ورقة سياساتيةالتنمية الاقتصادية

كيف توظِّف إسرائيل الغاز لتفرض التبعية وتعزز التطبيع

 

 

لمحة عامة

لا يقتصر حضور الاحتلال الإسرائيلي في الأرض الفلسطينية على سطح الأرض. فقد دأبت إسرائيل منذ عام 1967 على سلب الموارد الطبيعية الفلسطينية، وعلى منع الفلسطينيين من الاستفادة من احتياطاتهم النفطية والغازية. واستمر الفلسطينيون بسبب هذه القيود في اعتمادهم على إسرائيل في تلبية احتياجاتهم من الطاقة. وبدلًا من تحدي الهيمنة الإسرائيلية المطلقة على الموارد الفلسطينية في سياق الجهود الرامية إلى تطوير قطاع الطاقة الفلسطيني، يواصل الفلسطينيون سعيهم لتحقيق النمو وبناء الدولة ضمن واقع الاحتلال، ويعززون بذلك - حتى لو عن غير قصد - الموازنة غير المتكافئة بين المحتل والخاضع للاحتلال. 1

يستهل الزميل السياساتي في الشبكة طارق بقعوني هذه الورقة السياساتية باستعراض سياق صفقات الغاز الأخيرة، ثم يناقش كيف أن الجهود المبذولة لتطوير قطاع الطاقة الفلسطيني لا تتحدى هذا الواقع، وتعتمد في المقام الأول على ممارسات تلتف على الاحتلال من أجل الارتقاء بنوعية الحياة في إطاره. يرى بقعوني أن تلك الجهود تعزز دورَ الأرض الفلسطينية في نهاية المطاف كسوق أسيرة لصادرات الطاقة الإسرائيلية، وتمهِّد الطريق للتطبيع الإقليمي تحت شعار "السلام الاقتصادي". ويؤكد أن السلام والاستقرار الدائمين لن يتحققا إلا بمعالجة العوامل الكامنة التي تُبقي الفلسطينيين خاضعين للحكم الإسرائيلي، ويقدم عددًا من التوصيات السياساتية لكيفية القيام بذلك.

التأثير السياسي لطفرة الغاز الإسرائيلية

اعتمدت إسرائيل والأردن، حتى سنوات قليلة مضت، على واردات الغاز المصرية اعتمادًا كبيرًا. وفي 2011-2012، ولا سيما بعد سقوط نظام الرئيس حسني مبارك، لم يعد بالإمكان الاعتماد على صادرات الغاز من مصر بسبب قضايا داخلية في قطاع الطاقة المصري وزيادة عدم الاستقرار في شبه جزيرة سيناء، وهي المعبر الرئيسي لخط أنابيب الغاز باتجاه إسرائيل والأردن. ومع انخفاض الواردات المصرية، بدأت إسرائيل والأردن تبحثان عن مصادر بديلة لإمدادات الغاز. اكتشف ائتلاف شركات إسرائيلية وأمريكية عاملة في مجال الطاقة في العام 2009 حقل تمار الغازي على بعد 80 كيلومترًا تقريبًا من ساحل حيفا، ويحوي 10 تريليون قدم مكعب من الغاز. ونظرًا للخطر المحدق بأمن الطاقة الإسرائيلي، سارعَ الائتلاف إلى استخراج الغاز في عام 2013. وبعد اكتشاف حقل تمار بعام، اكتشف الائتلاف حقلَ ليفياثان الغازي الذي يحوي 20 تريليون قدم مكعب من الغاز بحسب التقديرات.

 

الشكل 1: احتياطيات الغاز في شرق البحر الأبيض المتوسط 2

 

تحولت إسرائيل في غضون بضع سنوات من مستورد إقليمي للغاز إلى دولةٍ قادرةٍ على تصديره. وتطلَّعت إلى السوق المحلية وأسواق البلدان المجاورة وما وراءها لتحديد وجهات التصدير المحتملة. وتجلَّت عواقب ذلك في دفع عجلة التطبيع الاقتصادي ضمن محيطها المباشر، حيث صرَّح رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو مؤخرًا بأن إنتاج الغاز من حقل ليفياثان "سيزود إسرائيل بالغاز، ويعزز التعاون مع دول المنطقة."

أصبح الأردن أول دولة تلتزم بشراء الغاز الإسرائيلي، حيث بدأت المفاوضات بين الأردن وإسرائيل بُعيد اكتشاف ليفياثان، ووقعت مذكرة تفاهم في 2014. وفي العام نفسه، أُبرمت اتفاقات لبيع الغاز من حقل تمار لشركة برومين الأردن وشركة البوتاس العربية، وهما اثنتان من الجهات الصناعية الفاعلة في الأردن. انطوت مذكرة التفاهم التي وقعتها الحكومة الأردنية على التزام الأردن بشراء الغاز الإسرائيلي لمدة 15 عامًا. وقوبل هذا الاتفاق باحتجاجات صاخبة في الأردن، ورفض ناشطون كثيرون التعاملَ مع إسرائيل، ولا سيما بالنظر إلى عدوانها على قطاع غزة في ذاك العام، وصوَّت أعضاء البرلمان الأردني على رفض الصفقة. وفي مطلع 2017، بدأ الغاز في التدفق من إسرائيل إلى شركة البرومين وشركة البوتاس العربية الأردنيتين، بيد أن الأطراف المعنية آثرت الصمت لتتجنب تجدد الاحتجاجات.

تزايد الغضب من أن الأردن يمول قطاع الغاز الإسرائيلي بعدما تبين أن لدى الأردن تطلعات أخرى لشراء الغاز من إسرائيل. فبعد تراجع الغاز المصري، شيَّد الأردن محطةً لاستيراد الغاز الطبيعي المسال في العقبة، على ساحل البحر الأحمر، بدأت العمل في 2015. ورغم اكتشاف حقل زُهر الغازي العملاق في 2016 والذي أحيا آمال مصر في استئناف دورها كمورد للغاز في المنطقة، ثبَّت الأردن مذكرة التفاهم المبرمة مع إسرائيل في أيلول/سبتمبر 2016، متأثرًا بضغوط خارجية دون شك، وضاربًا بعرض الحائط الاعتراضات البرلمانية والاحتجاجات الشعبية.

أزمة الطاقة التي تفرضها إسرائيل على غزة - وفلسطين

بينما أضحت إسرائيل غنيةً بالغاز، بات الواقع المثير للشفقة في قطاع غزة المحاصر منذ 2007 أكثر وضوحًا من أي وقت مضى. تستخدم شركة غزة لتوليد الكهرباء، الشركة الوحيدة من نوعها في القطاع، الوقودَ السائل في الوقت الراهن الذي يُشترى ويُنقل إلى قطاع غزة من السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية. ولسد النقص في الطاقة التي تولدها الشركة، تشتري غزة الكهرباء من شركة الكهرباء الإسرائيلية ومن الشبكة الكهربائية المصرية. 3 ومع ذلك، لا يكفي الوقود الذي تشتريه الشركة لتوليد الكهرباء لتلبية الطلب المحلي، وظل القطاع يعاني نقصًا مزمنًا في الكهرباء منذ فرضت إسرائيل الحصار.

وفي مطلع 2017، خرج أهالي القطاع إلى الشوارع احتجاجًا على انقطاع الكهرباء، حيث لا يصلهم التيار سوى لثلاث أو أربع ساعات يوميًا. وبالإضافة إلى القيود الهائلة التي يفرضها انقطاع الكهرباء على هذا النحو على جوانب الحياة اليومية، فإنه يكبل النشاط الاقتصادي للقطاع الخاص، والرعاية الصحية، والتعليم، والمرافق المستديمة للحياة كمحطات المياه والصرف الصحي. ولتعثُّر العمل في هذه المجالات تداعياتٌ عاجلة وآجلة تؤثر في الأجيال النامية.

بينما أضحت إسرائيل غنيةً بالغاز، بات الواقع المثير للشفقة في قطاع غزة المحاصر منذ 2007 أكثر وضوحًا من… Click To Tweet

يُلقى اللوم في أزمة الطاقة في غزة في كل الاتجاهات، حيث ألقى المتظاهرون الذين فاضت بهم الشوارع في فصل الشتاء اللومَ على حكومة حماس والسلطة الفلسطينية وإسرائيل. فصبّوا غضبهم على حكومة حماس لزعمهم أنها حولت الأموال المخصصة لشراء الوقود اللازم لتشغيل محطة توليد الكهرباء الوحيدة في قطاع غزة نحو أنشطة أخرى، كبناء الأنفاق. واتهم المتظاهرون المحبَطون السلطةَ الفلسطينية بدعم الحصار بتحكمها في شراء الوقود ونقله إلى غزة. وتتعرض شركة الكهرباء، وهي شركة خاصة، لانتقادات متكررة على افتراض أنها تتربح من الغزاوي البسيط الذي يئن تحت وطأة هذه الانقطاعات. وللتخفيف من برودة أشهر الشتاء القاسية في أواخر 2016 ومطلع 2017، تدخلت تركيا وقطر بتزويد قطاع الطاقة في غزة بإمدادات وقود سمحت باستئناف توليد الطاقة في شركة غزة لتوليد الكهرباء. غير أن هذه التدابير ليست سوى مسكنات قصيرة الأجل في أحسن أحوالها تنتقل بسكان غزة إلى فصل آخر من أزمتهم المزمنة.

وفي ظل هذه الموجة من الغضب الشعبي وتراشق الاتهامات، تميع، إذا لم تهمَّش، آثار الحصار الإسرائيلي على قطاع غزة والاستعمار والسيطرة الإسرائيلية عمومًا على الموارد الفلسطينية.

اكتشف الفلسطينيون احتياطيات الغاز قبل اكتشاف الغاز الإسرائيلي المفاجئ بعقد من الزمن تقريبًا. فقد اكتُشف حقل غزة البحري قبالة سواحل غزة في 1999، ومُنحت رخصة التنقيب والإنتاج لمجموعة بي جي، شركة النفط والغاز البريطانية الكبرى التي استحوذت عليها شركة شل لاحقًا. وقد حظي هذا الكنز الوطني، بُعيد اكتشافه، بالإشادة باعتباره تطورًا يمكن أن يُفضي إلى ازدهار الفلسطينيين. وحينها كانت اتفاقات أوسلو الموقعة في 1993 لا تزال تبدو ممكنة ومعقولة، فظن الناس أن اكتشاف الغاز يمكن أن يعطي الفلسطينيين دفعةً يحتاجونها أشد الاحتياج باتجاه تقرير المصير.

يبلغ مخزون حقل غزة البحري حسب التقديرات 1 تريليون قدم مكعب من الغاز، وهو ليس كبيرًا بما يكفي للتصدير، ولكنه يكفي لتحقيق الاكتفاء الذاتي التام في قطاع الطاقة الفلسطيني. فلن يُضطر الفلسطينيون معه لاستيراد الغاز أو الكهرباء من إسرائيل أو مصر، ولن يعاني قطاع غزة أي نقص في الكهرباء. فضلًا على أن الاقتصاد الفلسطيني سيحظى بمصدر دخل مهم.

غير أنه لم يكن مقدَّرًا للفلسطينيين أن يتمتعوا بالحكم السيادي. فعلى الرغم من المحاولات اللحوحة من أصحاب الحقل والمستثمرين من أجل تطوير حقل غزة البحري، فرضت إسرائيل قيودًا متشددة حالت دون اتخاذ أي تدابير، بالرغم من البساطة النسبية للتنقيب عن الغاز وإنتاجه في هذا الحقل نظرًا لضحالة العمق الذي يوجد فيه المخزون وقربه من الشواطئ الفلسطينية. 4 ووفقًا لوثائق نشرتها الشبكة، حالت إسرائيل في بادئ الأمر دون تطوير هذا الحقل في إطار سعيها لفرض شروط تحكم إنتاج الغاز وتصب في مصلحتها تجاريًا. وبعدما اكتشفت إسرائيل مواردها، بدأت تتحدث عن "مخاوف أمنية" تزايدت مع سيطرة حماس على قطاع غزة. وبالرغم من أن نتنياهو فكَّر، كما يُزعَم، بالسماح للفلسطينيين بتطوير حقل غزة البحري في 2012 كجزء من استراتيجية أشمل لتحقيق الاستقرار في قطاع غزة، فإن هذا لم يتحقق. وبالنظر إلى استحواذ شركة شل مؤخرًا على مجموعة بي جي، وإطلاقها برنامجًا لتصفية الاستثمارات العالمية، فمن المرجح أن يُباع حقل غزة البحري ضمن التصفية.

سوف يظل هذا الأصل الفلسطيني على الأرجح معلَّقا حتى تكفَّ إسرائيل سيطرتها على الاقتصاد الفلسطيني. وفي هذا الصدد، يتجلى تفاوت القوة بين الطرفين في كيفية تأثر التنمية الاقتصادية في إسرائيل والأرض الفلسطينية باكتشافات الغاز. فقد سارعت إسرائيل إلى تأمين استقلالها في مجال الطاقة بعد اكتشاف حقول الغاز، أمّا الفلسطينيون فظلوا عاجزين عن الوصول إلى المورد الذي اكتشفوه قبل ذلك بعقدين تقريبًا. وبدلا من معالجة السبب الجذري للحصار ونظام الاحتلال الذي يحول دون سيطرة الفلسطينيين على مواردهم مثل حقل غزة البحري، يضطر الفلسطينيون إلى السعي لتأمين تدابير فورية تخفف المعاناة الملحة التي يكابدونها. وبالرغم من أن هذا التصرف مفهوم في سياق الاحتلال الغاشم، فإن الجهود المبذولة لتعزيز نوعية الحياة في ظل الاحتلال تُغفل الهدف الاستراتيجي الأبعد أجلًا المتمثل في تأمين الاستقلال في مجال الطاقة ضمن الهدف الأوسع المتمثل في التحرر من الاحتلال وإعمال الحقوق الفلسطينية.

السلام الاقتصادي والتطبيع

تُوصَف اكتشافات الغاز الإسرائيلية في الغالب كمحفز محتمل لتحول إقليمي، حيث يُنظر إلى مكانة دولة إسرائيل كمزوِّد لجوارها الفقير بموارد الطاقة كوسيلةٍ أكيدة لتسهيل التكامل الاقتصادي بين دول مثل الأردن ومصر وكذلك الفلسطينيين. وترى هذه الدول أن المنفعة الاقتصادية التي يمكن أن تجنيها من خط أنابيب الغاز الرخيص تعوِّض عن أية مخاوف اجتماعية وسياسية لدى مواطنيها حيال التعامل مع إسرائيل. ويَفترض هذا التفكير أن الاستقرار الذي سيستتبعه التكامل الاقتصادي سيقلل احتمالات التفجر في منطقة ساخنة كلما توطدت علاقة الاعتماد التبادلي بين إسرائيل وجاراتها.

لمفهوم "السلام الاقتصادي" تاريخٌ طويل في المنطقة، وقد تجلى في أشكالَ مختلفةٍ، بما فيها مؤخرًا في مقترح التنمية الاقتصادية الذي روَّجه وزير الخارجية الأمريكي السابق جون كيري. ويبدو أن هذا المنطق هو المفضل لدى سفير إدارة ترامب لإسرائيل، ديفيد فريدمان. فبدلا من معالجة المأزق السياسي الناجم عن الاحتلال الإسرائيلي الطويل والانتهاكات الأخرى، تعالج هذه المقترحات القضايا المتعلقة بنوعية الحياة والتجارة والنمو الاقتصادي على افتراض أنها نقطة انطلاق نحو إحلال السلام. كان تفكير إدارة أوباما مماثلًا حيث أخذت تتحرى السُبل لتحويل إسرائيل إلى مركز إقليمي للطاقة بُعيد اكتشاف الغاز الإسرائيلي.

يضطر الفلسطينيون إلى السعي لتأمين تدابير فورية تخفف المعاناة الملحة التي يكابدونها Click To Tweet

يرى المناصرون للنهج الداعي إلى فصل الحقوق الوطنية والسياسية عن الحوافز الاقتصادية بأن ثمة فائدة تجارية جليّة لاستخدام الغاز الإسرائيلي في الأرض الفلسطينية والأردن. تمتلك إسرائيل الآن فائضًا من الغاز، ولا تزال هذه المناطق معتمدة على واردات الطاقة. فاعتماد الأرض الفلسطينية على إسرائيل قائم بالفعل، وليس فقط في غزة، إذ إن قرابة 88% من استهلاك الفلسطينيين تورده إسرائيل، وتستورد الضفة الغربية احتياجاتها كلها تقريبًا من الكهرباء من إسرائيل. ويعتقد دعاة السلام الاقتصادي أن احتمالات عدم الاستقرار تقل عند تعزيز هذا الاعتماد المتبادل.

وبهذا الاعتقاد الراسخ، يسَّرت وزارة الخارجية الأمريكية العديدَ من مفاوضات الغاز بين إسرائيل والأردن والفلسطينيين. وشجَّع المبعوث الخاص ومنسق شؤون الطاقة الدولية، الذي استُحدث منصبه مؤخرًا لتوطيد الدبلوماسية الأمريكية في مجال الطاقة حول العالم في عهد أوباما، الحوارات لتمكين تصدير الغاز الإسرائيلي إلى الأردن والفلسطينيين، وكان نجاحه بائنًا.

الأردن ليس المستقبِل المحتمل الوحيد للغاز الإسرائيلي. فقد أقرت السلطة الفلسطينية خططًا في 2010 لتأسيس شركة فلسطين لتوليد الطاقة، وهي الشركة الأولى من نوعها في الضفة الغربية والثانية في الأرض الفلسطينية بعد شركة غزة لتوليد الكهرباء في غزة. تبلغ القدرة الإنتاجية لمحطة التوليد هذه الواقعة في مدينة جنين 200 ميغاوات، ويقودها مستثمرون من القطاع الخاص (بما في ذلك باديكو وشركة اتحاد المقاولين) يعملون على تعزيز قطاع الطاقة الفلسطيني من خلال تأمين توليد الكهرباء في الضفة الغربية والحد من ارتفاع تكلفة واردات الكهرباء الإسرائيلية. دخلت شركة فلسطين لتوليد الطاقة في مفاوضات مع إسرائيل لشراء الغاز من حقل ليفياثان لتوليد الكهرباء. غير أن الفلسطينيين احتجوا على هذا القرار، ودعوا إلى السعي لتطوير حقل غزة البحري بدلا من الاعتماد على الغاز الإسرائيلي. وانهارت المحادثات في 2015، ولا أحد يعلم ما إذا كانت قد عُلِّقت مؤقتًا فقط.

مخاطر السيادة المنقوصة

هناك العديد من الأخطار الوطنية والإقليمية المترتبة على الضغط من أجل توطيد التكامل عبر صفقات الغاز دون بذل جهدٍ متزامنٍ على الجبهة السياسية.

الخطر الأول هو أن أمن الطاقة الفلسطيني مرهونٌ بحسن نية إسرائيل. فباستطاعة إسرائيل، كما فعلت في الماضي، أن توقف إمدادات الطاقة عن المستهلك الفلسطيني. ومن أبرز التجليات (وأعنفها) لاستعداد إسرائيل أن تحجب الطاقة عن الفلسطينيين قرارُها بتدمير شركة توليد الكهرباء الوحيدة في غزة دون تردد إبان قصفها القطاعَ في 2006، ومرةً أخرى في عام 2014.

يكمن الخطر الثاني في أن هذا النهج يضفي الشرعية على الاحتلال الإسرائيلي، الذي يوشك على دخول عامه الخمسين. فلا يكفي أن إسرائيل لا تدفع تكلفة منعها بناءَ الدولة الفلسطينية، بل تُكافَؤُ مباشرةً من جني إيرادات الغاز المُباع إلى الأرض الواقعة لأجل غير مسمى تحت السيطرة الإقليمية الإسرائيلية.

الخطر الثالث، وربما الأهم، هو أن تبادل الطاقة والتجارة سعيًا لتحقيق السلام الاقتصادي في غياب أي أُفق سياسي يرسِّخ اختلال توازن القوى بين الطرفين – المحتل والقابع تحت الاحتلال. فهذا التكامل يوحي زورًا بوجود علاقات سيادية طبيعية بين القوة المحتلة والاقتصاد الأسير في الضفة الغربية وقطاع غزة.

يعمل الدبلوماسيون الأمريكيون بنشاط مع إسرائيل لتيسير المفاوضات التي تعزز 'نوعية حياة' الفلسطينيين… Click To Tweet

ويجدر بالمرء أن يستذكر مبادرات تحسين نوعية الحياة المشابهة، التي طُرحت في عقد الثمانينات بتشجيع مباشر من البيت الأبيض إبان رئاسة ريغان، كبديلٍ فاشل للعمل السياسي مع منظمة التحرير الفلسطينية. فالجهود الدؤوبة المبذولة للالتفاف على المطالب السياسية الفلسطينية من خلال هذه التدابير مكَّنت إسرائيل من إدارة الصراع، بدلا من حله.

إن مسألة الغاز أوضحُ ما يبين تحوُّل جهودَ بناء الدولة الفلسطينية عبر تنمية الموارد الوطنية إلى جهودٍ ترمي إلى تخفيف وطأة أزمات الطاقة في إطار سيادة منقوصة. وبدلا من معالجة عجز الفلسطينيين عن استكشاف مواردهم الطبيعية، يعمل الدبلوماسيون الأمريكيون بنشاط مع إسرائيل لتيسير المفاوضات التي تعزز "نوعية حياة" الفلسطينيين التي تبقيهم مرتهنين لإسرائيل إلى الأبد.

ينطوي هذا النهج على مخاطر إقليمية أيضًا. فالأردن يعتمد حاليًا على إسرائيل بنسبة 40% من وارداته من الطاقة. واستعداده لهذا الالتزام، برغم مساوئه الجيوستراتيجية العديدة، يعزز التوجه نحو التطبيع مع إسرائيل في المنطقة بينما تواصل احتلالها الأرضَ الفلسطينية. إن هذا التصرف يُنذر بتهديدات عديدة في وقت تقترح فيه إدارة ترامب السعي لتدابير دبلوماسية "على هوى الأطراف المعنية" قد تتجاوز الفلسطينيين كليًا.

استراتيجيات للمقاومة

الاعتماد المتبادل والتنمية الاقتصادية، في الظروف العادية، هي مرتكزات تقي من عدم الاستقرار وترتقي بنوعية الحياة لسكان المنطقة. غير أنه لا يجب النظر إليها كغايةٍ في حد ذاتها، ولا كبديل بالتأكيد عن إعمال الحقوق الفلسطينية. وهذا مَبلغ هذه النظرة اللاسياسية. إن حصر التركيز في السلام الاقتصادي له عواقب مضرة لأنه يتجاهل السياق التاريخي الأوسع الذي أدى إلى اعتماد الفلسطينيين، وربما المنطقة، على إسرائيل.

لن يثني النمو الاقتصادي الفلسطينيين أبدًا عن المطالبة بالسيادة والحقوق وتقرير المصير. وخيرُ ما يُثبت ذلك اندلاع الانتفاضة الأولى قبل نحو 30 عامًا بعد عقود من تطبيع العلاقات الاقتصادية بين إسرائيل والأراضي الواقعة تحت احتلالها العسكري. وفي حين يمكن "للسلام الاقتصادي" أن يؤمِّن انفراجًا قصير الأجل، فإنه يمهد الطريق لمزيد من الاستقرار إذا بُني على أساس المساواة والعدالة.

يتوقف حق الفلسطينيين في استغلال مواردهم على مفاوضات الوضع النهائي مع الإسرائيليين. واتفاقات الغاز التي تسعى الأطراف إلى إبرامها سوف تهيؤ أرضية الاعتماد والتبعية التي سيكون من الصعب التغلب عليها في حال التوصل إلى تسوية عن طريق التفاوض. والأهم من ذلك هو أن هذه الاتفاقات ترسخ الوضع الراهن بالنظر إلى تبدد آمال حل الدولتين.

بالرغم من أن السعي لإقامة علاقات اقتصادية قد يكون ضروريًا لتفادي المعاناة الإنسانية، كما الحال ربما مع زيادة إمدادات الوقود والكهرباء إلى غزة، لا بد أن تستمر منظمة التحرير الفلسطينية والسلطة الفلسطينية والمجتمع المدني الفلسطيني وحركة التضامن مع فلسطين في استخدام كل الأدوات المتاحة لها لممارسة الضغط من أجل إحقاق العدالة والحقوق للفلسطينيين.

وإذا استمرت صفقات الغاز في المستقبل القريب رغم المعارضة الشعبية، فلا بد للمفاوضين الفلسطينيين المشاركين في صفقات الغاز المستقبلية مع إسرائيل أن يُصرِّوا، على أقل تقدير، على بنود لا تنفي احتمالات استخدام الغاز من حقل غزة البحري في المستقبل. ويتسنى ذلك من خلال إنشاء آليات قانونية تسمح بدخول طرف ثالث في اتفاقات التوريد. وبالرغم من صعوبة التفاوض على مثل هذه البنود، فإن لها أهميةً حاسمة بالنظر إلى المرونة التي توفرها إزاء توريد الغاز في المستقبل من حقل غزة البحري وتقليل الاعتماد على إسرائيل. وينبغي أن تتضمن عقود توريد الغاز أيضًا بنودًا حول مراجعة بنود الاتفاقية في حال حدوث تطورات كبرى على الصعيد السياسي.

ينبغي أن يرعى المفاوضون الفلسطينيون أيضًا المقاومةَ التي يمارسها المجتمع المدني تعزيزًا لجهوده بدلا من السعي لنبذها أو سحقها. وثمة نماذج يمكن محاكاتها تمكَّن المفاوضون فيها من تسخير قوة الحركات الشعبية في مواجهة بعض هذه الصفقات. وفي مجال الحقوق المائية، مثلًا، تنشط مجموعة المياه في حالات الطوارئ والصرف الصحي والنظافة (EWASH) التي حققت بعض المكاسب على صعيد المناصرة والدعوة وحشد التأييد في الاتحاد الأوروبي. ولعل من الممكن إنشاء تحالف من هذا القبيل بهدف التعبئة والحشد من أجل تأمين السيادة في مجال الطاقة.

وفي الوقت نفسه، يجب على منظمة التحرير الفلسطينية/السلطة الفلسطينية أن تستخدم المفاوضات الاقتصادية هذه كوسيلةٍ لمساءلة إسرائيل وليس كوسيلةٍ للإذعان للتبعية القسرية. ويجب، على وجه الخصوص، أن توظِّف صفةَ الدولة غير العضو المراقبة التي اكتسبتها فلسطين في الأمم المتحدة من أجل الضغط في المحافل القانونية الدولية مثل المحكمة الجنائية الدولية لحمل إسرائيل على الوفاء بمسؤوليتها كقوة محتلة بموجب القانون الدولي. وهذا يعني أن إسرائيل مكلفة بمسؤولية حماية سُبل عيش السكان المتواجدين ضمن نطاق سيطرتها، بما في ذلك تزويدهم بالكهرباء والوقود، وأنها مسؤولة عن القرارات التي قد تتخذها بوقف الإمدادات.

قد ينتفع الفلسطينيون من عناصر معينة في السلام الاقتصادي في المدى القصير من خلال تعزيز النمو الاقتصادي والتنمية، ولكن لا يمكن لهذه أن تتأتى على حساب حالة لامحدودة من التبعية والسيادة المنقوصة. يجب على الفلسطينيين أن يعملوا على جبهتين: الدفع من أجل محاسبة الاحتلال الإسرائيلي في المحافل الدولية، والعمل على مواجهة أي احتمالات لفرض تكامل اقتصادي قسري وأية محاولة إسرائيلية لفرض واقع دولة الأبرتهايد الواحدة وذلك من خلال المطالبة بإعمال الحقوق والمساواة. ومهما كانت الرؤية السياسية الموضوعة لإسرائيل والفلسطينيين، فإنه يجب على القيادة الفلسطينية أن تضع استراتيجية تتمحور حول صفقات الغاز هذه، وتأطير مفاهيم التنمية الاقتصادية ضمن الصراع الأوسع من أجل تحرير فلسطين.

ملاحظات:

  1. تتوفر كافة إصدارات الشبكة باللغتين العربية والانجليزية (اضغط/ي هنا لمطالعة النص بالإنجليزية). لقراءة هذا النص  باللغة الإيطالية، اضغط/ي هنا. تسعد الشبكة لتوفر هذه الترجمات وتشكر مدافعي حقوق الإنسان على هذا الجهد الدؤوب، وتؤكد على عدم مسؤوليتها عن أي اختلافات في المعنى في النص المترجم عن النص الأصلي.
  2. المصدر: ذي إيكونوميست.
  3. هذه التدابير المتعلقة بشراء الوقود ونقله منسجمة مع بروتوكول باريس المنظِّم للعلاقات الاقتصادية والمنصوص عليه في اتفاقات أوسلو المبرمة بين إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية.
  4. حقل غزة البحري ليس المورد الوحيد الذي لم يتمكن الفلسطينيون من التنقيب فيه. فقد واجهت حقول النفط في الضفة الغربية مشكلات في الوصول إليها بسبب القيود الإسرائيلية.