حلقة نقاشسياسة

التحالف ضد إيران وتداعياته على فلسطين

عندما أُبرم الاتفاق النووي مع إيران – المعروف باسم خطة العمل الشاملة المشتركة – قبل ثلاثة أعوام، لم يتوقع محللو الشبكة أن تطرأ تغيرات كبيرة على العلاقات الأمريكية الفلسطينية، إلا أنهم تنبأوا بأن يسوء وضع الفلسطينيين حالما يقع المحتوم وتسترضي الولايات المتحدة إسرائيل واللوبي الإسرائيلي "لقاءَ اعتدالهما" في معارضة الاتفاق، كما أشار المحلل السياساتي في الشبكة علي أبو نعمه. 1 وهذا ما حدث إذ تعهدت الولايات المتحدة في السنة التالية بمنح إسرائيل 38 مليار دولار كمساعدات عسكرية على مدى 10 سنوات – وهي أكبر حزمة مساعدات عسكرية تمنحها الولايات المتحدة لإسرائيل، أو لأي دولة أخرى. 2

والآن بعد أن انسحبت إدارة ترامب من خطة العمل الشاملة المشتركة، وأعادت الولايات المتحدة فرض العقوبات على إيران، ماذا يعني هذا الانقلاب في الموقف بالنسبة إلى الفلسطينيين؟ تبحث ديانا بطو وأسامة خليل ومعين رباني في التقارب بين إسرائيل والولايات المتحدة ودول الخليج – المجتمعين على العداء مع إيران – وكيف ينجم عن هذا التقارب إجراءات أمريكية تضر الفلسطينيين، ويتناولون تداعيات هذه التطورات على العلاقات بين حماس وإيران، وماذا يمكن للفلسطينيين أن يفعلوا لتحدي القوى المصطفة ضدهم.

أسامة خليل

تجلّت المنافع الأمريكية لإسرائيل قبل انسحاب الولايات المتحدة من خطة العمل الشاملة المشتركة، ولا سيما في قرار ترامب بشأن القدس. ويبدو أن مستوى التنسيق ووجهات النظر المشتركة بين إدارة ترامب وحكومة نتنياهو يفوق مستوى العلاقات الودودة التي ربطت جورج بوش الابن بأرييل شارون. وفي الوقت ذاته، ينسجم إعلان ترامب بشأن القدس والنمط التاريخي العام المتمثل في المحاولات الأمريكية الرامية لفرض حلٍ على الفلسطينيين، ويبدو أنه يحظى بدعم السعودية والإمارات العربية المتحدة. ويبدو أيضًا أن خطة ترامب النهائية للسلام سوف تعتمد جزئيًا على السعودية والإمارات ودول عربية أخرى كي تضغط على محمود عباس والقيادة الفلسطينية لقبول مقترحٍ يقل بكثير عن الحد الأدنى لمطالبهم. سوف تتوجه واشنطن باللوم إلى الفلسطينيين مجددًا على عدم اغتنام الفرصة، وسوف تشيطن القيادة الفلسطينية وتدعو إلى تغييرها. وقد بدأ هذا بالفعل، وتجلى مجددًا في مقابلة جاريد كوشنر، صهر الرئيس ومستشاره، مع صحيفة القدس.

استعدَّ عباس لهذا بعقد اجتماع للمجلس الوطني الفلسطيني في نيسان/أبريل. وكان أعضاء المجلس ممن انتقاهم عباس من المحسوبين على حركة فتح. وبالرغم من أن الاجتماع كان يهدف لإعطاء عباس شرعيةً في وقتٍ تضاءلَ فيه الدعمُ المحلي والدولي له، إلا أنه عاد عليه بنتائج عكسية، حيث أظهر عباس مدى عجزه وعجز القيادة الفلسطينية.

تظل فلسطين والفلسطينيون العائقَ الأكبر أمام قيام علاقات مفتوحة وودية بين إسرائيل ودول الخليج العربي. ومع أن دول الخليج تعترض في العلن على الاحتلال والقمع الإسرائيلي المستمر وعلى عدم رغبة إسرائيل في التوصل إلى اتفاقٍ من شأنه أن يُفضي إلى قيام دولةٍ فلسطينية، فإن حِدة اعتراضاتها أخذت تخبو، وما عاد دعمُها لحق الفلسطينيين في تقرير المصير من الأولويات. بل إن دول الخليج أخذت تركز على استدامة حكمها، وعلى الحد من النفوذ الإيراني سواء الفعلي أو المتصوَّر.

السلطة الفلسطينية عرضةٌ للضغوط من الحكومات العربية وإسرائيل والولايات المتحدة لأن بقاءها يعتمد على المساعدات. فضلًا على أن حكم السلطة الفلسطينية الاستبدادي يتماشى ونُظم الحكم في دول عربية أخرى. فالسلطة الفلسطينية لا تبتغي من إجراءاتها القمعية ضد منتقديها رِضا إسرائيل والولايات المتحدة وحسب، رغم أهميته، وإنما تبتغي ضمان الهيمنة المستمرة لقيادة عديمة المصداقية تستديم حُكمَها بالمحسوبية والتخويف والإيحاء بغياب البدائل. ومع تدهور صحة عباس، فإن خليفته المنتظر سيأتي على الأرجح من رحم الأجهزة الأمنية المعتمدة من إسرائيل والولايات المتحدة. وقد وردت تقارير بالفعل تفيد بأن ممثلين من الأجهزة الأمنية الفلسطينية عقدوا اجتماعات مع نظراء إسرائيليين وعرب تحضيرًا لإعلان خطة ترامب. وهكذا، يمكن للفلسطينيين أن يتوقعوا قمعًا أكثر من السلطة الفلسطينية التي تتحين الفرص كي تتملق لإدارة ترامب وإسرائيل والدول العربية.

سحب الاستثمارات من الوقود الأحفوري هو أحد الطرق الممكنة لتحدي الولايات المتحدة وحلفائها في المنطقة Click To Tweet

الموقف صعب بالنسبة لحماس. فعلى الرغم من أنها لا تزال تتولى زمام السلطة في غزة، إلا أنها غدت أضعف إقليميًا مقارنةً بأي وقت مضى، فهي عاجزةٌ عن كسر الحصار الإسرائيلي على غزة أو تحسين موقفها الإقليمي والدولي، فضلًا على توتر علاقاتها بإيران وسوريا، وارتباطها بمصر بعلاقة مصلحة هشة، وتراجع علاقتها بقطر، بالرغم من الدعم التركي المحدود الذي تحظى به الحركة. وفي الوقت نفسه، لا تنفك الولايات المتحدة وإسرائيل تصوران حماس كذراع للنفوذ الإيراني في المنطقة. ويساهم محمود عباس وحركة فتح في ترسيخ هذه الصورة.

ومع أن عباس تفاوضَ مع حماس وأبرمَ اتفاقات متعددة لتحقيق الوحدة الوطنية، إلا أنه لا ينوي تطبيقها دون استسلام الحركة بالكامل. ولا يبدو أن عباس ومستشاريه يكترثون بمعاناة الفلسطينيين في غزة بسبب سياساتهم، فهم يأملون منذ أكثر من عقد أن تتدهور الأوضاع في غزة إلى حدٍ لا يُطاق حتى تدفعَ الأهالي للإطاحة بحماس في نهاية المطاف. وفي الوقت نفسه، يصف محمود عباس وأجهزة الأمن التابعة للسلطة الفلسطينية المنتقدين لحكمهم المستبد بأنهم مُوالون لحماس. حتى إنهم باتوا يطلقون هذا الوصف على المتظاهرين دعمًا للفلسطينيين في غزة، كما حصل مؤخرًا في رام الله، حيث فرَّقت قوات أمن السلطة الفلسطينية وشبيحة فتح مظاهرةً احتجاجية في حزيران/يونيو بالعنف والتخويف والتحرش الجنسي. ومع انسحاب الولايات المتحدة من خطة العمل الشاملة المشتركة، يُتوَقع أن تستمر هذه التوجهات.

وكما في اليمن وغزة، تنظر واشنطن وحلفاؤها إلى سوريا كساحةٍ أخرى لكبح النفوذ الإيراني، المتصوَّر والحقيقي. وفي الوقت الحاضر، يتفوق نظام بشار الأسد على المعارضة التي أخذت رقعة سيطرتها تتضاءل وأخذ الدعم الذي تحظى به من القوى الخارجية يتناقص، حيث استعاد النظام وحلفاؤه معظم المناطق التي كانت تحت سيطرة المعارضة في جنوب سوريا، ولربما تكون إدلب وجهتهم الجديدة. وفي الوقت نفسه، تحرص الولايات المتحدة وإسرائيل وتركيا ودول الخليج العربي على أن تبقى سوريا منقسمة وغير مستقرة. وكما يتجلى في دمار مخيم اليرموك للاجئين، يعكس الفلسطينيون السوريون حالة التشتت السياسي والجغرافي في سوريا.

توفر المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات فرصًا لتحدي سياسات الولايات المتحدة وحلفائها في المنطقة. ومنها التركيز على أن تسحب صناديق التقاعد الكبرى وكِبار المشغلين استثماراتهم من الوقود الأحفوري. وبالرغم من أن السعودية والإمارات تحاولان تنويع اقتصاديهما، إلا إنهما لا يزالان يعتمدان بشدة على عوائد النفط. وثمة جهود متضافرة تبذلها جامعات رائدة ومدن وولايات ومشغلون كِبار في الولايات المتحدة ودول أخرى 3 من أجل سحب استثماراتهم من تلك الأصول. وتشير الدراسات إلى أن سحب الاستثمارات من الوقود الأحفوري بموازاة الاستثمار في الطاقة المتجددة يمكن أن يترك أثرًا إيجابيًا على أداء المحافظ الاستثمارية. وهكذا يمكن للناشطين ومنظمات المجتمع المدني أن يوظفوا الحجة المالية والأخلاقية في الدعوة إلى سحب الاستثمارات.

تستفيد الولايات المتحدة من إعادة تدوير عائدات النفط، ولا سيما من خلال بيع الأسلحة لأنظمة الخليج العربي المستبدة. إن تركيز جهود سحب الاستثمارات على الشركات العسكرية الكبرى، ولا سيما التي استُخدمت أسلحتها في المنطقة، يمكن أن يبين آثار سياسات وأفعال الولايات المتحدة وحلفائها في المنطقة وكذلك تواطؤ المستثمرين في انتهاكات حقوق الإنسان الجسيمة. ويكتسب هذا التوجه أهميةً خاصة لأن كثيرًا من صناديق التقاعد وكبار المستثمرين يطبقون سياسات ومبادئ توجيهية مؤسسية واستثمارية مسؤولة.

إن من شأن هذه التحركات أن تنصهر مع جهود المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات المبذولة في الوقت الراهن والتي تركز على سحب الاستثمارات من الشركات التي تتربح من الاحتلال الإسرائيلي. ويمكن التوسع في هذا الصدد من خلال التأكيد على المصالح والسياسات المشتركة بين إدارة ترامب وحكومة نتنياهو وأنظمة الخليج المستبدة.

ديانا بطو

إن من الأهمية بمكان أن نُبرز استفادةَ إسرائيل من خطة العمل الشاملة المشتركة واستفادتها من انسحاب الولايات المتحدة منها أيضًا. ومن الأهمية بمكان كذلك أن نؤكدَ أن إسرائيلَ ماضيةٌ في التهرب من نزع الأسلحة النووية بمواصلة برنامجها النووي السري، حيث تشير بعض التقديرات إلى امتلاك إسرائيل ما بين 80 و400 رأس نووية ولكنها لم ترضخ قط للمفتشين ولم تعلن حتى عن أسلحتها النووية رغم التهديد الحقيقي الذي تفرضه على الفلسطينيين والبلدان المجاورة. فلا بد إذن من إبراز ازدواجية المعايير في التعامل مع إسرائيل وإيران، وإبراز الفوائد التي تجنيها إسرائيل رغم صدِّها المفتشين.

وفي الوقت نفسه، تنتهج إسرائيل تجاه إيران الاستراتيجيةَ نفسها التي تنتهجها إزاء الفلسطينيين. تُحدِث جلبة إسرائيل وصخبًا وتطالب بإيقاع عقوبات صارمة بموازاة إمدادها بمساعدات أو أسلحة، وبعد حصولها على التعويض، تدفع باتجاه إلغاء أي اتفاق مُبرم أو الحصول على المزيد من المساعدات والسلاح. ومع انسحاب الولايات المتحدة من خطة العمل الشاملة المشتركة، تواصل إسرائيل المطالبة بالمزيد من المساعدات والأسلحة الأمريكية، وتستمر في الوقت نفسه في ربط حماس بإيران لتضمن الحرية المطلقة في إدامة الحصار على غزة والمطالبة بفرض عقوبات إضافية على الفلسطينيين مقابل امتناعها عن مهاجمة إيران. ولا شك في أن النظام الأمريكي الحالي سوف ينصاع لهذه المطالب إذا ما نظرنا إلى العلاقة الوثيقة التي تربط ترامب بشيلدون أديلسون، الذي لم يقتصر دعمه على تمويل برنامج "حق المولد" (Birthright)، وإنشاء جامعة إسرائيلية في مستوطنة غير شرعية، وصحيفة هيوم الإسرائيلية اليمينية، بل تعداه إلى تمويل حملة ترامب، وكان أديلسون قد أعرب عن خيبة أمله لأن ترامب لم ينقل السفارة في وقت أبكر. وهذا يعني أن إسرائيل سوف تواصل بناء المستوطنات وتوسيعها في الضفة الغربية بينما تدفع باتجاه تشديد الحصار على غزة بذريعة محاربة إيران.

استفادت إسرائيلُ من إبرام الاتفاق النووي مع إيران واستفادت أيضًا من انسحاب الولايات المتحدة منه Click To Tweet

لا يمكن التعويل على المساعدة المقدمة من الدول العربية المجاورة، فدعم العرب لفلسطين هو دعمٌ مشروط منذ عقود. فضلًا على أن بعض البلدان مثل السعودية والإمارات لم تدعم حرية الفلسطينيين منذ سنوات إلا بالقول فقط. وهذه البلدان، كغيرها حول العالم، تنقاد لمصالحها الضيقة وليس للمصالح الإقليمية الأوسع. وهذا يعني أن خوفها من برنامج إيران النووي يدفعها طواعيةً للاصطفاف مع إسرائيل، مِصداقًا للقول المأثور "عدو عدوي صديقي." غير أن تلك البلدان قصيرة النظر، فبالرغم من دفء العلاقات الأردنية الإسرائيلية مقارنةً بعلاقات الدول العربية الأخرى بإسرائيل، إلا أن ذلك لم يمنع إسرائيل من قتل مواطنين أردنيين والإفلات من العقوبة، ولم يمنعها من سرقة الموارد الأردنية. فهي مسألة وقتٍ ليس إلا قبل أن تنقلب إسرائيل مجددًا على هذه الدول.

إن العلاقات الدافئة بين إسرائيل ودول الخليج قد تُترجم إلى ضغطٍ متزايد على الفلسطينيين لحملهم على قبول "الصفقة" الأمريكية المقترحة بغض النظر عن ماهيتها. لقد كان يُنظر إلى الفلسطينيين في الماضي على أنهم المفتاح لتطبيع العلاقات بين إسرائيل والعالم العربي. أمّا اليوم، فإن إدارة ترامب تنظر إلى الأمور من منظور مختلف، حيث ترى أن إرضاخ الفلسطينيين سيكون على يد العرب. وانطلاقًا من هذا المنطق، سوف تستمر إدارة ترامب بممارسة الضغط على إيران لإرضاء إسرائيل ودول الخليج مقابل أن تمارس دول الخليج ضغوطًا على الفلسطينيين. وفي هذا قُصر نظر أيضًا لأن الفلسطينيين لن يدعموا أي زعيم يُقدم تنازلات كُبرى على حساب حقوقهم، وستكون مسألةَ وقت فقط قبل أن يطال المدُّ الثوري هؤلاء الزعماء أيضًا.

معين رباني

وضعت إسرائيل انسحابَ الولايات المتحدة من خطة العمل الشاملة المشتركة كهدفٍ استراتيجي منذ اللحظة التي أُبرم فيها الاتفاق، لذا فإن الانسحاب إنجازٌ إسرائيلي رئيسي يشدُّ عزيمتها إقليميًا ويعزز شعورها بالإفلات من العقاب في معاملتها الفلسطينيين. ومن الملاحظ بأن قرار الانسحاب الأمريكي صاحبه قرارات أخرى مثل الاعتراف الأمريكي بسيادة إسرائيل على القدس، ونقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس، والهجمة الأمريكية على الأونروا، وانسحاب الولايات المتحدة من مجلس حقوق الإنسان. وهذه قرارات اهتدت إليها الولايات المتحدة ونفذتها كإجراءات لتعزيز موقف إسرائيل في إطار علاقتها بالفلسطينيين. وبعبارة أخرى، نحن نتعامل مع إدارة أمريكية لا تكتفي بالانحياز الكامل لإسرائيل كسابقاتها، وإنما تنحاز باطراد لصف القوى الأكثر تطرفًا في إسرائيل فيما يتعلق بالفلسطينيين والقضية الفلسطينية عمومًا.

وعلى هذا الأساس، فإن المسألة ليست التداعيات التي تطال الفلسطينيين جراء نبذ الولايات المتحدة التزاماتها القانونية الدولية بموجب خطة العمل الشاملة المشتركة، بقدر ما تتمثل في أن هذا القرار يعكس تحركًا أمريكيًا أوسع للانحياز أكثر للسياسة الإسرائيلية. فما نشهده هو تغيرٌ في السياسة الأمريكية وتحولها من محامٍ ومدافع شرس عن السياسة الإسرائيلية إلى مُنفذ لهذه السياسة، بما فيها ما يتعلق بالفلسطينيين. وإذا أراد المجتمع المدني الفلسطيني أن يساهم مساهمةً مُجدية في مقاومة هذه التطورات، فينبغي له التركيز في المقام الأول على إحياء الحركة الوطنية الفلسطينية.

يبدو من الواضح أن الولايات المتحدة عازمة على مواصلة سياسات المواجهة مع إيران، على المستوى الإقليمي وعلى مستوى تغيير النظام في طهران. وهكذا فإن الإدانة الدائمة لحركتي حماس والجهاد الإسلامي والفلسطينيين عمومًا باعتبارهم أذرعًا إيرانية، كما جرت العادة أثناء الحرب الباردة على استبعاد منظمة التحرير الفلسطينية باعتبارها ذراعًا سوفييتية، توحي بأن الولايات المتحدة تنظر إلى حرب إسرائيل على الفلسطينيين كمساهمةٍ في حملتها ضد طهران. وقد لمسنا هذا في خطابات الممثلة الدائمة للولايات المتحدة في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، نيكي هايلي، وفي ما قاله جاريد كوشنر عن الفلسطينيين الذين قضوا في مسيرات العودة في غزة على سبيل الاستنكار والتقريع بأنهم "جزء من المشكلة". وهكذا لنا أن نتوقع إفلاتًا أكثر لإسرائيل من العقاب في إطار معاملتها الفلسطينيين.

لقد شهدت العلاقة بين حماس وإيران تدهورًا بعد أن قطعت القيادة الحمساوية علاقة الحركة بنظام بشار الأسد وانتقلت إلى قطر في 2012، وأخذت إيران تركز في المقام الأول على دعم حركة الجهاد الإسلامي. ثم بدأت العلاقات بالتحسن مجددًا مع صعود قيادة حماس الحالية، ولا سيما يحيى السنوار، الذي يرى أن حماس لا تستطيع أن تحصر علاقاتها الإقليمية بقطر وتركيا، ولذا فإنها تسعى إلى تنويع علاقاتها ليس بمد يدها إلى إيران وحسب وإنما إلى مصر وغيرها. وقد شعرت قيادة حماس الجديدة أيضًا بأهمية إصلاح العلاقات مع طهران لأن إيران وحزب الله هما مصدرها الرئيسي للدعم العسكري (وهو دعم لم تحصل عليه من قطر ولا من تركيا، في وقت قيَّد فيه نظام عبد الفتاح السيسي في مصر قدرة الحركة بشدة على تهريب الأسلحة إلى قطاع غزة عبر شبه جزيرة سيناء).

أدركت إيران، بالرغم من الوفاق الذي يربطها بحركة الجهاد الإسلامي، أن حماس تظل حركةً أكبر وأشد تأثيرًا Click To Tweet

تدرك إيران أن حماس تظل حركةً أكبر وأكثر تأثيرًا من حركة الجهاد الإسلامي رغم الذي يربطها من وِفاق أكبر مع هذه الأخيرة. لذا أخذت علاقة إيران بحماس تتحسن بالفعل لأسبابٍ لا تتصل بانسحاب الولايات المتحدة من خطة العمل الشاملة المشتركة. وستتعزز هذه العلاقة أكثر بسبب إقدام إدارة ترامب على محاصرة إيران والفلسطينيين، وتعاظم احتمالات اندلاع صراع جديد.

لا شك في أن الأنظمة العربية تود لو تتحرر من القضية الفلسطينية حتى تتخلص مما بقي من عوائق تمنع تحالفها مع إسرائيل على أساس تفاهم مشترك مفاده أن إسرائيل حليفةٌ وليست عدوة، وأن إيران خطرٌ وجودي وليست جارة. غير أن إدراك هذه الأمنية صعب ولا سيما بالنسبة للسعودية ذات الكثافة السكانية الأعلى بين دول الخليج. فما تزال فلسطين قضيةً مركزية عند الرأي العام حتى في ظل ظروف الاضطراب والاستقطاب الإقليمي الحالية، وتستطيع بالتالي أن تؤثر في شرعية الأنظمة المعنية، ولا سيما وهي تجابه بالفعل معارضةً من داخل النخبة كما في السعودية. لا أحد ينكر أن العلاقات بين هذه الدول وإسرائيل قد تطورت كثيرًا في السنوات الماضية، وأن هذا كلَّف الفلسطينيين غاليًا. ومع أنه من السهل جدًا أن نستنكر على مستبدي الخليج تعاونَهم مع إسرائيل – بالرغم من صحة هذا الطرح، إلا أن غياب القيادة الفلسطينية الموحدة القادرة والراغبة في التأثير في الساحة العربية هو جزءٌ أساسي من هذه المعادلة.

لقد نجمَ عن الصراع السوري ترتيبٌ مثير داخل النظام السياسي الفلسطيني. فحماس التي ارتبطت بعلاقة وثيقة مع نظام الأسد رغم انتمائها لحركة الإخوان المسلمين، قاطعت دمشق، بينما تحسنت العلاقة كثيرًا بين النظام السوري وحركة فتح التي ظلت لعقود خلت إمّا على خلاف مع دمشق أو في صراع مفتوح معها.

لقد عادَ الصراع السوري وما رافقه من استقطاب إقليمي بنتائجَ سياسيةٍ كارثية على الفلسطينيين عمومًا. فقد باتت القضية الفلسطينية في أحسن الأحوال شاغلًا ثانويًا في السنوات القليلة الماضية بالنسبة لكافة الأطراف الإقليمية والدولية تقريبًا المنخرطة في الصراع السوري بأبعاده المختلفة. ويمكن للمرء أن يقول إن المقاربة العربية الموعودة الجديدة والأكثر فاعلية تجاه القضية الفلسطينية، والتي انتظرها الكثيرون عقب الثورتين التونسية والمصرية، قد وُئدت على أرض سوريا في مهدها.

وبالإضافة إلى الطامة السياسية التي جلبها الصراع السوري على الفلسطينيين، جلب أيضًا كارثةً إنسانية للجالية الفلسطينية في سوريا. فقد تدمرت مخيمات وأحياء فلسطينية عن بكرة أبيها، وواجه الفلسطينيون عديمو الجنسية المقيمون في سوريا صعوبات أكبر في الفرار من الصراع الدائر في حالات كثيرة مقارنةً بما واجهه المواطنون السوريون. ويمكن القول إن سوريا هي البلد الوحيد التي ظلت منذ 1948 تمنح اللاجئين الفلسطينيين المقيمين على أرضها الحقوق والمزايا نفسها الممنوحة للمواطنين. وهكذا فإن دمارها مأساوي، ليس بالنسبة إلى السوريين وحسب، بل بالنسبة إلى الفلسطينيين أيضًا.

ملاحظات:

  1. وقّعت إيران والاتحاد الأوروبي والدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن بالإضافة إلى ألمانيا خطةَ العمل الشاملة المشتركة في 2015 بهدف التحقق من سلمية برنامج إيران النووي ورفع العقوبات الأمريكية والدولية تدريجيًا عن إيران. نشرت الشبكة آنذاك حلقةً نقاشية تناولت تداعيات الاتفاق على الفلسطينيين، وشارك فيها علي أبو نعمه وديانا بطو ومعين رباني.
  2. لقراءة هذا النص باللغة الفرنسية، اضغط/ي هنا. تسعد الشبكة لتوفر هذه الترجمات وتشكر مدافعي حقوق الإنسان على هذا الجهد الدؤوب، وتؤكد على عدم مسؤوليتها عن أي اختلافات في المعنى في النص المترجم عن النص الأصلي.
  3. Attracta Mooney, "Growing number of pension funds divest from fossil fuels," Financial Times, April 27, 2017;
    Frank Eltman, "NYC looks to divest pension funds of fossil fuels," Associated Press, January 10, 2018.