قدرة الباحثين على الحصول على المعلومات. وفي حين أن هذه الصور تتيح ملاحظة التغيرات الكبيرة في استخدامات الأرض (مثل بناء مستوطنات بحجم المدن في الضفة الغربية، وتجريف المباني الفلسطينية)، إلا أن من الصعوبة بمكان تمييز التغيرات الأدق. وفي هذا الصدد، يؤكد عالما الآثار في جامعة أكسفورد، فرادلي وزيربيني، بأن "حُفر النهب أو الاعتداءات بواسطة المشاريع الإنشائية الصغيرة لا يمكن كشفه إلا من خلال الصور التي تبلغ دقتها أقل من متر واحد للبيكسل."

يؤثر تدني دقة صور الأقمار الصناعية أكثر في جهود العمل الإنساني المبذولة في توثيق انتهاكات حقوق الإنسان وتقييم الأضرار في المناطق التي يصعب الوصول إليها مثل قطاع غزة المحاصر منذ عام 2005. فالصور المضبَّبة تجعل من قياس حجم الدمار اللاحق بغزة جراء الاجتياحات العسكرية في 2008-2009، و2012 و2014 تحديًا أكبر.

إن هذه الرقابة الصريحة تؤثر كثيرًا في المجموعات الفلسطينية. فهناك أكثر من ثلاثة ملايين لاجئ فلسطيني يعيشون في المنفى خارج فلسطين-إسرائيل، ومعظمهم لا يملك سبيلًا للعودة أو حتى الزيارة. وفي هذه الحالات، يمكن أن تُستخدم التكنولوجيا كأداة لتخيل حق العودة بطريقة محسوسة. فالصور عالية الدقة غير الخاضعة للرقابة تمكِّن الفلسطينيين من تصنيف ما تبقى من قراهم وبلداتهم المدمرة إبان النكبة التي تدل على خسارة الوطن الفلسطيني وطرد نحو 750,000 فلسطيني في 1947-1948. ومن منظور العمل على إنهاء الاستعمار، تقدِّم الصور الدقيقة المفصلة، التاريخية والحديثة، دليلًا معتبرًا على التمدد الاستعماري المتواصل على الأرض الفلسطينية المحتلة، وتسمح للفلسطينيين بتصور واقع بديل.

تحدي الرقابة الأمريكية

ما انفك عدد الصور عالية الدقة التي توفرها الشركات غير الأمريكية يزداد باطراد في السنوات الست الماضية، وهذا يجعل قيود قانون كايل-بينجامان باليةً وأكثر تقادمًا. فهناك طائفة من شركات الأقمار الصناعية العاملة خارج الولايات المتحدة التي باتت توفر صورًا عالية الدقة لفلسطين وإسرائيل بدقة تبلغ 0.4-0.7 متر للبيكسل الواحد (بما يتماشى مع المتوسط العالمي).

ومن أبرز مصادر هذه الصور بلياديس (Pléiades) وهو عبارة عن قمرين صناعيين مكرسين لمراقبة الأرض بصور عالية الدقة جرى تطويرهما وتشغيلهما بواسطة شركة إيرباص للدفاع والفضاء بموجب عقد مبرم مع المركز الوطني للدراسات الفضائية الفرنسية. أُطلق القمران في كانون الأول/ديسمبر 2011 وكانون الأول-ديسمبر 2012، وهما يغطيان المنطقة الممتدة من نهر الأردن وحتى البحر المتوسط. وقد ساهم ما توصل إليه القمران الصناعيان بالفعل في توثيق الانتهاكات الإسرائيلية للقانون الدولي، ولاسيما في الدراسات التي تناولت الأضرار اللاحقة بغزة في قصف 2014.

وفي حين أن إيرباص كانت الأولى التي تتيح صورًا تجاريًة عالية الدقة لفلسطين-إسرائيل، الا إنها لم تعد الوحيدة. إذ دخلت السوق منذ 2013 ست شركات وهيئات فضاء آخرى وفَّرت صورًا تبلغ دقتها أقل من متر واحد للبيسكل. وبحسب زيربيني وفرادلي، فإن الصور عالية الدقة التي كانت شحيحة في الماضي "باتت الآن كالفيضان." وصار التحدي الماثل أمام الباحثين العاكفين على رسم خرائط للتغيرات الحاصلة على مر الزمن يتمثل في الحداثة النسبية للصور. فأرشيف صور الأقمار الصناعية الجديدة هذه يعود عمره لبضع سنوات فقط، مما يُصعِّب عمليةَ توثيق التغيرات التي طرأت على التضاريس والتوسع الاستيطاني العمراني طوال الفترة التي نشطت فيها إسرائيل في الهدم والبناء وكل ما أدى إلى تغيير معالم الأرض.

من منظور العمل على إنهاء الاستعمار، تسمح الصور الدقيقة المفصلة للفلسطينيين بتصور واقع بديل Click To Tweet

بالرغم من توفر الصور عالية الدقة لفلسطين-إسرائيل في الأسواق التجارية في الآونة الأخيرة، إلا أن التصور ما يزال قائمًا بأن قيود كايل-بينجامان لا تزال تفرض مستوى دقة يبلغ مترين للبيكسل الواحد على الشركات الأمريكية. ويُعزى هذا الإرباك إلى فشل وزارة التجارة الأمريكية والإدارة الوطنية الأمريكية للمحيطات والغلاف الجوي في مراجعة التغيرات الحاصلة، وإصدار توجيهات واضحة ومحدَّثة لمشغلي الأقمار الصناعية وبائعي الصور بالتجزئة في الولايات المتحدة. وينبغي لهاتين الهيئتين أن تحددا مستوى الدقة المقبول بناءً على مراجعة لمستوى الصور المتاحة تجاريًا من خارج الولايات المتحدة.

لم تُصدر الإدارة الوطنية للمحيطات والغلاف الجوي أي لوائح تنظيمية محدَّثة في الفترة التي تلت طرح صور بلياديس في السوق في 2012، ولم تُصدر أيضًا أي بيانات عامة بشأن قانون كايل-بينجامان في السنوات ما بين 2007 وآب/أغسطس 2017. ومع ثبوت مستوى الدقة العالمي عند 0.5 متر للبيكسل الواحد، إلا أن السوق الأمريكية ما تزال تلتزم بالمستوى المقنن في 1997 والبالغ مترين اثنين للبيكسل الواحد. ولم يُعقد أي نقاش رسمي عام حول الجدوى العملية من قانون كايل-بينجامان في السنوات الأخيرة بالرغم من تقادمه. ومع أن الإدارة الوطنية للمحيطات والغلاف الجوي تعكف على إجراء مراجعة حاليًا، إلا إنها تسير ببطء شديد.

لا يقتصر النقاش حول "السماء المفتوحة" على السوق التجارية. فخدمتا غوغل إيرث وبينغ مابس تقاومان بهدوء هذه القيود البالية. ففي السنوات القليلة الماضية استخدمت خدمة غوغل إيرث مربعات من صور إيرباص غير الخاضعة للرقابة تغطي جيوبًا في فلسطين-إسرائيل والأجزاء المحتلة من سوريا، بما فيها أجزاء من الحدود الإسرائيلية اللبنانية في الشمال، وشمال وغرب مرتفعات الجولان، وكذلك الشمال الغربي من الضفة الغربية، ولم تحاول غوغل إيرث أن تُخفِّض دقة الصور لتتماشى وقاعدة المترين للبيكسل المفروضة أمريكيًا.

لا يمكن للمرء أن يجزم بالسبب الكامن وراء التفاف الشركات الأمريكية على قيود الإدارة الوطنية للمحيطات والغلاف الجوي، ونشرها صورًا مفصلة. فلعل ذلك طريقتها في انتقاد القيود الأمريكية المتخلفة والبالية، أو طريقتها للاعتراف ضمنيًا بفلسطين والأرض السورية، التي هي أراضٍ محتلةٌ من وجهة النظر القانونية وليست جزءًا من دولة إسرائيل الحالية وبالتالي لا تخضع لقانون كايل-بينجامان. وبغض النظر عن دوافع تلك الشركات، فإن الصور غير الخاضعة للرقابة تلغي الاستثناء الإسرائيلي وتوفر للعلماء والعاملين في المجال الإنساني والفلسطينيين إمكانيةَ وصول أكبر.

الخلاصة

مع انتشار الأقمار الصناعية التجارية غير الأمريكية التي تلتقط صورًا عالية الدقة لفلسطين-إسرائيل في السنوات الأخيرة، فإن الأوان قد حان منذ زمن لإلغاء الرقابة البالية المفروضة بموجب قانون كايل-بينجامان وإجراء نقاش عام حول نشأته وأهدافه.

إن المساواة التجارية بين مزودي صور الأقمار الصناعية في الولايات المتحدة وخارجها يمكن تحقيقه من خلال التخلص من قانون كايل-بينجامان وتعديل اللوائح التنظيمية المعمول بها في وزارة الخارجية الأمريكية والإدارة الوطنية للمحيطات والغلاف الجوي. وهذا ان حصل سيسمح لمشغلي الأقمار الصناعية بنشر صور عالية الدقة لفلسطين-إسرائيل عبر المنصات المفتوحة المستخدمة على نطاق واسع، وسيضمن استمرار تنافسيتهم الدولية. غير أن مراجعة اللوائح التنظيمية تعتمد على تقييم صانعي السياسات وواضعي اللوائح التنظيمية في الولايات المتحدة، وعلى انحيازاتهم السياسية، وعلى جهود الضغط التي تستهدفهم.

زيادة الوصول إلى البيانات الجغرافية المكانية سوف يزيد بلا شك من مساءلة إسرائيل Click To Tweet

ومن وجهة نظر الشفافية والوصول الحر وحقوق الإنسان، ثمة مزايا واضحة لسياسة السماء المفتوحة. فبالنسبة إلى علماء الآثار والجغرافيين ورسامي الخرائط ومنظمات العمل الإنساني في فلسطين-إسرائيل، يمكن استخدام الصور عالية الدقة لتحديد ومتابعة المواقع المهمة التي يصعب الوصول إليها لأهداف عديدة تتراوح بين إجراء مسوح آثارية وبين الرد على الانتهاكات الإسرائيلية لحقوق الإنسان والقانون الدولي. إن زيادة الوصول إلى البيانات الجغرافية المكانية يرفع مستوى المساءلة بلا شك، ويمكن استخدامه لتوثيق النشاط الاستيطاني الإسرائيلي، وهدم المباني الفلسطينية، والتوغلات العسكرية في المناطق المحظورة مثل غزة، والتدهور البيئي، وتدمير المواقع التاريخية والدينية والأثرية في إسرائيل والأرض الفلسطينية المحتلة.

سُبل المضي قدمًا

1. ينبغي إعادة النظر فورًا في القيود الحالية المفروضة على الشركات الأمريكية بخصوص دقة صور الأقمار الصناعية بموجب قانون كايل-بينجامان من خلال وزارة التجارة والإدارة الوطنية للمحيطات والغلاف الجوي وذلك من أجل مراعاة التطورات التكنولوجية وتيسير حرية الوصول بالنسبة إلى الجهات الفاعلة الأمريكية وغير الأمريكية. فقد عكفت شركات غير أمريكية على توفير صور واضحة لفلسطين-إسرائيل تبلغ دقتها 0.5 متر للبيكسل الواحد منذ العام 2011، وهو العام الذي أُطلق فيه أول أقمار بلياديس الصناعية. وبما أن وزارة التجارة الأمريكية هي التي تحدد مستوى الدقة المقبول، فإن عليها أن تعدِّل اللوائح التنظيمية الأمريكية لتتماشى مع ما هو متاح دوليًا ولتسمح للشركات الأمريكية ببيع وشراء ونشر الصور بدقة تماثل الصور الملتقطة لدول أخرى - أو رفع مستوى دقتها إلى 0.5 متر للبيكسل.

2. ينبغي لجماعات الدعوة والمناصرة، والباحثين، ومشغلي الأقمار الصناعية أن يمارسوا الضغط على الإدارة الوطنية للمحيطات والغلاف الجوي لإيصال التغييرات التي يريدون إدخالها على القيود المفروضة على الشركات الأمريكية في اجتماعاتهم العامة وموادهم المنشورة. ويجب على الإدارة الوطنية أيضًا أن تستعجل في مراجعتها الحالية البطيئة لقانون كايل-بينجامان.

3. ينبغي تنفيذ حملة توعوية تستهدف الأطراف المعنية ومنها شركات التكنولوجيا، والعلماء، والعاملين في المجال الإنساني، بهدف إعلامهم بتوفر صور عالية الدقة لعامة الجمهور.

4. ينبغي لأرشيف الصور عالية الدقة لفلسطين-إسرائيل التي التقطها مشغلو الأقمار الصناعية ومن ثم أُجبروا على تخفيض دقتها لغايات البيع بالتجزئة أن يُعاد إصدارها بالدقة الأصلية التي التقطت بها من أجل تمكين الباحثين من تقييم التغيرات الحاصلة في التضاريس على المدى البعيد. فعلى سبيل المثال، سوف تُظهر الصور المعاد إصدارها بقايا القرى الفلسطينية المدمرة، وطمس المناطق المحيطة بسبب المشاريع الإسرائيلية التي غيرت التضاريس بطريقتين أولاهما تعمد زراعة الغابات في هذه المواقع بواسطة منظمات من قبيل الصندوق القومي اليهودي وثانيهما التطوير الحضري بتصميم من المهندسين المعماريين والمخططين.

5. يجب أن يدرك أفراد المجتمع المدني الفلسطيني حول العالم مدى أهمية الصور عالية الدقة في المناقشات الدائرة حول حق الفلسطينيين في العودة والعدالة التاريخية. وهذا سيكون بمثابة آلية لمساءلة إسرائيل عن ممارساتها المكانية التدميرية، وأداةٍ تنهي الاستعمار وتضع خريطةَ طريق لعودة اللاجئين الفلسطينيين.

Palestinian rights are under attack

Help us fight back

This giving season, invest in Palestinian policy voices