تناولت الطاولة المستديرة التي عقدتها الشبكة مؤخراً فعالية أشكال المقاومة المختلفة في تحقيق الحقوق الفلسطينية. وناقش المشاركون، في حلقتين، مجموعة من القضايا بدءًا من الآثار المترتبة على الكفاح المسلح الى إمكانيات وحدود المقاطعة، سحب الاستثمارات، وفرض العقوبات.

لمحة عامة

عقدت شبكة السياسات الفلسطينية طاولة مستديرة تناولت فيها فعالية أشكال المقاومة المختلفة في تحقيق تقرير المصير للشعب الفلسطيني. وناقش مستشارو الشبكة لشؤون السياسات، في سلسلة من الاجتماعات، أشكالاً جديدة من النضال المدني، ودور حملات المقاطعة، واستخدام الاستراتيجيات القانونية، ومشكلات المقاومة المسلحة، وفشل المفاوضات كاستراتيجية، والآثار المترتبة على خطط إعلان الدولة. وكان من بين المشاركين: أمجد عطا الله، سام بحور، رنا بركات، ماري نزال البطاينة، عروب العابد، نادية حجاب، فكتور قشقوش، أنيس قاسم، أسامة خليل، معين رباني.

إيضاح الهدف

إن من الممكن استخدام جميع أشكال المقاومة بحنكة ولغاية محددة. وما ينقصنا اليوم هو مرحلة نهائية فلسطينية واضحة المعالم تتيح إجراء تقييم لمعرفة أي أشكال المقاومة سيكون الأفضل والأنجع. فإذا كان الهدف هو التأثير في المفاوضات في سياق حل الدولتين، فإن العملية ستنطوي على مجموعة معينة من الأدوات، أما إذا كان الهدف هو حل الدولة الواحدة، فإنه سيتطلب مجموعة أدوات مختلفة تمامًا.

هنالك حاجة لنقاش علني حول غايات الحركة الوطنية الفلسطينية يختار أهدافه من طائفة متنوعة. وأولها هو الهدف الذي سعت السلطة الفلسطينية لتحقيقه وهو قيام دولتين عرقيتين يسقط معهما حق العودة إلى حد بعيد. والهدف الثاني هو البحث عما إذا كان هناك نموذج قائم على حل الدولتين يسمح بحق العودة. والهدف الثالث هو الدفاع عن دولة ثنائية القومية ينصهر بموجبها التمثيل الوطني الفلسطيني في إسرائيل في ضرب من ضروب التشارك بين الفئات المختلفة. والهدف الرابع هو الدفاع عن نموذج الدولة الواحدة الذي لا بد أن يسمو على القومية إذا ما أراد أن يساوي بين الفلسطينيين واليهود. وكل واحد من هذه الأهداف قابل للتطبيق عدا الأول. والسؤال المطروح هو ما إذا كان هناك تقارب وجداني بين غالبية الفلسطينيين في شتى أنحاء العالم حول هذه الأهداف – ولا سيما إذا كانوا يعتقدون أنه يمكن تمكينهم من اختيار وجهة الحركة الوطنية الفلسطينية.

الإمكانات والقيود في إطار المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات

وجهة نظر
يبدو أن المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات هي الخيار الوحيد المتاح في الوقت الراهن، ولكن بدلاً من النظر إليها كوسيلة لتعبئة الناس وحشدهم نحو هدف واضح، غدت المقاطعة نهاية المطاف للكثير من الناس؛ فأصبحت خدمة أجندة المقاطعة هي الهدف بحد ذاته، وهو مفهوم مُضلِّل سيرتد مستقبلًا على صاحبه.

وجهة نظر مغايرة
ومع ذلك انبثقت عن نداء المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات الصادر في 2005 ثلاثة أهداف واضحة جدًا تشمل كافة شرائح الشعب الفلسطيني سواءً في ظل الاحتلال أو داخل إسرائيل أو في الشتات وهذه الأهداف هي الحرية والمساواة وحق العودة.(للاطلاع على النص الكامل وقائمة بأسماء الموقعين على نداء عام 2005.) وبذلك، يقدم نداء المقاطعة تعريفًا لنهايةٍ تخرج عن نطاق النقاش العقيم المُنصَب على المفاضلة بين حل الدولة الواحدة وحل الدولتين. ومن بعض النواحي، تفوق أهمية الأهداف المقاطعة كاستراتيجية لأنها توفر مسارًا واضحًا نحو نهاية محددة حين لا يعود الناس يعرفون بالتحديد ما هم مناضلون لأجله. وعلاوة على ذلك، انضمت أكثر من 170 منظمة ونقابة وجماعة إلى نداء المقاطعة، سواءً فكّر هؤلاء المنضمون بتفاصيل كل شيء أم لم يفكروا. ومن دواعي الإحباط أن "تسويق" نداء المقاطعة لا يجري بتلك الطريقة.

وجهة نظر
هناك إشكالية محتملة وهي أن الأهداف الثلاثة مصاغة بحيث لا يكاد يكون هناك فلسطيني لا يود الانضمام إليها، حتى أكثر المفضوحين سياسيًا. لذا، بالرغم من صحة صياغتها ودقته، فإنها تمثل مبادئ أكثر منها نهايةً للمطاف. وهناك تحدٍ آخر مرتبط بالموقعين على نداء المقاطعة، فقد يسأل باحث متعمق "مَن هو تحديدًا مجتمعك المدني؟ كيف يعمل؟ هل يعقدون انتخابات؟ هل هم ممثِّلون أم لا؟" لذا، فإن برنامج المقاطعة بحاجة إلى "ترقيةٍ" من نوع ما أو إلى تجديد.

وجهة نظر مغايرة
التوضيح ضروري هنا: إن من الأهمية بمكان أن ندرك بأن وثيقة عام 2005 هي عبارة عن مقاربة حقوقية. وبعبارة أخرى، إن المقاطعة كوسيلة أو استراتيجية هي قصدًا #ليست# معنية بالحل، وإنما بالدعوة والأساليب والاستراتيجيات، ولم تكن يومًا معنية بنهاية المطاف. كما إن من الأهمية بمكان أن نعي إمكانات اللجنة الوطنية للمقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات التي أنشأها منذ ذلك الحين بعض الموقعين على نداء المقاطعة وذلك بوصفها آلية شعبية وليست بديلًا لمنظمة التحرير الفلسطينية. إن هيكل اللجنة الوطنية للمقاطعة ووظيفتها لم يتضحا وضوحًا تامًا بعد ولا حتى بالنسبة لأولئك المنخرطين فيها. فهل بوسعها أن تصبح هيكلًا ديمقراطيًا وفاعلًا يوفر آلية شعبية؟ ([انظر عمر البرغوثي،المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات])

وجهة نظر
السؤال هنا حول ما إذا غدونا منكبين بشدة على المقاطعة لدرجة أننا لم نركز بحق على كيفية الوصول الفعلي إلى نهاية المطاف تلك.

وجهة نظر مغايرة
إذا كانت أهداف المقاطعة ترسي المبادئ لحركة وطنية، فذلك أمر جيد. فشعبٌ مشتت على الأرض يحتاج إلى خطوط حمراء من هذا القبيل كوسيلة لمعرفة متى ينبغي أن يتوقف عن المقاومة ومتى ينبغي له أن يواصل. غير أن كل هدف من هذه الأهداف الثلاثة قد يحتاج إلى مجموعة أدوات مختلفة للمقاومة. فقد يكون إنهاء الاحتلال أحد المسارات ذات وسائل المقاومة المتعددة، ولكن طريقة تعبئة اللاجئين وحشدهم هي ربما مسار مختلف كليًا. لقد حاول الفلسطينيون مرات ومرات في فترات مختلفة من تاريخهم أن يمتلكوا استراتيجية عامة للمقاومة تصلح للأهداف الثلاثة جميعها. ولكن ذلك لم يتكلل بالنجاح لأن أيًا من أشكال المقاومة لم يحظ بجهود كافية لاستدامته، سواء كانت المقاومة المسلحة أم المفاوضات المستخدمة كشكل من أشكال المقاومة، إن أمكن تسميتها كذلك.

ومن ناحية، لقد ظل النجاح الأكبر للمقاومة الفلسطينية على مر التاريخ الفلسطيني يتمثل في عدم الخسارة. وإذا ما تأملت في تاريخ الاستعمار، فسترى بأنه انتصار كبير.

وبالنظر إلى مدى تشتت الفلسطينيين أو تقسيمهم إلى كانتونات صغيرة، فإن القدرة على تشكيل جبهة موحدة تحظى بأهمية قصوى - حتى وإن كانت تلك الجبهة الموحدة تقتضي تقلُّد مبادئ بسيطة ومشتركة وعدم التورط في الحديث عن نهايات المطاف.

فعالية المقاومة القانونية

تشارك بعض الجماعات الفلسطينية مثل صندوق الدعم القانوني لفلسطين في جهود "المقاومة القانونية" والتي تشبه جهود المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات من حيث أنه يتسنى استخدامها كجزء في جهود الدعوة والمناصرة الأوسع. ويمكن القول إن بوسع هذا النوع من المقاومة أن يصل إلى شريحة أوسع من الجمهور مقارنة بجهود المقاطعة لأنك لا تتحدث عن المقاطعة وإنما عن حقوق الإنسان وسيادة القانون - وهي تسميات تلقى قبولًا أكثر لدى الجمهور الدولي. فسواءً كان الموضوع موضوع المستوطنات أو ضم القدس أو اللاجئين أو جرائم الحرب، فإن الفكرة هي استخدام القانون بصورة نهائية وبفعالية على الصعيد الدولي للطعن في الانتهاكات الإسرائيلية أمام كل ولاية قضائية متاحة.

لقد كان الرأي الاستشاري الذي أصدرته محكمة العدل الدولية في عام 2004 واضحًا جدًا حيال التزامات الأطراف الثالثة، وكانت هذه فرصة كبيرة للعمل القانوني إذا ما نظرنا إلى ما يصنعه المجتمع الدولي إزاء إسرائيل. فعلى سبيل المثال، رُفعت قضية تستند إلى رأي المحكمة الاستشاري ضد حكومة المملكة المتحدة للطعن في إجراءات محددة وفي مجمل علاقتها بإسرائيل، بما في ذلك تضاعف عدد تراخيص تصدير الأسلحة من المملكة المتحدة إلى إسرائيل أربع مرات منذ عام 2004. وبعد إقامة القضية، أجرت الحكومة استعراضًا كاملًا لجميع تراخيص تصدير الأسلحة، وفرضت عقوبات جزئية على القطع الداخلة في تكوين بعض الأسلحة. ومثال المملكة المتحدة هذا يمكن تكراره في كافة الولايات القضائية تقريبًا لأنه لا يقتضي أن تكون البلدان مُطبِّقة لولاية قضائية عالمية.

هل ماتت المقاومة المسلحة؟

وجهة نظر
ركّز شِقّا الحركة الوطنية الفلسطينية تاريخيًا على المقاومة المسلحة المقترنة بالمفاوضات، وقد ازدهرت المفاوضات في حين خبتت المقاومة المسلحة. فهل ماتت المقاومة المسلحة إذن؟ هل ما زال يمكن استخدامها كخيار قابل للتطبيق، وإذا كانت الإجابة بلا، فما هي الآثار المترتبة على ذلك؟ وكيف لك أن تُشرِك الجماعات التي لا زالت تؤمن بأن المقاومة المسلحة هي السبيل الوحيد؟ وهذا يقود إلى أسئلة أخرى، منها على سبيل المثال: كيف يمكن شبك المقاومة المسلحة بالمقاومة القانونية، عِلمًا بأن النضال الفلسطيني يدور حول تطبيق القانون الدولي؟ ورغم أن المقاومة المسلحة حق للشعوب الرازحة تحت الاحتلال، فلا يمكن القيام بها بطريقة تنتهك القانون الدولي، كشنّ هجمات تتعمد استهداف المدنيين.

وعلى أية حال، لم تَعُد هناك جماعات كثيرة تؤمن في المقاومة المسلحة كأحد الخيارات عدا حركة الجهاد الإسلامي في غزة وبعض الجماعات المنشقة عن منظمة التحرير الفلسطينية في لبنان. أما حركة المقاومة الإسلامية، حماس، فقد اتجهت لتبني استراتيجية منظمة التحرير، وهي أن تقول إنها مستعدة للتفاوض ولكن دون أن تضع السلاح – بيد أنها أُجبرت الآن أيضًا على تعديل موقفها هذا.

وجهة نظر مغايرة
قد يقول قائل إن الكفاح المسلح لم يكن قط استراتيجية جادة، ولن يكون كذلك أبدًا. ولا تعدو الهجمات التي شُنَّت إبان الأربعين أو الخمسين سنة الماضية أكثر من كونها عنفًا "موجّهًا." وسواء في حالة حماس في الوقت الحاضر أو فصائل منظمة التحرير الفلسطينية في عقدي السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي، فإن المقاومة المسلحة لم تكن قط استراتيجية كاملة بحد ذاتها. والسؤال المطروح هو: كيف لنا أن نُشرِك الفصائل التقليدية التابعة لمنظمة التحرير الفلسطينية في أي برنامج للمقاومة سواءً المسلحة أم غيرها؟ فهم غائبون، حيث إن كافة الفصائل السياسية بما فيها حركة فتح قد اكتفت واستراحت. وبالنظر إلى الثورات العربية، فمن غير المرجح أن يكون هناك تغيير مستدام دون وجود قدرات منظمة على أرض الواقع. ولقد كان الفلسطينيون يتحلون بتلك القدرة التنظيمية إلى أن بيعت لقاء عملية أوسلو. إن من الضروري أن نركز على سُبل التنظيم على المدى البعيد مع الفصائل التقليدية أو تلك التي أفرزتها أوسلو أو من دونها.

هل المفاوضات شكل من أشكال المقاومة؟

هل المفاوضات هي الخيار الوحيد المتاح؟ وماذا عن تحرك السلطة الفلسطينية لحث البلدان على الاعتراف بدولة فلسطينية ثم التوجه بذلك إلى الأمم المتحدة؟ الحقيقة هي أن استراتيجية السلطة الفلسطينية لم تُناقش بطريقة جادة ولا حتى داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة. ولم تُبذل أية جهود للعمل على أي مستوى آخر غير المستوى الدبلوماسي ولو في محاولةٍ لتعبئة الناس وحشدهم لخدمة أجندة السلطة الفلسطينية. أما ممثلو حركة التضامن العالمي الراغبون في معرفة كيف يتسنى لهم المساعدة في دعم خطة السلطة الفلسطينية فلا يحصلون على إجابات. وهذا يبين مدى ابتعاد السلطة الفلسطينية عن الشعب وحركة التضامن.

أما إذا اعترفت الولايات المتحدة أو الأمم المتحدة بهذه الدولة، فإن أشكال المقاومة المتاحة ستتغير تغيرًا جذريًا – ولن يكون التغير للأفضل. فعلى سبيل المثال، قد يحل محل الجنود الإسرائيليين جنودٌ للسلطة الفلسطينية مدربون في الأردن وإسرائيل أو قوةٌ تابعة لحلف شمال الأطلسي (الناتو). وأي نقاش لأشكال المقاومة ينبغي أن يأخذ في الاعتبار هذه السيناريوهات المختلفة.

كما إن هناك نموذج ما يسميه الناس "الفياضية" [نسبة إلى سلام فياض] وهو ضَرب من أجندة الليبرالية الجديدة يسعى إلى خلق حقائق معاكسة على أرض الواقع ويخطط لإقامة دولة في أيلول/سبتمبر 2011. وهذا ليس بالضرورة نتيجةً للمفاوضات التقليدية التي تتبعها منظمة التحرير الفلسطينية/السلطة الفلسطينية، وإنما هي نوع مختلف من المفاوضات. وثمة حاجة لإمعان النظر في نموذج الليبرالية الجديدة هذا، بما في ذلك بناء مدينة روابي الجديدة.

مقاومة التفتيت وانعدام التمثيل

إن من الأهمية بمكان أن نتصدى لعملية تفتيت النظام السياسي الفلسطيني وتهميش القواعد الفلسطينية المتنامية العدد على الصعيدين السياسي والجغرافي. تتعامل الجاليات الفلسطينية المختلفة مع قضايا مختلفة. فهناك من اللاجئين الفلسطينيين في الأردن ولبنان من يقول إنه يفضل البقاء حيث هو إن لم يتسنَّ له العودة إلى البلدة التي أتى منها، ومنهم من يسرد المشاكل الكثيرة التي يواجهها والتي لا تتعلق بحق العودة. أما في الضفة الغربية وغزة، فقد أوجدت أوسلو مصالح خاصة. وفي الولايات المتحدة، تقول الجاليات الفلسطينية إنها تريد تحديد قضاياها الخاصة بها. لقد أدت أوسلو إلى تفسخ منظمة التحرير الفلسطينية والشعب الفلسطيني. ولذا فإن التحدي القائم يتمثل في إحياء الجسم السياسي واستعادة أهميته.

وجهة نظر
يجدر بنا ونحن نفكر في أشكال المقاومة أن ننظر إلى المرحلة الانتقالية التي نعيشها مقارنةً بحال الحركة الوطنية في عام 1964 عندما ساند جمال عبد الناصر منظمة التحرير الفلسطينية الأصلية وبث فيها العائلات المقدسية العريقة التي كانت مسؤولة إلى حد كبير عن انهيار الحركة الوطنية الفلسطينية بحلول عام 1948. فبعد ذلك الحين، أخذ شكل جديد من أشكال المقاومة يلتف حول الكفاح المسلح والقومية العربية. هل نحن متجهون صوب نموذج مقاومة مختلف حيث أخذت أشكال القيادة القديمة تتهاوى، بعد أن حُيِّدت بعضها من خلال السلطة الفلسطينية في حين غدت أخرى غير متأكدة إزاء ما تمثله؟ هل ثمة مكان لها على الساحة؟

وجهة نظر مغايرة
ولكن هل يمكن التخلي عن الفصائل السياسية التقليدية؟ تُظهر انتخابات مجلس الطلبة في جامعة بيرزيت، على سبيل المثال، رسوخ هذه الأحزاب السياسية - حماس وفتح وحتى الجبهة الشعبية. وهذه هي الحال أيضًا في مخيمات اللاجئين في لبنان والأردن. ولعل كبرى قواعد الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين موجودة في بعض المخيمات المُقامة في لبنان. وفي حين ربما تكون هذه الأحزاب ميتة سياسيًا فإنها ليست ميتة بالكامل وهذا أمر لا يمكن تجاهله على الصعيد المحلي.

وجهة نظر
لا تزال توجد قيمةٌ اليوم لاستخدام اسم "منظمة التحرير الفلسطينية" كما عهدناه تاريخيا، بدلًا من السلطة الفلسطينية، فهو بمثابة القول بأن إنهاء الاحتلال، ومنح الفلسطينيين في إسرائيل حقوقًا متساوية، وضمان حقوق اللاجئين هي الأجندة. فهو تقريبًا كما لو أخذنا أهداف نداء المقاطعة الثلاث وأوجدنا بُنية سياسية للحكم من أجل التعبير عن تلك الأهداف. وفي مواجهة التحرك الأحادي نحو إقامة الدولة دون وجود هيئة حاكمة وبلا ضوابط وموازين في النظام، فإن الحديث عن منظمة التحرير الفلسطينية لا يعني القول إنها قد تكون الهيئة الناظمة المستقبلية، وإنما هي الجهة الشرعية الوحيدة القائمة اليوم حتى وإن كانت أيضًا لا تملك هيئة حاكمة مناسبة.

وفي الواقع، ينبغي للمقاومة أن تتصدى في أحد أشكالها لانعدام مشاركة الشعب الفلسطيني في عملية تقرير مستقبله. فليس هناك مجلس تشريعي فلسطيني فاعل ولا مجلس وطني فلسطيني – وهذا فعلًا غيابٌ لأي صورة من صور التمثيل الشعبي. إن الفلسطينيين بحاجة إلى هيئة حاكمة لمناقشة استراتيجيات المقاومة وأدواتها وأشكالها.

وجهة نظر مغايرة
ثمة حقيقة واضحة وضوح الشمس لم تُناقش مباشرة على الإطلاق وهي أن السلطة الوطنية تقود شعبًا لا يتبعها. أليس حريًّا بالفلسطينيين أن يقاوموا السلطة الفلسطينية أيضًا؟ أم هل ينبغي لهم الاستمرار ببساطة وكأن السلطة الفلسطينية غير موجودة – هم في طريقهم ونحن في طريقنا؟ إن قرار محكمة العدل الدولية هو مثال لأبرز القرارات الصادرة دعمًا للشعوب المجردة من حقوقها، وهو مع ذلك مثال للفشل المدوي أيضًا لأنه افتقر إلى المتابعة. بل إن السلطة الفلسطينية عملت بِجد لثني الجهود القانونية المبذولة لمتابعة قرار المحكمة ولثني الكثير من المبادرات القانونية الأخرى مثل تقرير غولدستون أو اللجوء إلى المحكمة الجنائية الدولية.(انظر جمال جمعة، العدالة المؤجلة)

وهنا يُثار سؤال مهم جدًا حول كيفية تحدي السلطة الفلسطينية. فسوف يتعين على الفلسطينيين، في مرحلة ما، أن يعلنوها صراحةً بأن هذه القيادة لا تمثلنا. وسوف يكون لذلك ثمن يشمل الإبعاد من فلسطين ومزيدًا من التجزؤ، غير أن السؤال حقيقة هو عن ماهية الأدوات التي يُمكن أن تُستخدم في تحدي السلطة الفلسطينية، ومتى ينبغي للمرء أن يستخدمها؟

وجهة نظر
هنالك وجهان مختلفان للسلطة الفلسطينية. فهناك السلطة الفلسطينية التي تُشغِّل مئات الألوف من الناس في الضفة الغربية وبدرجة أقل في قطاع غزة وهي مهمة للغاية وتمثل عقبة أمام المتحدين. وهناك السلطة الفلسطينية التي تُمثل الاحتلال أكثر مما تمثل الفلسطينيين. إذن، ماذا تعني محاربة السلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير الفلسطينية – وبالأخص، ماذا تعني محاربتهما على الصعيد الدولي وبالقانون؟ هل تملك منظمة التحرير الفلسطينية الصلاحية بموجب القانون الدولي للتوقيع على التخلي عن الحقوق الفردية كالحق في العودة وعلى إعفاء إسرائيل من المطالبات – ولا سيما إذا ما كانت الولاية القيادية منتهية وفقًا لقانون منظمة التحرير الفلسطينية أو السلطة الفلسطينية.

مقاومة أدوار المانحين

إن قضية السلطة الفلسطينية وكيفية التصدي لها مرتبطة بوضوح بالسؤال عن دور مجتمع المانحين. إن الأسلوب الذي يتبعه المانحون في التفاعل مع الشعب الفلسطيني مجال يمكن تناوله بطريقة نقدية، سواءً من منظور الحقوق الفلسطينية وفقًا للقانون الدولي أو من حيث مساءلة السلطة الفلسطينية عن أفعال المانحين.

يتصرف المانحون في الأراضي الفلسطينية المحتلة كأنهم رعاة بقر. فهم لا ينضوون في عملهم تحت أي إطار غير إطارهم. كما إنهم استطاعوا تحييد شرائح كبيرة من المجتمع المدني لأن الفلسطينيين أولًا عن آخر يحتاجون لأنْ يطعموا أنفسهم. وهذا يُقصي التعبئة الاجتماعية بوصفها واحدة من أدوات المقاومة. يُعتبر المانحون نقطة ضعف يمكن التعامل معها من حيث دفع السلطة الوطنية في اتجاه تقدمي أكثر. ولا بد من مقاومة نزعة مجتمع المانحين إلى منح المساعدات بدلًا من اتخاذ المواقف السياسية الصحيحة.

التمثيل الدبلوماسي

وجهة نظر
منحت الأمم المتحدة وجامعة الدول العربية مكانة دبلوماسية لمنظمة التحرير الفلسطينية والسلطة الفلسطينية بعدما كافح الفلسطينيون للحصول على اعتراف بمنظمة التحرير باعتبارها ممثلهم الشرعي والوحيد. وفي الوقت الراهن، أصبحت هذه الوظيفية التمثيلية يُتلاعب بها وتُستخدم ضد الشعب نفسه الذي يُفترض أن يكون هو المُمَثل. فماذا يمكن أو ينبغي عمله إذن؟ إن لنا فائدة في المقارنة بين دور منظمة التحرير الفلسطينية والسلطة الفلسطينية ودور المؤتمر الوطني الإفريقي كمنسق لحركة مناهضة الفصل العنصري. فقد سمح المؤتمر الوطني الإفريقي للحركة أن تكون متشعبة ولكنه أيضًا تفاعل معها لضمان وجود مجموعة مشتركة من الأهداف.

وجهة نظر مغايرة
فيما يتعلق بالمؤتمر الوطني الإفريقي، ثمة وجه شبه أكثر دقة يستخدمه الكثير من الناس وهو بين السلطة الفلسطينية وحكومات البانتوستانات. إن الصعوبة في تحدي الاعتراف الدولي بمنظمة التحرير الفلسطينية الذي يتخذ شكل بعثات دبلوماسية تكمن في عدم اتضاح الصورة بعد إذا ما كان الإقدام على ذلك هو تسمية للأشياء بمسمياتها أم فعل أحمق ضار.

وجهة نظر
قد يكون الدور الدبلوماسي الذي تضطلع به منظمة التحرير الفلسطينية مدخلًا لمحاولة دقّ إسفين بين منظمة التحرير والسلطة الفلسطينية. فمن المفترض أن يُمثل رؤساء البعثات الدبلوماسية منظمة التحرير وليس السلطة الفلسطينية، وهم من الناحية النظرية مساءلون أمام الشعب الفلسطيني. ولكن لا أحد يقف بوضوح على المكانة الفعلية لبعثات منظمة التحرير المنتشرة حول العالم، ولعله يجدر في هذا المقام طرح بعض الأسئلة المحددة، ومنها على سبيل المثال، كيف يمكن لهيئة دبلوماسيةٍ تتسم بنشاط أكبر أن تمارس المقاومة القانونية بحق؟

وجهة نظر مغايرة
يحمل محمود عباس لقب رئيس اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، لذا فإن بوسعهم القول إن من ضمن حقوقهم أن يعينوا هؤلاء المسؤولين ويعزلوهم. وبالطبع، عندما تتكلم إلى أحد هؤلاء السفراء فإنهم يزعمون بأنهم يمثلون الشعب الفلسطيني.

غير أن هناك سبيلًا ممكنة للمجادلة عن طريق النظر في سياساتهم والقول إنهم يتهربون من واجباتهم ومسؤولياتهم اتجاه الشعب الفلسطيني. فبإمكانك أن تجادل، على سبيل المثال، بأن السفير لدى الأمم المتحدة رياض منصور ومنذ عام 2007 لم يدع مجالًا للشك من خلال تصرفاته المتعلقة بغزة بأنه ليس سفير الشعب الفلسطيني وإنما سفير السلطة الفلسطينية.

وهذا يرجع حقيقة إلى السؤال عن دور منظمة التحرير الفلسطينية. ماذا كان تاريخيًا وما هو الآن؟ وما هي الآثار المترتبة عليه؟ هنالك الكثير من الخلط والالتباس في صفوف الفلسطينيين بشأن منزلة كياناتهم السياسية؛ فلا توجد خارطة توضح مَن يكون مَن، ومَن لديه الشرعية وفقًا للدستور.

وجهة نظر
رغم أن عباس يحمل كلا اللقبين، فإن نظرة فاحصة على هيكل تسيير الشؤون اليومية ستثير بعض الأسئلة الخطيرة. وعلى سبيل المثال، هل يتبع سفراء منظمة التحرير الفلسطينية لرياض المالكي "وزير خارجية" السلطة الفلسطينية؟ من أين يحصلون على التعليمات؟ من يُقيِّم أداءهم؟ من أين يأتي التمويل؟ فنظريًا، لا ينبغي أن يكون "لوزير خارجية" السلطة الفلسطينية أي علاقة بتمثيل منظمة التحرير الفلسطينية.
ومن الجدير بالذكر أن عمل السفارات يختلف باختلاف مواقعها. فالسفارة في باريس حتمًا تعمل بصورة مغايرة لتلك الكائنة في أثينا أو في واشنطن العاصمة في الوقت الحالي. ولعل البعثات الدبلوماسية في الخارج هي الجزء الوحيد المتبقي من منظمة التحرير الفلسطينية على قيد الحياة، أي الذي ما زال ظاهرًا للشعب الفلسطيني، لذا فإنها قد تكون مدخلًا لاستعادة منظمة التحرير. ويجدر التحقق حتى وإن كان شيء يبدو سليمًا على الورق من حيث البروتوكول.

ثمة حقيقة بسيطة تفيد بأنه يتعين على الفلسطينيين أن يتحلوا بفهم للأحوال الراهنة إذا ما أرادوا المضي قدمًا. فهناك دراية غير كافية بطريقة عمل نظام الحكم الحالي أو كما يُسمى. وهناك حاجة لتحليل منظمة التحرير الفلسطينية والبحث عن مواضع تقاطعها مع السلطة الفلسطينية، مما سيساعد في الحصول على فهم أفضل لكيفية التعامل مع السلطة الفلسطينية.