Shobaki_Commentary_Sept2022-1

هذا التعقيب مقتطف من تقرير بعنوان”استعادة منظمة التحرير الفلسطينية وإعادة إشراك الشباب“، تم نشره في آب/أغسطس 2020. يُرجى مراجعة مقدمة التقرير للمزيد من المعلومات حول محتوى التقرير والمساهمين فيه.

أراد أحمد الشقيري للمنظمة أن تكون كياناً يمثّل الكل الفلسطيني حين قام بتأسيسها، لكنّ إرادته تلك لم تتحقّق حيث اتخذت حركة فتح موقفاً حادّاً من المنظمة، تجلّى بتاريخ 9 كانون الأول/ديسمبر 1967 حين وزّعت بياناً على وزراء الخارجية العرب في مؤتمرهم الذي عُقد في القاهرة، حيث حمل البيان انتقاداً لسياسة الشقيري، مؤكدة عدم ثقتها به. سبق بيانها هذا تأكيدها على رفض الوصاية العربية وضرورة تبنّي الكفاح المسلح لتحرير فلسطين. إلى حدٍّ ما؛ يشبه موقف فتح نهاية الستينات موقف حماس والجهاد الإسلامي الحالي من المنظمة، فيما يتعلق بالبرنامج السياسي؛ أهدافاً ووسائل. 

بيد أنّ الحركتين الإسلاميتين، أي حماس والجهاد، موقفهما من المنظمة لم يستند فقط إلى البرنامج السياسي، أو البناء المؤسساتي للمنظمة، إنّما استند أيضاً إلى الأرضية العقائدية، ولذلك نرى مثلاً أن دخول حركة فتح إلى المنظمة لم يتطلب سوى عام بعد البيان المذكور أعلاه، فيما حركتي حماس والجهاد الإسلامي ما زال دخولهما إلى المنظمة متعذّراً، والسبب الأساسي يعود إلى أنّ الفصل بين ما هو سياسي وما هو أيديولوجي في مسألة مرتبطة بجوهر القضية الفلسطينية أمرٌ قد يُفضي إلى انهيار الحركتين أمام أدبياتهما السياسية ومرجعيتهما الدينية والأرضية الجماهيرية لكلّ منهما. لذلك تطلّب حديثهما عن الدخول إلى منظمة التحرير شروطاً مسبقة لم يتحقّق أي منها إلى الآن. 

مع ذلك؛ فإنّ ثلاثة عقود وأكثر من العمل في الساحات الفلسطينية جميعها لحركتي حماس والجهاد الإسلامي، تخلّلتها الكثير من الأحداث التي دفعت الحركتين لإبداء شيءٍ من التغيير تجاه المنظمة، وبشكلٍ أكثر وضوحاً جاء التغيير من حركة حماس، وإن لم يقُد حتى الساعة إلى تمهيد حقيقي لطريق دخولها إلى المنظمة، فهو قد يساعد في بناء تصوّرات جديدة لانضمام كل الفصائل الفلسطينية إلى منظمة التحرير بما فيها حماس وباحتمالية أقل للجهاد الإسلامي، على أن تستند هذه التصوّرات على عدّة حقائق: أبرزها تطوّر الخطاب السياسي لحركة حماس، والمتغيرات الإقليمية، وتآكل السلطة ككيان وطني، وإدارة إسرائيل ظهرها لحل الدولتين.

حماس والمنظمة: من الميثاق إلى الوثيقة

أصدرت حركة حماس ميثاقها سنة 1988 وقد ضمّنته مادة خاصة بمنظمة التحرير الفلسطينية، هي المادة سبعة وعشرين، وجاء فيها: 

منظمة التحرير الفلسطينية من أقرب المقربين إلى حركة المقاومة الإسلامية، ففيها الأب أو الأخ أو القريب أو الصديق، وهل يجفو المسلم أباه أو أخاه أو قريبه أو صديقه. فوطننا واحد ومصابنا واحد ومصيرنا واحد وعدونا مشترك. وتأثرًا بالظروف التي أحاطت بتكوين المنظمة، وما يسود العالم العربي من بلبلة فكرية، نتيجة للغزو الفكري الذي وقع تحت تأثيره العالم العربي منذ اندحار الصليبيين، وعززه الاستشراق والتبشير والاستعمار، ولا يزال، تبنت المنظمة فكرة الدولة العلمانية وهكذا نحسبها. والفكرة العلمانية مناقضة للفكرة الدينية مناقضة تامة، وعلى الأفكار تُبنى المواقف والتصرفات، وتتخذ القرارات. ومن هنا، مع تقديرنا لمنظمة التحرير الفلسطينية -وما يمكن أن تتطور إليه- وعدم التقليل من دورها في الصراع العربي الإسرائيلي، لا يمكننا أن نستبدل إسلامية فلسطين الحالية والمستقبلية لنتبنى الفكرة العلمانية، فإسلامية فلسطين جزء من ديننا، ومن فرّط في دينه فقد خسر. ويوم تتبنى منظمة التحرير الفلسطينية الإسلام كمنهج حياة، فنحن جنودها ووقود نارها التي تحرق الأعداء.

الحديث بمفردات إيجابية تجاه منظمة التحرير الفلسطينية، والتأكيد على متانة الروابط معها كما جاء في نص المادة أعلاه، لم يخفِ التناقض الصارخ والمشار إليه بوضوح، “العلمانية مقابل الدينية”. ما يمكن قراءته في هذه المادّة، أنّ سؤال الحكم كان حاضراً عند حماس منذ اللحظة الأولى، وأنّها رغم تقديمها لنفسها حينها كحركة مقاومة ضدّ الاحتلال، غايتها التحرير، لم تتجاهل مستقبل فلسطين كبلدٍ إسلاميّ حسب معتقدها، يسود فيه الإسلام كمنهج حياة، بما يعنيه ذلك من طبيعة نظام الحكم المُتخيّل لمرحلة ما زال الحديث عنه مبكّراً. كما يُقرأ في المادّة أيضاً أنّ عدم تبنّي المنظمة للإسلام كمنهج حياة سيحول دون اصطفاف حماس إلى جانب فتح في نفس الخندق ضد الاحتلال، أو بشكلٍ أدقّ، فإنّ حماس لن تقبل حتى قتال الاحتلال تحت مظلّة منظمة التحرير الفلسطينية. هذه القراءة ترجمتها حماس عملياً خلال الانتفاضة الفلسطينية الأولى حين دَعت مراراً إلى فعاليات نضالية مختلفة عمّا دعت إليه فصائل منظمة التحرير الفلسطينية، وقد قابلتها الأخيرة بخطاب مشكّك بوطنيتها متهمة حماس بشقّ وحدة الصفّ الوطنيّ.

دخلت حركة حماس في مرحلة جديدة لا تحتكم فيها بشكلٍ أساسي إلى أدبياتها القديمة التي تركّز على المرجعية الإسلامية، بقدر تركيزها على البناء الديمقراطي والحقوق السياسية Click To Tweet

على أيّة حال، لم يُجب الميثاق بوضوح على سؤال مهم حول نظرة حماس إلى المنظمة كممثل شرعي للشعب الفلسطيني، وتُرك الأمر لما صدر عن الحركة لاحقاً، بوضوح أكثر، وبخطاب لم يلتفت إلى مسألة اعتبار الإسلام منهج حياة، بقدر ما التفت إلى آليات تشكيل المجلس الوطني وبرنامج المنظمة السياسي، وهو مؤشر على أنّ حماس لم تحتكم إلى ميثاقها في كثير من سياستها. في نيسانأبريل 1990 مثلاً، ردّت حركة حماس على دعوة تلتقها للمشاركة في التحضير لجلسة المجلس الوطني، بأنّها تدعو إلى أن يكون الانتخاب أدة تشكيل المجلس، فإن تعذّر ذلك فيجب أن يكون التعيين المنصف الذي يعكس وزن الحركات الفلسطينية هو المطبق، وأن يُعدّل البرنامج بما ينسجم مع عقيدة الشعب الفلسطيني المسلم. هذه الرسالة التي بعثت بها حماس إلى عبد الحميد السائح، رئيس المجلس الوطني في حينها، تشير إلى أنّ حماس أصبحت أكثر تحديداً في توصيف خلافها مع المنظمة، وأنّ الأمر مرتبطٌ بمسألتين جوهريتين هما: 

  • أولاً: أنّ تمثيل المنظمة للفلسطينيين مشروط ببنائها مؤسساتياً على أساس الانتخاب، أو التعيين بما بعكس وزن الحركات في الشارع. 
  • ثانياً: أنّ برنامج المنظمة السياسي يجب ألّا يتناقض مع عقيدة الشعب الفلسطيني المسلم. هذه النقطة لا يمكن تفسيرها إلا بالعودة إلى ميثاق حماس، حيث التنازل عن أي جزء من الأرض هو مخالف للعقيدة الإسلامية. 

ودون إغراقٍ في تفاصيل العلاقة بين حماس ومنظمة التحرير الفلسطينية تاريخياً، التي كانت في واقع الأمر علاقة حماس بحركة فتح التي فرضت هيمنتها على المنظمة، فإنّ سنوات قليلة بعد نشوء حماس، وخفوت صوت الانتفاضة، وبدء مرحلة أوسلو، كانت كفيلة بأن تدخل منظمة التحرير الفلسطينية حالة الموت السريري، فيما ميثاق حماس أصبح لسنوات طويلة عبارة عن أوراق منسيّة لا يعود لها سوى باحثٌ أراد التوثيق، أو سياسيّ إسرائيلي في الغالب أراد إدانة حماس على منبرٍ دبلوماسيّ أو إعلامي. 

سنوات قصيرة انبرت فيها حركة فتح لإدارة سلطة تحت الاحتلال وتجاهلت فيها منظمة التحرير، فيما انبرت حركة حماس للعمل المسلّح خلال التسعينات، أصبحت بسببه حركة محاربة لا من إسرائيل فحسب، بل من أجهزة السلطة الفلسطينية الأمنية. بيد أنّ فشل مباحثات كامب ديفيد عام 2000 في تحويل سلطة ما بعد أوسلو إلى دولة فلسطينية، وما تبع هذا الفشل من اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الثانية، قاد إلى مرحلة جديدة، عادت خلالها فصائل منظمة التحرير الفلسطينية إلى ساحة المواجهة مع الاحتلال جنباً إلى جنب مع حركة حماس والجهاد الإسلامي، دون أن يكون نضالهما في هذه الانتفاضة أيضاً تحت نفس المظلّة السياسية. في سنوات الانتفاضة الثانية لم تعد الخلافات الفلسطينية الداخلية بنفس الحدّة، ولم يكن ممكناً على المستوى الشعبي الالتفات إلى تلك الخلافات ورئيس الوزراء الإسرائيلي أرئيل شارون في حينها قد بدأ اجتياحاً كاملاً للمناطق الفلسطينية. 

حتى نهايات الانتفاضة الفلسطينية الثانية، لم تكن منظمة التحرير قد استيقظت من غيبوبتها، إلّا أنّ جملة متغيرات نوعية حدثت في تلك المرحلة، قادت إلى محاولات متسارعة لبعث منظمة التحرير من جديد، وعلى يدِ من غيّبها لسنوات. تراجع العمل المسلّح في نهايات الانتفاضة، ورحيل ياسر عرفات في باريس بعد أن قضى نحبه محاصراً في رام الله، وانتخاب محمود عباس الرافض للعمل العسكري، وتطبيق خطة الانسحاب أحادي الجانب الإسرائيلية من غزة، والمحادثات الفلسطينية الداخلية لترتيب البيت في مرحلة ما بعد الانتفاضة، كلّها عوامل قادت حركة حماس إلى أن تُعلن نيّتها المشاركة في الانتخابات التشريعية الثانية، جاء ذلك على لسان أحد قيادييها في نابلس، هو محمد غزال.

حماس التي اعتبرت التوقيع على أوسلو خيانة، ورفضت المشاركة في انتخابات 1996، ومنعت أعضائها من ذلك، لم تجد حرجاً في المشاركة في انتخابات 2006، على اعتبار أنّ مرجعية تلك الانتخابات هو إعلان القاهرة 2005، وأنّ اتفاقية أوسلو انتهت حين سوّت دبّابات شارون مقرّات السلطة بالأرض، وأنّ انسحاب إسرائيل من غزة هو نتاج الفعل المقاوم الذي ترى حماس أنّها أبرز روّاده. على هذه الأسس بادرت حماس بالمشاركة، وعلى غيرها من الأسس وافقت الأطراف المعنية على مشاركة حماس أو غضّت طرفها عن ذلك. إجمالاً كانت تلك الأطراف ترى أنّه سيكون من السهل احتواء حماس وترويضها كمعارضة في قفص السلطة، كونداليزا رايس، مستشارة الأمن القومي الأميركي حينها أوضحت هذه الفكرة بشكلٍ لا يستدعي التأويل.

الجهاد على خُطى حماس

إعلان القاهرة 2005 كان مؤشراً على توافق فلسطيني كامل بشأن ضرورة إحياء منظمة التحرير الفلسطينية، خصوصاً بعد ما تلقّته السلطة من محاولات تقويض إسرائيلية، جعلت من الإبقاء على سُبات المنظمة انتحاراً سياسياً فلسطينياً. جاء في نص الإعلان أنّ المجتمعين قد وافقوا

على تفعيل وتطوير منظمة التحرير الفلسطينيّة وفق أسسٍ يتمّ التراضي عليها بحيث تضمّ جميع القوى والفصائل الفلسطينيّة بصفة المنظمّة الممثّل الشرعيّ والوحيد للشعب الفلسطينيّ. ومن أجل ذلك تمّ التوافق على تشكيل لجنة تتولّى تحديد هذه الأسس، وتتشكّل اللجنة من رئيس المجلس الوطنيّ وأعضاء اللجنة التنفيذيّة لـ (م. ت. ف.) والأمناء العامّين لجميع الفصائل الفلسطينيّة وشخصيّات وطنيّة مستقلّة، ويدعو رئيسُ اللجنة التنفيذيّة لهذه الاجتماعات.

مثّل هذا الإعلان قفزة عمّا صدر عن حركتي حماس والجهاد الإسلامي أيضاً في بداية التكوين، فالجهاد الإسلامي رغم قلّة احتكاكها وتصادمها مع المنظمة وفتح بحكم أنّها لا تشكّل منافساً في استقطاب القاعدة الجماهيرية، إلّا أنّ موقفها لم يختلف كثيراً عمّا ورد في ميثاق حماس، فأمينها العام المؤسس فتحي الشقاقي قال: 

وجود نقاط ضعف في المشروع الوطني الفلسطيني تتركز حول الأيديولوجية السياسية الوطنية نفسها التي استبعدت الإسلام من محتواها الفكري، في الوقت نفسه إشكالية الحركة الإسلامية التقليدية التي كانت غائبة عن المسألة الفلسطينية… فمن يحملون الإسلام لا يتوجهون إلى فلسطين، ومن يتوجهون إلى فلسطين (التيار الوطني) يستبعدون الإسلام من محتواهم الفكري والنضالي، أما نحن فقد اكتشفنا أن فلسطين تقع في قلب القرآن، وأن فلسطين آية من الكتاب، وأدركنا بهذا الفهم مركزية القضية الفلسطينية بالنسبة للحركة الإسلامية والأمة العربية والإسلامي.1

فإعلان القاهرة الذي وقّعت عليه حماس والجهاد الإسلامي نادى بضرورة تفعيل وتطوير منظمة التحرير الفلسطينية وفق أسس يتم التراضي عليها، أيّ أنّ مسألة أيديولوجية المنظمة وتبنّيها للإسلام قد تم تجاوزها. بذلك، يمكن القول أنّ هذا الإعلان يمكن أن يبنى عليه تصوّر آلية دخول الحركتين للمنظمة، حيث أنّ الشروط المسبقة للانضمام إجرائية وقابلة للتطبيق.

ترفض حركة الجهاد الإسلامي اعتبار المنظمة ممثلاً شرعياً ووحيداً للشعب الفلسطيني دون أن يشار إلى ضرورة إصلاحها وإجراء انتخابات لمجلسها الوطني Click To Tweet

إلّا أنّ ما تبع الإعلان من تطوّرات سياسية داخلية حالت دون البناء عليه بشكلٍ عمليّ، ففوز حركة حماس في الانتخابات التشريعية 2006، وعدم احترام هذا الفوز من قبل قوى داخلية أبرزها حركة فتح، وقوى إقليمية ودولية، وسياساتهم الإقصائية تجاه حماس والتقويضية لحكمها، وما تبعه من استخدام حركة حماس للسلاح لتأمين حكمها في غزة دفع بالفلسطينيين إلى اقتتال داخلي ومن ثم إلى انقسامٍ سياسي فمؤسساتي. وخلال ما يتجاوز العقد من الزمان، استهلك الفلسطينيون جلّ طاقتهم السياسية في إدارة الانقسام لا في البناء على إعلان القاهرة لإعادة تفعيل منظمة التحرير الفلسطينية. 

كما أنّ منظمة التحرير الفلسطينية وخلال أعوام الانقسام الذي ما زال واقعاً، أصبح تفعيلها ملحّاً بالنسبة لفتح، لا بسبب ما ذكر سابقاً، إنّما لتحجيم حماس، وإيجاد فضاء مختلف عن فضاء السلطة الذي أصبحت حماس من مكوّناته الأساسية. تفعيلها من وجهة نظر حركة فتح لم يسبقه أي إصلاحات أو انتخابات، وهو ما جعلها نقطة أساسية من نقاط الخلاف الفلسطيني الداخلي، بل أصبح مطلوباً من حركتي حماس والجهاد الإسلامي الاعتراف بها كممثل شرعي ووحيد دون شروط مسبقة وهو ما رفضته الحركتين مراراً. بيد أنّ الضغوط التي مورست على الحركتين، والمتغيرات الإقليمية في مرحلة الثورات العربية وتحديداً ضعف الإسناد السوري والإيراني لحماس والجهاد، وخسارة الإخوان المسلمين للحكم في مصر، دفعت الحركتين وبشكل أكبر حركة حماس لتغيير خطابها السياسي بالمجمل، بما في ذلك المتعلق بمنظمة التحرير. 

فما ورد في ميثاق حماس حول المنظمة جبّته وثيقة حماس السياسية التي أعلنتها عام 2017، حيث ورد فيها أنّ “منظمة التحرير الفلسطينية إطار وطني للشعب الفلسطيني في الداخل والخارج يجب المحافظة عليه، مع ضرورة العمل على تطويرها وإعادة بنائها على أسس ديمقراطية، تضمن مشاركة جميع مكونات وقوى الشعب الفلسطيني، وبما يحافظ على الحقوق الفلسطينية”. هذا النص يعلن بشكل واضح أنّ الحركة دخلت في مرحلة جديدة لا تحتكم فيها بشكلٍ أساسي إلى أدبياتها القديمة التي تركّز على المرجعية الإسلامية، بقدر تركيزها على البناء الديمقراطي والحقوق السياسية، وهو تطوّر نوعي يمكن استثماره في تصوّر شكل انضمام حماس إلى المنظمة. 

أمّا حركة الجهاد الإسلامي فكانت أكثر وضوحاً في وثيقتها السياسية الجديدة التي نشرتها عام 2018، حيث أكدت على أنّ المنظمة لا تمثّل الكل الفلسطيني، وأنّه لا بدّ من تصحيح مسارها السياسي بما يتناقض مع نهج التسوية، إلّا أنّ التطوّر جاء في عدم استحضار المفردات التي استخدمها الشقاقي في الحديث عن المرجعية الإسلامية للعمل الوطني، حيث نادت الوثيقة بضرورة إعادة بناء منظمة التحرير الفلسطينية بشكلٍ ديمقراطي، وعليه؛ فإنّ الجهاد الإسلامي لا تختلف عن حركة حماس في نظرتها لشرط منح المنظمة صفة التمثيل، وقد جاء موقف الجهاد الإسلامي الرافض للتوقيع على البيان الختامي لحوارات موسكو عام 2019 منسجماً مع وثيقتها السياسية، إذ رفضت البند الذي ينص على اعتبار المنظمة ممثلاً شرعياً ووحيداً للشعب الفلسطيني دون أن يشار في النص إلى ضرورة إصلاحها وإجراء انتخابات لمجلسها الوطني. 

تصوّر مستقبلي لانضمام الحركتين إلى المنظمة

تأسيساً على ما سبق، وبإيجاز، فإنّ مسألة تطوير وتفعيل منظمة التحرير الفلسطينية يجب أن تُبنى على الحقائق التالية:

  • لا يوجد أي إطار سياسي حالي يمكنه الادعاء أنّه يمتلك صفة الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني. 
  • لا يوجد أي أطروحات بديلة لتشكيل كيان جديد يمثّل الكل الفلسطيني. 
  • فشل مسار التسوية السياسية مع الاحتلال الإسرائيلي وتآكل مؤسسات السلطة كبنية وطنية وتعاظم دورها الوظيفي. 
  • تعثّر حركات المقاومة بفعل الحصار والمتغيرات الاقليمية وإغراقها في إدارة الشأن العام في غزة، وتقويضها في الضفة الغربية.
  • اعتراف جميع الفصائل بما فيها حماس والجهاد بأهمية منظمة التحرير الفلسطينية وضرورة تفعيلها.
  • تجاوز حركتي حماس والجهاد الإسلامي لشرط تبنّي منظمة التحرير للإسلام كمنهج حياة. 

فيما انضمام حركتي حماس والجهاد الإسلامي لمنظمة التحرير يجب أن يُبنى على إعلان القاهرة 2005، ووثيقة حماس السياسية 2017، ووثيقة الجهاد الإسلامي السياسية 2018، وذلك على النحو التالي: 

  • الانتقال من مرحلة الاتفاق على ضرورة إصلاح وتفعيل المنظمة، إلى الاتفاق على إجراء انتخابات لمجلسها الوطني، وأن يتزامن ذلك مع تفاهم حول آلية إجراء الانتخابات أينما كان ذلك متاحاً، وأن يتم التفاهم على آلية لتمثيل الفلسطينيين في الوطني الجديد ممّن يتعذّر إجراء الانتخابات لديهم. 
  • الاتفاق على أنّ مراجعة البرنامج السياسي لمنظمة التحرير والخروج ببرنامج جديد أو معدّل هي مسألة تُترك للمجلس المُفترض انتخابه. 
  • أن يشرع المجلس الوطني حال انتخابه في تشكيل لجان لإعادة بناء وهيكلة مؤسسات المنظمة وبما ينسجم مع برنامجها السياسي، وأن تنعكس نتائج انتخابات الوطني على كافة مؤسسات المنظمة من حيث تمثيلها للكل الفلسطيني. 
  • أن يتم البحث عن آليات تضمن حماية نتائج الانتخابات واحترامها ومن ثم احترام ما سيخرج عن المجلس الوطني الجديد. 
  1. رفعت سيد أحمد، “رحلة الدم الذي هزم السيف، الأعمال الكاملة للدكتور فتحي الشقاقي” (القاهرة: مركز يافا للدراسات والأبحاث، 1997)، 68.
بلال الشوبكي، رئيس قسم العلوم السياسية في جامعة الخليل، فلسطين. وهو محلل سياساتي في شبكة السياسات الفلسطينية. وهو مؤسس ومنسق برنامج درجة الماجستير المزدوج في...

أحدث المنشورات

 السياسة
تكشفُ تغطيةُ وسائل الإعلام الرئيسية في الغرب لمجريات الإبادة الجماعية في غزة تحيزَها الشديد للنظام الإسرائيلي، وتُبرزُ أيضًا سهولةَ نزع الصفة الإنسانية عن الفلسطينيين. تتناول يارا هواري في هذا التعقيب استراتيجيةَ إسرائيل في نزع الصفة الإنسانية عن الفلسطينيين في المجال العام، ودور وسائل الإعلام الغربية في تحقيق أهداف إسرائيل. وتبين أنماطَ التقصير الصحفي المستمرة منذ 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023، وتخلُص إلى أنّ وسائل الإعلام الغربية متواطئة حتمًا في الإبادة الجماعية التي يرتكبها النظام الإسرائيلي ضد الشعب الفلسطيني في غزة.
Al-Shabaka Yara Hawari
يارا هواري· 03 أبريل 2024
لعبت كل من مصر والأردن عبر التاريخ أدواراً جيوسياسية مهمة في القضية الفلسطينية، حيث شكلت حدودهم مع قطاع غزة والضفة الغربية على التوالي المنفس الوحيد للعمق العربي وخاصة بعد حرب 1967. تزايدت وتضاءلت نفاذية هذه الحدود مع اختلاف الحكومات والظروف في المنطقة، لكن يمككنا الجزم أن مع مرور الزمن أصبحت هذه الحدود بشكل تدريجي جزءاً من الحصار على الشعب الفلسطيني وأداة ضغط على الفلسطينيين.
تعكف المصادر الإسرائيلية الرسمية على تضليل العالم إعلاميًا على نطاق واسع لتبرير الإبادة الجماعية التي ترتكبها في غزة. وقد أجَّجَ الصحفيون ومحللو استخبارات المصادر المفتوحة الحملةَ المسعورة لشيطنة الفلسطينيين بنشرهم الأنباء الكاذبة دون تدقيقها كما ينبغي. يتناول طارق كيني الشوا، في هذا الموجز السياساتي، أساليبَ الحرب الإعلامية الإسرائيلية، ويبيِّن كيف أسهمت هذه الجهود في تآكل الحقيقة وإعاقة الجهود الرامية إلى تنظيم استجابة عالمية. ويقدم توصيات للصحفيين والمحللين وعامة الجمهور للاستفادة من الأدوات مفتوحة المصدر لدحض الدعاية الإسرائيلية والمعلومات المضللة السائدة.
Skip to content