مقال - المرشحون الديمقراطيون الأمريكيون حول العدالة العنصرية وفلسطين: اختلاف أم تقارب؟

نظرة عامة

انبرى المرشحون الرئاسيون الديمقراطيون في الولايات المتحدة إلى التفاعل مع قضايا تقدمية مثل المطالبات المتزايدة بإصلاح العدالة العرقية بدءًا بإصلاح نظام السجون وحتى تمويل المدارس ودفع التعويضات. وتبنوا تحديدًا الإصلاحات التي تستجيب لدعوات الحركات الشعبية المناهِضة لوحشية الشرطة ولمجموعة من مسائل العدالة الجنائية، وسعوا إلى مكافحة العنصرية التي يواجهها اللاجئون والمهاجرون.

غير أن هذه المواقف الأخلاقية والمثالية السامية تقتصر على السياق المحلي داخل الولايات المتحدة ولا تقابلها مواقف مماثلة إزاء عدم المساواة خارج الحدود الأمريكية. بل إن مواقف المرشحين الديمقراطيين إزاء فلسطين وحقوق الإنسان تنم في الغالب عن تباينٍ في التزامهم بالتصدي لعدم المساواة والعنصرية. وفي حين أن قضايا السياسة الخارجية قلما ميَّزت بين المرشحين الرئاسيين في السابق، إلا أنها أضحت هذه المرة محكًا رئيسيًا لمصداقية المرشحين في التزامهم بالعدالة والحقوق المدنية والإنسانية.

يرى الكثير من ناشطي الحقوق المدنية والباحثين أن النضال من أجل المساواة في مجتمعات السود داخل الولايات المتحدة يشبه كثيرًا نضالَ الفلسطينيين من أجل الحقوق الأساسية والكرامة. ففي فلسطين/إسرائيل، يتعرض الفلسطينيون لمعاملةٍ وحشية على يد الجنود الإسرائيليين الذين لا يُحاسَبون على أفعالهم، أو نادرًا ما يُحاسَبون، ويُعتقل الأطفال الفلسطينيون ويُحتجزون تعسفًا في الضفة الغربية، وتُصدِر المحاكمُ الإسرائيليةُ أحكامًا غير منصفة تحبس أعدادًا كبيرة من الفلسطينيين دون تهمة أو محاكمة. وكما الأمريكيين السود في الولايات المتحدة، يواجه الفلسطينيون – سواء المواطنين في إسرائيل أو الرازحين تحت احتلالها – تمييزًا وقمعًا شديدًا ومنهجيًا، وظُلمًا اقتصاديًا مُمأسسًا.

أصدر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مؤخرًا أمرًا تنفيذيًا بشأن تعريف معادة السامية يكاد يصنِّف كل انتقاد موجهٍ لإسرائيل على أنه عِداء للسامية. ويُقيد هذا الأمر التنفيذي المدافعين عن حقوق الفلسطينيين. ولا يخفى على الناشطين في مجال العدالة العرقية في الولايات المتحدة أن المواقف الحكومية إزاء القانونية والخطاب المشروع وغير المشروع ظلت في معظم الأحيان تُسكِت منتقدي اللامساواة المنهجية. وفي الوقت نفسه، تتلقى إسرائيل 3 مليارات دولار سنويًا كدعمٍ غير مشروط من دافعي الضرائب الأمريكيين، بينما يُقاسي الفلسطينيون الفصل العنصري، والضم المستمر لأراضيهم. وفي حين تُفلت إسرائيل من العقاب، تغدو مسألة اضطهاد الفلسطينيين، التي تنسحب عليها المبادئ ذاتها التي تنسحب على العدالة العرقية في الولايات المتحدة، مسألةً جوهرية تقتضي موقفًا من مرشحي الرئاسة الأمريكيين.

يتناول هذا التعقيب السياساتي المواقف الخطابية والسياساتية التي يتبناها المرشحون الديمقراطيون الثلاثة الأبرز إزاء فلسطين، ويُقارنها بمواقفهم إزاء العدالة العرقية داخل الولايات المتحدة.1 ويعرض السُبل التي نجح بها الفلسطينيون وحلفاؤهم في إيجاد سياقٍ للمرشحين لمعارضة العنصرية واللامساواة فيما وراء الحدود الأمريكية. كما يقترح استراتيجيات تمكِّن عامةَ الجمهور من مطالبة المرشحين بضم قضية الحقوق الفلسطينية إلى القضايا التقدمية الأخرى التي يكافحون من اجلها مثل إصلاح العدالة العرقية والعدالة الجنائية.

مواقف المرشحين إزاء فلسطين

يشارك في التنافس على خوض الانتخابات الرئاسية 2020 ثلةٌ من أبرز المرشحين التقدميين، ولا سيما بيرني ساندرز وإليزابيث وارين، حيث لم تشهد الولايات المتحدة مثيلهما منذ عقود. وحتى المرشح المحسوب على المؤسسة الرسمية جو بايدن يتجه بخطابه نحو اليسار حيال قضايا مثل العدالة العرقية. لقد انبرى المرشحون الديمقراطيون إلى إبراز الظلم التاريخي الواقع على الأمريكيين السود، وطرحوا خططًا متنوعة للتصدي له شملت إجراء إصلاحات في نظام السجون وكفالات اطلاق سراح الموقوفين، وتخفيف عبء الديون، والمساواة في الحصول على الرعاية الصحية.

يشترك المرشحون الديمقراطيون في أجنداتهم إزاء العدالة العرقية في أنهم يُقرُّون بأن السياسات الأمريكية مُجحفة ولا تفي بمعايير العدالة العرقية، وأن هذا يناقض في جوهره قيمَ الحريةِ وتكافؤ الفرص والعدالة. وعند مقارنة هذا المواقف بمواقفهم إزاء حقوق الفلسطينيين، فإن القصور يشوب تلك القيم التقدمية، حيث يُردِّد المرشحون خطابًا متحيزًا حول حق إسرائيل في الوجود والعيش في أمان، ويؤيدون بالقول حلَّ الدولتين البائد و”عملية السلام” التي تسمح لإسرائيل بمواصل استعمارها الأرض الفلسطينية وتهجير الفلسطينيين. غير أن هذه الانتخابات شهدت كذلك تطورًا على صعيد مساءلة إسرائيل ودعم حق الفلسطينيين في تقرير المصير، وهي لغةٌ غريبة على الوضع الراهن، تعكس تغيرًا في الآراء في أوساط الناخبين في الحزب الديمقراطي.

إليزابيث وارين

شجبت وارين في خطاب ترشحها التمييز التاريخي الذي يتعرض له الأمريكيون السود. فهي تطمح إلى إنهاء “الحبس الجماعي”، وتزعم أن خطتها الإسكانية سوف تنهي عقودًا من الإحجام عن تمويل الرهن العقاري في أحياء السود، المتعارف عليه بـ “الخط الأحمر”. وهي ممارسات تعزل مجتمعات السود وتحرمهم داخل المدن الأمريكية.

غير أن وارين تُقرُّ سياسة المؤسسة الرسمية إزاء سياسات الفصل العنصري المطبقة بحكم القانون في فلسطين/إسرائيل. وكباقي المرشحين الديمقراطيين، أعربت عن دعمها حلَّ الدولتين. وقالت أيضًا إن الضغط المتمخض عن الواقع الديمغرافي في إسرائيل يقتضي تحركًا لمعالجته. إن هذه الإشارة إلى ارتفاع معدل نمو الأسر الفلسطينية تلميحٌ مقلق بأن الوِلادات الفلسطينية ليست مرغوبة أو إشكالية. وهي تتجاهل بهذا القول تهجيرَ الفلسطينيين تاريخيًا، وتؤكد الادعاء الزائف بأن اليهود وجدوا أرضًا غير مأهولة فسكنوها، وأنهم الآن فقط صاروا أقل عددًا بالصدفة.

مواقف المرشحين الديمقراطيين إزاء فلسطين وحقوق الإنسان تنم في الغالب عن تباينٍ في التزامهم بالتصدي لعدم المساواة والعنصرية Share on X

في تشرين الثاني/نوفمبر 2019، شنَّ سلاح الجو الإسرائيلي غارةً على مدينة غزة قتل فيها 34 فلسطينيًا. وعلى الرغم من أن وارين رحَّبت بوقف إطلاق النار الذي تلا العملية وشجبت الهجمات الصاورخية على إسرائيل والمعاناة الإنسانية في غزة، إلا أنها لم تربط بين اسم إسرائيل وبين مقتل الفلسطينيين. وبينما تواجه إسرائيل تُهمًا في المحكمة الجنائية الدولية لارتكابها جرائمَ حربٍ في غزة في 2014 (في إطار عملية عسكرية سقطَ فيها ما يزيد على 2000 فلسطيني، ثلثهم من النساء والأطفال) وجرائمَ حرب مستمرة في الضفة الغربية والقدس الشرقية، فإن لغة وارين تضمن لإسرائيل استمرارها في الإفلات من العقاب.

تُشير وارين إلى إسرائيل بأنها “الديمقراطية الليبرالية”، وهي تسميةٌ لم تكن يومًا أبعد عن الصواب من الآن. فقد أقرَّ الكنيست في 2018 قانون يهودية دولة إسرائيل الذي أكَّد مشروعية السياسات التفضيلية المطبقة على السكان اليهود. وهذا القانون، وفقًا لتقارير المركز القانوني لحماية حقوق الأقلية العربية في إسرائيل (عدالة)، ليس إلا واحدًا من أكثر من 50 قانونًا كلها تميز ضد الفلسطينيين المواطنين في إسرائيل، وتضم قوانين تكفل حصرية الأحياء اليهودية (تشبه كثيرًا التقسيمات التاريخية العنصرية في الولايات المتحدة) وقوانين تفرض قيودًا على الزواج. وفي 2017، أصدرت لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا تقريرًا يبرهن على وجود نظام فصل عنصري في الضفة الغربية. وعلاوة على ذلك، يواجه بينيامين نتنياهو تهمًا بالفساد والتحريض على أعضاء القائمة العربية المشتركة، التحالف الذي يمثل المواطنين الفلسطينيين في إسرائيل.

إن انتقادات وارين لنتنياهو بأنه زعيمٌ فاسد في صف ترامب لا تعني أنها تقف ضد عقودٍ من التمييز العنصري والعنف الممنهج الواقع على الفلسطينيين، بل إنها تنأى عن انتقاد الانتهاكات الإسرائيلية لحقوق الإنسان الفلسطيني. وبالنظر إلى سجلها التشريعي مثل تصويتها المؤيد لمشروع قانونٍ يمنحُ إسرائيلَ مساعدات عاجلة في 2014 إبان عدوانها على غزة، فإن دعواتها إلى إحقاق العدالة تنم عن تضاربٍ في موقفها إزاء العدالة للفلسطينيين.

ومع ذلك، رفعت وارين حدة لهجتها دفاعًا عن حق الفلسطينيين في تقرير المصير ضد الاحتلال، وكانت أول مرشحة تعلن امتناعَها عن حضور المؤتمر السنوي للجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية (آيباك) هذا العام، وهو المحفل الذي دأب المرشحون الكبار على حضوره كتقليد ثابت. وقالت وارين أيضًا إن كل الخيارات مطروحة فيما يتعلق بوقف التوسع الاستيطاني الإسرائيلي، بما في ذلك استخدام المساعدات الأمريكية. ويُعد هذا الموقف دفعةً غير مسبوقة باتجاه فرض المساءلة، وكان المرشح بيرني ساندرز أول مَن أثاره.

بيرني ساندرز

تقوم حملة ساندرز الانتخابية على انتقاد التفاوت الكبير في توزيع الثروة، وعلى توفير الرعاية الصحية للجميع. ويتبنى ساندرز مواقف واضحة عديدة في برنامجه الانتخابي تجاه اللامساواة العرقية، والسجن الجماعي، وإصلاح العدالة الجنائية.

وفيما يتعلق بالحقوق الفلسطينية، أعلن ساندرز عن سبلٍ ملموسة لمحاسبة إسرائيل على انتهاكاتها حقوق الإنسان. فكان أول مَن قال إنه سيستخدم المساعدات المقدمة لإسرائيل كوسيلة للضغط من أجل إحلال السلام في المنطقة. ووجه انتقادات علنية إلى نتنياهو ورؤساء دول آخرين وطغاة متورطين في انتهاك حقوق الإنسان حول العالم. ينسحب موقف ساندرز إزاء اللامساواة على السياسة الخارجية إلى حدٍ ما، حيث ينتقد السعودية ودولاً أخرى بسبب ممارساتها الوحشية وفسادها وأنظمتها الدكتاتورية.

كان ساندرز المرشح الوحيد في 2016 الذي لم يحضر مؤتمر آيباك السنوي، ولن يحضره هذا العام كذلك، حيث قال في تغريدة على موقع تويتر بأن قراره نابعٌ من قلقه إزاء “المنبر الذي يتيحه الآيباك للزعماء كي يعبروا عن تعصبهم ومعارضتهم لحقوق الفلسطينيين الأساسية”. وهو المرشح الوحيد أيضًا الذي لا ينفك يثير مسألة الحقوق والكرامة والعدالة الفلسطينية كامتداد منطقي لانتقاداته الموجهة لانتهاكات حقوق الإنسان التي ترتكبها دول أخرى، حيث قال: “لم يعد جيدًا بما يكفي أن نكون موالين لإسرائيل. أنا موالٍ لإسرائيل. ولكن علينا أيضًا أن نعامِل الشعبَ الفلسطيني بما يستحقه من الاحترام والكرامة”.

وفي حين لا يزال ساندرز يُعرِّج على تاريخ دولة إسرائيل، ويركِّز على اليمين الإسرائيلي المتطرف المتمثل في نتنياهو، فإنه يغفل عن القضية الأكبر – اللامساواة الأكبر – الكامنة في الرؤية الصهيونية للدولة اليهودية التي تمثلها إسرائيل وتدافع عنها. ومع ذلك، فإن إثارة قضية الحقوق الفلسطينية قد دفعت المرشحين الديمقراطيين إلى مناقشة قضية المساواة للفلسطينيين على نحو قلما شهدناه سابقًا. 

جو بايدن

يتبنى بايدن، في إطار إصلاح العدالة الجنائية، حزمةً من السياسات المشتركة بين المرشحين الديمقراطيين كافة، مثل إنهاء العمل بالحدود الدنيا الإلزامية في الأحكام القضائية، وإغلاق السجون الخاصة، وعزل الأحداث عن سجون البالغين، وإصلاح نظام الكفالات العدلية، وتقنين الماريجوانا. غير أن اللافت للنظر هو أن بايدن يعجز عن تبرير مشاركته التاريخية في “الحرب على الجريمة” وسياساتها التي أسفرت عن تجريم أعدادٍ كبيرة من الأمريكيين السود وسجنهم. وبهذا يمكن للمرء أن ينتقد عدم ثبات بايدن على مواقفه المبدأية إزاء العدالة العرقية خارج الولايات المتحدة، ولكن لا بد من الإشارة إلى أن تغير مواقفه وتبدلها في هذه المرحلة هو تغيرُّ بالقول فقط، حيث إن سجله ليس تقدميًا بالدرجة التي تعكسها لغةُ حملته الانتخابية الحالية.

أجندة العدالة العرقية والمساواة التي تستثني الفلسطينيين إنما تقوِّض المساءلة عن انتهاكات حقوق الإنسان حول العالم Share on X

وفيما يتعلق بفلسطين/إسرائيل، يصف بايدن نفسه بأنه صهيوني ما فتئ ينادي بضرورة الحفاظ على “الدولة الديمقراطية اليهودية” وحمايتها. ولا ينفك يؤكد دعمَه لحل الدولتين باعتباره “الحل الوحيد” الذي يمكن أن ينجح بالنظر إلى “الواقع الديمغرافي،” ويُردِّد بعض المغالطات نفسها مثل وارين في سبيل تأكيد ذلك دون قطع الوعود اللازمة لمساءلة إسرائيل عن سعيها المستمر لتقويض هذا الحل.2 وعلاوة على ذلك، وبخلاف وارين وساندرز اللذين أشارا إلى الأزمة الإنسانية في غزة وعارضا حظر الحملات المقاطِعة لإسرائيل، لا يأتي بايدن على ذكر انتهاك حقوق الفلسطينيين، بل يؤكد التزامَه بالتمسك بحق إسرائيل في الدفاع عن نفسها ضد مَن تضطهدهم، ولا يُلقي بالًا لضرورة مساءلة إسرائيل.

وحتى حين ساءت علاقة الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما بنتنياهو في أواخر ولايته الرئاسية، ظل بايدن يرتبط بعلاقة طيبة معه، فضلًا على أنه ينعته بالصديق بينما يشجب ديمقراطيون آخرون، مثل وارين وساندرز، سياساتَه المتطرفة، وتوسُّعَه الاستيطاني العدواني، وفضائَحه في قضايا الفساد. يُمثِّل بايدن الديمقراطيين التابعين للمؤسسة الرسمية في تواطؤهم المعهود مع القمع الإسرائيلي للفلسطينيين، فهو لا يسائلها أبدًا عمّا ترتكبه من انتهاكات لحقوق الإنسان والقانون الدولي، ويُقدِّس “أمنها” ويقدِّمه على أي شواغل حول قمع الفلسطينيين على نحو ممنهج.

تبنى بايدن أثناء ولايته كرئيس وعضو رفيع في لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ  لمدة 12 سنة موقفًا ثابتًا مواليًا لإسرائيل. ولكن بصفته نائبًا للرئيس أدان إعلان إسرائيل بناءَ 1600 مستوطنة جديدة في القدس الشرقية في 2010. ويبدو أن بايدن يدرك أن إسرائيل دأبت على تقويض الظروف الواجب توفرها مسبقًا للتفاوض بنية حسنة مع الفلسطينيين. غير أنه لا يدرك مطلقًا أن عنصرية “الدولة اليهودية” التي تنال من حقوق غير اليهود ليست استنثاءًا وإنما تجلٍ من تجلياتها.

معاملة فلسطين دون استثناء وتمكين المنابر التي تحترم حقوق الفلسطينيين

عندما يواصل بايدن وحتى وارين ترديد الخطاب المبتذل المتمثل في الدعم الأعمى لإسرائيل، ويدعو ساندرز إلى رؤية المشروع الاستيطاني الصهيوني الإسرائيلي كتعبير جائز ومستحق عن تقرير المصير اليهودي وإنْ كان على حساب الفلسطينيين، فإن برامجهم من أجل العدالة تُثبت بأنها أضعف وأضيق من اللغة التي قد تستخدمها. فأجندة العدالة العرقية والمساواة التي تستثني الفلسطينيين إنما تقوِّض المساءلة عن انتهاكات حقوق الإنسان حول العالم.

إذا عثرت المحكمة الجنائية الدولية على ما يكفي من الأدلة – وقد فعلت – لإقامة دعوى على إسرائيل بتهمة ارتكاب جرائم بحق الفلسطينيين في غزة والقدس الشرقية والضفة الغربية، فلن يستطيع المرشحون الرئاسيون الأمريكيون بعدها أن يستثنوا فلسطين من مواقفهم التقدمية بشأن المساواة والعدالة والكرامة. وفي هذه الانتخابات، يحظى الناخبون، كما لم يحظوا منذ زمن بعيد، بفرصةٍ حقيقية للاختيار بين مرشحيهم استنادًا إلى سياساتهم الخارجية، فهم يجدون سياسات المؤسسة الرسمية لدى بايدن وحتى وارين (وإنْ كانت بدرجة أقل في خطاباتها الأخيرة)، وعقيدةً أكثر ثباتًا واتساقًا إزاء حقوق الإنسان لدى ساندرز.

تعطي هذه الانتخابات لناشطي الحقوق الفلسطينية وحلفائهم دروسًا جديرة بالذكر. فما كان ليتسنى لمرشحٍ رئاسي متصدر أن يتخذ موقفًا إزاء إسرائيل وفلسطين مثل ساندرز لولا العمل الذي تضطلع به الحركات الشعبية والأكاديميون وناشطو التضامن من الحركات المختلفة. لقد انبرى الناشطون الفلسطينيون، بمن فيهم أعضاء منظمة طلاب وطنيون من أجل العدالة في فلسطين، إلى جعل فلسطين من ضمن أولويات التقدميين، ولا سيما ساندرز، في حملته الانتخابية الرئاسية الأولى. ففي 2015، رفعت مجموعة من الناشطين في أحد التجمعات الانتخابية لساندرز يافطة كبيرة كُتب عليها “هلّا دعمتم بيرني من أجل فلسطين” (?Will Ya Feel the Bern for Palestine) مستخدمين الشعار المشهور الذي يرفعه مناصروه. وبعد أن أجبرهم أحد موظفي الحملة على المغادرة، اعتذر القائمون على الحملة، وتسببوا بعاصفة إعلامية على الصعيد الوطني حول إتاحة المجال للخطاب المناصر للفلسطينيين في حملة تقدمية لمرشحٍ من الحزب الديمقراطي.

يُبدي ساندرز ثباتًا واتساقًا غير مسبوق في سياساته التقدمية المختلفة مقارنةً بالمرشحين الآخرين Share on X

ومع أن تلك الحادثة كانت واحدة فقط من مبادرات عديدة نفذها الناشطون المناصرون للحقوق الفلسطينية لحَمل المؤسسة الرسمية على تبني القضية الفلسطينية في الأجندة التقدمية، إلا أنها مثلت نموذجًا للعمل المباشر الفعال القادر على إثارة انتباه وسائل الإعلام الكبرى، مثل العمل المباشر الذي باتت تقوم به في الآونة الأخيرة منظمات مثل منظمة “IfNotNow” (إنْ ليس الآن) والذي أجبر مرشحين على الرد فيما يتعلق بقضايا المساعدات العسكرية لإسرائيل، والاحتلال، والمستوطنات غير القانونية.

وفي الوقت نفسه، وبالرغم من دور الجهود التي يبذلها هؤلاء الناشطون في تعزيز الحوار الوطني الأمريكي حول فلسطين، فإن تغير الخطاب في أوساط الأمريكيين اليهود مهم جدًا إذا ما نظرنا إلى عدد المنظمات المؤثرة التي تدعي أنها تمثل تلك الشريحة، مثل الآيباك. وقد اعتمد تحول الأمريكيين اليهود، ولا سيما الشباب، إلى انتقاد إسرائيل على جملة من العوامل كبحوث ودراسات ما بعد الصهيونية التي صارت متاحةً أكثر فأكثر للقراء باللغة الإنجليزية منذ عقد التسعينات.

وعلاوة على ذلك، ساهم التضامن المناهِض للعنصرية والآتي من قطاعات مختلفة في تعزيز قضية حقوق الفلسطينيين الإنسانية. وفي 2015، لقي المحتجون على وحشية الشرطة في مدينة فيرغسون تضامنًا طبيعيًا من المحتجين الفلسطينيين في فلسطين، الذين أشاورا عليهم بطرق التعامل مع الغاز المسيل للدموع الذي يقذفه عليهم عناصر الشرطة الذين تدربهم في معظم الأحيان قوات الاحتلال الإسرائيلية. ومع تأسيس منظمة “حياة السود مهمة”، عاد التضامن مع الفلسطينيين إلى الأجندة التقدمية الوطنية لإحقاق العدالة، حيث انتقدت الحركة من أجل حياة السود في مواقفها المعلنة في 2016 سياسات الأبرتهايد الإسرائيلية، واسترعت بذلك الانتقاد ولكنها اضطرت التقدميين المستثنين فلسطين إلى معالجة التناقض في مواقفهم إزاء إسرائيل. غير أن التضامن بين السود وبين الفلسطينيين ليس جديدًا، فهناك شخصيات في حركة الأمريكيين الأفارقة للحقوق المدنية من أمثال أنجيلا ديفيس وجيمس بالدوين ومالكوم إكس وكورنيل ويست وميشيل أليكساندر أدانت أوضاع الفلسطينيين وما يتعرضون له من عنصرية منهجية على يد الدولة الإسرائيلية.

هناك أيضًا خطابٌ متنامٍ ينتقد السياسات الإسرائيلية ويدافع عن حقوق الفلسطينيين، يقوم على النشاط الطلابي والعمل الأكاديمي في المؤسسات التعليمية داخل الولايات المتحدة وحول العالم، ويساهم في رفع مستوى الوعي بالانتهاكات الإسرائيلية لحقوق الإنسان بالرغم من الحملات التي تستهدف إسكاته. وعلى سبيل المثال، بات أسبوع مقاومة الاستعمار والأبارتهايد الإسرائيلي حدثًا سنويًا في العديد من الجامعات، يهدف إلى تعزيز التحليلات بشأن إسرائيل وجريمة الفصل العنصري التي ترتكبها. وفي 2017، نشر الأستاذان فرجينيا تيلي وريتشارد فولك تقريرهما حول الأبرتهايد الإسرائيل، مستندَيْن إلى اتفاقات حقوق الإنسان والقانون الدولي في إثبات وجود نظام فصل عنصري في الضفة الغربية. وقد ساهمت شعبية هذا الخطاب المتزايدة منذ ما يزيد على نصف عقدٍ من الزمن في إفراز مرشحين ينتقدون السياسات الإسرائيلية، وفي تأمين حصولهم على الدعم والتأييد كالذي حصل عليه ساندرز الذي يُبدي ثباتًا واتساقًا غير مسبوق في سياساته التقدمية المختلفة مقارنةً بالمرشحين الآخرين.

وفيما يلي عددٌ من الدروس والتحركات التي تخطُّ هذا التاريخ وتدعم المطالبات المتزايدة بإحقاق العدالة العرقية والحقوق الفلسطينية في البرامج التقدمية المشروعة على اختلافها:

  • ينبغي لمناصري أي مرشح رئاسي ديمقراطي أن يطالبوا بمواقف تتجاوز مواقف المؤسسة الرسمية إزاء إسرائيل. وكما أن العمل المباشر يُمكِّن من محاسبة المؤسسات والأفراد على مبادئهم وقيمهم المعلنة، ينبغي لناشطي المجتمع المدني أن يدفعوا الحملات التقدمية وأصحابها، كحملتي ساندرز ووارين، إلى دعم الحقوق الإنسانية الفلسطينية وحق تقرير المصير ليس قولًا فقط وإنما بالسياسات التي تحاسب إسرائيل على انتهاكاتها لحقوق الفلسطينيين.
  • يجب على الناشطين الساعين إلى حَمل مرشحيهم على عدم استثناء فلسطين من أجنداتهم التقدمية أن يواصلوا الربط فيما بين نضالات الأمريكيين السود والفلسطينيين، وغيرهم من الجماعات التي تكافح ضد القمع والاضطهاد الممنهج. ويتأتى هذا التضامن من الفهم المتعمق لقضايا القمع والاضطهاد الأخرى غير القضية الفلسطينية والتحرك كحلفاء في الدفاع عن العدالة والمساواة والكرامة، وثمة شواهد بارزة من العقد الماضي مثل العمل المباشر، والمظاهرات والبيانات المشتركة، وحتى العرائض الجماهيرية التي تقودها شخصيات بارزة من حركات حليفة.
  • أثبتت النشاطات المنفَّذة في المؤسسات التعليمية والأوساط الأكاديمية فاعليتها في توعية الناخبين بشأن القمع والاضطهاد الذي تعرض له الفلسطينيون ولا يزالون، ولذلك لا بد لهذه النشاطات أن تظل حيزًا لترويج الخطاب والدراسات الشاملة وغير المتحيزة بشأن إسرائيل وفلسطين. وبينما يواصل الطلاب الناشطون والأكاديميون إبراز تاريخ السكان الفلسطينيين الأصليين والظلم المستمر الواقع عليهم، فإنه ينبغي لمؤيدي العدالة العرقية والقيم التقدمية عمومًا أن يطالبوا بحماية أكبر لحرية التعبير والحق في التنظيم.
  1. في وقت كتابة هذا التعقيب، كان مايكل بلومبرغ وآيمي كلوباتشر قد حازا على أصوات أقل من المرشحين الثلاثة موضوع النقاش. فضلًا على أن بلومبرغ قد يبدو خارج المنافسة في إطار قضية العدالة العرقية وفلسطين لأنه يغرد خارج السرب بالمقارنة مع باقي المرشحين الديمقراطيين، إذ يتبنى موقفًا وسطًا أو حتى يمينيًا ينتقده الكثيرون باعتباره متواطئًا مع العنصرية في نظام العدالة الجنائية ومع الظلم في قضية فلسطين/إسرائيل.
  2. أكَّد بايدن هذا الموقف في خطاباته أمام مؤتمر منظمة جي ستريت ومؤتمر آيباك في 2019.
هالة أحمد باحثة وكاتبة وخبيرة في الاتصالات في مجال السياسات. أصبحت مؤخرًا رئيسة الشؤون التشريعية بصفتها نائب الرئيس للسياسات في معهد جين فاميلي، وهو معهد...
في هذه المقالة

أحدث المنشورات

 السياسة, المجتمع المدني
في ظل حرب الإبادة على غزة، والمخاوف الصهيونية من تكرار سيناريو هبة أيار في الداخل الفلسطيني المحتل، صعدت حكومة الاحتلال من قمعها للفلسطينيين في الداخل حيث اعتقلت المئات تحت ذرائع مختلفة. صاحب ذلك كله ازدياد ملحوظ في الرقابة وتجريم المحتوى الفلسطيني على المنصات الرقمية وإطلاق حملات تحريض وشيطنة ممنهجة ضد الفلسطينيين سواء على المستوى الصهيوني الرسمي أو الاجتماعي. ما الذي يفسر ضعف التحرك السياسي والاجتماعي في الداخل منذ السابع من أكتوبر مقارنة بهبة أيار؟ وكيف يمكننا كفلسطينيين في الداخل والضفة الغربية من تعميق التعاون مع بعض لمساندة غزة؟
In this policy lab, Nour Joudah and Kylie Broderick join host Tariq Kenney-Shawa to discuss some of the key lessons to be gleaned from the encampments and how we can best build on them to strengthen the Palestine solidarity movement moving forward.
 السياسة
باشرت القيادة المركزية الأمريكية يوم الجمعة 17 أيار/مايو 2024 تشغيلَ الرصيف المؤقت قبالة سواحل قطاع غزة. ومنذ الإعلان عن المشروع، أعربَ الكثيرون عن شكوكهم حول مدى فاعلية الرصيف وعن تخوفهم إزاء الخطط الأمريكية بعيدة الأجل ودور الرصيف في خدمة الأهداف الإسرائيلية. يتناول هذا التعقيب العمليات الجارية عبر الرصيف ويحلل دوافع الفاعلين الجيوسياسيين الرئيسيين من وراء بنائه. ويضعُ الرصيفَ في سياق استراتيجية إسرائيل بعيدة الأجل بشأن فلسطين، حيث يتخذ من الرصيف مدخلًا لفهم أهداف النظام الإسرائيلي الإقليمية الأشمل. وبغض عمّا إذا كان الرصيف مؤقتًا أم دائمًا، يرى الكاتب أنه لا ينبغي النظر إلى الرصيف باعتباره جهدًا إنسانيًا محضًا وقصير الأجل، وإنما كدلالة لاستمرار المساعي الإمبريالية والاستعمارية الأمريكية والإسرائيلية.
Skip to content